الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » محاسن الإسلام » آداب الأكل والشرب

آداب الأكل والشرب

 

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديَ له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: 

فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾( )، وقال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾( ). فالأكل والشرب من المباحات، التي ترتقي في جوانب كثيرة إلى الواجبات، وقد وضعت الشريعة الإسلامية للأكل والشرب آدابا، نذكرها فيما يلي: 

النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة:

جاءت الأحاديث بالوعيد الشديد لمن شرب في آنية الذهب والفضة، أو أكل في صحافهما. فعن حذيفة  قال: سمعت النبي  يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة»( )، وعن أم سلمة زوج النبي ، أن رسول الله  قال: «الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر( ) في بطنه نار جهنم»( ).

وأجمع العلماء على أنه لا يجوز الشرب بها ( )، وليس ثمة نصٌّ في علة هذا الحكم، والمسلم إذا جاءه الدليل من الكتاب أو من السنة الصحيحة، لا ينبغي له أن يتعداه قيد أنملة، ولا يتكلف التأويل ليستسيغ الفعل.

وقد تطرق بعض أهل العلم لحكمة هذا النهي واختلفوا فيه، فمن هذه العلل: التشبه بالجبابرة وملوك الأعاجم، والسرف والخيلاء، وأذى الصالحين والفقراء الذين لا يجدون من ذلك ما بهم الحاجة إليه. قاله ابن عبد البر ( ).

فائدة: قال الإسماعيلي: قوله: «ولكم في الآخرة» [في رواية] أي: تستعملونه مكافأة لكم على تركه في الدنيا، ويمنعه أولئك جزاء لهم على معصيتهم باستعماله. قلت [أي: ابن حجر]: ويحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن الذي يتعاطى ذلك في الدنيا لا يتعاطاه في الآخرة كما تقدم في شرب الخمر( ).

النهي عن الأكل متكئاً، أو منبطحاً على وجهه:

روى أبو جحيفة  أنه قال: كنت عند رسول الله  فقال لرجل عنده: «لا آكُلُ وأنا متكئٌ»( )، قال ابن حجر: «اختلف في صفة الاتكاء فقيل: أن يتمكن من الجلوس للأكل على أي صفة كان، وقيل أن يميل على أحد شقيه، وقيل أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض، قال الخطابي: تحسب العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد شقيه، وليس كذلك بل هو المعتمد على الوطاء الذي تحته.

وقال ابن حجر: وإذا ثبت كونه مكروهاً أو خلاف الأولى فالمستحب في صفة الجلوس للآكل أن يكون جاثياً على ركبتيه وظهور قدميه، أو ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى»( ).

ووجه الكراهة في ذلك أن هذه الهيئة من فعل الجبابرة وملوك العجم، وهي جلسة من يريد الإكثار من الطعام( ).

والهيئة الثانية هي أكل الرجل وهو منبطح على بطنه: فمن حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: نهى رسول الله  عن مطعمين؛ عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن يأكل وهو منبطح على بطنه ( ).

فائدة: هديه  في هيئة الجلوس للأكل: أنه كان يأكل وهو مقعٍٍ، ويُذكر عنه أنه كان يجلس للأكل متوركاً على ركبتيه، ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى تواضعاً لربه ، قاله ابن القيم( ).

فأما الأولى: فقد روى أنس بن مالك  أنه قال: رأيت النبي  مقعيًا( ) يأكل تمرًا( ).

وأما الثانية: فعن عبد الله بن بُسرٍ  قال: أهديت للنبي  شاةً فجثا رسول الله  على ركبتيه يأكل فقال أعرابيٌ ما هذه الجلسة؟ فقال: «إن الله جعلني عبدًا كريمًا ولم يجعلني جبارًا عنيدًا»( ).

تقديم الأكل على الصلاة عند حضور الطعام:

وفيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي  قال: «إذا وُضِعَ عَشَاءُ أحدِكم وأقيمتِ الصلاةُ فابدءوا بالعشاءِ ولا يَعْجَلْ حتى يفْرُغَ منه»( ). وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قُدم له عشاؤه وحضرت الصلاة لا يقوم حتى يفرغ منه. روى الإمام أحمد في مسنده: عن نافع أن ابن عمر كان أحياناً يبعثه وهو صائم فيُقدم له عشاؤه وقد نودي صلاةُ المغرب ثم تُقام وهو يسمع فلا يترك عشاءهُ حتى يقضي عشاءه ثم يخرج فيصلي. قال: وقد كان يقول: قال نبي الله : «لا تعجلوا عن عشائكم إذا قُدم إليكم»( ).

