الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » محاسن الإسلام » آداب المزاح

آداب المزاح

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: 

فإن من عظمة هذا الدين وشموليته وسعته أنه ما ترك شيئًا في حياة المسلم إلا ونظمه ورتبه، وجعل له قواعد وضوابط يسير عليها ويلتزم بها، وذلك كله بأمر الله جل وعلا وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن مما يشتهر عند غير المسلمين – وبعض المسلمين للأسف أيضًا – أن دين الإسلام دين كبت وحبس للنفس، فلا ضحك ولا مزاح، ولا لهو ولا متعة.

ولكن شمولية الإسلام تأبى إلا أن تبيح الترويح عن النفس، بضوابط تضمن ألا يتعدى الترويح والمرح إلى الخصومات، فلذلك لزم أن نتحدث عن المزاح ضمن الآداب الإسلامية.

تعريف المزاح: 

المزح والمزاح: الدعابة، وهو نقيض الجد. فالمزاح: كلام يراد به المباسطة بحيث لا يفضي إلى أذى، فإن بلغ به الإيذاء فهو السخرية. 

مشروعية المزاح: 

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يمزح ويداعب أهله وأبناءه وأصحابه، ولكن لم يؤثر عنه الكثير في هذا المجال لاستيعاب الجد وقته كله، فقد ثبت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه مزح، كما روى الترمذي رحمه الله عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا ذا الأذنين». قال أبو أسامة الراوي: أي: يمازحه، وليس المقصود السخرية أو الاستهزاء، وإنما ممازحة منه صلى الله عليه وسلم؛ لأن كل إنسان له أذنان، وهو حديث صحيح. 

فالمزاح مشروع، كما دل على ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ومن ذلك ما يلي: 

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا: يا رسول الله! إنك لتداعبنا! قال صلى الله عليه وسلم: «إني لا أقول إلا حقًا – وفي رواية: إني لأداعبكم». 

2- وكان صلى الله عليه وسلم يلاعب زينب بنت أم سلمة ويقول: «يازوينب! يا زوينب!» مرارًا. 

3- وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: «يا أبا عمير! ما فعل النغير؟». 

4- وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدلع لسانه للحسن بن علي رضي الله عنهما، فيرى الصبي حمرة لسانه فيبهش إليه. أي: يسرع إليه بعد أن أعجب به. 

5- وعن أنس أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حرام، وكان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية، فيجهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن زاهرًا باديتنا، ونحن حاضروه» قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه، وكان دميمًا، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يومًا، وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال: أرسلني! من هذا؟ فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل لا يألو ما ألزق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يشتري العبد؟»، فقال: يا رسول الله! إذًا والله تجدني كاسدًا، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لكن عند الله لست بكاسد»، أو قال: «لكن عند الله أنت غال». 

كذلك مزح الشعبى يومًا، فقيل له: يا أبا عمرو! أتمزح؟ قال: إن لم يكن هذا متنا من الغم. 

قال أبو الفتح البستى: 

أفد طبعك المكدود بالجد راحة 

ولكن إذا أعطيته المزح فليكن

تراح، وعلله بشىء من المرح 

على قدر ما يعطى الطعام من الملح

 

أنواع المزاح: 

المزاح المحمود: 

وضابطه كما قال ابن حبان: «هو الذي لا يشوبه ما كره الله عز و جل، ولا يكون بإثم ولا قطيعة رحم». 

المزاح المذموم: 

وضابطه كما قال ابن حبان أيضًا: «الذي يثير العداوة، ويُذهب البهاء، ويقطع الصداقة، ويجرئ الدنيء عليه، ويحقد الشريف به». 

الأهداف السامية في مزاح النبي صلى الله عليه وسلم: 

جاء في السنة النبوية صور كثيرة تذكر أن النبي كان يمازح أصحابه ويمازحونه، وهذا يفيد إباحة المزاح إذا خلى عن الحرام كالكذب والترويع. ومن صور مزاح النبي ما رواه جابر، قال: كان رسول الله إذا أتاه الوحي أو وعظ قلت: نذير قومٍ أتاهم العذاب، فإذا ذهب عنه ذلك رأيت أخلق الناس وجهًا وأكثرهم ضحكًا (تبسمًا) وأحسنهم بشرًا. 

