الثلاثاء , 23 ديسمبر 2014
جديد الموقع
الرئيسية » محاسن الإسلام » آداب السلام

آداب السلام

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. ومن فضله سبحانه وتعالى أن جعل تحية الإسلام هي السلام والرحمة.
تعريف السلام:
السلام اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾. ومعنى السلام: السالم من النقائص . 
قال ابن دقيق العيد: السلام معناه: السلامة أو التحية. 
مشروعية السلام:
هو التحية التي جعلها الله للبشر:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعاً ثم قال اذهب فسلم على أولئك الملائكة فاستمع ما يحيونك، تحيتك وتحية ذريتك. فقال: السلام عليكم. فقالوا: السلام عليك ورحمة الله. فزادوا ورحمة الله …الحديث». 
أنها من أسباب التحاب بين المؤمنين:
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». والمَحبَّة الحاصلةُ هنا سببُها أنَّ كلَّ واحد من المتلاقيَين يدعو للآخَر بالسلامة من الشرور، وبالرحمة الجالبة لكلِّ خير، ولهذا ثبت في المسند وغيره عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «أفشوا السلام تسلموا». أي: تسلموا من كلِّ موجِب للفُرقة والقطيعة، وكيف إذا انضمَّ إلى هذا بشاشةُ الوجه وحُسنُ الترحيب وجمالُ الأخلاق.
السلام من حقوق الأخوة الإيمانية:
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حق المسلم على المسلم ست. قيل وما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه … الحديث». 
أنَّه من خير أعمال الإسلام:
ففي الصحيحين عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ».
من أحكام السلام:
من السنة إلقاء السلام، أما رده فهو واجب:
ودليل السنية كثيرة جداً، وقد سبق قوله صلى الله عليه وسلم:«حق المسلم على المسلم ست:.. إذا لقيته فسلم عليه…» الحديث، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وفعل صحابته رضي الله عنه. وشهرة ذلك تغنينا عن إيراد النصوص.
قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾. 
وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾.
وأما رد السلام فهو واجب، يتعين على المُسَّلم عليه الرد وإلا أثم، وأدلة فرضيتها كثيرة منها: قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. وقد ذكر ابن حزم وابن عبد البر والشيخ تقي الدين الإجماع على وجوب الرد. 
وإن سلم رجل على جماعة، فإن ردوا كلهم فهو أفضل، وإن رد واحدٌ منهم، سقط الحرج عن الباقين، ولا إثم. عن علي بن أبي طالب قال: «يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم». 
صفة السلام:
أفضلها: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
يليها: السلام عليكم ورحمة الله.
يليها: السلام عليكم.
ودليل ذلك: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلاً مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس فقال: السلام عليكم، فقال: «عشر حسنات». فمر رجل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال: «عشرون حسنة». فمر رجل آخر فقال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: «ثلاثون حسنة». 
أما صفة الرد فإنه يكون بمثل السلام أو بأحسن منه، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. ويكون الرد بضمير الجمع، وإن كان المسلِم واحداً؛ فيقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ولا يزاد بعد البركة شيء، عند الرد على السلام، ولو كان المبتدئ انتهى إلى البركة، وإن استحسن هذا بعض العلماء بناءً على ظاهر الآية؛ ولكن اتباع السنة أولى. قال ابن عبد البر: وقال ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما: انتهى السلام إلى البركة، كما ذكر الله عز وجل عن صالح عباده: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾. وكانا يكرهان أن يزيد أحد في السلام على قوله: وبركاته.
كراهة الابتداء بـ ( عليك السلام):
جاء في ذلك أحاديث صحيحة منها ما رواه جابر بن سليم الهجيمي رضي الله عنه أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: عليك السلام. فقال: «لا تقل عليك السلام، ولكن قل: السلام عليك». وعند أبي داود رحمه الله بلفظ: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: عليك السلام يا رسول الله. قال: «لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الموتى». فدلت الأحاديث على كراهة الابتداء بـ (عليك السلام). 
من الأحوال التي لا يشرع فيها السلام: 
1- إذا كان المسلم عليه مشتغلاً بالبول . 
2- المصلى، والمؤذن في حال آذانه أو إقامته الصلاة . 
3- السلام في حال خطبة الجمعة . 
4- إذا كانت اللقمة في فمه . 
5- المشتغل بقراءة القرآن أو الدعاء . 
6- من كان في حال التلبية . 
