الخميس , 30 أكتوبر 2014
جديد الموقع
الرئيسية » محاسن الإسلام » آداب الجوار

آداب الجوار

 

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:

إن الإسلام أوجب بين الناس التعاونَ والإحسانَ وحرّم الأذي والعدوانَ وأقام العلائقَ بين الخلائقِ على الحب والإخاء والتراحم والوفاء، ومن جملة تلك الحقوق العظيمة حقوق الجار التي أمر الله عز وجل بها رسوله صلى الله عليه وسلم، وحذر من إيذائه، فحقوق الجار قد عظم الله من شأنها وعظم من شأنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والموفَّق من وُفِّق للقيام بحقوق الجار، والمحرومُ من أخفقَ فيها.

تعريف الجار وحدُّه:

الجار: من يقرب مسكنه منك. 

حد الجوار: جاء عن علي رضى اللع عنه: «من سمع النداء فهو جار»، وقيل: «من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار»، وعن عائشة رضي الله عنها: «حد الجوار أربعون دارًا من كل جانب».

من صور الجوار:

يظن بعض الناس أن الجار هو فقط من جاوره في السكن، ولا ريب أن هذه الصورة هي واحدة من أعظم صور الجوار، لكن لا شك أن هناك صورًا أخرى تدخل في مفهوم الجوار، فهناك الجار في العمل، والسوق، والمزرعة، ومقعد الدراسة،… وغير ذلك من صور الجوار. 

عناية الكتاب والسنة بحقوق الجار:

قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ .

ولقد عظَّم الإسلام حق الجار، وظل جبريل عليه السلام يوصي نبي الإسلام صلى الله عيه وسلم بالجار حتى ظنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أن الشرع سيأتي بتوريث الجار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت إنه سيورثه».

فضائل رعاية حقوق الجار:

الإحسان إلى الجار من علامات الإيمان:

وإيذاؤه ينفي عن الإنسان هذا الإيمان. عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».

وقال صلى الله عليه وسلم: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن»، قيل: يا رسول الله! خاب وخسر، من هذا؟ قال صلى الله عليه وسلم: «من لا يأمن جاره بوائقه»، وفي هذا تعظيم لحق الجار، وترهيبٌ من إيذائه، وإضراره، وأن الإحسان إليه يكون بتأدية حقه، وكف الأذى عنه، وبذل العون إليه .

أنه وصية جبريل عليه السلام:

كما قال صلى الله عيه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»، ومن المعروف أن وصية جبريل هي في الأصل وصية الله عز وجل.

نصيحة السلف الصالح بالإحسان إليه وإن أساء إلينا:

فيروى أن رجلاً جاء إلى ابن مسعود رضى الله عنه فقال له: إن لي جارًا يؤذيني ويشتمني ويضيف عليّ فقال: «اذهب فإن هو عصى الله فيك فأطع الله فيه».

أنه من مقاييس الخيرية عند الله عز وجل:

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخيرات الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره».

تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم لحرمة الجار:

فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما تقولون في الزنا؟» قالوا: حرام، حرمه الله ورسوله، قال: «لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر من أن يزني بامرأة جاره، ما تقولون في السرقة؟» قالوا: حرام، حرمها الله ورسوله، قال: «لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر من أن يسرق من بيت جاره، ومن أغلق بابه من جاره مخافة على أهله أو ماله فليس الجار بمؤمن». فلماذا كانت السرقة من الجار أشدَّ إثمًا من السرقة من عشرة بيوت؟ وما الذي ضاعف الجرم في تلك الجريمة؟ إنها حرمة الجار.

أنه يشفع إذا نقصت الطاعات:

فهو مما يدخل الجنة إذا قلت طاعات المرء، كما أن الإساءة إلى الجار من أسباب رد الطاعات ولو كثرت، وقد روى أبو هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن فلانة تذكر من كثرة صلاتها، وصدقتها، وصيامها. وفي رواية تصوم النهار، وتقوم الليل، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال صلى الله عليه وسلم: «هي في النار»، وقال: إن فلانة تذكر من قلة صيامها، وصلاتها، وإنها تتصدق بالأثوار من الأقط، ولا تؤذي جيرانها، قال: «هي في الجنة».

حسرات الإساءة إلى الجار:

أنه من علامات انعدام الإيمان أو نقصه:

فكما كان الإحسان إلى الجار من علامات الإيمان، فإن الإساءة إليه من علامات عدم الإيمان أو نقصه، عن عبد الله بن المساور قال: سمعت ابن عباس يخبر ابن الزبير يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس المؤمن الذين يشبع وجاره جائع».

