الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » محاسن الإسلام » آداب الفرح والابتهاج

آداب الفرح والابتهاج

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديَ له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: 

الفرح من آيات الله في نفس الإنسان: 

يقول الله جل وعلا في محكم التنزيل: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، ويقول جل شأنه: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، وإن الآيات العظام التي أودعها الله جل وعلا أنفس بني آدم لهي كثيرة حقًا، يعز على اللبيب حصرها ويعيى المتحدث سردها، ولو كلف المرء نفسه مرة في أن يستخلص بعضًا مما يثير الإعجاب في هذا التكوين، لوجد أن من الملفت حقًا ما يكمل في نفسه التي بين جنبيه من الأضداد المزدوجة والمتقابلة، والتي تكيف نفسها بقدر من الله وحكمة، بالتعامل مع الأحداث والمواقف، ولوجد المرء نفسه بين خلايا من الشعور اللاإرادية التي فطر الله الناس على أصله وقاعدته.

ويبدو ذلك بوضوح في مثل الضحك والبكاء، والقوة والضعف، والرغبة والرهبة، والذلة والعزة، والخوف والرجاء، والحب والفرح، والغضب والرضا، كل ذلك يجتمع في النفس الواحدة في غير ذهول ولا جنون، وإنما هي خلال جبلية أودعها الله النفس البشرية.

حقيقة الفرح: 

إننا بحاجة ملحة إلى أن نلقي الضوء قليلاً في عدل وإنصاف، ومن منطلق النصح والتوجيه على واحد من تلك الأضداد الآنف ذكرها، ألا وهو الفرح، الفرح الذي يكون مقابلة الحزن والكآبة، الفرح الذي هو لذة في القلب بسبب الحصول على أمر محبوب، وانشراح في الصدر عند بلوغ مقصد مطلوب، أنسًا بما يسر عند بلوغ مقصد مطلوب، أنسًا بما يسر والذي يترجم عنه بالجوارح بالابتسامة حينًا، أو بأسارير الوجه حينًا آخر، ولربما بلغت العاطفة نفس الفرح فكان من فرط ما قد سره أبكاه.

وقد عرف أهل اللغة الفرح بأنه: السُّرورُ… والمِفْراحُ: الكثيرُ الفَرَحِ. والفُرْحَةُ بالضم: المَسَرَّةُ ويُفتَحُ وما يُعْطيهِ المُفَرِّحُ لك. 

إن الله عز و جلبقسطه وعدله جعل الفرح والروح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن بالسخط والشك، فالساخط والشاك لا يذوق للفرح طعمًا، ولا يرى له طيفًا؛ لأن الساخط العيش كثير الطيش، بل إن حياته كلها سواد ممتد وليل حالك لا يعقبه نهار إلا بفضل من الله ومَنّ، فهو دائم الكآبة ضيق بالناس، ضيق بنفسه، كأن الدنيا في عينه سم الخياط حتى يكون حرضًا أو يكون من الهالكين. 

الفرح فرحان

إن المقاصد المثيرة للفرح برمتها منها ما هو شريف ومنها غير شريف، والإسلام بشرعته ومنهاجه يحرض أتباعه في كل حين على أن يفرحوا بما يحمد ويذكر، من الأمور والأعمال الظاهرة والباطنة؛ ولأجلها نهاهم جل وعلا عن أن يفرحوا بزخرف الدنيا ومتاع الحياة الزائل، أو يفرحوا بالسطوة في الأرض بغير الحق، أو يفرحوا فرح الاعتزاز أو الادخار الكاذب ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾. قال الطبري: «وفرحوا بالحياة الدنيا يقول تعالى ذكره وفرح هؤلاء الذين بسط لهم في الدنيا من الرزق على كفرهم بالله ومعصيتهم إياه بما بسط لهم فيها وجهلوا ما عند الله لأهل طاعته والإيمان به في الآخرة من الكرامة والنعيم». وقال السعدي رحمه الله: وفرحوا بالحياة الدنيا: «فرحا، أوجب لهم أن يطمئنوا بها، ويغفلوا عن الآخرة، وذلك لنقصان عقولهم».

وقال: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾. قال الماوردي: «في الفرح والمرح وجهان

أحدهما: أن الفرح: السرور والمرح: البطر، فسرّوا بالإمهال وبطروا بالنعم 

الثاني: الفرح والسرور، قاله الضحاك، والمرح العدوان. 

روى خالد عن ثور عن معاذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يبغض البذخين الفرحين المرحين، ويحب كل قلب حزين ويبغض أهل بيت لحمين، ويبغض كل حبر سمين». فأما أهل بيت لحمين فهم الذين يأكلون لحوم الناس بالغيبة، وأما الحبر السمين فالمتحبر بعلمه ولا يخبر به الناس، يعني المستكثر من علمه ولا ينفع به الناس». 