لكن مزاح النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن للعبث أو لمجرد الترويح، بل كان جزءًا من تربيته لأصحابه، فمن أهداف مزاح النبي صلى الله عليه وسلم: 

1- المزاح للتحبب: 

قدم صهيب رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه تمر وخبز قال: أدن فكل، فأخذ يأكل من التمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن بعينك رمدًا»، فقال: يا رسول الله: إنما آكل من الناحية الأخرى. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم. 

وعن أنس رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله احملني، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا حاملوك على ولد ناقة»، قال: وما أصنع بولد الناقة؟! فقال صلى الله عليه وسلم: «وهل تلد الإبل إلا النوق». 

وعن أنس رضي الله عنه قال: ربما قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «يا ذا الأذنين». 

ويقول عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة من آدم، فسلمت، فرد وقال: «أدخل» فقلت: أكلي يا رسول الله؟ قال: «كلك، فدخلت». قال عثمان بن أبي العاتكة: إنما قال: «أدخل كلي» من صغر القبة . 

وبينما أسيد رضي الله عنه يحدث القوم وكان فيه مزاح، بينما يضحكهم فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم في خاصرته بعود، فقال: أصبرني، فقال: «اصطبر»، قال: إن عليك قميصًا وليس علي قميص، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم عن قميصه فاحتضنه، وجعل يقبل كشحه، قال: إنما أردت هذا يا رسول الله . 

2- المزاح للمواساة.

وعن أنس رضي الله عنه: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليخالطنا، حتى يقول لأخ لي صغير: «يا أبا عمير ما فعل النغير». وفي رواية لأحمد عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل على أم سليم ولها ابن من أبي طلحة يكنى: أبا عمير، وكان يمازحه فدخل عليه فرآه حزينًا فقال: «مالي أرى أبا عمير حزينًا ؟» فقالوا: مات نغره الذي كان يلعب به، قال: فجعل يقول: «أبا عمير ما فعل النغير». 

3- المزاح من أجل التربية.

وفيه أن خوات بن جبير الأنصاري رضي الله عنه كان جالسًا إلى نسوة من بني كعب بطريق مكة، فطلع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أبا عبد الله مالك مع النسوة؟» فقال: يفتلن ضفيرًا لجمل لي شرود، فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته ثم عاد فقال: «يا أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد؟» قال خوات: فاستحييت وسكت، فكنت بعد ذلك أتفرر منه، حتى قدمت المدينة فرآني في المسجد يومًا أصلي، فجلس إلي فطولت، فقال: «لا تطول فإني أنتظرك»، فلما سلمت، قال: «يا أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد؟»، فسكت واستحيت فقام، وكنت بعد ذلك أتفرر منه حتى لحقني يومًا وهو على حمار وقد جعل رجليه في شق واحد. فقال: «يا أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد؟» فقلت: والذي بعثك بالحق ما شرد منذ أسلمت، فقال: «الله أكبر، الله أكبر، اللهم اهد أبا عبد الله». قال: فحسن إسلامه وهداه الله. 

صور من مزاح السلف الصالح رضوان الله عليهم: 

ومما ورد في مزاح أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما رواه البخاري عن بكر بن عبد الله المزني قال: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمازحون حتى يتبادحون بالبطيخ، فإذا حزبهم أمر كانوا هم الرجال». وهذا ليس فيه إهدار للنعمة، أو أنه يؤذي، بمعنى: أنه يضربه بشيء ثقيل، فلو أنه حصل في بعض المناسبات أن رماه بقشرته – مثلاً – دون أن يؤذيه فلا بأس، لكن المقصود أنه كان في بعض المواقف يحصل شيء من هذا، قد يكون في الأسفار عندما يكون الجو فيه تعب، فيكون المزاح في السفر مما يقبل، لأن في السفر شدة وعناء، والملاطفة والممازحة في السفر أوكد من الحضر، فيكون مقبولاً.

وسئل النخعي رحمه الله: هل كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يضحكون؟ قال: نعم، والإيمان في قلوبهم كالجبال الرواسي، والناس الآن قد يغرقون في الضحك، لكن ما عندهم إيمان لا مثل الجبال الرواسي ولا مثل القدور الرواسي. 

وكذلك فإنه قد جاء في مزاح عدد من السلف آثار، فمن ذلك: ما رواه ابن أبي المليح، عن أبيه، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إني ليعجبني أن يكون الرجل في أهله مثل الصبي، فإذا أربد منه حاجة وجد رجلاً». أي: أنه يكون عنده تواضع لأهله، ولين ورفق، ولكن إذا كانت حاجة المرأة إلى رجل كان رجلاً.

