السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » محاسن الإسلام » آداب المعلم

آداب المعلم

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: 

فبدايةً ينبغي أن نقرر أن شرف التعليم وحيازة فضائله ليس مقصورًا على من توظف معلمًا، بل الواجب على كل مسلم أن لا ينفك عن تعليم الناس الخير، ولا سيما أهله وأقرب الناس إليه، ولا تحقر نفسك، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «بلغوا عني ولو آية»، ومن ثم فإن الحديث عن آداب المعلم يحتاجها كل من أوجبت عليه مكانته أن يقوم بهذه المهمة، أو جعلت التعليم مستحبًا في حقه.

فضل العلم: 

1- وقد جاء في فضل التعليم من الأحاديث الشيء الكثير، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «فَضْلُ الْعَالِمِ على الْعَابِدِ كَفَضْلِي على أَدْنَاكُمْ»، ثُمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السماوات وَالْأَرَضِينَ، حتى النَّمْلَةَ في جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ، لَيُصَلُّونَ على مُعَلِّمِ الناس الْخَيْرَ»، والصلاة من المخلوق هي الدعاء.

فأي منزلة عالية تلك التي يبلغها المدرس، أن يصلي عليه الله سبحانه وتعالى ، وملائكته الكرام الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون؟ بل وسائر أهل السماء وأهل الأرض.

2- وهذا هو النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لمن علِم وعلّم، ففي الحديث المتواتر: «نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها»، فهذه دعوة من النبي صلى الله عليه وسلم للمعلم.

3- مفتاح للأجر المضاعف: فقد قال صلى الله عليه وسلم: «من علم علما فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل». 

4- والتعليم موردٌ دائمٌ من الأجور، يمد المعلم بالأجر حتى وإن انتقل عن الدار الدنيا، فحين تنقطع أعمال الناس بموتهم يبقى للمعلم غرسٌ لا يزول أثرُه حين يخلِّف علمًا نافعًا، أو يخرج طالبَ علمٍ يحمل هذا العلم وينافح عن الدين، كما أخبر بذلك معلِّم البشريةة صلى الله عليه وسلم، بقوله: «إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ من عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ.. الحديث».

وقال الشاعر: 

إن المعلم في الوجود كنخلة يكفه

فخرًا إذ يقـال: معلم

تؤتِي مع الثمر الرطيب ظليلاً

فمعلم الأجيـال كان رسولاً

 

آداب المعلم: 

مما سبق تبين لنا فضل المعلم، فهل نتوقع أن ينالَ المعلمُ هذه الفضائل دون أن يكون له سبيلٌ قويم يسلكه في عمله ذاك؟ بالطبع لا؛ فإنه يحتاج لآداب نفسية ومهنية وتربوية تؤهله لاستحقاق هذه الفضائل، وفيما يلي نذكر عددًا من هذه الآداب.

إخلاص النية: 

إن النية الصالحة مع كونها شعورًا داخليًا، إلا أنها تمثل عاملاً يضبط سلوك المعلم، ويفرض عليه رقابةً داخليةً وخشيةً روحيةً، تنعكس على سلوكه الخارجي، فينتج عن ذلك: إتقانُ العمل، وحفظ الأمانة، وصيانة التلاميذ.

فعلى المعلم أن يحذر كل الحذر من الاشتغال بالعلم للأغراض الفاسدة، من المباهاة، والمماراة، والرياء، والرياسات، والتوسل به إلى الأمور الدنيوية، فمن طلبه لهذه الأمور فليس له في الآخرة من نصيب، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لَا تَعَلَّمْ الْعِلْمَ لِتُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أو لِتُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أو تُرَائِيَ بِهِ في الْمَجَالِسِ؛ ولا تَتْرُكْ الْعِلْمَ زُهْدًا فيه، وَرَغْبَةً في الْجَهَالَةِ». 