فوائد إفشاء السلام: 
1- السلام من أسماء الله تعالى والجنة دار السلام . 
2- السلام أمان الله في الأرض وهو تحية المؤمنين في الجنة وتحية أهل الإسلام في الدنيا . 
3- وهو طريق المحبة والتعارف بين المسلمين . 
4- في إشاعة السلام بين المسلمين تنشأ المودة والمحبة ويشعر كل مسلم بالاطمئنان تجاه الآخرين . 
5- البخل بالسلام أشد من البخل بالمال . 
6- بالمداومة عليه تمييز للمسلمين وكيد لأعداء الدين . 
7- من حافظ عليه حاز فضل الإتباع وجزاء الطاعة . 
8- كلما زادت كلمات السلام زادت حسناته . 
آداب السلام:
استحباب تكرار السلام ثلاثاً، إذا كان الجمع كثيراً، أو شُك في سماع المُسَّلم عليه:
فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً، وإذا أتى قومًا فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثاً. 
قال النووي رحمه الله (بعد هذا الحديث): وهذا محمولٌ على ما إذا كان الجمع كثيراً. وأضاف ابن حجر: وكذا لو سلم وظن أنه لم يسمع فتسن الإعادة فيعيد مرة ثانية وثالثة ولا يزيد على الثالثة. 
من السنة الجهر بالسلام وكذلك الرد:
ولقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في السلام أن يرفع صوته بالسلام، وكذلك في الرد، فلا يحصل بالإسرار الأجر. فأخرج البخاري في أدبه أثراً عن ابن عمر: عن ثابت بن عبيد قال: أتيت مجلساً فيه عبد الله بن عمر فقال: إذا سلَّمت فأسمع فإنها تحية مباركة طيبة.
وذكر ابن القيم: أن من هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان يُسمع المسلم رده عليه.
وقال ابن حجر: واستدل بالأمر بإفشاء السلام على أنه لا يكفي السلام سراً بل يشترط الجهر، وأقله أن يسمع في الابتداء والجواب ولا تكفي الإشارة باليد ونحوه. 
وقال النووي: وأقل السلام الذي يصير به مسلِّماً مؤدياً سنة السلام أن يرفع صوته بحيث يُسمع المسلَّم عليه، فإن لم يسمعه لم يكن آتياً بالسلام، فلا يجب الرد عليه. وأقل ما يسقط به فرض ردّ السلام أن يرفع صوته بحيث يسمعه المسلِّم، فإن لم يسمعه لم يسقط عنه فرض الرد. 
من السنة تعميم السلام:
أي: تسلم على من عرفت ومن لم تعرف. للحديث المروي في الصحيحين وغيرهما: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف». فهذا الحديث فيه الحث على إفشاء السلام ونشره بين الناس، لما فيه من المصالح العظيمة، لعل من أعظمها: التأليف بين المسلمين، وسلامة قلوبهم لبعض . وبضده السلام على الخاصة، أي: أن لا يسلم الرجل إلا على من يعرفه، وهذا فعل غير محمود؛ بل إن سلام الخاصة من علامات الساعة، فقد جاء في مسند الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشراط الساعة إذا كانت التحية على المعرفة ـ وفي رواية:أن يسلَّم الرجل على الرجل، لا يسلم عليه إلا للمعرفة». وفي رواية: «إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة… الحديث». 
استحباب ابتداء القادم بالسلام:
وهذا أمر مشهور، ومنتشر بين الناس، وتشهد له النصوص الكثيرة، حيث أن استحباب السلام متوجه للقادم دون المقدوم عليه. وسبق قصة الثلاثة الذين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الأول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وقال الآخر: السلام عليكم ورحمة الله، وقال الثالث: السلام عليكم. قال النووي: …أما إذا ورد على قعود أو قاعد، فإن الوارد يبدأ بالسلام على كل حال، سواء كان صغيراً أو كبيراً، قليلاً أو كثيراً. 
من السنة أن يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير:
وفي ذلك أحاديث صحاح، منها:
ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير». 
وفي رواية للبخاري: «يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير». 
وقد ذكر بعض أهل العلم الحكمة من ابتداء هؤلاء المذكورين بالسلام، فقالوا: 
سلام الصغير على الكبير: لحق الكبير من التوقير والتكريم، وهو الأدب الذي ينبغي سلوكه.
وسلام الراكب على الماشي: حتى يحمل السلامُ الراكبَ على التواضع وعدم التكبر.