وفي المقابل أمرنا الله عز و جلبالفرح بما يخص أمر الدين والآخرة ومرضاته سبحانه وتعالى، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. وهكذا فلا يفرح عاقل إلا بثابت لا بزائل، ولهذا الفرح الذي نسب إلى الله في فرحه بتوبة عبده، لأن التوبة أمر لازم دائم الوجود، ولا سيما في الآخرة لأن العبد راجع إلى الله في كل ما هو عليه.

فرح الهأ سبحانه وتعالى: 

الفرح صفة جبلية في البشر، وهو قبل ذلك صفة لله جل وعلا تليق بجلاله سبحانه وتعالى، وهي في منتهى الكمال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ومن حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للهُ أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم كان على راحلة في أرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فيئس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح». 

إن لفرح الله سبحانه بتوبة عبده شأنًا لا ينبغي لأحد أن يغفله، أو يعرض عنه، بل إن من عرف ذلك فهو الموفق الذي لا يغضب، إذ لا يتنبه لمثل هذا، إلا من له معرفة بالله وبأسمائه وبصفاته، وما يليق بالباري جل ذكره، ومثل هذا الحديث قد تقصر عنه أصحاب بعض بني هذا الزمان؛ لضعف عقولهم وعلومهم عن احتماله، إبان نقص في العلم وجنوح غير يسير عن تربية المرء على التعلق بالله سبحانه وتعالى.

غير أننا نقول كما قال ابن القيم رحمه الله: «إن الله عز و جلسيتم هذه البضاعة إلى تجارها ومن هو عارف بقدرها، وإن وقعت في الطريق بيد من ليس عارفًا بها فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». 

حاجة المؤمن إلى السكينة حال الفرح: 

إن العبد محتاج إلى السكينة في حال الفرح؛ لئلا يتجاوز هذا الفرح ما يحبه الله إلى ما لا يحبه الله، كما قال قوم قارون له: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾، فالله عز و جللا يحب الفرح الذي ينقلب إلى فسق وفساد واعتداء، وإنما الفرح المطلوب هو الفرح المعتدل الذي يكون بسبب صحيح، فحتى في حال الفرح، يحتاج الإنسان إلى السكينة؛ لئلا يتحول فرحه إلى فرح يبغضه الله عز و جلولا يحبه ولا يحب أهله، ومن ذلك ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من اعتدال ووسطية في الفرح كمان كان صلى الله عليه وسلم في كل أمره.

وسطية الرسول صلى الله عليه وسلم في الفرح والحزن: 

كان الرسول صلى الله عليه وسلم وسطًا في رسالته، ليس بالضاحك الذي أسرف على نفسه في الضحك، وليس بالذي تقمص شخصية الحزن والكآبة والحسرة والندامة، والناس قليل منهم الوسط، فهو صلى الله عليه وسلم كان وسطًا في كل شيء، وسطا في المعتقد، ووسطا في العبادة والتشريع، ووسطا في الآداب والسلوك.

وتجد كثيرًا من الناس يضحكون ويقهقهون حتى يتمايلوا ويتساقطوا، وفي المقابل تجد بعضهم لا يضحك أبدًا، ولا حتى في العيدين، فتجد الناس يتعاودون والكباش تذبح وهو لا يضحك. ويقال له: ابتسم، فلا يتبسم.

كان ضحكه صلى الله عليه وسلم ابتسامًا: 

كان صلى الله عليه وسلم يبكي من خشية الله بكاءً ربما أحدث صوتًا أحيانًا، وكان يتبسم كثيرًا، والضحك نادر في حياته، وأكبر ضحكه – كما ورد في الأحاديث – أنه ضحك حتى بدت نواجذه صلى الله عليه وسلم. 

قال جرير بن عبد الله: ما رآني صلى الله عليه وسلم إلا تبسم في وجهي ، والبسمة ليست عبثًا، بل شرى بها قلوب الناس وقلوب القبائل والشعوب عليه الصلاة والسلام، يقول الله عز و جل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، ويقول له: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. 

مقياس الفرح والحزن عند الصحابة: 

كان صحابة رسول الله رضي الله عنه يفرحون بما يرضي الله عز و جلويرضي رسوله صلى الله عليه وسلم، في غير مخيلة ولا كبر ولا سرف.