قال الضباع المصري رحمه الله: «ويجب عليه أن يخلص النية لله تعالى، ولا يقصد بذلك غرضا من أغراض الدنيا كمعلوم يأخذه أو ثناء يلحقه من الناس أو منزلة تحصل له عندهم، وأن لا يطمع في رفق يحصل له من بعض من يقرأ عليه، سواء كان مالا أو خدمة وإن قل، ولو كان على صورة الهدية التي لولا قراءته عليه لما أهداها إليه».

عدم كتمان العلم: 

قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

قال ابن الجوزي رحمه الله: «هذه الآية توجب إظهار علوم الدين منصوصة كانت أو مستنبطة»، وفي الصحيحين عن أبى هريرة رضي الله عنه أنه قال: «إنكم تقولون أكثر أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم الموعد، وايم الله! لولا آية في كتاب الله ما حدثت بشيء أبدًا ثم تلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سُئِلَ عن عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ الله بِلِجَامٍ من نَارٍ يوم الْقِيَامَةِ».

عدم الخوض فيما لا يعلم: 

فيجب على المعلم ألا يخجل من قول: «لا أعلم، ولا أدري»، وإذا سئل عن شيء لا يعلمه أن يقول: «لا أعلم»، قال مالك رحمه الله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام المسلمين وسيد العاملين يُسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء، وصح عن ابن عمرو رضي الله عنهما قال: «العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية، ولا أدرى».

وعن علي رضي الله عنه قال: «لا يستحي مَن لا يعلم أن يتعلم، ولا يستحي من تعلّم إذا سُئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم». 

وعن أبى موسى رضي الله عنه قال: «من علَّمه الله علمًا فليعلمه الناس، وإياه أن يقول ما لا علم له به فيصير من المتكلفين ويمرق من الدين».

وسئل الشعبي رحمه الله عن مسألة فقال: «لا أدري». فقيل: ألا تستحي من قولك هذا وأنت فقيه العراقيين؟ فقال: «إن الملائكة لم تستحي إذ قالت: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا.

مخاطبة الناس (المتعلمين) على قدر عقولهم: 

قال علي رضي الله عنه: «حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟!». 

وقال ابن الجوري رحمه الله: «ولا ينبغي أن يعلن ما لا يحتمله عقول العوام». 

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «ما أنت بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إلا كان لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً». 

وقال السعدي رحمه الله: «فعلى المعلم أن ينظر إلى ذهن المتعلم، وقوة استعداده، أو ضعفه، فلا يدعه يشتغل بكتاب لا يناسب حاله، فإن القليل الذي يفهمه وينتفع به خيرٌ من الكثير الذي هو عرضة لنسيان معناه ولفظه. وعلى المعلم أن يُلقي على المتعلم من التوضيح وتبيين المعنى بقدر ما يتسع فهمه لإدراكه، ولا يخلط المسائل بعضها ببعض، ولا ينتقل من نوع إلى آخر حتى يتصور ويحقق السابق، فإن ذلك درك للسابق، ويتوفر الذهن على اللاحق». 

الشفقة بالمتعلمين: 

قال السعدي رحمه الله: «ينبغى للمشايخ والمعلمين أن يحسنوا إلى طلاب العلم ويصبروا على ما يكون منهم، واللطف بهم، لئلا يتضاعف ألمهم وهمهم، فيضعف الصبر، وتحصل النفرة عن العلم. 

قال صلى الله عليه وسلم: «بشر ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا».

وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثتم ميسرين».

وقد قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى رضي الله عنه حين بعثهما إلى اليمن: «بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا». 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف». وقال عمر رضي الله عنه: «تواضعوا لمن علمكم، وتواضعوا لمن تعلمون، ولا تكونوا من جباري العلماء».

وقال الغزالي: «يجريهم مجرى بنيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا لكم مثل الوالد لولده»، بأن يقصد إنقاذهم من نار الآخرة، وهو أهم من إنقاذ الوالدين ولدهما من نار الدنيا، ولذلك صار حق المعلم أعظم من حق الوالدين، فإن الوالد سبب الوجود الحاضر والحياة الفانية، والمعلم سبب الحياة الباقية». 

