الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » محاسن الإسلام » آداب الشفاعة

آداب الشفاعة

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: 

فإن هذا الدين بروعته وسموه، وجلاله وجماله، وتمامه وكماله، يقوم على أساسين، ويعتمد على دعامتين، وهما: حق الله، وحق العباد، فإن الله تعالى بفضله وكرمه وجوده وإحسانه، ولطفه ورحمته، وجلاله وعظمته، لم يقصر هذا الدين على القيام بحقه عز وجل فقط، ولم يجعله لأداء حقوقه ليس إلا، بل جعل من الدين القيام بحقوق المخلوقين، ومثلما رتب الأجر وأجزل العطاء لمن أدى حقه وقام بواجبه، رتّب الأجر وأعظم العطاء وأسبغ الثواب لمن أدى حقوق عباده، وأحسن إليهم، وقام بواجبهم، ومن هذه الحقوق الشفاعة.

تعريف الشفاعة:

الشَّفَاعَةُ: لُغَةً مِنْ مَادَّةِ شَفَعَ، وَيُقَال: اسْتَشْفَعْتُ بِهِ: طَلَبْتُ مِنْهُ الشَّفَاعَةَ. وَقَال الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: الشَّفَاعَةُ الاِنْضِمَامُ إِلَى آخَرَ نَاصِرًا لَهُ وَسَائِلاً عَنْهُ، وَشَفَّعَ وَتَشَفَّعَ: طَلَبَ الشَّفَاعَةَ، وَالشَّفَاعَةُ: كَلاَمُ الشَّفِيعِ لِلْمَلِكِ فِي حَاجَةٍ يَسْأَلُهَا لِغَيْرِهِ، وَالشَّافِعُ: الطَّالِبُ لِغَيْرِهِ، وَشَفَعَ إِلَيْهِ فِي مَعْنَى: طَلَبَ إِلَيْهِ قَضَاءَ حَاجَةِ الْمَشْفُوعِ لَهُ. 

شفعت له إلى فلان وأنا شافعه وشفيعه ونحن شفعاؤه وأهل شفاعته وتشفعت له إليه فشفعني فيه واللهم اجعله لنا شفيعا مشفعا واستشفعني إليه فشفعت له واستشفع بي وإن فلانا ليستشفع به. 

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الضَّرَاعَةُ وَالسُّؤَال فِي التَّجَاوُزِ عَنْ ذُنُوبِ الْمَشْفُوعِ لَهُ، أَوْ قَضَاءِ حَاجَتِهِ. 

الشفاعة للغير في الأمور الدينية والدنيوية: 

من توسط لغيره أو شفع له في أمر من الأمور الدينية أو الدنيوية، كالوظائف والعطايا ونحوها، كان حكم ذلك تابع للأمر المتوسط فيه إن كان مأمورًا به بأن كان المتوسط له مستحقًا لتلك الوظيفة أو ذلك العطاء، فالتوسط محمود بل قد يكون واجبًا، وإن كان المتوسط فيه منهيًا عنه بأن كان المشفوع له لا يستحق العطاء أو لا يستحق الولاية أو غيره خيرًا منه وأنفع، كان التوسط مذمومًا غشًا لله ورسوله، لأنن ذلك معصية، وغشًا للمتوسط عنه، لأنه يجب عليه أن ينصح له فيمت بولى أو يعطى، ومن هو الأولى والأنفع؟. 

مشروعية الشفاعة في الإسلام:

أجاز الله عز وجل الشفاعة الحسنة، وجعل عليها أجرًا، فقال سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾. 

كما حض عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أبى موسى رضى الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل، أو طُلبت إليه حاجة، قال: «اشفعوا تؤجروا، ويقضى الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ما شاء».

ومعنى الحديث المتقدم: فيه استحباب الشفاعة لأصحاب الحوائج المباحة سواء كانت الشفاعة إلى سلطان أم إلى واحد من الناس وسواء كانت الشفاعة إلى سلطان في لحق ظلم أو إسقاط تعزير أو في تخليص عطاء المحتاج أو نحو ذلك وأما الشفاعة في الحدود فحرام وكذا الشفاعة في تتميم باطل أو إبطال حق ونحو ذلك فهي حرام.