وسلام الماشي على القاعد: لشبهه بالداخل على أهل المنزل.
وسلام القليل على الكثير: لحق الكثير فحقهم أعظم. 
ولا يلحق المخالف في ذلك إثم، ولكنه تاركٌ للأولى. قال المازري: ولا يلزم من ترك المستحب الكراهة، بل يكون خلاف الأولى، فلو ترك المأمور بالابتداء فبدأه الآخر كان المأمور تاركاً للمستحب والآخر فاعلاً للسنة، إلا إن بادر فيكون تاركاً للمستحب أيضاً. 
مسألة: إذا تقابل ماشيان أو راكبان، فمن يبدأ بالسلام؟
الجواب: يستحب أن يبدأ أصغرهما للحديث السابق. فإن كانا في السن سواء، واستويا من جميع الجهات فخيرهما الذي يبدأ بالسلام لقوله صلى الله عليه وسلم: «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». في حديث المتهاجرين.
مسألة:
وإذا كان هناك ماشيان ثم حال بينهما حائل، كشجرة أو جدار ونحو ذلك فيشرع لهما السلام ولو تكرر ذلك مرات، وذلك لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: «إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه». 
سلام الرجل على المرأة الأجنبية:
سلام الرجل على المرأة الأجنبية، منعه بعض أهل العلم، وأجازه البعض بقيد أمن الفتنة، وبعضهم فصل فقال: إن كانت شابة جميلة لم يجز، وإن كانت عجوزاً جاز، وبعضهم أطلق فمنعه في الشابة، وأجازه مع الكبيرة، وهذا هو منصوص أحمد رحمه الله، قال صالح: سألت أبي: يسلم على المرأة؟ فقال: أما الكبيرة، فلا بأس، وأما الشابة فلا تستنطق. وصوب ابن القيم في هذه المسألة: أنه يسلم على العجوز وذوات المحارم دون غيرهن. وهو المختار، وعلة المنع ظاهرة، وهي سد الذريعة،وخشية الافتتان.
وما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك، فهو معصوم مأمون من الفتنة. وما ورد عن الصحابة، يحمل على أمن الفتنة. ومثاله: ما رواه ابن أبي حازم عن أبيه عن سهل قال:… كانت لنا عجوز ترسلُ إلى بُضاعة-نخل بالمدينة- فتأخذ أُصول السِّلق فتطرحه في قدرٍ وتكركر حبات من شعير، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا ونسلم عليها، فتقدمه إلينا، فنفرح من أجله، وما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة. 
استحباب السلام على الصبيان:
وذلك لتعويدهم وتدريبهم منذ الصغر على آداب الشريعة، وفاعله متأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، أخبرنا بذلك أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه كان يمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فمر بصبيان فسلم عليهم. وفي السلام على الصبيان حمل النفس على التواضع، وسلوك لين الجانب.
وإذا سلم بالغٌ على صبي فإنه لا يلزم الصبي الرد، وذلك لأنه ليس من أهل الفروض. أما إذا سلم الصبي على البالغ، فإنه يتعين عليه الرد وهو قول الجمهور. 
السلام على الأيقاظ في موضع فيه نيام:
إذا سلم المرء على أيقاظ في موضع فيه نيام فإنه يخفض صوته، فيسمع يقظاناً ولا يوقظ نائماً، جاء ذلك في حديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه، وفيه قال:…فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع للنبي صلى الله عليه وسلم نصيبه. قال: فيجيءُ من الليل فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً، ويسمع اليقظان.. وفي هذا أدب نبويٌ رفيع، حيت يُراعى فيه حال النائم فلا يكدر عليه نومه، وفي الوقت نفسه لا تفوت فضيلة السلام!
النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام:
لقد مُنعنا على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم أن نبدأ أهل الكتاب بالسلام، بقوله: «لا تبدؤُوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه». ولا كلام لأحد بعد هذا النهي الصريح.