ومن شفقته بهم أن يتواضع لهم ويحسن إليهم، ولا يتجبّر عليهم ولا يحتقرهم كما كان هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم ؛ يتواضع لأصحابه، ويجالس الفقير والمسكين، وكانت تأتيه الأمة من نساء المدينة وتأخذه لحاجتها، ولا يتردد صلى الله عليه وسلم ، وكان يقول: «إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغيَ أحد على أحد». 

أن يرشد طلابه لما يناسب قدراتهم: 

فالمتعلم القاصر ينبغي أن يلقى إليه الجلي اللائق به، ولا يذكر له وراء هذا تدقيقًا وهو يدخره عنه، فإن ذلك يفتر رغبته في الجلي، ويشوش عليه قلبه، ويوهم إليه البخل به عنه، إذ يظن كل أحد أنه أهل لكل علم دقيق.

فما من أحد إلا وهو راض عن الله سبحانه في كمال عقله وأشدهم حماقة وأضعفهم عقلا هو أفرحهم بكمال عقله.

سأل أفلاطون بعض تلامذته عن مسألة لم تكن تليق بحاله، فقال: لست من أهلها فلكل تربة غرس ولكل بناء أس. 

وقيل: تصفح طلاب علمك كما تتصفح خطاب حرمك. 

وكان يونس يختلف إلى الخليل يتعلم منه العروض فصعب عليه تعلمه، فقال له الخليل يوما: من أي بحر قول الشاعر: إذا لمْ تستطِعْ شيئًا فدعْه وجاوزْه إلى ما تستطيعُ. 

ففطن يونس لما عناه الخليل فترك العروض. 

وقيل اختر كل إنسان للفن الذي يستطيبه، فبقدر شهوته يكون نفاذه فيه.

أن يجتهد في نصح طلابه: 

فلا يدع من نصح المتعلم شيئًا، وذلك بأن يمنعه من التصدي لرتبة قبل استحقاقها، والتشاغل بعلم خفي قبل الفراغ من الجلي، ثم ينبهه على أن الغرض بطلب العلوم القرب إلى الله تعالى دون الرياسة والمباهاة والمنافسة، ويقدم تقبيح ذلك في نفسه بأقصى ما يمكن، فليس ما يصلحه العالم الفاجر بأكثر مما يفسده، فإن علم من باطنه أنه لا يطلب العلم إلا للدنيا نظر إلى العلم الذي يطلبه، فإن كان هو علم الخلاف في الفقه والجدل في الكلام والفتاوى في الخصومات والأحكام فيمنعه من ذلك، فإن هذه العلوم ليست من علوم الآخرة، ولا من العلوم التي قيل فيها: «تعلمنا العلم لغير الله فأبى العلم أن يكون إلا لله»، وإنما ذلك علم التفسير وعلم الحديث، وما كان الأولون يشتغلون به من علم الآخرة، ومعرفة أخلاق النفس، وكيفية تهذيبها؛ فإذا تعلمه الطالب وقصد به الدنيا فلا بأس أن يتركه، فإنه يثمر له طمعًا في الوعظ والاستتباع، ولكن قد يتنبه في أثناء الأمر أو آخره إذ فيه العلوم المخوفة من الله تعالى المحقرة للدنيا المعظمة للآخرة.

وقال السعدي: وعلى المعلم النصح وبث العلوم النافعة بحسب الإمكان.

ألا يسفه العلوم في غير تخصصه: 

فالمتكفل ببعض العلوم ينبغي أن لا يقبح في نفس المتعلم العلوم التي وراءه، كمعلم اللغة، فلا يقبيح علم الفقه.