أهمية مبدأ العدل والمساواة:

إنَّ النِتاج الإيجابيَّ للمجتمعات المسلمة التي تَنشُد الرقيَّ والسموَّ بطاقاتها وثروَاتها مرهونٌ بمدَى تحقيقها لمبدأ العدلِ والمساواة والأولويّة للتفوُّق والامتياز وعَدمِ إهدار الفرص عن ذوي الكفاءات، ناهيكم عن الاحتكار فيها والجثُوم على ثغراتِ النهوض ببُسَطاء الأهلية على حسابِ ذوي الكفاءاتِ والمواهب الظاهرة.

وإنَّ مِن سمات المجتمع المسلم الرشيدِ الواعي انتشارَ العدل والمساواة وخفوتَ الظلم والأنانيّة والأثرة وحبّ الذات. وقد راعى الإسلام مبدَأ الأحقّيَّة والكفاءَةِ والامتياز في المجتمعِ المسلم، وقدَّم ذويها على من دونهم تقديرًا لتفوُّقهم واعترافًا بأهليّتهم، فقد جاء في الصحيحِ أنَّ النبيَّ قال: «يؤمُّ القوم أقرَؤُهم لكتابِ الله». وصحَّ من حديث عبد الله بن زيد رضى الله عنه في قصّة مشروعيّة الأذان أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له: «ألقِه على بلال؛ فإنّه أندى منك صوتًا». وقد كانَ صلى الله عليه وسلم يمتحِن الصحابةَ في القوّةِ والرمي حالَ تجهيز الجيش للغزوِ، فيقدِّم الكفءَ القويَّ، ولذلك ردَّ رافع بن خديج يومَ بدر لعدم كمال الأهلية. 

إذًا فالإسلام جعَل للكفاءةِ والأهلية من المحلِّ والعناية والاعتبار ما يكفل به لكلِّ مجتمع واعِ أن يحيَا حياةَ الجدِّ والاستقرار والتوازُن في الاحتياج والإنتاج؛ ولأجل ذا فإنَّ المجتمعَ الذي يسودُه احترامُ بعضه بعضًا وتقديرُ أصحابِ الكفاءات والاعتبار بالأولويّة للأهلية وذوي الامتياز ليُعَدّ مجتمعًا متكامِلَ الرؤى متحِدَ المضامين، قد بنَى أسُسَه على شِرعةٍ من الحقّ والعدل والالتزام بالقِيَم والمُثُل المرعية. 

أنواع الشفاعة:

جعل أهلُ العلم للشفاعة، وجهين اثنَين:

الوجه الأول: الشفاعة الحسنة:

وهو ما كان لوجه الله سبحانه وتعالى، وكان من باب الإرفاق، ولم يكن فيه حرمانُ من هو أولى وأحقّ من جهة الكفاءة التي تتعلّق بها القدرة على تحمّل الأعباء، أو النهوض بأعمال الأمر المشفوعِ فيه، على أحسنِ وجه، فهذه شفاعة محمودةٌ، حضَّ عليها الشارع الحكيم، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾.

يقول القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية: «قال مجاهد، والحسن، وابن زيد، وغيرهم: هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم، فمن يشفع شفاعة لينفع فله نصيب، ومن يشفع ليضر فله الكفل، والكفل الوزر والإثم، وقيل: الشفاعة الحسنة في البر والطاعة، والسيئة في المعاصي، فمن شفع شفاعة حسنة ليصلح بين اثنين استوجب الأجر، ومن سعى بالنميمة والغيبة أثم».

قال ابن عباس رضى الله عنه: «الشفاعة الحسنة: هي الإصلاح بين الناس، والشفاعة السيئة: هي المشي بالنميمة بين الناس، وقيل: هو في كل الشفاعات، فالشفاعة الحسنة: هي أن يقول قولا حسنا؛ ينال به الخير، والشفاعة السيئة: هي أن يقول قولا قبيحا؛ يلحق به سوء». 

وهي المقصودة في السنة النبوية، كما في قولِه صلى الله عليه وسلم: «اشفَعوا تؤجَروا». كما تدل عليها عموم الدعوة للنفع بين المسلمين وقضاء حوائجهم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «والله في عونِ العبد ما كان العبد في عون أخيه». 