مسألة: إذا دعت الحاجة للسلام على أهل الكتاب، فهل يجوز السلام عليهم؟
الجواب: الحديث السابق ظاهر في المنع، ولكن إن احتيج لذلك، فليكن بغير السلام، كقول: كيف أصبحت، أو كيف أمسيت ونحو ذلك. قال ابن مفلح: قال الشيخ تقي الدين: إن خاطبه بكلامٍ غير السلام مما يُؤنسه به، فلا بأس بذلك. وقال النووي: قال أبو سعد – المتولي -: لو أراد تحية ذمي، فعلها بغير السلام، بأن يقول: هداك الله، أو أنعم الله صباحك. قلت [أي: النووي]: هذا الذي قاله أبو سعد لا بأس به إذا احتاج إليه، فيقول: صُبحت بالخير، أو السعادة، أو بالعافية، أو صبحك الله بالسرور، أو بالسعادة والنعمة، أو بالمسرة، أو ما أشبه ذلك. وأما إذا لم يحتج إليه، فالاختيار أن لا يقول شيئاً، فإن ذلك بسط له وإيناس وإظهار صورة ود، ونحن مأمورن بالإغلاظ عليهم ومنهيون عن ودهم فلا نظهره. والله أعلم. 
رد السلام على أهل الكتاب بـ (وعليكم):
وقد جاء بيان ذلك في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم». فالحديث بين لنا أن صفة الرد على أهل الكتاب أن نقول وعليكم.
وقال ابن القيم: لو تحقق السامع أن الذي قال له: سلام عليكم لا شك فيه، فهل له أن يقول: وعليك السلام، أو يقتصر على قوله: «وعليك»، فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة أن يقال له، وعليك السلام. فإن هذا من باب العدل، والله تعالى يأمر بالعدل والإحسان، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. فندب إلى الفضل، وأوجب العدل، ولا ينافي هذا شيئاً من أحاديث الباب بوجه ما فإنه صلى الله عليه وسلم إنما أمر بالاقتصار على قول الراد (وعليكم) بناء على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم، وأشار إليه في حديث عائشة رضي الله عنه فقال: «ألا ترينني قلت: وعليكم، لما قالوا: السّام عليك»، ثم قال: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم». والاعتبار وإن كان لعموم اللفظ فإنما يعتبر عمومه في نظير المذكور لا فيما يخالفه. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾. فإذا زال السبب، وقال الكتابي: «سلام عليكم ورحمة الله» فالعدل في التحية أن يرد عليه نظير سلامه. اهـ. 
جواز السلام على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين:
وهو مأخوذ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حماراً عليه إكافٌ تحته قطيفة فدكية، وأردف وراءهُ أسامة بن زيد وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج – وذلك قبل وقعة بدر – حتى مرَّ في مجلس فيه أخلاطٌ من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفيهم عبد الله بن أبيٍّ بن سلول، وفي المجلس عبد الله بن رواحة. فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمَّر عبد الله ابن أبيٍّ أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا. فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن… الحديث». 
والابتداء بالسلام على قوم فيهم مسلمون وكفار مجمع على جوازه؛ قاله النووي. ولا يعكر على هذا؛ حديث المنع من ابتداء أهل الكتاب بالسلام، فإن ذلك الحديث في ما إذا كان المُسَّلم عليه ذمياً أو كانوا جماعة من أهل الكتاب، أما هنا فإن المجلس فيه مسلمون، ولذلك فإنه يجوز السلام على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين بنية السلام على المسلمين فقط. قيل للإمام أحمد رحمه الله: نعامل اليهود والنصارى ونأتيهم في منازلهم وعندهم قوم مسلمون، أُسلم عليهم؟ قال: نعم، وتنوي السلام على المسلمين. وقال النووي: إذا مرَّ واحد على جماعة فيهم مسلمون، أو مسلم وكفار، فالسنة أن يسلم عليهم ويقصد المسلمين أو المسلم. 
مسألة: هل يقال لجماعة فيهم مسلمون وكفار عند السلام: السلام على من اتبع الهدى؟
الجواب: لا يقال: «السلام على من اتبع الهدى» لجماعة فيهم مسلمون وكفار، بل يسلم عليهم كما سبق وينوي بذلك المسلمين.
