الأربعاء , 26 نوفمبر 2014
جديد الموقع
الرئيسية » محاسن الإسلام » آداب النصيحة

آداب النصيحة

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: 

فقد روى مسلم رحمه الله في صحيحه أن رسول الله قال: «الدين النصيحة»، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامّتهم». قال النووي رحمه الله: «هذا حديثٌ عظيم الشّأن، وعليه مدارُ الإسلام، وأمّا ما قاله جماعاتٌ من العلماءِ أنّه أحدُ أرباع الإسلام – أي: أحدُ الأحاديث الأربعة التي تجمَع أمورّ الإسلام – فليسَ كما قالوه، بل المدارُ على هذا وحدَه».

تعريف النصيحة: 

النّصيحة هي القيامُ بحقوق المنصوح له مَع المحبّة الصادقةِ، والحقوقُ تكونُ بالأقوال والأعمال وإراداتِ القلب، قال الأصمعي: «النّاصحُ الخالِص من الغِلّ، وكلّ شيء خلُص فقد نصح». وقال الخطابيّ: «وأصلُ النّصح في اللّغة الخلوص، يقال: نصحتُ العسلَ إذا خلّصته من الشّمع». 

وقال بعضُ أهلِ العلم: «جماعُ تفسير النّصيحة هو عنايَة القلبِ للمنصوح له مَن كان، وهي على وجهين: أحدُهما فرضٌ، والآخر نافلة. فالنّصيحة المفترَضة لله تعالى هي شدَّة العنايةِ من النّاصح باتّباع محبّةِ الله في أداءِ ما افترَض ومجانبةِ ما حرّم. وأمّا النّصيحة التي هي نافلة فهي إيثار محبَّتِه على محبّة نفسِه، وذلك أن يَعرِضَ أمران: أحدُهما لنفسِه والآخر لربّه، فيبدأ بما كان لربِّه ويؤخِّر ما كانَ لنفسِه». وسيأتي تفصيل ذلك عند الحديث على النصيحة لله سبحانه وتعالى.

أهمية النصيحة: 

كلمة النصيحة من الكلمات التي يرتاح إليها السمع، وتطمئنّ إليها النفس، وتميل إليها المشاعر النقيّة؛ لأنها تهدف إلى الودّ والصلاح، وإلى ما ينفع الناس، يقولون: إنك نصحت القول لفلان، أي قصدت مصلحته ومنفعته، من هنا نجد أن النصيحة مهمّة جدًّا بين المسلمين، حيث إن رسول الله اهتم بها، وأمر بها وكأنها ركن من أركان الإسلام، ولُبّ الإسلام، وجوهر الإسلام، ومن أوجه أهمية النصيحة: 

النصيحة من خلق الأنبياء: 

النصيحة خُلُق أنبياء الله ورسُلِه، فهم أنصَح الخَلق، وأبرُّهم وأنقاهم، قال الله عن نوحٍ عليه السلام أنّه قال لقومه: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقال عن هود عليه السلام: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾. وقال عن النبيّ صالح عليه السلام أنه قال لقومه: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾. 

النصيحة سنة النبي صلى الله عليه و سلم: 

ومحمّد أعظمُ الخلقِ نُصحًا للخلقِ، وشفقةً على أمّته، ونصحًا لهم، وخوفًا عليهم، وصدَق الله سبحانه وتعالى إذا قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. 

فلا طريق يقرِّبنا إلى اللهِ إلا بيَّنه لنا وأمرَنا به وبسلوكِه، ولا طريقَ يباعِدنا من الله إلاّ بيَّنه لنا وحذَّرنا من سلوكِه، فلقد بيَّنَ غايةَ البيان، ونصَح غايةَ النصيحة، وترك أمّته على المحجّة البيضاء، ليلُها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدَه إلاّ هالك.

اشترط النبي النصيحة على من بايعه صلى الله عليه و سلم: 

كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم يبايعون الرسول صلى الله عليه و سلم على الصلاة والزكاة والنصيحة لكل مسلم، كما جاء ذلك في قول جرير بن عبد الله رضي الله عنه حينما قال: «بايعت رسول الله على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم». وقال النبي صلى الله عليه و سلم فيما رواه عن ربّ العزّة جلّ وعلا: «أحب ما تعبّدني به عبدي النصح لي».