وكذلك مما جاء عن عيينة بن حصن رضي الله عنه أنه شكا إلى نعيمان – و نعيمان كان فيه طرافة – صعوبة الصيام، فقال: صم الليل، فروي أن عيينة دخل على عثمان وهو يفطر في شهر رمضان، فقال: العشاء، فقال: أنا صائم، فقال عثمان: الصوم بالليل، فقال: هو أخف عليّ، فيقال: إن عثمان قال: هذه إحدى هنات نعيمان -وكبير السن الذي لا يستطيع أن يصوم يشرع له الإفطار ويطعم: ﮋ ﮄ ﮅ ﮆ ﮊ. 

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لا بأس بالمفاكهة، يخرج بها الرجل عن حد العبوس». أحيانًا تكون هناك للمازحة مناسبات، وتكون مؤكدة ومقبولة، كأن يكون هناك رجل عابس أو مقطب، فالإنسان يمازحه ليذهب عنه تقطيبه أو عبوسه، وقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام مهموم وفيه غم بسبب ما حصل مع زوجاته، قال عمر رضي الله عنه: «أردت أن أقول شيئًا أضحك به النبي صلى الله عليه وسلم » .فهو تقصد ذلك في هذه المناسبة.

وكذلك روي أن عليًا رضي الله عنه جاءه رجل يشكو إليه، يقول: إني احتلمت على أمي -أي: إني رأيت أني أزني بأمي – فقال: أقيموه بالشمس واضربوا ظله حد الزنا. كأنه يقول: أنا مهموم، وحصلت لي مصيبة: رأيت في المنام أني وقعت على أمي، ماذا أفعل؟ ما هو الحكم الآن؟ و علي رضي الله عنه معروف في القضاء، قال: أقيموه في الشمس، واجلدوا ظله، تخفيفًا عن الرجل.

وروى الأعمش عن أبي وائل أنه قال: مضيت مع صاحب لي نزور سلمان، فقدم إلينا خبز شعير وملحًا جريشًا، فقال صاحبي: لو كان في هذا الملح زعتر كان أطيب، فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد الله الذي قنعنا بما رزقنا، فقال سلمان: لو قنعت بما رزقت لم تكن مطهرتي مرهونة. – أي: من أجل أن آتي لك بالزعتر رهنت مطهرتي، لأنه ليس عندي قيمة الزعتر -، وأنت تتمنى الزعتر على صاحب البيت، فتسبب ذلك أن المطهرة مرهونة الآن من أجلك.

وكذلك جاء من الطرف عن الشعبي – والشعبي من العلماء الكبار -، لكن كان مزاحًا – فمما جاء عن الشعبي أنه سئل عن المسح على اللحية؟ فقال: خللها بالأصابع، قال: أخاف ألا تبلها – فبعض العلماء المفتين قد يمزح مع السائل مزحة، لكن لها معنى ومغزى، وليست فقط للضحك – قال: أخاف ألا تبلها – هذا تنطع – قال الشعبي رحمه الله: إن خفت، فانقعها من أول الليل!!. 

وسأله آخر: هل يجوز للمحرم أن يحك بدنه؟ قال: نعم. قال: مقدار كم؟ قال: حتى يبدو العظم. وروى الشعبي حديثًا: «تسحروا ولو بأن يضع أحدكم أصبعه على التراب ثم يضعها في فيه» فقال رجل: أي الأصابع؟ فتناول الشعبي إبهام رجله، وقال: هذه. 

وقال رجل: ما اسم امرأة إبليس؟ قال الشعبي: ذاك نكاح ما شهدناه. 

ووقع مرة بين الأعمش وامرأته وحشة، فسأل بعض أصحابه أن يصلح بينهما، فقال هذا الصاحب لزوجة ذاك محاولاً تلطيف ما بينهما، قال: هذا سيدنا وشيخنا أبو محمد، فلا يزهدنك فيه عمش عينيه، وحموشة ساقيه، وضعف ركبتيه، وقزل رجليه، وجعل يصف!! فقال الأعمش: قم عنا، فقد ذكرت لها من عيوبي ما لم تكن تعرفه. 

وجاء رجل إلى أبي حنيفة رحمه الله، فقال له: إذا نزعت ثيابي ودخلت النهر أغتسل فإلى القبلة أتوجه أم إلى غيرها؟ فقال له: الأفضل أن يكون وجهك إلى جهة ثيابك لئلا تسرق. 