جواز السلام بالإشارة لعذر:
الأصل في السلام بالإشارة النهي، لأنه من فعل أهل الكتاب ونحن أمرنا بمجانبتهم، وعدم التشبه بهم. وقد أخرج الترمذي حديثا في النهي عن التسليم بالإشارة وأنها من شعار أهل الكتاب، ووسمه الترمذي بالغرابة، وقال عنه الحافظ ابن حجر: وفي سنده ضعف؛ ولكن أخرج النسائي بسند جيد عن جابر رضي الله عنه رفعه: «لا تسلموا تسيلم اليهود، فإن تسليمهم بالرءوس والأكف والإشارة». وقد يرد على هذا الحديث ما روته أسماء بنت يزيد أنها قالت: «ألوى النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى النساء بالسلام». ولكن هذا محمولٌ على قرن الإشارة بالتلفظ بالسلام. قال النووي بعد حديث الترمذي: فهذا محمولٌ على أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين اللفظ والإشارة. وقال الحافظ: والنهي عن السلام بالإشارة مخصوص بمن قدر على اللفظ حساً وشرعاً، وإلا فهي مشروعة لمن يكون في شغل يمنعه من التلفظ بجواب السلام كالمصلي والبعيد والأخرس، وكذا السلام على الأصم. 
استحباب السلام عند دخول البيت:
عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة كلهم ضامن على الله إن عاش كُفي، وإن مات دخل الجنة: من دخل بيته بسلا فهو ضامن على الله عز وجل ومن خرج إلى المسجد فهو ضامن على الله ومن خرج في سبيل الله فهو ضامن على الله». 
رد السلام على من حمل إليه السلام والمحمول إليه:
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبى يقرئك السلام، فقال صلى الله عليه وسلم: «عليك وعلى أبيك السلام». 
وفي حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «إن جبريل يقرأ عليك السلام». قالت: وعليه السلام ورحمة الله. 
جواز السلام على المصلي، ورده بالإشارة:
من الجائز السلام على المصلي، وهذا ثابت من لإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته رضي الله عنه، حيث كانوا يسلمون عليه وهو في الصلاة ولم ينكر عليهم ذلك، فدل إقراره جوازه. فمن ذلك حديث جابر رضي الله عنه قال:إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني لحاجة. ثم أدركته وهو يسير (قال قتيبة: يصلي) فسلمت عليه. فأشار إلي. فلما فرغ دعاني فقال: «إنك سلمت آنفا وأنا أصلي». وهو موجه حينئذ قبل المشرق. ومنه: حديث صهيب رضي الله عنه أنه قال: مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي، فسلمت عليه، فرد إشارة. قال: ولا أعلمه إلا قال: إشارة بأصبعه. ففي هذه الأحاديث وغيرها دليل على جواز إلقاء السلام على المصلي، ورده بالإشارة.
جواز السلام على تالي القرآن، ووجوب رده:
السلام على المشتغل بتلاوة القرآن منعه بعض العلماء وأجازه بعضهم، والصواب مع من أجازه، فلا دليل على إخراج تالي القرآن من عمومات النصوص التي تحث على إفشاء السلام، وعلى وجوب رده. وكونه مشتغلاً بأعلى أنواع الذكر وهو قراءة القرآن؛ لا يمنع من إلقاء السلام عليه، ولا يسقط عنه واجب الرد. قالت اللجنة الدائمة في ردها على أحد الأسئلة: يجوز بدء قارئ القرآن بالسلام وعليه أن يرد السلام؛ لأنه لم يثبت دليل شرعي على المنع من ذلك والأصل عموم الأدلة في مشروعية البدء بالسلام والرد على من سلم حتى يثبت ما يخصص ذلك من الأدلة. 
كراهية السلام على المتخلي:
الأصل في ذلك ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجلاً مر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبول فسلم فلم يرد عليه. فعلى هذا فإن المتخلي ببول أو غائط يكره له رد السلام باتفاق أهل العلم. ويستحب لمن أُلقي عليه السلام وهو يقضي حاجته أن يرد السلام بعد الوضوء تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: «إني كرهت أن أذكر الله عز وجل إلا على طهر»، أو قال: «على طهارة». 
استحباب السلام عند دخول البيت:
فإن كان البيت خالياً، فقد استحب بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم أن يسلم الرجل على نفسه إن كان البيت خالياً. فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: «إذا دخل البيت غير المسكون فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين». قال ابن حجر: ويدخل في عموم إفشاء السلام، السلام على النفس لمن دخل مكاناً ليس فيه أحد، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ الآية.