هذا حنظلة بن أبي عامر الأسيدي كما ورد في صحيح مسلم: كان كسف البال مغتمًا، منكس الرأس، فلقيه أبو بكر رضي الله عنه، فقال له: ما بالك يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة! قال: وما ذاك؟ قال: إنا إذا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا عن الإيمان والجنة والنار، فكأنا نرى كل ذلك بأعيننا، فإذا انقلبنا إلى أهلنا وعافسنا الأزواج والنساء تغيرنا، وفي رواية: أنكرنا نفوسنا. فقال أبو بكر: لئن كان كما تقول فكلنا ذلك الرجل، فانطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لو تدومون على حالكم التي تكونون عليها عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن ساعة وساعة».

وهكذا ينبغي أن تكون مشاعرنا؛ فرحًا بالطاعة وحزنًا على فواتها، وعلى ما يقع من تفريط في جنب الله سبحانه وتعالى، لا نفرح بما قد يكون من أمر الدنيا، فإن فرحنا لأنه يعين على الطاعة والآخرة فلا بأس؛ فينبغي أن نتنبه في هذه المسألة.

تلك كانت ساعتا الصحابة، وليست كالتي عندنا التي يستشهد بها الناس ويطبقونها تطبيقًا سيئًا ساعة فيها شيء من الطاعة قليل، وساعة فيها من المعاصي ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.

الفرح المحمود: 

الفرح شأنه شأن الوعاء، الحكم عليه مبني على ما يكون فيه من المادة الداعية إليه، فالفرح إنما يكون محمودًا حينما تجده في مقابل نعمة التوفيق بطاعة من الطاعات أو قربة من القربات، أو كفرحة المجاهد الذي قهر شهواته وقاوم رغباته، أو كانتصار ما يحبه الله على ما لا يحبه، وكذا دفع الباطل بالحق فإذا هو زاهق، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. 

وإن للمسلمين كل الحق في أن يبتهجوا ويفرحوا؛ إذا نالوا نعمة خالصة أو أمنية خالية من شوائب الحظوظ العاجلة في دينهم ودنياهم مما يضر ولا ينفع، ولكنهم يفرحون إذا فرحوا فرح الأقوياء والأتقياء، وهم في الوقت نفسه لا يبغون ولا يزيغون ولا ينحرفون عن الصواب ولا يتعسفون، ناهيكم عن كونهم يعمرون فرحتهم بذكر ربهم الذي أتم عليهم نعمته ورزقهم من الطيبات، وهيأ لهم في كونه كثيرًا من أسباب البهجة والسرور، بل ولربما تعدى الأمر إلى أبعد من ذلك حتى إلى مقابلة الابتلاء والامتحان بالفرح لما يفضي إليه، من محو للسيئات ورفع للدرجات. 

الفرح بالابتلاء لأنه من المكفرات: 

فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فوضعت يدي عليه؛ فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله! ما أشدها عليك، قال: «إنا كذلك يضعَّف لنا البلاء ويضعَّف لنا الأجر»، قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء، قال: «الأنبياء»، قلت: يا رسول الله! ثم من؟ قال: «ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء». 

قال ابن القيم رحمه الله: «ولو رزق العبد من المعرفة حظًا وافرًا لعد المنع نعمة، والبلاء رحمة، وتلذذ بالبلاء أكثر من لذته بالعافية، ولتلذذ بالفقر أكثر من لذته بالغنى، وكان في حال القلة أعظم شكرًا من حال الكثرة. وهذه كانت حال السلف، فالعاقل الراضي من يعد البلاء عافية، والمنع نعمة، والفقر غنى، فالراضي هو الذي يعد نعم الله عليه فيما يكرهه أكثر وأعظم من نعمه عليه فيما يحبه، وقال سفيان الثوري رحمه الله: «منعه عطاء وذلك أنه لم يمنع عنه بخلاً ولا عدمًا وإنما نظر في خير عبده المؤمن فمنعه اختيارًا وحسن نظر». 

الفرح بقاء فروض الله عز و جل: 

مثل فرح الصائم بفطره الذي عناه المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: «للصائم فرحتان يفرحهما: إذ أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه».

أما فرحة الصائم عند فطره فهي فرحةٌ دنيوية وفرحةٌ عاجلة، وهي سعادة لأن السعادة في الحقيقة هي فرح القلب، فالذين يبحثون عن السعادة لا يجدونها إلا في طاعة الله تعالى وتقواه، وهذا نموذج للسعادة.

فالذي يفطر يفرح عند فطره، وفرحه يكون من وجهين: الأول: فرحه بأن الله تعالى أباح له الأكل والشرب، والنفس مجبولة على حب الأكل والشرب، ولذلك تعبدنا الله تبارك وتعالى بتركهما، كما يترك الإنسان الجماع، مع أنه يرغبه وقد ركب في طبعه وجبلته، فيتركه طاعة لله تعالى، فإذا أذن له في ذلك فرح بأنه سوف يأكل ويشرب.