ضوابط المزاح: 

وللمزاح حدودٌ وضوابطُ، فقد سئل بعض السلف عن مزاح النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كانت له المهابة العظمى، فلو لم يمازح الناس لما طاقوا – أى الصحابة – الاجتماع به والتلقى عنه صلى الله عليه وسلم، وكان يمزح ولا يقول إلا حقًا»، فمن ضوابط المزاح ما يلى: 

عد الإفراط في المزاح: 

فمزاح النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فيه إغراق في الضحك، بل كان مزاحا معتدلا. فإن الإكثار من المزاح يسقط الهيبة ويوقع في الخطأ و لا بد، والمتأمل لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؤيجد أنه كان يمزح أحيانًا ولا يكثر منه. فلا ينبغي للإنسان أن يكثر من المزاح حتى يعرف بذلك.

قال ابن حجر: أن المنهى عنه ما فيه إفراط أو مداومة عليه لما فيه من الشغل عن ذكر الله، والتفكر في مهمات الدين، ويئول كثيرًا إلى قسوة القلب والإيذاء، والحقد، وسقوط المهابة والوقار، والذي يسلم من ذلك هو المباح، فإن صادف مصلحة مثل تطييب نفس المخاطب ومؤانسته فهو مستحب. 

ألا يكون بكذب: 

ولذلك إذا تأملت الأحاديث التي ذكرناها في مزاح النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه تجد كل ما كان يمزح به النبي صلى الله عليه وسلم كلمات ليس فيها كذب. كقوله صلى الله عليه وسلم: «إنا حاملوك على ولد الناقة». وما ولد الناقة: إنه الجمل. وقوله لأنس رضي الله عنه: «يا ذا الأذنين». فأنس رضي الله عنه له أذنان، وكل الناس كذلك.

وهكذا يكون المزاح بغير كذب أو افتراء، وكم يحدث اليوم من الكذب في اختراع قصص وحكايات لا أصل لها ولا صحة لها لأجل إضحاك الناس، وقد صح الحديث بالتهديد للذي يفعل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث ورد عند أبي داود والترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له». 

ألا يكون فيما يتعلق بالدين: 

وذلك بألا يكون فيها استهزاء بشيء من الدين، كالاستهزاء بالكتاب العزيز، أو بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، أو بالملائكة، فبعض النكت مذكور فيها استهزاء بالملائكة، أو الجنة والنار، أو عذاب القبر.

وهذا للأسف يحصل من بعض الناس هداهم الله، فقد وجد في أيامنا هذه ما تسمى بالنكات أو الطرف حول الملائكة والأنبياء أو القرآن والأحاديث، وهذا من أخطر ما يكون، حيث إن هذا الفعل كفر مخرج من الملة عياذًا بالله.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: «ومن هزل بالله أو بآياته الكونية أو الشرعية أو برسله فهو كافر، لأن منافاة الاستهزاء للإيمان منافاة عظيمة. كيف يسخر ويستهزئ بأمر يؤمن به؟ فالمؤمن بالشيء لا بد أن يعظمه وأن يكون في قلبه من تعظيمه ما يليق به. والكفر كفران: كفر إعراض وكفر معارضة، والمستهزئ كافر كفر معارضة، فهو أعظم ممن يسجد لصنم فقط، وهذه المسألة خطيرة جدًا، ورب كلمة أوقعت بصاحبها البلاء بل والهلاك وهو لا يشعر فقد يتكلم الإنسان بالكلمة من سخط الله ﻷ لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار، فمن استهزأ بالصلاة ولو مازحًا أو بالصوم أو بالزكاة أو بالحج فهو كافر بإجماع المسلمين. كذلك من استهزأ بالآيات الكونية بأن قال مثلاً: إن وجود الحر في أيام الشتاء سفه، أو قال: إن وجود البرد في أيام الصيف سفه. فهذا كفر مخرج من الملة لأن الرب كل أفعاله مبنية على الحكمة». 

ألا يكون فيه انتقاص من قدر الآخرين بسخرية أو استهزاء: 

ومن ضوابط المزاح في الإسلام ألا يكون فيه إيذاء للغير، سواء كان إيذاءً بدنيًا أو شعوريًا. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. فهذه الأمور فيها إيذاء شعوري للمؤمنين، وقد يصل إلى الإيذاء البدني، فحرمها الله منعًا لذلك.