تقديم تحية المسجد على السلام من بالمسجد:
فالداخل للمسجد يستحب له أن يقدم تحية المسجد قبل تحية أهله، وفي حديث المسيء في صلاته ما يدل لذلك فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فرد النبي صلى الله عليه وسلم السلام، فقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل(ثلاثاً) …». قال ابن قيم الجوزية: «ومن هديه صلى الله عليه وسلم أن الداخل إلى المسجد يبتدئ بركعتين تحية المسجد، ثم يجيءُ، فيسلم على القوم، فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله، فإن تلك حق لله تعالى، والسلام على الخلق حق لهم، وحق الله في مثل هذا أحق بالتقديم…» ثم ساق حديث المسيء في صلاته مستدلاً به على قوله، وقال: «فأنكر عليه صلاته، ولم ينكر عليه تأخير السلام عليه صلى الله عليه وسلم إلى ما بعد الصلاة». 
فتبين لنا من إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الصحابي أن السنة في تقديم تحية المسجد على السلام على أهله.
كراهية السلام حال خطبة الجمعة:
والأصل في ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت – والإمام يخطب – فقد لغوت». وعلى هذا لا يشرع السلام حال الخطبة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم المأمومين بالإنصات حال خطبة الإمام. وليس لمن في المسجد أن يرد عليه والإمام يخطب، ولكن إن رد عليه بالإشارة جاز. 
وللمأموم إذا سلم عليه من بجانبه وصافحه أثناء خطبة الجمعة أن يصافحه بيده ولا يتكلم، ويرد عليه السلام بعد انتهاء الخطيب من الخطبة الأولى، وإن سلم والإمام يخطب الخطبة الثانية فأنت تسلم عليه بعد انتهاء الخطيب من الثانية. 
الترغيب في السلام قبل الكلام:
فالذي عليه سلف الأمة وخلفها أنهم كانوا يقدمون السلام قبل كلامهم، وسؤال حاجاتهم. قال النووي رحمه الله: السنة أن المسلِّم يبدأ بالسلام قبل كل كلام، والأحاديث الصحيحة وعمل سلف الأمة وخلفها على وفق ذلك مشهورة، فهذا هو المعتمد في هذا الفصل. 
من السنة إلقاء السلام قبل مفارقة المجلس:
فكما أنه يسن السلام عند القدوم على المجلس، فكذلك من السنة أن يُلقى السلام عند مفارقة ذلك المجلس. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة». 
السلام على أهل المعاصي والمبتدعة:
أما أهل المعاصي فهم يسلم عليهم ويرد عليهم سلامهم، قال النووي: اعلم أن الرجل المسلم الذي ليس بمشهور بفسق ولا بدعة يسلِّم ويسلَّم عليه، فيسن له السلام، ويجب الرد عليه. ولكن إن كان العاصي مشهوراً بفسقه ومعصيته، فإذا كان في ترك السلام عليه مصلحة راجحة، كأن يرتدع العاصي عن معصيته إذا لم يُسلم عليه أو لا يرد عليه سلامه، فإن كان في ذلك مصلحة تُرك السلام عليه لعله ينتهي، أما إن كان العكس وغلب على ظننا أنه معصيته تزيد؛ فإننا نسلم عليه ونرد عليه سلامه تقليلاً للمفسدة لأنه لا مصلحة من ترك السلام عليه . وهذا ينبني على مسألة الهجر.
وأما أهل البدع؛ فإن من البدع ما يكون مكفراً، ومنها دون ذلك. فصاحب البدعة المكفرة لا يسلم عليه بحال، وصاحب البدعة غير المكفرة فإنه يأخذ حكم أهل المعاصي كما سبق بيانه.
والأصل في ذلك كله حديث كعب بن مالك رضي الله عنه الطويل في تخلفه عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوبة الله عليه، وفيه قال كعب رضي الله عنه: «ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي بالتي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه بردِّ السلام عليَّ أم لا؟». 
من أحكام المصافحة:
استحباب المصافحة:
عن قتادة قال: قلت لأنس رضي الله عنه: أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «نعم». 
وعن البراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا». 
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتى، فأتاه فقرع الباب، فقام إليه النبي صلى الله عليه وسلم يجر ثوبه ، فاعتنقه وقبله. 
تحريم المصافحة للمرأة الأجنبية: 
ويستدل على ذلك بما رواه البخاري في صحيحه من حديث عائشة – أم المؤمنين رضي الله عنها في مبايعة المهاجرات -، قالت: «…فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انطلقن فقد بايعتكن». لا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط، غير أنه بايعهن بالكلام… إلى آخر الحديث». 
استحباب عدم نزع اليد عند المصافحة حتى يكون الآخر هو البادئ بذلك: 
لما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجلُ الذي ينزع… الحديث».
* * *

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>