والأمر الآخر الذي يفرح به، وهذا فرح أعلى وأسمى من الفرح الأول: أنه يفرح لأن الله تعالى وفقه لإتمام صيام ذلك اليوم، فيفرح بإكمال هذه العبادة وإتمامها على الوجه المطلوب، فهو فرح من الوجهين.

الفرح بشريعة الله عز و جل: 

ومن الفرح المحمود فرح المؤمن بشريعة ربه، وأمره ونهيه، وعدم التقديم بين يدي الله ورسوله، بل يفرح أشد الفرح إن كان ممن عناه الله بقوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وممن قال الله سبحانه وتعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. 

ففي هاتين الآيتين دعوة محضة للارتقاء بفرح القلب بالإسلام ومجيء المصطفى صلى الله عليه وسلم، خلافًا لمن يشاقّون بها أو يناقشون ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. 

من مظاهر الفرح المحمود: 

الفرح المحمود يترجم في الواقع بما تحمله في طيات نفسك لأخيك المسلم، فتفرح لفرحه وتسر لوصول النعمة إليه، أضف إلى ذلك الفرح حينما يسلم عبد أو يتوب عاصٍ، كما فرح الصحابة رضي الله عنه بإسلام الفاروق رضي الله عنه أو غيره من الصحابة، لا الازدراء الموجه تجاه من يتمسك بدينه ويعتز بكونه من ركاب الصالحين و الطائفة الناجية المنصورة. 

قال أبو هريرة رضي الله عنه: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يومًا، فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي قلت: يا رسول الله! إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره؛ فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اهدِ أم أبي هريرة»، فخرجت مستبشرًا بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم فلما جئت وصرت إلى الباب فإذا هو مجافى، فسمعت أمي خجف قدمي فقالت: مكانك يا أبا هريرة! وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب ثم قالت: يا أبا هريرة! أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قلت: يا رسول الله! أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله وأثنى عليه(. 

مظاهر الفرح المذموم: 

والفرح المذموم هو الذي يولد الأشر والبطر، وهو ما كان ناتجًا عن الغفلة والخواء، وليس من شأن المسلم أن يكون مفراحًا إلى درجة الإسراف؛ إذ ما من شيء من أمور الدنيا إلا والإسراف يشينه كما أن الاعتدال يزينه، إلا عمل الخير ولذلك قيل: لا خير في الإسراف ولا إسراف في الخير. 

ومن هذا المنطلق فإن الإسراف في الفرح سواء كان في الأعراس أو شبهها، مدعاة للخروج عن المقصود بل ولربما أدى إلى الوقوع فيما لا يرضي الله سبحانه وتعالى من معاصٍ أو ضجيج وأهازيج، تقلق الذاكر، وتنغص الشاكر.

ومن الطوام العظام في الفرح المذموم فرح المرء بالعمل وإظهاره للناس والتسميع والمراءاة به، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به».

ويشتد الأمر خطورة حينما يفرح المرء بما لم يفعل من باب الرياء والتكبر، ففيهم يقول جل وعلا: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. 

ومثل ذلك في الخطورة فرح المرء بتقصيره في طاعة الله أو تخلفه عن ركب الصلاح والاستقامة، ونكوصه عن دعوة الداعي وأمر الآمر ونهي الناهي ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. 

الفرح بمصيبة المؤمنين والتضايق من مسراتهم: 

وهو من علامات النفاق أيضا، قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾.

فهؤلاء إذا جاء حادث على الصالحين، فرحوا ونشروا الخبر وأظهروا أنهم متألمون، وفي باطنهم الفرح والمسرة والتروح لهذا الأمر، وإذا أصاب المسلمين كذلك مسرة غضبوا وتذمروا وتضايقوا، والله يتولى السرائر.

* * *

-- موقع السكينة

التعليقات

  1. السلام عليكم
    الله يعطيك العافية علي هذا الموضوع القيم لكن يا اخي الله يسعدك هناك اخطاء املائية قاتلة اريد ان الفت نظرك اليها ففي باب حاجة المؤمن الي السكينة حال الفرح مكتوب فالله عز و جل لا يحب الفرح الذي ينقلب إلى فسق وفساد واعتداء ,, ارجع اليها ستجدها مكتوب يحب بدون اللام … فارجو منك التدقيق الاملائي اخي والموضوع ما شاء الله ممتاز واسأل الله تعالي ان يكتب لك اجره …

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*