واليوم تكثر التجاوزات في هذا الجانب بحجة المزاح، فتجد البعض ما إن يعلم أن أخاه يغضب من شيء معين حتى يكثر المزاح معه فيما يغضبه قاصدًا إغضابه. وهذا أمر محرم.

ألاَّ يضر بشخصه بين الناس:

فعلى المرء ألا يجعل من نفسه مضحكة أو مهرجًا للقوم، حتى إذا أراد أحد أن يضحك – كما يقولون – يأتي إلى هذا المهرج، ويقولون: ما هو آخر شيء عندك؟ أعطنا موقفًا، وللأسف صار هذا مشهورا بين الناس، حتى أنه صار كالواجبات، فأصبح في كثير من المقابلات الجادة مع بعض المؤولين أو المشايخ يكون فيها سؤال، مثل أن يقول: اذكر لنا موقفًا طريفًا مر بك؟ 

ألا يخل بتوقير أهل الهيبة: 

وذلك بألا يمازح مع الكبير والعالم بما لا يليق بمقامه أن تمازحه في هذا المجال، فيجب التفريق بين ما يمكن أن يمازح شخص صديقه وما يمكنه من ممازحة اصحاب الشأن والهيبة والوقار.

أن يراعي شعور الآخرين: 

لأنه قد يأتي بمزحة لكن تجرح شعور الذي أمامه، فيجب على الإنسان أن يكون أديبًا يراعي مشاعر الخلق، وإذا أراد أن يمازح أحدا ألا يزعجه ولا يجعله يغضب منه، وليست القضية إضحاك أكبر عدد في المجلس، ولو كان فيها إيذاء للآخرين، وكثير من المزحات يكون فيها ضحايا، يعني: ضحك من في المجلس، لكن صار بينك وبين الذي مزحت به ضغينة، وهذا موجود في كثير من النكت وطرائف الناس، وربما قام من المجلس وقد خاصمهم وهجرهم، أو لم يكلمه إذ جعل منه أضحوكة في المجلس، وهذا يقع كثيرًا، وهذا لا شك أنه إيذاء للمؤمنين، وإيذاء المؤمنين حرام وسخرية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾. وبعض الناس متخصص في هذه القضية، المسألة أنه كيف يجعل الآخرين أضحوكة كيف يهزأ بهم في المجلس، كيف يجعلهم مضحكة في الناس، وهذا حرام لا يجوز.

ألا يكون فيه فحش: 

بعض النكت التي تُسمى عند العوام نكتًا هي عبارة عن قلة حياء، وقلة أدب وبذاءة، وتكون قبيحة، وهي كثيرة جدًا ومنتشرة بين الناس في المجالس، كل الطرف التي يأتون بها متعلقة بالعورات المغلظة، وربما بلغت البذاءة ببعضهم أن يأتيك بطرفة فيما يتعلق بجماع الرجل بزوجته، أو ما يكون بينهما من الأشياء، والله لا يحب الجهر بالسوء من القول، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشًا أو متفحشًا. 

ألا يكون فيه ترويع للمسلمين: 

عدم الترويع وعدم الإضرار به، فلا يأتي شخص ويخطف مفتاح سيارة شخص آخر أو يسرق، أو يأخذ منه شيئًا ثمينًا، فهذا فيه ترويع وخوف، وربما يبلغ الشرطة.

أن يكون في الوقت المناسب: 

فلا يكون – مثلاً – في وقت الوعظ، أو التذكير بالموت، أو جلسة علم وجِدٍّ، ويأتي في منتصف هذا الجو العلمي أو الوعظي من يلقي بطرفة، فهذا من أسوأ ما يمكن أن يحدث في مجالس العلم. 

ألا يكون فيه غيبة: 

الغيبة وحليفتها النميمة كلتاهما تصبان في مستنقع الفتنة، ولا يخلو مَنْ كَثُرَ مزاحه من هذه الآفة العظيمة؛ لأن من كثر كلامه كثر سقطه، فهو لا يشعر أنه وقع في الإثم أصلاً؛ لأنه – في زعمه – إنما يقول في فلان مازحًا غير قاصد ذلك. ولم يعِ تعريف النبي صلى الله عليه وسلم للغيبة بقوله: «ذكرك أخاك بما يكره». وقد أورد الترمذي في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا؛ فإنما نحن بك: فإن استقمتَ استقمنا، وإن اعوججتَ اعوججنا». 