النصيحة من هدي السلف الصالح: 

كان سلفنا الصالح رضي الله عنهم يتناصحون فيما بينهم، ويقبلون النصيحة، ولو كان الناصح دونهم في السن أو العلم أو الجاه، وحذروا من رد النصيحة، قال ابن مسعود رضي الله عنهفي تفسير قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾. هو الرجل ينصح أخاه فيقول: (عليك نفسك)، أو: (مثلك لا ينصحني). 

النصيحة من حقوق الأخوة بين المسلمين: 

قال صلى الله عليه و سلم: «إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له». فالنصحُ بين المسلمين أفرادًا ومجتمعًا ليعدُّ أمارةً من أماراتِ الاهتمام بالصّلاح والإصلاح والمودة والمحبة.

وعن أبي هريرة رضي الله عنهعن النبيّ صلى الله عليه و سلم قال: «حقُّ المسلم على المسلم ستّ: إذا لقيتَه فسلّم عليه، وإذا دعاك فأجِبه، وإذا استنصَحَك فانصَح له، وإذا عَطس فحمِدَ الله فشمِّته، وإذا مرِض فعُده، وإذا ماتَ فاتبَعه».

وعن جبير بن مطعم رضي الله عنهأنّ النبيّ صلى الله عليه و سلم قال: «ثلاثٌ لا يَغلّ عليهن قلبُ امرئ مسلم: إخلاصُ العملِ لله، ومناصحةُ ولاةِ الأمر، ولزوم جماعة المسلمين». ومعنى الحديث أنّ هذِه الخلالَ الثلاث تصلِح القلوبَ وتطهّرها مِن الخيانة والغِلّ والخبائث. 

النصيحة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 

فبالنصيحة يتم إحياء شّعيرة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر في واقعِ حياتِهم، وبيانِ حجّة أهل السنّة والجماعة، فضلاً عن خطورةِ إهمال هذا الباب والوقوع في مغبّة مجانبته، ومن ثمَّ الاتِّصاف بما حذّر منه النبيّ صلى الله عليه و سلم بقوله: «من لا يهتمّ بأمر المسلمين فليسَ منهم». 

فالنصيحة من قوام الدين، حيث بالنصيحة يستقيم أمر العباد وبها تستضاء سبيل الرشاد، والنصيحة كلمة جامعة يعبر بها عن إرادة الخير للمنصوح له.

النصيحة صفة الصالحين المصلحين: 

وصُلحاءُ هذه الأمّة هم المتّصفون بالنصيحة لله ولكتاب الله ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم، قال أبو بكر المزنيّ رضي الله عنه: «ما فاق أبو بكر رضي الله عنهأ صحابَ رسول الله بصوم ولا بصلاةٍ، ولكن بشيء كان في قلبِه». قال: «الذي كان في قلبه الحبّ لله عز و جلوالنصيحة في خلقه». 

وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: «ما أدرك عندنا مَن أدرك بكثرةِ الصّلاة والصّيام، وإنّما أدرك عندنا بسخاوةِ الأنفس وسلامةِ الصدر والنّصح للأمّة». 

حكم النصيحة: 

النصيحة واجبة على المسلمين للمسلمين، فهي عماد الدين، ولذلك عد قوله صلى الله عليه و سلم: «الدين النصيحة»، أصلاً عظيمًا من أصول الإسلام، و – كما سبق – قد كان النبي صلى الله عليه و سلم يأخذ البيعة من الصحابة رضي الله عنهم على النصح لكل مسلم. 

مجالات النصيحة: 

النصيحة لله: 

* النصيحة لله بتوحيده جل جلاله: 

معنى النّصيحة لله تعالى هي عبادتُه وحدَه لا شريك له، بإخلاصٍ، ومتابعة للهدي النبويّ، مع كمال الذلّ والخضوع والمحبّة لله عز و جل، وعدمُ الإشراك به في: الدعاء، أو الذبح، أو النّذر، أو الاستعانة، أو الاستعاذة، أو الاستغاثة، أو التّوكّل، أو الرّجاء، أو الرّغبة، أو الرّهبة، أو أيّ نوع من أنواع العبادة لقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. 

* النّصيحة لله بالإيمان بصفاته جل جلاله: 

فمن النصيحة لله الإيمان بصفاتِه عز و جل، التي وصف بها نفسَه أو وصفه بها رسوله، وإثباتُها كلِّها لله إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهُه سبحانه وتعالى عمّا لا يليق به تنزيهًا بلا تعطيل للصفات، واعتقادُ توحُّده وتفرُّده سبحانه بالخلق والتّدبير، وتصريف الكونِ في الدّنيا والآخرة، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. ولقوله عز و جل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. 