الحسرة يوم القيامة:

قال صلى الله عليه وسلم: «كم من جارٍ متعلّق بجاره يوم القيامة، يقول: يا رب، هذا أغلق بابه دوني فمنع معروفه».

وذلك لأنه مبدد للحسنات: كما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار وتفعل وتصدق وتؤذي جيرانها بلسانها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا خير فيها، هي من أهل النار»، قالوا: وفلانة تصلي المكتوبة وتصوم رمضان ولا تؤذي أحدًا، فقال رسول الله عليه وسلم: «هي من أهل الجنة».

أنه أذية لله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم:

كما روي عن أنس رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من آذى مسلما فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله».

أنه من الخسران المبين:

لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة مَن لا يأمن جاره بوائقه».

كما أنه من أسباب اللعنة: فلما جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو إليه أذى جاره، قال صلى الله عليه وسلم: «اطرح متاعك في الطريق»، ففعل؛ وجعل الناس يمرون به ويسألونه، فإذا علموا بأذى جاره له لعنوا ذلك الجار، فجاء هذا الجار السيئ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو أن الناس يلعنونه، فقال صلى الله عليه وسلم: «فقد لعنك الله قبل الناس».

حقوق الجار

لا شك أن الجار له حقوق كثيرة نشير إلى بعضها، فمن أهم هذه الحقوق:

رد السلام وإجابة الدعوة:

وهذه وإن كانت من الحقوق العامة للمسلمين بعضهم على بعض، إلا أنها تتأكد في حق الجيران، لما لها من آثار طيبة في إشاعة روح الألفة والمودة.

كف الأذى عنه:

وهذا الحق من أعظم حقوق الجيران، والأذى وإن كان حرامًا بصفة عامة فإن حرمته تشتد إذا كان متوجهًا إلى الجار، فقد حذر النبيي صلى الله عليه وسلم من أذية الجار أشد التحذير، وتنوعت أساليبه في ذلك، ومن ذلك قوله: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: «مَن لا يأمن جاره بوائقه».

وكذلك في حديث المرأة التي تصلي الليل، وتصوم النهار، وفي لسانها شيء تؤذي جيرانها. قال صلى الله عليه وسلم: «لا خير فيها، هي في النار».

تحمل أذى الجار:

وإنها والله لواحدة من شيم الكرام ذوي المروءات والهمم العالية، إذ يستطيع كثيرٌ من الناس أن يكفّ أذاه عن الآخرين، لكن أن يتحمل أذاهم صابرًا محتسبًا فهذه درجة عالية: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾. ويقول الله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وقد ورد عن الحسن رحمه الله قوله: «ليس حُسْنُ الجوار كفّ الأذى، حسن الجوار الصبر على الأذى».

وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله عن أبي ذر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل يحب ثلاثة، ويبغض ثلاثة»، وذكر في الثلاثة الذين يحبهم: «رجل كان له جار سوء يؤذيه فيصبر على أذاه حتى يكفيه الله إياه بحياة أو موت».

واعلم أن هذا من باب الدفع بالتي هي أحسن، ذكروا عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أن رجلاً كان بجواره يسيء إليه كل يوم في بيته، فكان يخرج ويبعد الأذى أو الإساءة وهو صابرٌ، وفي يومٍ من الأيام خرج فلم يجد تلك الإساءةَ التي كان يعهدها، فسأل عن جاره عندما رآه تخلف عن عادته! فأُخبر أنه أحدث حدثًا وسُجن، فذهب وشفع عند صاحب الشرطة حتى أخرجه، ولم يعلم هذا الجارُ بالذي جاء يشفع له، فلما خرج قال: من الذي أخرجني؟ قالوا: جارك جاء يشفع لك، قال: من هو؟ قالوا: أبو حنيفة ! فندم على إيذائه، وكف عن ذلك. 

تفقده وقضاء حوائجه:

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما آمن بي من بات شبعانًا وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم». وإن الصالحين كانوا يتفقدون جيرانهم ويسعون في قضاء حوائجهم، فقد كانت الهدية تأتي الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيبعث بها إلى جاره، ويبعث بها الجار إلى جار آخر، وهكذا تدور على أكثر من عشرة دور حتى ترجع إلى الأول.

ستره وصيانة عرضه:

وإن هذه لمن أوكد الحقوق، فبحكم الجوار قد يطَّلع الجار على بعض أمور جاره، فينبغي أن يوطن نفسه على ستر جاره، مستحضرًا أنه إن فعل ذلك ستره الله في الدنيا والآخرة، أما إن هتك ستره فقد عرَّض نفسه لجزاء من جنس عمله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾.