والعلة في ذلك؛ لئلا يقوم المرء ونفسه تتوق إلى الطعام فيحصل له من التشويش الذي يذهب معه خشوعه. قال ابن حجر ( ): روى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة بإسناد حسن عن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم: أنهما كانا يأكلان طعاماً وفي التنور شواء، فأراد المؤذن أن يقيم، فقال هل ابن عباس: لا تعجل لئلا نقوم وفي أنفسنا منه شيء، وفي رواية ابن أبي شيبة: «لئلا يعرض لنا في صلاتنا»( ).

وليس هذا الأمرُ خاصًّا بالعشاء وحده، إنما هو في كل طعام تتشوف النفس إليه، ويؤيد ذلك نهي النبي  عن الصلاة بحضرة الطعام، وعند مدافعة الأخبثين، والعلة ظاهرة. فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله  يقول: «لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان»( ).

فائدة: قال بعض العلماء: من حضر طعامه ثم أقيمت الصلاة، فإنه ينبغي عليه أن يأكل لقيمات يكسر بها سورة الجوع. ورد ذلك النووي فقال: وقوله : «ولا يعجلن حتى يفرغ منه»( )، دليل على أنه يأكل حاجته من الأكل بكماله، وهذا هو الصواب، وأما ما تأوله بعض أصحابنا على أنه يأكل لقماً يكسر بها شدة الجوع فليس بصحيح وهذا الحديث صريحٌ في إبطاله( ).

مسألة: إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة، فهل يجب الأكل منه للظاهر الحديث، أم أن ذلك على الاستحباب؟

الجواب: فعل ابن عمر رضي الله عنهما في رواية أحمد وغيره، يدل على تقديم الأكل مطلقاً، ومن أهل العلم من قيد ذلك بتعلق النفس وتشوفها إلى الطعام، فإن كانت نفسه تتوق إلى الطعام فإن الأولى في حقه أن يصيب منه حتى يقبل على صلاته وهو خاشع، ومن ذلك قول أبي الدرداء  من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يُقبل على صلاته وقلبه فارغ( ).

والمختار من ذلك ما ذكره الحافظ ابن حجر- فإنه بعد أن ساق أثر ابن عباس رضي الله عنهما، وأثر الحسن ابن علي رضي الله عنهما: «العشاء قبل الصلاة يذهب النفس اللوامة» قال: وفي هذا كله إشارة إلى أن العلة في ذلك تشوف النفس إلى الطعام، فينبغي أن يدار الحكم مع علته وجوداً وعدماً ولا يتقيد بكل أو بعض ( ). 

غسل اليدين قبل الطعام وبعده:

لم أقف على سنة صحيحة مرفوعة إلى النبي  يعول عليها في غسل اليدين قبل الطعام، ولكن قال البيهقي رحمه الله: الحديث في غسل اليدين بعد الطعام حسنٌ، ولم يثبت في غسل اليدين قبل الطعام حديث ( ).

ولكن يُستحب ذلك لإزالة ما قد يعلق بها من الأوساخ ونحوه التي تضر بالبدن، وللإمام أحمد رحمه الله في ذلك روايتان، كراهة واستحباب.

وفصَّل الإمام مالك رحمه الله وقيد الغسل قبل الطعام بوجود القذر، وصنيع ابن مفلح في آدابه يدل على أنه يذهب إلى استحباب غسلهما قبل الطعام، وعليه جماعة من أهل العلم( ).

وأما غسل اليدين بعد الطعام، فقد رويت في ذلك آثارٌ صحيحة، فمنها: ما رواه أبو هريرة  أنه قال: قال رسول الله : «من نام وفي يده غَمَرٌ( ) ولم يغسله فأصابه شيءٌ فلا يلومن إلا نفسه»( ).

وعن أبي هريرة : أن رسول الله  أكل كتف شاةِ فمضمض وغسل يديه وصلى( )، وعن أبان بن عثمان أن عثمان بن عفان  أكل خبزاً ولحماً ثم مضمض وغسل يديه ومسح بهما وجهه ثم صلى ولم يتوضأ( ).

فائدة: استحب بعض أهل العلم الوضوء الشرعي قبل الطعام لمن كان جُنباً، وفي ذلك حديث وأثر.