* النصيحة لله بعبادته جل جلاله: 

فمن النصيحة لله عز و جلالتقرّبُ إليه بكلّ فريضةٍ ونافلة، ومجانبة محرَّماته، فمَن قام بهذه الحقوق لربّه فقد نصح لخالقه، وفي مراسيل الحسن البصريّ رضي الله عنهعن النبيّ صلى الله عليه و سلم قال: «أرأيتُم لو كان لأحدكم عبدان فكان أحدُهما يطيعه إذا أمره، ويؤدّي إليه إذا ائتمَنَه، وينصح له إذا غاب عنه، وكان الآخر يعصيه إذا أمَرَه، ويخونه إذا ائتمَنَه، ويغشّه إذا غاب عنه، أيكونان سواء؟»قالوا: لا، قال: «فكذلكم أنتم عندَ الله عز و جل». وعن أبي أمامة رضي الله عنهعن النبيّ صلى الله عليه و سلم قال: «قال الله تعالى: أحبُّ ما تعبَّدني به عبدي النصحُ لي». 

* النصيحة لله بمراقبته جل جلاله: 

ومن النصيحة لله تعالى أن تراقبه عز و جلفي السرّ والعلن، وأن تصون نفسك عما لا يرضى الله عنه، وعندما سُئِل أحد العارفين عن معنى النصيحة لله عز و جلقال: «إذا عُرِضَ عليك أمران أحدهما لله والآخر لنفسك ولدنياك قدمت ما هو لله على ما هو لنفسك ولدنياك». 

النصيحة لكتاب الله عز و جل: 

تلاوته وتدبره: 

النصيحة لكتاب الله عز و جلهي أن تقرأه، وتتدبّر آياته، وتحسن الاستفادة بما جاء فيه من آداب وسلوك وهدى وعظات وبينات، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾. 

وقد وصف رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخَرِب، وأنه من دواعي الغِبْطة والسرور، كما أن رسول الله بَشّر الذين يجتهدون في تلاوة القرآن الكريم بأجر الملائكة الكرام، فقال صلى الله عليه و سلم: «الماهر بقراءة القرآن الكريم مع الملائكة الكرام البررة». كما بيّن لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم أنّ الذي يقرأ القرآن وهو عليه شاقٌّ فله أجران. 

استماعه وحسن الإصغاء له: 

ومن ذلك أن نحسن الاستماع إليه بخشوع، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. 

فرسول الله صلى الله عليه و سلم لم يكتف بتعليم أصحابه رضي الله عنهم تلاوة القرآن فحسب، بل كان يحب أن يسمعه من غيره، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهقال: أتاني رسول الله وقال: «اقرأ عليَّ شيئًا من القرآن»، قال: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟! فبدأت بسورة النساء حتى بلغت هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. فنظرت إليه فإذا عيناه تذرفان بالدموع .

العمل به: 

ومن النصيحة لكتاب الله عز و جلهي أن نعمل به ونحسن اتباعه، ونطبّق ما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى على أنفسنا، وعلى من هم تحت ولايتنا. 

النصيحة لرسوله صلى الله عليه و سلم: 

طاعة أمره صلى الله عليه و سلم: 

والنّصيحة لرسول الله هي طاعةُ أمره واجتناب نهيِه وتصديق أخباره وعبادة الله بشرعه ونُصرة سنّته.

العناية بسنته صلى الله عليه و سلم والدفاع عنها: 

ومن النصيحة له صلى الله عليه و سلم العناية بهديه تعلُّما وتعليمًا، وبُغض من يكرَه سنّتَه، والاقتداء به ظاهرًا وباطنًا ومحبتُه أكثرَ من النفس والمال والأهل والولد، والردُّ من العلماء على الأهواء المضلّة بالكتاب والسنّة والذبُّ عن سنّة رسول الله صلى الله عليه و سلم.

تعظيمه ونصرته صلى الله عليه و سلم: 

ومن النصيحة له صلى الله عليه و سلم تعظيمه، ونصره حيًا وميتًا. 