الوجهُ الثاني: الشَّفَاعَةُ السَّيِّئَةُ:

وهِيَ أَنْ يَشْفَعَ فِي إِسْقَاطِ حَدٍّ بَعْدَ بُلُوغِهِ السُّلْطَانَ، أَوْ هَضْمِ حَقٍّ، أَوْ إِعْطَائِهِ لِغَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لأَِنَّهُ تَعَاوُنٌ عَلَى الإِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ. قَال تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وَلِلشَّفِيعِ فِي هَذَا كِفْلٌ مِنَ الإِْثْمِ. قَال تَعَالَى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ الآْيَةَ.

وَالضَّابِطُ الْعَامُّ: أَنَّ الشَّفَاعَةَ الْحَسَنَةَ هِيَ: مَا كَانَتْ فِيمَا اسْتَحْسَنَهُ الشَّرْعُ، وَالسَّيِّئَةَ فِيمَا كَرِهَهُ وَحَرَّمَهُ. 

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في الشفاعة: 

قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى لتلميذه مهنا لما سأله: رجل ظلمني، وتعدى علىّ، ووقع في شيء عند السلطان، أُعين عليه عند السلطان. قال أحمد رحمه الله: «لا. بل أشفع فيه إن قدرت»، قال: سرقني في المكيال والميزان، أدس إليه من يوقعه على السرقة؟ قال أحمد رحمه الله: «إن وقع في شيء فقدرت أن تشفع له فاشفع له». 

قال ابن عبد البر رحمه الله: «لا أعلم خلافا أن الشفاعة فى ذوى الذنوب حسنة جميلة، ما لم تبلغ السلطان، وأن على السلطان أن يقيمها إذا بلغته». 

من فوائد الشفاعة: 

من نعم الله على العبد المسلم نعمة الجاه والمكانة بين الناس، إذا قام بشكرها كانت نعمة، وإذا قام بكفرها فحجب هذا الجاه عن أهله المستحقين له كانت نقمة ووبالاً عظيمًا. قال صلى الله عليه وسلم: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل». وقد رصدت الشريعة الحنيفة جوائز قيمة لأهل الشفاعات للمسلمين، ما دامت في الحق، كما يلي:

حث الشريعة عليها:

قال صلى الله عليه وسلم: «لأن أمشي في حاجة أخي أحبُ إليَّ من أن أعتكف شهرًا». وقال الشافعي رحمه الله: «الشفاعات زكاة المروات». 

وجاء رجلٌ إلى الحسن بن سهل يستشفع به في حاجة، قضاها، فأقبل الرجل يشكره، فقال له الحسن بن سهل: «علام تشكرنا، ونحن نرى أن للجاه زكاة، كما أن للمال زكاة؟ ثم أنشأ يقول:

فرضت علي زكاة ما سكلت يدي فإذا ملكت فجد فإن لم تستطع

وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا فاجهد بوسعك كله أن تنفعا

دوام نعمة الله عز وجل على العبد:

إن هنالك أناسًا اختصهم الله سبحانه وتعالى بقضاء حوائج عباده، والسعي في مصالحهم، وجعلهم للمعروف أهلاً، وللإحسان مقصدًا، حببه إليهم وحببهم إليه، مفاتيح للخير، مغاليق للشر، «إن لله أقوامًا يختصهم بالنعم لمنافع العباد ويقرها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحوّلها إلى غيرهم». 

فتلك سُنّة ماضية، فمن لم تُنزع منه نُزعت منه بركتها، وذهب عنه أجرها، وثبت عليه وزرها. وكما أن للمال زكاة يزيد بها وينمو، ويعظم ويزكو، فإن للجاه زكاة أيضًا، وربما كان أعظم نفعًا من المال، والبخيل بجاهه أعظم من البخيل بماله، والجاه نعمة عظمى، وهبة كبرى تستحق الشكر، وتستوجب الثناء لمسديها ومعطيها جل جلاله، ومن شُكرها بذلها لعباد الله ابتغاء موعوده، وطمعًا في أجره، ورغبة في رضاه. 

الأجر العظيم يوم القيامة:

ففي يوم القيامة؛ يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، يوم يفر المرء من أخيه، وأمه أبيه، وصاحبته وبنيه، يوم يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، يوم تدنو الشمس من العباد قدر ميل، يوم تعظم الحسرة، وتفيض العبرة، ويعظم الخوف، ويزداد الجزع، ويدلهم الخطب، ويتطاول الهم، ويشتد الكرب، هنالك يفرج الهم، وينفس الكرب لمن كان يفرج هموم المسلمين، وينفس كربات المكروبين.