أما الحديث، فعن عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله  إذا كان جنباً فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة ( )، وعند أحمد مرفوعا أنه ، قال: «إذا أراد أحدكم أن ينام وهو جُنُبُ فليتوضأ وضوءَه للصلاة» ( ).

وأما الأثر فعن نافع: أن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا أراد أن ينام أو يطعم وهو جنبٌ غسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه ثم طعم أو نام ( ). قال الشيخ تقي الدين [ ابن تيمية ] رحمه الله: «ولم نعلم أحداً استحب الوضوء للأكل إلا إذا كان الرجل جُنباً»اهـ ( ).

تنبيه: استدل المحدث الألباني، بحديث عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله  إذا أراد أن ينام وهو جنبٌ توضأ، وإذا أراد أن يأكل غسل يديه ( )، على مشروعية غسل اليدين قبل الطعام على الإطلاق لهذا الحديث  ( ). 

ولكن في إطلاقه نظر لأمور:

أولها: أن الحديث كان لبيان فعل النبي  حال الجنابة من نوم وأكل وشرب.

وثانيها: أن بعض الروايات جاءت بلفظ الوضوء وبعضها جاءت بلفظ غسل اليدين لبيان جواز الفعلين؛ قال السندي في حاشيته: قوله: «غسل يديه»، أي أحياناً يقتصر على ذلك لبيان الجواز، وأحياناً يتوضأ لتكميل الحال. اهـ ( ). 

وثالثها: أن الأئمة والمحدثين كمالك وأحمد وابن تيمية والنسائي -رحمهم الله- ( ) وغيرهم – وقد نقلنا كلامهم – لم يذهبوا إلى إطلاق الحديث كما أطلقه العلامة الألباني رحمه الله مع روايتهم لهذا الحديث.

مما يدل على أن هذا الأمر عندهم يحمل حال الجنابة، فيبقى الوضوء وغسل اليدين قبل الأكل في هذا الحديث مقيداً في حال الجنابة. 

التسمية في ابتداء الأكل والشرب، وحمد الله تعالى بعدهما:

أولا: التسمية في ابتداء الأكل:

من السنة أن يسمي الآكل قبل أكل طعامه، ويحمد الله تعالى بعد الفراغ منه. قال ابن القيم رحمه الله: «وللتسمية في أول الطعام والشراب، وحمد الله في آخره تأثيرٌ عجيب في نفعه واستمرائه، ودفع مضرته. قال الإمام أحمد: إذا جمع الطعام أربعاً فقد كمل: إذا ذُكر اسم الله في أوله، وحُمد الله في آخره، وكثرت عليه الأيدي، وكان من حِل( ).

وفائدة التسمية قبل الطعام أنه يحرم الشيطان من المشاركة في الأكل والإصابة منه. فعن حذيفة  قال: كنا إذا حضرنا مع النبي صلى الله عليهم وسلم لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله  فيضع يده، وإنا حضرنا معه مرة طعامًا فجاءت جارية كأنها تُدفع فذهبت لتضع يدها في الطعام فأخذ رسول الله  بيدها؛ ثم جاء أعرابي كأنما يُدفع فأخذ بيده. 

فقال رسول الله : «إن الشيطان يستحلُّ الطعام أن لا يُذكر اسم الله عليه وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها، فأخذت بيدها. فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به، فأخذت بيده. والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يدها»( ).

ولفظ التسمية أن يقول الآكل: «بسم الله»، عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: كنتُ غلاماً في حجر رسول الله ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله : «يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك. فما زالت تلك طِعمتي بعد»( ).

واختار النووي في أذكاره أن الأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال: بسم الله كفاه وحصلت السنة ( ). 

ورده ابن حجر بقوله: فلم أر لما ادعاه من الأفضلية دليلاً خاصاً ( )، قلت: وغالب النصوص جاءت بلفظ (سَمِّ الله) ونحو ذلك، دون زيادة (الرحمن الرحيم)، بل جاء التصريح بلفظ التسمية عند الطبراني- دون زيادة (الرحمن الرحيم)- من حديث عمرو بن أبي سلمة قال: قال رسول الله : «يا غلام إذا أكلت فقل: بسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»( ). 

وإذا نسي الآكل أن يسمِّي الله قبل الطعام، ثم ذكر في أثنائه فإنه يقول: «بسم الله أوله وآخره»، أو «بسم الله في أوله وآخره». عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله  قال: «إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسى أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: بسم الله أوله وآخره»( ).