النصيحة لأئمة المسلمين: 

نصيحتهم والدعاء لهم بالصلاح: 

مِن النصيحة لأئمة المسلمين أن تدعوَ الله لهم بالخيرِ والصّلاح والتوفيق، وإذا أرَدنا نصيحةً فلتكن نصيحةً هادِفة يقصَد منها الخيرُ والإصلاح، لا الانتقام والشّماتة، فإنّ الولاةَ صلاحُهم واستقامتهم رحمةٌ منَ الله بالأمّة، وإذا وفّق الله الولاةَ للخير سعدَت الأمّة في حياتها، واتّجهت لكلّ خير، وسلِمت من الفتَن والبَلاء، وما حصلت القلاقل وما حصَل الاضطرابُ وسفك الدّماء وانتقاص الأرزاقِ والفتَن إلاّ لمّا فقِدت طاعة ولاةِ الأمر، ولما كانت بعضُ الشعوب ليس لها من يقودها ولا من ينظّم حالَها عاشت في شقاءٍ وبلاء، فالولاةُ نعمة من الله للعباد، فالتّعاون معهم وشدّ أزرِهم والقيام معهم فيما يصلِح الأمّة ويردّ عنها كيدَ الكائدين، هذا من النّصيحة لولاةِ أمر المسلمين. 

النصيحة لعامة المسلمين: 

حب الخير لهم: 

فمِن خُلُق المؤمِن حبُّ الخير للمؤمنين، فهو يَراهم إخوانًا لَه في الإسلام، إذًا فهوَ يحبّ لهم مَا يحبّ لنفسِه، ويكرَه لهم ما يكرَه لنَفسه.

يحبّ لهم الهدايةَ والاستقامةَ والثباتَ عَلى الحقِّ، ويكرَه لهم الكفرَ والفسوقَ والعصيان. وعن أبى مسعود رضي الله عنه، قال صلى الله عليه و سلم: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله». 

يحبّ لهم الاطمئنانَ والسكينةَ، ويكرَه لهم الشرَّ والبلاءَ.

يحبّ لهم أن يكونوا في غايةٍ مِنَ الطمأنينة والأمان والاستِقرار، ويكرَه أن يصيبَهم شيء يخلّ بأمنِهم وطمأنينتِهم.

ذلك أنه جزءٌ وواحد منهم، فهو يحبّ لهم ما يحبّ لنفسه، ويكرَه لهم ما يكرَه لنفسه.

نصيحتهم وإرشادهم للحق: 

فالمسلم يحيط إخوانَه المؤمنين بنصيحتِه وتوجيهِه وإرشاده، فيرشدهم إلى مصالحهم ويعلمهم أمور دينهم ودنياهم، ويسعَى في الخيرِ جُهدَه، ويحمِي نفوسَهم وأعراضَهم وأموالهم، ويصونُ ذلك، يعلم حقًّا أنّ هذا من مقتضيات الإيمان، لما في كتاب الله عز و جلمن قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. ويتذكَّر دائمًا قولَه سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. 

فمن أعظم أنواع النصح أن ينصح لمن استشاره في أمره، كما قال صلى الله عليه و سلم: «إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له». 

قال الإمام أحمد رحمه الله: «ليس على المسلم نصح الذمي، وعليه نصح المسلم». 

رفع الأذى عنهم: 

فمن نصيحة المسلم لإخوانه أن يرفع الأذى والمكروه عنهم، ورد من زاغ منهم عن الحق في قول أو عمل بالتلطف، في ردهم إلى الحق والرفق بهم في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ومحبة إزالة فسادهم، ولو بحصول ضرر له في دنياه ومن ذلك قصة مؤمن فرعون حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾. 

من فوائد النصيحة: 

فيما يلي موجز لفوائد قيام المسلمين فيما بينهم بالنصيحة: 

1- النصيحة لب الدين وجوهر الإيمان.

2- دليل حب الخير للآخرين، وبغض الشر لهم. 

3- تكثير الأصحاب، إذ إنه يؤمن منه الجانب، وتقليل الحساد، إذ إنه لا يحب لغيره الشر والفساد. 

4- صلاح المجتمع، إذ تشاع فيه الفضيلة، وتستر فيه الرذيلة. 

5- إحلال الرحمة والوداد مكان القسوة والشقاق.

6- الاشتغال بالنفس لاستكمال الفضائل من تمام النصح. 

7- بيان خطأ الممخطئ في المسألة والمسائل وإن كرهه من النصيحة الواجبة لا من الغيبة المحرمة. 

8- من قام بها على وجهها يستحق الإكرام لا اللوم والتقريع. 

