الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » محاسن الإسلام » آداب تلاوة القرآن

آداب تلاوة القرآن

 

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديَ له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: 

فإنه لاشك أن هذا الكتاب هو حبل الله الممدود من ربنا إلينا، من تمسك به هُدي ومن اعتصم به فاز، والفوز هو الجنَّة.

والله عز و جل قد أوصانا بكتابه في كتابه بوصايا كثيرة، فيها الأمر بتلاوة القرآن وترتيله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:٤]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران:١١٣]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]. فمن يقرأ كتاب الله عز و جل لاشك أنه هو الفائز يوم القيامة.

فضل تلاوة القرآن الكريم: 

قال سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة:١٢١]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩].

ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أمثلة للتالين لكتاب الله، فقال: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ أَوْ خَبِيثٌ وَرِيحُهَا مُرٌّ». والتَّمْثِيل هنا وَقَعَ بِالَّذِي يَقْرَأ الْقُرْآن وَلا يُخَالِف مَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْر وَنَهْي، لا مُطْلَق التِّلاوَة.

والأترجة مِنْ الْفَاكِهَة الَّتِي تَجْمَع طِيب الطَّعْم وَالرِّيح كَالتُّفَّاحَةِ؛ لأَنَّهُ يُتَدَاوَى بِقِشْرِهَا، وَهُوَ مُفْرِح بِالْخَاصِّيَّةِ، وَيُسْتَخْرَج مِنْ حَبِّهَا دُهْن لَهُ مَنَافِع وَقِيلَ إِنَّ الْجِنّ لا تَقْرَب الْبَيْت الَّذِي فِيهِ الأُتْرُجّ فَنَاسَبَ أَنْ يُمَثِّلَ بِهِ الْقُرْآن الَّذِي لا تَقْرَبهُ الشَّيَاطِين، وَغِلاف حَبّه أَبْيَض فَيُنَاسِب قَلْب الْمُؤْمِن، وَفِيهَا أَيْضًا مِنْ الْمَزَايَا كِبْر جُرْمهَا وَحُسْن مَنْظَرهَا وَتَفْرِيح لَوْنهَا وَلِين مَلْمَسهَا، وَفِي أَكْلهَا مَعَ الالْتِذَاذ طِيب نَكْهَة وَدِبَاغ مَعِدَة وَجَوْدَة هَضْمٍ، وَلَهَا مَنَافِع أُخْرَى .

ذكر بعض فضائل تلاوة القرآن الكريم، وفضل من حفظ شيئًا من كتاب الله تعالى: 

1- أن أهل القرآن هم أهل الله عز و جل وخاصته: 

قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لله عز و جل أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ، قَالَ قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ الله ؟ قَالَ: أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ الله وَخَاصَّتُهُ». 

2- أن ثواب تلاوة القرآن أعظم من أنفس أموال الدنيا: 

قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يَجِدَ فِيهِ ثَلاثَ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ ؟» قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «فَثَلاثُ آيَاتٍ يَقْرَأُ بِهِنَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلاثِ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ». 

الْخَلِفَات: الْحَوَامِل مِنْ الإِبِل إِلَى أَنْ يَمْضِي عَلَيْهَا نِصْف أَمَدهَا، ثُمَّ هِيَ عِشَار.

وخَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه من أهل الصُّفَّةِ، فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلا قَطْعِ رَحِمٍ ؟» فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: «أَفَلا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ الله عز و جل خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنْ الإِبِلِ». الْكَوْمَا مِنْ الإِبِل: الْعَظِيمَة السَّنَام .

3- أن كل حرف فيه بعشر حسنات: 

عن ابْن مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ الله فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ». 