ثانيا: الحمد بعد الفراغ من الأكل:

 ففي حمد الله سبحانه وتعالى بعد الفراغ من الطعام فضل عظيم، إذا فيه العودة إلى الله سبحانه وتعالى بالحمد لأنه تفضل بنعمه على عباده، فقد روى أنس بن مالك  أن رسول الله  قال: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها» ( ).

وقد تعددت ألفاظ الحمد عنه  بعد الفراغ من طعامه وشرابه ومنها:

‌أ- «الحمد لله كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفيٍّ ولا مودَّعٍ ( ) ولا مستغنًى عنه ربنا» ( ).

‌ب- «الحمد لله الذي كفانا وأروانا غير مكفيٍّ ولا مكفور»( ).

‌ج- «الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة»( ).

‌د- «الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجاً»( ).

الأكل والشرب باليد اليمنى والنهي عن الشمال:

مر معنا قوله  لعمر بن أبي سلمة : «يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»( )، ومن حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله  قال: «لا تأكلوا بالشمال فإن الشيطان يأكل بالشمال» ( )، وفي حديث عمر : أن رسول الله  قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله»( ).

قال ابن الجوزي رحمه الله: «لما جُعلت الشمال للاستنجاء ومباشرة الأنجاس، واليُمنى لتناول الغذاء، لم يصلح استعمال أحدهما في شغل الأخرى، لأنه حطٌّ لرتبة ذي الرتبة، ورفع للمحطوط، فمن خالف ما اقتضته الحكمة وافق الشيطان»( ).

ومع أن الأحاديث في هذا مشهورة لا تكاد تخفى على عامة الناس، إلا أن بعض المسلمين -هداهم الله- لا زال متمسكاً بهذه الخصلة الذميمة، وهي الأكل والشرب باليد الشمال. وإذا قيل لهم في ذلك، قالوا: هذا أمرٌ أصبح لنا عادة ويصعب أن ننفك منه، ولعمر الله إن هذا من تزيين الشيطان لهم، وصدهم عن اتباع الشرع، وهو في الجملة دليلٌ على نقص الإيمان في قلوبهم؛ وإلا فما معنى مخالفة أمر الرسول  ونهيه!. وشرهم وأخبثهم من فعل ذلك تكبراً وتجبراً.

روى سلمة بن الأكوع  أن رجلاً أكل عند رسول الله  بشماله. فقال: «كل بيمينك». قال: لا أستطيع. قال: «لا استطعت» ما منعه إلا الكبرُ، فما رفعها إلى فيهِ ( ).

قال النووي رحمه الله: «وفي هذا الحديث: جواز الدعاء على من خالف الحكم الشرعي بلا عذر، وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل حال حتى في حال الأكل، واستحباب تعليم الآكل آداب الأكل إذا خالفه»( ).

فائدة: إذا هناك ثمَّ عذرٌ يمنع من الأكل باليد اليمنى كالمرض والجراحة ونحوهما، فلا حرج في الأكل بالشمال، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

الأكل مما يلي الآكل:

في إحدى روايات حديث عمر بن أبي سلمة، أنه قال أكلت يومًا مع رسول الله  فجعلتُ آخذ من لحمٍ حول الصحفة. فقال رسول الله : «كل مما يليك»( )، وعلة النهي في ذلك؛ لأن الأكل من موضع أيدي الناس فيه سوء أدب، وقد يتقذر الآكلون من هذا الفعل – وهو الغالب -.

استحباب الأكل من حوالي الصحفة، دون أعلاها:

وفيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي  قال: «إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن ليأكل من أسفلها فإن البركة تنزل من أعلاها»( )، ولفظ أحمد: «كلوا في القصعة من جوانبها، ولا تأكلوا من وسطها فإن البركة تنزل في وسطها»( ).

وخُص الوسط بنزول البركة، لأنه أعدل المواضع، وعلة النهي حتى لا يُحرم الآكل البركة التي تحِلُ في وسطه، وقد يُلحق به ما إذا كان الآكلون جماعة، فإن المتقدم منهم إلى وسط الطعام قبل حافته قد أساء الأدب معهم، واستأثر لنفسه بالطيب دونهم، والله أعلم( ).