9- في التواصى بالحق والصبر ونحوهما ما يكفل حياة مستقرة للمجتمع الإسلامى. 

10- في الأخذ بوصية الله عز و جلووصية رسوله صلى الله عليه و سلم صلاح حال الفرد والمجتمع معًا. 

11- للوصية الصادقة تأثير بالغ في النفس وهي دافع قوى لتنفيذ الموصى به. 

12- الوصية وسيلة من وسائل التقوى والتذكر والعقل. 

من آداب الناصح: 

النصيحة يجب أن تكون خفية: 

ذكر ابن عبد البر عن مسعر قال: «رحم الله من أهدى إلىّ عيوبي في سر بيني وبينه، فإن النصيحة في الملأ تقريع». 

كما قيل أن النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما يسره من خلل الثوب. 

وقال الشافعي رحمه الله: 

تعهدنى بنصحك في انفرادى فإن النصح بين الناس نوع فإن خالفتني، وعصيت قولي

وجنبني النصيحة في الجماعة

من التوبيخ، لا أرضى استماعة 

فلا تغضب إذا لم تُعطَ طاعة

 

النصيحة باللين: 

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما نحن في المسجد مع النبي صلى الله عليه و سلم، إذا جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم: «مه، مه»، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «لا تزرموه، دعون»، فتركوه حتى بال، ثم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دعاه فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشئ من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله، والصلاة وقراءة القرآن»، قال: وأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء، فسنه عليه. 

وعن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنهقال: بينما أنا أصلي مع النبي صلى الله عليه و سلم إذا عطس رجل من القوم، فقلت: «يرحمك الله»، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: «واثكل أمياه، ما شأنكم، تنظرون إليّ؟» فجعلوا يضربون أيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم، فبأبي وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه! فوالله ما نهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، ثم قال صلى الله عليه و سلم: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وإنما هي: التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن». 

فالنصيحةَ لا تؤثّر إلاّ إذا كان النّاصح صادقًا في نصيحتِه مخلِصًا لله في نُصحِه، وكان بعيدًا عن الغِلظة والجفاء، فإنّ الغلظةَ والجفاءَ ربما تنفِّر منك المنصوحَ، فلا يقبَل نصيحتك، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. 

النصيحة للإصلاح لا للتعيير: 

فلا تكون النصيحة للتعيير والشماتةَ بالناس، والفرَح بعيوبهم، فالفرح بنقصهم خُلُق ذميم، ففي الحديث قال النبي صلى الله عليه و سلم: «لا تظهِر الشماتةَ بأخيك فيعافيَه الله ويبتليكَ». 

وفي الحديث أيضًا: «من عَيّر أخاه بذنبٍ لم يمت حتى يفعَلَه». 

الصبر على النصيحة: 

وينبغي للنّاصح أن يصابرَ ويجاهدَ نفسَه على تحمُّل أعباءِ هذا المَيدان، وما قد يناله فيه من صُوَر الشّماتة والاستكبار، ولقد أحسنَ ابن القيّم رحمه الله حينَ قال: «السعيدُ الرّابح من عامَل الله فيهم، ولم يعامِلهم في الله، وخاف الله فيهم، ولم يخَفهم في الله، وأرضى الله بسخَطهم، ولم يرضِهم بسخطِ الله, وراقَب اللهَ فيهم، ولم يراقبهم في الله». 

الصدق والإخلاص في النصح: 

فالحامل على النصيحة إخلاصٌ لله، ثم لأخيك المسلم، ليست نصيحتك رياءً وسمعة، ولا افتخارًا بها، ولا تعالٍ بها، ولا استطالة على الخلق، ولا أن يكون لك رفعة ومكانة، ولكنها نابعة من قلب صادق محب للخير، ساعٍ له.

والمخلصون في نصيحتهم هم الذين يضعون النصيحة موضعَها، لا يتحدثون بها، ولا يفتخرون بها، ولكنها سرٌ وأمانة بينهم وبين من ينصحون له، لأن هدفهم وغايتهم صلاح أخيهم المسلم، واستقامة حاله، وحماية عرضه، وليس هدفهم الاستطالة والترفع على الناس.

العلم بما ينصح: 

فلا بد أن يكون هذا الناصح عالمًا بما ينصح، فكم من متصوِّر للخطأ أنه صواب فيدعو إلى غير هدى، وينصح بلا علم، فربما أفسد أكثر مما يريد أن يصلح، إذًا فالعلم بحقيقة ما تنصح له، بأن تعلم الخطأ على حقيقته، وتعلم كيف تخلص أخاك المسلم من تلك الهلكة. 