وقد كان العرب يفخرون بصيانتهم أعراض الجيران حتى في الجاهلية، ومن ذلك قول عنترة:

وأغض طرفي إن بدت لي جارتي

حتى يواري جارتي مأواها

 

وأما في الإسلام فيقول أحدهم:

ما ضر جاري إذ أجاوره

أعمى إذا ما جارتي خرجت

ألا يكون لبيته ستر

حتى يواري جارتي الخدر

 

ومن ذلك أنك إذا صعدت على سطح منزلك ورأيت عورة لجارك فحقُّ الإسلام غض البصر، وحق الجوار عدمُ خيانة جارك، وهذا الحكم يدخل فيه الصعود إلى السطح أو النظر من النوافذ أو الشرفات أو النظر مما يسمّى بالمنور، ففيه النوافذ المطلة على أخيك المجاور، فمن الأدب والإسلام أن تستأذن قبل صعودك، كي لا تؤذي مسلمًا في بيته.

إذا شئت أن ترقى جدارك مرة

ولا تفجأنْه بالطلوع فربما

لأمرٍ فآذِنْ جـارَ بيتك من قبلُ

أصاب الفتى من هتك جارته خبلُ

 

الإهداء إليه ومودته:

وإن من مجال الإحسان إلى الجار التودد إليه بالهدية والقول اللطيف، ولهذا أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل أبا ذر فقال له: «يا أبا ذر! إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك».

وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة». ومعنى الحديث باختصار: أي لا تحقرن أن تُهدي إلى جارتها شيئًا، ولو أنها تُهدي لها ما لا ينتفع به.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله! إن لي جارتين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابًا»، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «والحكمة في ذلك أن الجار الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره من هديةٍ وغيرها، فيتشوف لها، بخلاف الأبعد، وكذلك فإن الأقرب أسرع إجابة لما قد يقع لجاره من المهمات، ولا سيما في أوقات الغفلة».

ومن جملة حق الجار أن يُبدأ بالسلام، ويعوده في المرض، ويعزّيه في المصيبة، ويقوم معه في العزاء، ويهنئه في الفرح، ويظهر الشركة في السرور معه، ويصفح عن زلاته، ولا يطلع من السطح إلى عوراته، ولا يضايقه في وضع الجذع على جداره، ولا يضيق طريقه إلى الدار، ولا يتبعه النظر فيما يحمله إلى داره، ويستر ما ينكشف له من عوراته، وينعشه من صدعته إذا نابته نائبة، ولا يغفل عن ملاحظة داره عن غيبته، ولا يسمع عليه كلامًا، ويغضّ بصره عن حرمته، ولا يديم النظر إلى خادمته، ويتلطف لولده في كلمته، ويرشده إلى ما يجهله من أمر دينه ودنياه. 

ومن حديث معاذ بن جبل عليه السلام: «قالوا: يا رسول الله! ما حق الجار على الجار؟ قال: «إن استقرضك أقرضته، وإن استعانك أعنته، وإن مرض عدته، وإن احتاج أعطيته، وإن افتقر عدت عليه، وإن أصابه خير هنيته، وإن أصابته مصيبة عزيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطيل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذيه بريح قدرك إلا أن تغرف له، وإن اشتريت فاكهة فأهدِ له، وإن لم تفعل فأدخلها سرًّا ولا تخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده».

حقّ الجار غير الصالح:

فقد اعتنى الإسلام بحق الجار وإن لم يكن صالحًا، ومن حقوقه: إرادة الخير له، وموعظته بالحسنى، والدعاء له بالهداية، وترك الإضرار له إلا في الموضع الذي يجب فيه الإضرار له بالقول والفعل،…وكفّه عن الذي يرتكبه بالحسنى، على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعظ الكافر بعرض الإسلام عليه، ويبين محاسنه والترغيب فيه برفق، ويعظ الفاسق بما يناسبه بالرفق أيضًا، ويستر عليه وينهاه برفق، فإن أفاد فبه، وإلا فيهجره قاصدًا تأديبه على ذلك، مع إعلامه بالسبب ليكفّ، وفي هذا المعنى قال ابن الوردي في لاميته:

دارِ جارَ الدار إن جار وإن

لم تجد صبرًا فما أحلى النقل

 

وقد اهتم السلف الصالح بحقوق الجار الذمي، ومن ذلك أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان إذا ذبح شاة قال لغلامه: «إذا سلخت فابدأ بجارنا اليهودي». 

وعن الحسن البصري رحمه الله: أنه كان لا يرى بأسًا أن تطعم جارك اليهودي والنصراني من أضحيتك.

ولذلك قال العلماء: الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق:

فالجار الذي له ثلاثة حقوق هو الجار المسلم ذو الرحم، فله حق الجوار، وحق الإسلام، وحق الرحم.

وأما الذي له حقان فالجار المسلم له حق الجوار وحق الإسلام.

وأما الذي له حق واحد فالجار المشرك.