استحباب الأكل بثلاثة أصابع ولعق اليد بعده:

من هديه  أنه كان يأكل بأصابعه الثلاث، وكان يلعق يده بعد الفراغ من طعامه. جاء ذلك في حديث كعب بن مالك عن أبيه أنه قال: «كان رسول الله  يأكل بثلاث أصابع ويلعق يده قبل أن يمسحها»( ).

قال ابن القيم رحمه الله: «فإن الأكل بأصبع أو أصبعين لا يستلذ به الآكل، ولا يمريه، ولا يشبعه إلا بعد طول، ولا تفرح آلات الطعام والمعدة بما ينالها في كل أكلة… والأكل بالخمسة والراحة يوجب ازدحام الطعام على الآته، وعلى المعدة، وربما انسدت الآلات فمات، وتُغصب الآلات على دفعه، والمعدة على احتماله، ولا يجد له لذة ولا استمراء، فأنفع الأكل أكله ، وأكل من اقتدى به بالأصابع الثلاث»( ). 

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي  قال: «إذا أكل أحدُكم طعاما فلا يمسح يدَه بِالْمِنْدِيلِ حتى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا»( ).

والعلة في ذلك مبينة في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن النبي  أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: «إنكم لا تدرون في أيِّهِ البركة»( )، وفي قوله : «لا تدرون في أيه البركة» معناه – والله أعلم – أن الطعام الذي يحضره الإنسان فيه بركة، ولا يدري أن تلك البركة فيما أكله أو فيما بقي على أصابعه أو فيما بقي في أسفل القصعة أو في اللقمة الساقطة، فينبغي أن يحافظ على هذا كله لتحصل البركة، وأصل البركة الزيادة وثبوت الخير والامتاع به، والمراد هنا والله أعلم ما يحصل به التغذيه وتسلم عاقبته من أذى ويقوى على طاعة الله وغير ذلك، قاله النووي( ).

استحباب رفع اللقمة عند سقوطها ومسح ما علق بها وأكلها:

وفيه حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : «إذا سقطت لُقْمَةُ أحدكم فَلْيُمِطْ ما بها من الأذى وَلْيَأْكُلْهَا ولا يدعْها للشيطانِ… الحديث»( )، وفي رواية: «إن الشيطان يحضُرُ أحدكم عند كل شيء من شأنه، حتى يحضرُه عند طعامه. فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان. فإذا فرغ فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أيِّ طعامه تكون البركة»( ).

النهي عن القران بين التمرتين:

وهذا النهي يتنزل على الجماعة لا الواحد. وفيه أحاديث صحيحة، منها: عن شعبة عن جبلة قال: كنا بالمدينة في بعض أهل العراق فأصابنا سنةٌ، فكان ابن الزبير يَرْزقنا التمر، فكان ابن عمر رضي الله عنهما يمر بنا فيقول: إن رسول الله : نهى عن الإقران، إلا أن يستأذن الرجل منكم أخاه( ).

قال ابن الجوزي رحمه الله في المشكل: فأما حكم الحديث فإن هذا إنما يكون في الجماعة، والعادة تناول تمرة واحدة، فإذا قرن الإنسان زاد على الجماعة واستأثر عليهم، فافتقر إلى الإذن. اهـ ( ). 

والنهي هنا إما للتحريم أو الكراهة وكلٌ قد قال به أهل العلم. وذهب النووي إلى التفصيل فقال: والصواب التفصيل، فإن كان الطعام مشتركاً بينهم فالقران حرام إلا برضاهم ويحصل الرضا بتصريحهم به أو بما يقوم مقام التصريح من قرينة حالٍ أو إدلال عليهم كلهم بحيث يعلم يقيناً أو ظناً قوياً أنهم يرضون به، ومتى شك في رضاهم فهو حرام، وإن كان الطعام لغيرهم أو لأحدهم اشترط رضاه وحده، فإن قرن بغير رضاه فحرام، ويستحب أن يستأذن الآكلين معه ولا يجب، وإن كان الطعام لنفسه وقد ضيفهم به فلا يحرم عليه القران، ثم إن كان في الطعام قلة فحسن أن لا يقرن لتساويهم، وإن كان كثيراً بحيث يفضل عنهم فلا بأس بقرانه، لكن الأدب مطلقاً التأدب في الأكل وترك الشره إلا أن يكون مستعجلاً ويريد الإسراع لشغل آخر ( ).