عواقب كثرة المزاح: 

الإفراط في المزاح يؤدي إلى كثرة الضحك التي تميت القلب: 

قال صلى الله عليه وسلم: «ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب». ولما نظر وهيب بن الورد رحمه الله إلى قوم يضحكون في عيد فطر قال: إن كان هؤلاء قد غفر لهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان لم يغفر لهم فما هذا فعل الخائفين. 

المزاح يؤدي إلى الغفلة: 

والمسلم يحتاج إلى قلب حي لا تتسرب الغفلة إليه، في صراعه مع الشيطان، فقد أقسم الشيطان على غوايتنا: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾. 

والغفلة هي صفة الكافرين: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾. ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾. ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾. 

وفي يوم القيامة يقال لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾. فكان من جوابهم: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾. 

وهذه الغفلة حذر منها السلف أشد الحذر، فكان أبو يعلى رحمه الله يقول: «أتضحك ولعل أكفانك قد خرجت من عند القصار». 

وقال محمد بن واسع رحمه الله: «إذا رأيت رجلاً في الجنة وهو يبكي ألست تعجب من بكائه؟ قيل: بلى. قال: فالذي يضحك في الدنيا ولا يدري إلى ماذا يصير هو أعجب منه». 

قد يضيع الهيبة: 

فقد يؤدي المزاح حال كثرته إلى قلة الهيبة، أو اجتراء السفهاء على المازح، قال عمر رضي الله عنه: «من مزح استخف به». وقال محمد بن المنكدر رحمه الله: قالت لي أمي: «يا بني لا تمازح الصبيان فتهون عندهم». 

وعن سعيد بن العاص رضي الله عنه أنه قال: «لا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا الدنيء فيجترئ عليك». وقال الحسين بن عبد الرحمن: كان يقال: «المزاح مسلبة للبهاء، مقطعة للإخاء». 

وقد يسبب المزاح شيئًا من الضغينة: 

مما يكون المازح معه مذمومًا، قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «اتقوا الله، وإياكم المزاح، فإنه يورث الضغينة، ويجر إلى القبيح، فحدثوا بالقرآن وتجالسوا به، فإن ثقل عليكم فحديث حسن من حديث الرجال». 

وقال خالد بن صفوان رحمه الله: كان يقال: لكل شيء بذر، وبذر العداوة المزاح.

قد يجر إلى الحرام من القول: 

فيصبح المزاح حرامًا إذا صاحبه مخالفة شرعية، مما سبق التنبيه عليه، ومنه الترويع، وفيه أن أصحاب رسول الله كانوا يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى نبل معه فأخذها، فلما استيقظ الرجل فزع، فضحك القوم، فقال: «ما يضحككم؟» فقالوا: لا، إلا أنا أخذنا نبل هذا ففزع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا». 

وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يأخذن أحدكم متاع صاحبه جادًا ولا لاعبًا، وإذا وجد أحدكم عصا صاحبه فليردها عليه».

المزاح الذي قد يؤدي إلى الإضرار بالممزوح معه: 

روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار». وفي مسلم: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه». 

المزاح قد تُنتهك فيه حدود الله: 

فقد يمتد المزاح إلى باب كثير من أبواب الكبائر، كالاستهزاء ببعض القرآن، أو النبي، أو الأحكام الفقهية، أو العلماء، كما وقع من بعض المنافقين يوم تبوك حين استهزءوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، فنزل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾. 

بعض الوسائل العلاجية للحد من كثرة المزاح والضحك: 

1- تذكر أحوال الآخرة وقرب الأجل. 

2- التفكر بالعرض الذي من أجله خلقنا. 

3- الالتزام بالضوابط النبوية في المزاح. 

4- استغلال الفراغ بالأعمال النافعة المباحة. 

5- مصاحبة الأخيار وطلبة العلم الشرعى. 

إضاءة مهمة: خطورة الاستهزاء بالدين: 

حصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، عندما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرًا للقتال، تكلم بعض المنافقين بكلام زعموا أنه لعب ومزاح، فأنزل الله فيهم قرآنًا يتلى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾.

قال أبو معشر المديني: عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونًا، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء. فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب. فقال: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. وإن رجليه لتسفعان الحجارة وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متعلق بنسعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال عبد الله بن وهب: أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المسجد: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن، فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ الآية. ا.هـ.

وهكذا يتبين أن المزاح والاستهزاء بشرع الله كفر لا يجوز فعله.

* * *

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*