اختيار الأسلوب المناسب للنصح: 

فعلى الناصح أن يستعمل الوسائل والأساليب المناسبة التي يرجى معها استجابة المنصوح، فيمكن أن يُعرِّض فيقول: «ما بال أقوام يفعلون كذا»، كما كان صلى الله عليه و سلم يفعل. ويمكن أن يهدي إليه شريطًا أو كتابًا، وكذلك على الناصح اختيار الوقت الملائم حتى لا يعين الشيطان على أخيه.

الاقتصاد في النصيحة: 

فعليك أيها الناصح أن تقتصد في نصيحتك، فلا تكون مُسهبًا مُملاً، أو مُوجزًا مُخلاً، وافعل كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه و سلم، فعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: كان ابن مسعود رضي الله عنهيذكرنا في كل خميس مرة، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن! لوددت أنك ذكرتنا بكل يوم، فقال رضي الله عنه: «أما إنه يمنعنى من ذلك أنى أكرم أن أملكن، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم، يتخولنا بها مخافة السآمة علينا».

وعن أبي اليقظان عمار بن ياسر رضي الله عنهما، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: «إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة».

من أخطاء بعض الناصحين: 

إن بعض الناصحين والناقدين في المجالس، وبعض الكتاب في الصحف وغيرها يقعون في بعض الأخطاء والهفوات التي تسبب النفرة، ومن ذلك: 

الإعلان بالنصح: 

بحيث تصبح النصيحة فضحية، والتذكير تشهيرًا، وهذا ما لا يرضاه الإسلام، قال ابن رجب رحمه الله: «اعلم أن ذكر الإنسان بما يكره محرم، إذا كان المقصود مجرد الذم والعيب والنقص، أما إن كان فيه مصلحة لعامة المسلمين أو خاصة لبعضهم، وكان المقصود منه تحصيل تلك المصلحة، فليس بمحرم بل مندوب إليه». 

وقد قرر علماء الحديث هذا في كتبهم في الجرح والتعديل وذكروا الفرق بين جرح الرواة وبين الغيبة، وردوا على من سوى بينهما من المتعبدين وغيرهم ممن لا يتسع علمه، ولا فرق بين من تقبل روايته منهم ومن لا تقبل.

فإذا كان المقصود هو تبيين الحق فهذا داخل في النصيحة، وإذا كان المقصود هو تنقص القائل وتبيين جهله وقصوره في العلم فهذا محرم، سواء أكان رده لذلك في وجه من يرد عليه أم في غيبته، وسواء أكان في حياته أم بعد موته، وهو داخل في قوله صلى الله عليه و سلم: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من اتبع عوراته يتبع اله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته».

التشدق والتكلف: 

وهذا عيبٌ يقع فيه البعض فتراهم يتكلفون في الكلام، ويتقعرون، ويتشنجون عند أداء النصيحة، وهو أمر قد يمحق بركة الموعظة أو النصيحة، وإن كانت قيمة ومؤثرة، فالناس يحبون أن يستمعوا للرجل المتزن، لا الرحل المتشنج الذي يتقعر في كلامه، بل ما أحسن التبسط في الكلام والبعد عن التكلف والتقعر فيه، حتى إن الناس ليتضجرون من موعظة الرجل المتكلف، فلا يستفيدون من موعظته وذلك بسبب أسلوبه.

وكفي بالتكلف مذمة أن الله قد نهى عنه، وذمه رسوله صلى الله عليه و سلم، فقال سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾، وعن ابن مسعود رضي الله عنهأن النبي صلى الله عليه و سلم قال: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون».

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة».

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن سول الله صلى الله عليه و سلم قال: «إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني يوم القيام الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون».

قال الإمام النووي رحمه الله: «الثرثار هو: كثير الكلام تكلفًا، والمتشدق: المتطاول على الناس بكلامه، ويتكلم بملء فيه تفاصحًا وتعظيمًا لكلامه، والمتفيهق: أصله من الفهق وهو الامتلاء، وهو الذي يملأ فيه بالكلام ويتوسع فيه، ويُغرب به تكبرًا وارتفاعًا وإظهارًا لفضيلته غير غيره».

* * *

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>