تنمية الجانب الديني في نفوس الطلاب: 

إننا إذ نتحدث عن التعليم والتربية يجب أن لا ننسى منهج القرآن والسنة في تعليمنا وتربيتنا، فهما معالم عظيمات يهتدي بها المربي في حياته، بل إننا لا نربي الأجيال إلا على العبودية لله سبحانه وتعالى ، ونحاول أن نعد أمةً قانتة لله، تخشى ربها وتخاف يوم الحساب، وإنما يتم ذلك من خلال التربية الإسلامية.

والتربية الإسلامية تعني إعداد جيل مؤمن يحمل هم دينه وقضايا أمته، جميل أن نشرح النظريات، ونعلم العلوم إذا احتجنا إليها، لكننا لا نغفل عن تربية الجيل على التوحيد والهدى والخضوع لله رب العالمين، قال صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة».

وهذه الفطرة المسلمة تحتاج لمن يربيها وينميها ويتعاهدها بالسقي والنظر والمتابعة، حتى تكبر وتنمو وتنبت من كل زوج بهيج.

وما أسوأ أن يحسن المعلم عرض المناهج وإتمام المقررات مع الغفلة الشديدة عن العقول النابهة، وعن إصلاح الأخلاق، وعن التربية الإيمانية، فليست وظيفة المعلم هي سرد المعلومات والترتيب والتنظيم والتصنيف فحسب، وإنما هي بناء العقول وإعداد النفوس بتزكيتها وتعليمها ما ينفعها.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثت لأتمم مكارمَ الأخلاق»، والمعلم مبعوثٌ في المؤسسة التعليمية لكي يعلم مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، ويثبت في الجيل روح الإيمان وحب القرآن، وينشر رسالة هذه الأمة في هذه الحياة، ويذكرها بماضيها المجيد، ويبين لها عدوها من صديقها، في زمن قد تسلط فيه الأعداء.

أن يكون عاملا بما يعلمه: 

فيجب أن يكون المعلم عاملاً بعلمه، فلا يكذب قوله فعله، لأن العلم يدرك بالبصائر، والعمل يدرك بالأبصار، وأرباب الأبصار أكثر، فإذا خالف العمل العلم منع الرشد، وكل من تناول شيئًا، وقال للناس: «لا تتناولوه فإنه سم مهلك» سخر الناس به، واتهموه، وزاد حرصهم على ما نهوا عنه، فيقولون: «لولا أنه أطيب الأشياء وألذها لما كان يستأثر به». 

وقال الله عز و جل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾، ولذلك كان وزر العالم في معاصيه أكثر من وزر الجاهل، إذ يزل بزلته عالم كثير، ويقتدون به، و«من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها». 

وقال الشاعر: 

لا تَنْهَ عن خُلقٍ وتأْتيَ مِثْلَه

ابْدَأْ بنفْسِكَ فانْهَهَا عن غَيِّها

عارٌ عليْكَ إذا فعلْتَ عَظِـيمُ

فإذا انْتَهت عنْهُ فأنْتَ حكِيمُ

وقال السعدي رحمه الله: «وعلى المعلم أن يتصف بما يدعو إليه العلم من الأخلاق الجميلة، والتنزه عن الأخلاق الرذيلة، فإنه أحق الناس بذلك، لتميزه بالعلم، لأنه قدوة، والناس مجبولون على الاقتداء بأهل العلم. وعلى المعلم أن يتعاهد محفوظات المتعلمين ومعلوماتهم بالإعادة والامتحان، والحث على المذاكرة والمراجعة، وتكرار الدروس الحاضرة والسابقة». 

وكم هو مؤسف أن يدعو المعلم لصلاة الجماعة ولا يشهدها مع المسلمين، أو يُرى مسامرًا للسفلة في مقاهي الخاملين وأرصفة الصائعين. وكم هو مؤسف أن تنصح المعلمة طالباتها بالحجاب والحشمة ثم تُرى في قميص سافر، قد بانت أعضاؤها ومفاتنها.