قال صلى الله عليه وسلم: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».

أنها تندرج تحت باب حقوق الأخوة الإسلامية:

ويقول صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج على مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة». 

وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء». 

فمن أراد أن يفرّج الله همه، وينفّس كربه، فليجتهد في تفريج هم المهمومين، وتنفيس كرب المكروبين واعلموا أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة.

الشفاعة من أبواب البر:

إن دروب الخير كثيرة، وأنواع البر متعددة، ومجالات الإحسان متنوعة، ومن أعظم ذلك السعي في حوائج المسلمين، والإحسان إلى المؤمنين؛ من إطعام للجائع، وكسوة للعاري، وعيادة للمريض، وتعليم للجاهل، وإنظار للمعسر، وإعانة للعاجز، وإسعاف للمنقطع وكفالة لليتيم، وتفريج للهم، وتنفيس للكرب، وشفاعة في الخير. ومن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، وخير الناس أنفعهم للناس.

وقال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن المسلم سرورًا، أو تقضي له دينًا، أو تطعمه خبزًا». 

فيجب على المسلم أن يسعى في حاجة إخوانه، وأن يجتهد في نفع المحتاج، ومساعدة الضعيف، ومؤازرة الفقير، وإغاثة الملهوف، ويجب على كل ذي منصب أو جاه أو قرار، أن يؤدي حقه خير أداء، وأن يقوم ببذله في وجوهه المشروعة، وأن يصدق في إعطاء كل ذي حق حقه – وافعلوا الخير لعلكم تفلحون – و«اشفعوا تؤجروا».

وينضم إلى هذه الفضائل أيضا، أن الشفاعة:

1- من دلائل كمال الإيمان، وحسن الإسلام. 

2- دليل حب الخير للآخرين، وحسن الظن بهم. 

3- دليل رقة قلب الشافع ورحمته بغيره. 

4- تزيد من الألفة والترابط بين الأفراد في المجتمع الإسلامي. 

آداب الشفاعة:

عدم تضييع من له حق:

فكم من الناس يشفع ويتوسط ويتوسل في أمور يضيع بها حقوق المسلمين لنفع صاحبه أو قريبه، وهذا من المحرمات، ومن البلايا التي ابتلي بها أهل الزمان، تضيع حقوق وتهدر أحوال وأوقات وجهود بسبب مكالمة أو ورقة صغيرة: إثمها كبير، ووزرها خطير، ويظن الجاهل أن هذا من الشفاعة الحسنة، وما علم أنها من الشفاعة المحرمة: ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كِفل منها وكان الله على كل شيء مقيتًا. ومن علامات سوء المجتمع. أنك لا تستطيع إنجاح حاجة من حوائجك بدون أن تكلم فلان أو تتصل على هيان بن بيان أو تستخرج ورقة من علان، لتسجيل أحد أولادك في الجامعة أو أحد بناتك في الكلية، أو حتى تسجيل بعض أولادك الصغار في المدارس. أو لكي تعين في المنطقة الفلانية أو تنقل من جهة إلى جهة. وتدخل الشفاعات السيئة عندما يصل الأمر إلى نقل المدرسات من منطقة إلى منطقة بل قد يتعدى الأمر إلى الرشاوى، هذا والنظم موجودة والباب مفتوح. فإلى الله المشتكى. وهذا إن حصل فكما قلت علامة سوء المجتمع.

أن لا يشفع في حد من حدود الله: 

من أسباب النكبات التي تمر بها بلدان المسلمين تعطيل الحدود الشرعية، بسبب شفاعات السوء، وجاهات الضرار التي تحاد شرع الله، فإذا تعطل الحد الشرعي حلت عقوبة قدرية كونية تشمل المجتمع كله، كما قال صلى الله عليه وسلم: «حد يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحًا». 

لذا فقد كان صلى الله عليه وسلم حازما في أمر الحدود، ولا يقبل شفاعة في حد، ويعنف من يتشفع فيه، ولو كان من أحب الناس إليه، فعن عائشة رضي الله عنها أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حُب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتشفع في حد من حدود الله؟» ثم قام فاختطب… إلى آخر الحديث. 

يزني الزاني فيشفع فيه من يشفع فلا يقام عليه الحد.

ويشرب الخمر من يشربها فيشفع فيه من يشفع.