استحباب الأكل بعد ذهاب حرارته:

عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها كانت إذا ثردت( ) غطته شيئًا حتى يذهب فوره، ثم تقول: إني سمعت رسول الله  يقول: «إنه أعظم للبركة»( ).

وقال أبو هريرة : «لا يؤكل طعام حتى يذهب بخاره»( )، ولم يكن النبي  يأكل طعاماً في وقت شدة حراراته، قاله ابن القيم( ).

وأقرب المعاني للبركة هنا هو ما يحصل به التغذيه وتسلم عاقبته من أذى ويقوى على طاعة الله وغير ذلك، قاله النووي( ).

النهي عن عيب الطعام واحتقاره:

وفيه حديث أبي هريرة  قال: ما عاب رسول الله  طعاماً قط، كان إذا اشتهى شيئًا أكله، وإن كرهه تركه( ). وعيب الطعام كقولك: «مالح، قليل الملح، حامض، رقيق، غليظ، غير ناضج… ونحو ذلك»، قاله النووي( ).

كراهية التنفس في الإناء، والنفخ فيه:

من آداب الشرب، أن لا يتنفس الشارب في الإناء، ولا ينفخ فيه، وفي ذلك أحاديث صحيحة، فمنها: قوله  من حديث أبي قتادة : «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء… الحديث»( )، ومنها:

حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي : «نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه»( ).

والنهي عن التنفس في الإناء هو من طريق الأدب مخافة من تقذيره ونتنه وسقوط شيء من الفم والأنف فيه ونحو ذلك، قاله النووي ( ).

وأما النفخ في الشراب فإنه يُكسبه من فم النافخ رائحة كريهة يُعاف لأجلها، ولاسيما إن كان متغير الفم. وبالجملة: فأنفاس النافخ تخالطه، ولهذا جمع رسول الله  بين النهي عن التنفس في الإناء والنفخ فيه، قاله ابن القيم.. ( ).

استحباب التنفس في الإناء ثلاثاً، وإباحة الشرب دفعة واحدة:

وفيه حديث أنس بن مالك  قال: كان رسول الله  يتنفس في الشراب ثلاثاً ويقول: «إنه أروى وأبرأُ وأمرأُ»( )، قال أنس: فأنا أتنفس في الشراب ثلاثاً (5). والمراد بالتنفس في الشراب ثلاثًا، هو إبعاد الإناء عن فيِّ الشارب ثم التنفس خارجه، وإلا فالتنفس في الإناء منهيٌّ عنه.

ويباح الشرب دفعة واحدة ولا كراهة في ذلك، ويستدل لذلك بحديث أبي سعيد الخدري  أنه لما دخل على مروان بن الحكم قال له: أسمعت رسول الله  أنه نهى عن النفخ في الشراب؟ فقال له أبو سعيد: نعم. فقال له رجلٌ: يا رسول الله إني لا أروى من نفسٍ واحدٍ، فقال له رسول الله : «فأبِنْ القدح عن فيك ثم تنفس» قال: فإني أرى القذاة فيه؟ قال: فأهرقها( ).

استحباب كون ساقي القوم آخرهم شرباً:

والأصل في ذلك حديث قتادة  الطويل، قال: «…فجعل رسول الله  يصب وأسقيهم حتى ما بقي غيري وغير رسول الله . قال: ثم صب رسول الله  فقال: اشرب. فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله. قال: «إن ساقي القوم آخرهم شرباً». قال: فشربت وشرب رسول الله … الحديث»( ).

ودلالة هذا الحديث ظاهرة في أن من تولى سقاية قوم فإنه يقدمهم على نفسه ويكون هو آخرهم شرباً اقتداءً برسول الله .

استحباب الكلام على الطعام:

مخالفة للعجم فإنها من عاداتهم ( ) والمشابهة منهيٌّ عنها. قال ابن مفلح: قال إسحاق بن إبراهيم: تعشيت مرة أنا وأبو عبد الله [أحمد بن حنبل رحمه الله] وقرابة له، فجعلنا لا نتكلم وهو يأكل ويقول: الحمد لله وبسم الله، ثم قال: أكلٌ وحمدٌ خيرٌ من أكل وصمت. ولم أجد عن أحمد خلاف هذه الرواية صريحًا، ولم أجدها في كلام أكثر الأصحاب. والظاهر أن أحمد رحمه الله اتبع الأثر في ذلك؛ فإن من طريقته وعادته تحري الاتباع( ).

استحباب الاجتماع على الطعام:

من الآداب النبوية، اس

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*