الالتزام بحسن الخلق: 

فالمعلم الناجح هو المعلم المستظهر للأخلاق في شؤونه كلها، في أقواله وأفعاله وسائر تعاملاته، قال صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم». وما أجمل أن يتجمل المعلمون بحسن الخلق المبني على: حسن الكلام، والتودد، وحسن المعاملة، والصبر، وبذل الندى، والسماحة، والمروءة، فيكون ذا هشاشة وبشاشة، ليّن المعاملة، صابرًا، باذلاً لجاهه ومعروفه، ذا مروءة تامة، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.

صفات المدرس الأول الناجح: 

أولا: في مجال العلاقات الإنسانية: 

1- أن يكون متحملا للمسئولية في مجال العمل بجدية واضحة وفوق ما يتطلبه الواجب.

2- أن يكون لديه القدرة على التصرف بحكمة وأسلوب صحيح في جميع المواقف.

3- أن تكون شخصيته متميزة عن غيرها تميزا عقليا وخلقيا وأن تكون قدرته بارزة في مجال التأثير والدفع والتوجيه وأن يكون ذكيا واسع الأفق لديه القدرة على ابتكار خطط جديدة ووسائل علمية للوصول إلي الهدف المنشود.

4- أن يكون قوي الأعصاب وأن يكون يكظم غيظه إذا تعرض لموقف صعب، وأن يتحلى بالصبر، وسعة الصدر واجتناب كثير من الظن.

5- أن تكون شخصيته ممزوجة بالخير وعمله، حريصا على إشاعة العلاقات الإنسانية الطيبة في قسمه ومع الأقسام الأخرى.

6- أن يتحلى باللياقة والمرونة والتواضع والتعاون والموضوعية ويهيئ للمدرسين أسباب الراحة النفسية مما يشجعهم ويحفزهم على العمل.

7- أن يحرص على وحدة القسم وتماسكه لأن ذلك يؤدي إلي تقوية العلاقات والروابط بين الجميع مما يؤدي إلي تحقيق النجاح في العمل.

8- العدالة والإنصاف عند توزيع الأعمال على المدرسين.

9- أن يعمل على كسب محبة زملائه الأساتذة وثقتهم، ويعتبر هذا العامل من العوامل الهامة ليسهل عليه التأثير فيهم وأن يهيئ المناخ الملائم للعمل.

10- أن يسعى لتوسيع قاعدة الاشتراك في اتخاذ القرار وذلك باشراك كل من يتأثر باتخاذ مثل هذا القرار مادام قادر على مثل هذا الاشتراك.

11- أن يعامل الآخرين بكرامة واحترام وألا يقلل من قيمة الآخرين أو أن يعتبرهم وسيلة لتحقيق أغراضه الشخصية.

ثانيًا: صفات المعلم الناجح في الجانب العلمي والمهني: 

1- أن يكون متمكنا من المادة العلمية، وأن يحيط إحاطة شاملة بالمناهج وأهدافها والكتب المدرسية و ما تحتويه، كما يجب عليه متابعة الجديد في ميدان تخصصه.

2- أن يكون مطلعا على طرق التدريس وأن يطرح على زملائه في الاجتماعيات الفنية الأسبوعية كل جديد ومفيد في ميدان التربية والتعليم.

3- أن يجدد ويبتكر في مجال العمل مثل تنظيم السجلات، والأعمال التحريرية، وطرق التدريس، والاختبارات، وطرق القياس والتقويم، والنشاط المدرسي.

4- توفير الجو العلمي والثقافي في القسم وذلك بالاستعانة بمكتبة المدرسة ومكتبة القسم العلمية وأن يتيح لزملائه فرصة مناقشة الموضوعات المطروحة للبحث ويؤكد لهم أن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.

5- متبعة المناهج وما قطع منها وفقا للخطة المعتمدة ومعالجة أي قصور أو تأخير في حينه.

6- إعداد جدول لإعمال الاجتماع الفني الأسبوعي وتوزيعه على زملائه قبل الاجتماع بيوم على الأقل حتى يكون الاجتماع مثمرا ومفيدا. 