ويسرق من يسرق فيشفع فيه من يشفع فلا يقام عليه الحد.

ويسبُ الدين والشرع ويستهزأ به ولا يقام الحد.

ويرتد من ارتد عن دينه فلا يقام حد الردة.

وكل ذلك بسبب شفاعات السوء، التي تحارب حكم الله وحدوده. 

عدم قبول الهدية بعد الشفاعة: 

إذا شفع المسلم شفاعة حسنة فلا يجوز له أن يأخذ مقابلاً على هذه الشفاعة والواسطة. والدليل ما رواه الإمام أحمد رحمه الله عن أبي أمامة رضى الله عنه مرفوعًا: «من شفع لأحد شفاعة، فأهدى له هدية (عليها) فقبلها (منه) فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا». 

وظاهر الحديث يشمل الأخذ ولو بدون شرط مسبق، كما يقوله الشيخ العلامة ابن باز رحمه الله، فلو شفع لأخيه وجاءه بهدية – بدون أن يشترطها – فلا تأخذها، وأجرك على الله، ولا تجعل بابًا للشيطان يُفسد عليك أعمالك الصالحة التي تبتغي بها وجه الله، لا تقبل هدية، ولا مال، ولا خدمة أخرى مقابل شفاعتك وواسطتك، فإن «الشفاعات زكاة المروات». 

ألا تكون من الواسطة الضارة بالمجتمع:

فالواسطة ظاهرة التبس على كثير من الناس مفهومُها، فأصبحت بارزة الخطورة؛ حيث إنها تؤدِّي بالمجتمع إلى تفشِّي روح الانتهازية ليصبحَ التعامل مع الفردِ بمقدارِ ما يحمِله من معرفةٍ وصِلة ومصلحةٍ شخصيّة، لا بما يحمله من كفاءةٍ وقُدرة وأولوية، وكلُّ ذلك منتجٌ للتراجعِ الإيجابيّ ومولِّدٌ للغَبن والتردُّد في العمل والأداء وحاجبٌ للابتكارِ والإبداع والتطوّر الذي ينعَكس على المصلحةِ العامّة للمجتمع بالسلب والفشل دون أدنى شكٍّ أو مماراة.

بل لقد وصلتِ الحال ببعض المجتمعاتِ إلى أن يشعرَ الفرد أنه لن يحيا حياةً متكامِلة بدون الواسطة، فلن يستطيع العملَ إلاّ بها، ولا السفرَ إلا بها، ولا الدراسةَ إلا بها، ولاَ التجارةَ إلاّ بها، ولا العلاجَ إلا بها، ولا تخليصَ الأعمالِ إلا بها.

وإنَّ مما يزيد الأمرَ عِلّةً والطين بِلّة أن يراها البعض من الناس ببسَب تفشِّيها مبرِّرًا للّجوء إليها وممارستها في كلِّ نواحي الحياة كيفَما اتَّفق، في حِينِ إنَّ حقيقتَها حالةٌ منَ الإفلاسِ تعترِي أصحابَها، كما أنَّ الظّروفَ الاجتماعيّةَ ليست مبرِّرًا للّجوء إلى الواسطة التي تُؤدِّي بصاحبها إلى هضمِ حقوق الغير وحرمانهم ممّا هم أهلٌ له قبلَه.

وإنَّ مما لا شكَّ فيه أن تفشيَ مثلِ تِلكم الآفة في مجتمعٍ مَا لن يدعَ لها في نهوضِها حَلاً ولا عَقدًا ولا أثَرًا لكفَاءاتها في منافعها العامّة، وإنما تكون خاضعةً للمصالح الشخصيّة والعلاقات المنفعيّة؛ ليجلبَ المجتمع على نفسه غائلةَ الفاقةِ والتخلّف، ويذكيَ في أوساطه شررَ الحسد والتباغض والتغابن، وقَلبِ المعايير علَى مَبدأ المصالح الشخصيّة لا على مبدأ الصالح العام والقبول للأصلح.

غيرَ أنَّ كثيرًا من الناس قد توسَّعوا في استعمالِ هذا المبدأ وأَساؤوا فهمه، فأقحموه في غيرِ ما وضِعَ له حتى أصبحَ ظاهرة كثيرةَ التفشّي في المجتمعات المسلمة على نحو ما ذكرنا لكم آنفًا، فتحوَّل الأمر من كونِه محَلاً للإرفاقِ إلى كونه محلاً للمُضارَّة، والمضارّةُ لم تأتِ في كتاب الله إلا مذمومةً مَرفوضَة، كقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾. وكقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. وكقوله: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. وقال النبيَّ صلى الله عليه وسلم: «لا ضررَ ولا ضرار». 