من مظاهر الإساءة إلى الجار:

من علامات الساعة التي أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم سوء الجوار، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش، والتفاحش، وقطيعة الرحم، وسوء المجاورة». وقد وقع ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم فنرى الفساد ظاهرًا بين الناس، كما نرى التقاطع وسوء الجوار حاصلاً بينهم، وحل التباغض والتنافر بينهم محل المحبة والصلة والمودة، حتى أن الجار لا يعرف جاره، بل قد يبتلى بالمصائب فلا يعزيه، أو يموت دون أن يشيعه، ولا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل، وقد تعددت مظاهر الإساءة للجار في زماننا، ومن ذلك:

التلصص وإعلان السوء:

وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاث فواقر – أي: مهلكات -: أمير ظالم إن أحسنت لا يشكر، وإن أسأت لا يعفو، وجار سوء إن علم شرًا أذاعه، وإن علم خيرًا كتمه»، وهذا كما قال الشاعر:

صم إذا سمعوا خيرًا ذُكرت به

وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا

 

أي: إن سمعوا خيرًا عني فهم صم لا يسمعون، وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا، أي: استمعوا ذلك، وهذا من سوء الجوار.

الإزعاج والضوضاء:

ويدخل في الإزعاج ارتفاعُ صوت المذياع، أو المرئية، أو الموسيقى الصاخبة، أو تشغيل الآلات الكهربائية المزعجة وقت الراحة والهدوء، كتشغيل المكنسة الكهربائية، أو الغسالة، أو استخدام المطرقة، أو المثقاب، والأسوأ من ذلك أذية الجار بالكلام البذيء والسباب والشتم.

إهمال نظافة وصيانة بيتك مما يؤثر عليه:

كعدم إصلاحك خزان مياهك فوق العمارة، مما يسبب أذى الجيران بالمياه، أو برمي الأوساخ من النوافذ وعلى شرف الجيران، وهذه الأخلاق مرفوضة من حيث الدين، ومن حيث الخلق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

تعطيل مصالح الجيران:

وذلك بمثل غلق الطريق المشاع بين جميع السكان والجيران بالسيارة وغيرها. أو إلقاء فضلاتك ومهملاتك أمام منزله: فلا ترمِ الأوساخ أمام جيرانك، بل حاول أن تزيل الأذى عنهم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «وتميط الأذى عن الطريق صدقة».

الهدي النبوي في معالجة إساءة الجوار:

والآن نذكر هدي النبي صلى الله عليه وسلم في معالجة إساءة الجار: وقد اشتكى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم سوء معاملة جاره، فقال: اذهب واصبر – ثلاث مرات – وأخيرًا أمره بإخراج متاعه.

فأخرجه وجلس في الطريق، فكان كلُّ من مر به سأله عن شأنه، فيقول: جاري آذاني، فيقول المار: لعنة الله على هذا الجار، ويسُبّه ويلعنُه، وكل من سمع بهذا لعن الجار، فجاء الجار يشتكي للرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: «لا، وعذاب الآخرة أشد»، فرجع إلى جاره وقال: أدخل متاعك، وادخل بيتك، فوالله لن أؤذيك بعد هذا.

والذي يهمُّنا في هذا الحديث المنهج النبوي في هذا التعامل مع إساءة الجار، فهل الرسول صلى الله عليه وسلم قال: احبسوه؟ أو قال: اضربوه؟ لا، بل جعل المجتمع كله يشارك في علاج هذه القضية؛ لأن قضايا الجيران والجوار قضايا اجتماعية، وليس حلها على السلطان فقط، بل على المجتمع بكامله إذا كان مترابطًا؛ لأن هؤلاء حينما يرون فردًا من المجتمع قد أسيء إليه في جواره، وقد أوذي من جاره، فإنهم يتعاونون على إصلاح هذه الإساءة.

فالصحابة انتقموا من ذلك الجار المؤذي بالدعاء عليه، وبسبه، واستقبحوا فعله؛ وهذا الفعل يستقبح عقلاً، فصاحب الإساءة لما سمع بأن المجتمع كله صار ضده، رجع عن غيّه، وكف أذاه عن جاره، وبهذا رجع الجار إلى بيته وقد أمن من إيذاء جاره. 

إضاءات:

الجار الصالح: عن نافع بن الحارث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سعادة المرء المسلم: المسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء». 

وقال علي بن أبي طالب رضى الله عنه: «الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق».

قال الشاعر:

اطلبْ لنفسك جيرانًا تُجاورُهُمْ

لا تَصلُحُ الدَّارُ حتى يَصْلُحَ الجارُ

 

وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: «من حق الجار أن تبسط إليه معروفك، وتكف عنه أذاك».

* * *

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>