من أخلاقيات المعلم والمعلمة: 

يحسن بالمعلم والمعلمة أن يراعوا في الدرس ما يلي: 

1- إلقاء السلام على الطلاب حين دخوله بلفظ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ولا يجوز غيرها مثل ك صباح الخير، لعدم ورودها في الشرع، وبعد تحية الإسلام يجوز أن يقال هذا وغيره، وعلى المعلم أن يوجه نظر الطلاب إلى رد السلام بلفظ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

وألا يسمح للمعلم والمعلمة بقيام الطلاب والطالبات عند دخول الدرس للنهي المتقدم في رسالة المعلم وواجبه.

2- إقبال المعلم والمعلمة على الطلبة بوجه مبتسم لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «تبسمك في وجه أخيك صدقة».

3- بدء الدرس بخطبة الحاجة التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفتتح بها كلامه ونصها: «… إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد…» ، إلى آخر الخطبة.

4- استعمال الكلام الطيب مع الطلاب: فيقول للطالب المحسن: أحسنت، بارك الله فيك، ويقول للطالب المخطئ: أصلحك الله وهداك، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «الكلمة الطيبة صدقة».

5- اجتناب الكلام الذي فيه تجريح أو استهزاء، لأن الطلاب يتعلمون من المعلم الكلام الطيب، والكلام السيئ.

6- تنبيه الطلبة النائمين أو المتشاغلين بغير دروسهم، أو الذين يتكلمون في الدرس مع بعضهم، وغير ذلك.

7- تنظيم الأسئلة في الدروس، فلا يسمح للطالب بالسؤال قبل طلب الإذن، ولا يجاب عن سؤاله.

8- مراعاة المعلمين والمعلمات الآداب الإسلامية ليتعلمها الطلاب والطالبات، فإذا عطس المعلم فليحمد الله وليقل له من بجانبه: يرحمك الله، فيجيب العاطس… «إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه، فإن الشيطان يدخل مع التثاؤب».

9- على المعلمين والمعلمات أن يراعوا النظافة في لباسهم، وأن يظهروا أمام الطلاب بمظهر جميل بدون تكبر عملاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، قيل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة، قال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق وغمط الناس».

10- على المدرسين والمدرسات إذا كانوا في مدرسة مختلطة، فيها الذكور والإناث من المعلمين والطلبة، وهو مخالف لتعالي الإسلام كما هو معلوم، عليهم أن يضعوا الطلاب أمامهم، ومن ورائهم الطالبات، تجنبًا لحدوث المشاكل، وعلى المدرسين أن ينبهوا الطلاب على عدم الاختلاط بالطالبات، فلا يجوز الكلام معهن إلا بقصد النصيحة وبدون خلوة ومن وراء حجاب، وعلى المدرسات ألا يختلطن بالمدرسين، وأن يجلسن في مكان منعزل حفاظًا على شرفهن وعفافهن من الاختلاط، وكان من واجب وزارة التربية أن تفصل مدارس البنين والبنت عملاً بتعاليم الإسلام، وقد طبقت السعودية الفصل فنجحت وأنشأت رئاسة تعليم البنات، للإشراف على تعليم الطالبات في جميع المراحل، فحفظت الطالبات من مشاكل الطلاب بالفصل بينهما، وما مثل المدارس المختلطة إلا كما قيل: 

ألقاه في اليم مكتوفًا وقـال له

إياك إياك أن تبتل بالماء

وقال الآخر: 

قم للمعلم وفِّه التبجيلا

أَعلمتَ أشرف أو أجلَّ من الذي

سبحانك اللهم خيرَ معـلم

أرسلتَ بالتوراة موسى مرشدًا

وفجَّرت ينبوع البيان مُحمدًا

كاد الْمعلم أن يكون رسولا

يبني وينشئ أنفسًا وعقولا

علمت بالقلم القرون الأولى

وابن البتول فعلّم الإنجيلا

فسقى الْحديث وناول التنزيلا

 

* * *

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*