ألا يظن إلزامها للناس:

فالشافع، يتوسط لتحقيق مصلحة، أو رفع ضرر، في حدود الشرع، ولكن ليس شفاعته، إلزامية، فيمكن لمن تشفع عنده ألا يقبل الشفاعة، ولا يغير في ذلك علو مكانة الشافع، فعن ابن عباس رضي الله عنهما في قصة بريرة وزوجها رضي الله عنهما. قال: قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «لو راجعته»، قالت: يا رسول الله! تأمرني؟ قال صلى الله عليه وسلم: «إنما أشفع»، قالت: لا حاجة لي فيه. 

أحكام تتعلق بالشفاعة الحسنة:

فقد تعرضنا في الخطبة السابقة، لأحكام الشفاعة للحي وفضلها، وهي التي لا يعرف الناس سواها، وهناك شفاعة أخرى غائبة عن كثير من الناس إلا ما رحم ربي وقليل ما هم. إنها الشفاعة للميت. نعم. «الميت» أحوج ما يكون للدعاء والشفاعة، تشفع فيه بدعائك الصالح الذي قد يقبله الله منك. «الميت» أحوج لهذه الشفاعة من ذلك الحي الذي تسعى له بكل جهدك وأعمالك لتصلح من حاله.

يقول صلى الله عليه وسلم: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء». وقال: «ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً، لا يشركون بالله شيئًا، إلا شفعهم الله فيه».

ويموت الميت في هذا الزمان، ولا يبالي به بعض أهله، ولا يكترثون بمن يُصلى عليه، أو يصلي عليه، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في شفاعة الأحياء: «اشفعوا تؤجروا»، فإنه يقول في الصلاة على الميت: «من خرج مع جنازة من بيتها أو صلى عليها، ثم تبعها حتى تدفن، كان له قيراطان من أجر، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد». 

إضاءات:

أنواع شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة: 

1- الشفاعة العظمى الخاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من بين سائر أخوانه من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. 

2- شفاعته صلى الله عليه وسلم في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة. 

3- شفاعته صلى الله عليه وسلم في قومٍ آخرين، قد أُمر بهم إلى النار لا يدخلوها. 

4- شفاعته صلى الله عليه وسلم في رفع درجات من يدخل الجنة فوق ما كان يقتفيه ثواب أعمالهم. 

5- شفاعته صلى الله عليه وسلم في أقوم ليدخلوا الجنة بغير حساب وهم السبعون ألفًا. 

6- شفاعته صلى الله عليه وسلم في تخفيف العذاب عمن يستحقه كشفاته في عمه أبى طالب أن يخفف عنه عذابه. 

7- شفاعته صلى الله عليه وسلم أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنة. 

8- شفاعته صلى الله عليه وسلم في أهل الكبار من أمته فمن دخل النار فيخرجون منها. وهذه الشفعة تشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون. 

أسعد الناس بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم: 

عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال: قيل: يا رسول الله! من أسعد الناس لشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه، أو نفسه». 

قصة شفاعة:

قال ابن الجوزي رحمه الله: 

كان هارون الثرقى قد عاهد الله أن لا يسأله أحد كتاب شفاعة إلا فعل، فجاءه رجل، فأخبره أن ابنه قد أُسر بالروم، وسأله أن يكتب إلا ملك الروم في إطلاقه، فقال له: ويحك! ومن أين يعرفني؟ وإذا سأل عنى، قيل: هو مسلم. فكيف يقضى حقي؟ فقال له السائل: اذكر العهد مع الله تعالى، فكتب له إلى ملك الروم، فلما قرأ الكتاب قال: من هذا الذي قد شفع إلينا؟ قيل: هذا قد عاهد الله لا يُسأل كتاب شفاعة إلا كتبه إلى أيٍّ من كان، فقال ملك الروم: هذا حقيق بالإسعاف، أطلقوا أسيره، واكتبوا جواب كتابه، وقولوا له: اكتب بكل حاجة تعرض، فإنا نُشفعك فيها.

* * *

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*