4- أمر الله عز و جل نبيه صلى الله عليه وسلم بملازمة أهل القرآن: 

فالله سبحانه وتعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالجلوس مع أهل القرآن، وإن كانوا أفقر الناس، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: جَلَسْتُ فِي عِصَابَةٍ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَسْتَتِرُ بِبَعْضٍ مِنْ الْعُرْيِ، وَقَارِئٌ يَقْرَأُ عَلَيْنَا، إِذْ جَاءَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَامَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سَكَتَ الْقَارِئُ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: «مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّهُ كَانَ قَارِئٌ لَنَا يَقْرَأُ عَلَيْنَا، فَكُنَّا نَسْتَمِعُ إِلَى كِتَابِ الله. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الْحَمْدُ لله الَّذِي جَعَلَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ». قَالَ فَجَلَسَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَسْطَنَا لِيَعْدِلَ بِنَفْسِهِ فِينَا، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَتَحَلَّقُوا، وَبَرَزَتْ وُجُوهُهُمْ لَهُ، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَرَفَ مِنْهُمْ أَحَدًا غَيْرِي، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَذَاكَ خَمْسُ مِائَةِ سَنَةٍ».

5- أنه يورث الإنسان الراحة والذكر الحسن: 

فورث الإنسان الراحة القلبية، ويزيده أن يذكر ذكرا حسنا في الأرض والسماء، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً جَاءَهُ، فَقَالَ: أَوْصِنِي. فَقَالَ: سَأَلْتَ عَمَّا سَأَلْتُ عَنْهُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ قَبْلِكَ: «أُوصِيكَ بِتَقْوَى الله فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الإِسْلامِ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ الله وَتِلاوَةِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ رَوْحُكَ فِي السَّمَاءِ وَذِكْرُكَ فِي الأَرْضِ». 

6- أن كل آية يحفظها المسلم يرفعه الله بها درجة في الجنة: 

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ، فَيَقْرَأُ وَيَصْعَدُ بِكُلِّ آيَةٍ دَرَجَةً، حَتَّى يَقْرَأَ آخِرَ شَيْءٍ مَعَهُ». 

7- أن الماهر بالقرآن يقرنه الله سبحانه وتعالى بأفضل الملائكة: 

عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ». وفي رواية: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ». السَّفَرَة: الرُّسُل، لأَنَّهُمْ يُسْفِرُونَ إِلَى النَّاس بِرِسَالاتِ اللَّه، وَقِيلَ: السَّفَرَة: الْكَتَبَة .وَالْبَرَرَة: الْمُطِيعُونَ، مِنْ الْبِرّ وَهُوَ الطَّاعَة. وَالْمَاهِر: الْحَاذِق الْكَامِل الْحِفْظ الَّذِي لا يَتَوَقَّف وَلا يَشُقّ عَلَيْهِ الْقِرَاءَة بِجَوْدَةِ حِفْظه وَإِتْقَانه .

وكَوْنه مَعَ الْمَلائِكَة أَنَّ لَهُ فِي الآخِرَة مَنَازِل يَكُون فِيهَا رَفِيقًا لِلْمَلائِكَةِ السَّفَرَة، لاتِّصَافِهِ بِصِفَتِهِمْ مِنْ حَمْل كِتَاب اللَّه صلى الله عليه وسلم، وعمل بِعَمَلِهِمْ وَسَالِك مَسْلَكهمْ .

وَأَمَّا الَّذِي يَتَتَعْتَع فِيهِ فَهُوَ الَّذِي يَتَرَدَّد فِي تِلاوَته لِضَعْفِ حِفْظه فَلَهُ أَجْرَانِ: أَجْر بِالْقِرَاءَةِ، وَأَجْر بِتَتَعْتُعِهِ فِي تِلاوَته وَمَشَقَّته، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الَّذِي يَتَتَعْتَع عَلَيْهِ لَهُ مِنْ الأَجْر أَكْثَر مِنْ الْمَاهِر بِهِ، بَلْ الْمَاهِر أَفْضَل وَأَكْثَر أَجْرًا; لأَنَّهُ مَعَ السَّفَرَة وَلَهُ أُجُور كَثِيرَة وَلَمْ يَذْكُر هَذِهِ الْمَنْزِلَة لِغَيْرِهِ، وَكَيْف يَلْحَق بِهِ مَنْ لَمْ يَعْتَنِ بِكِتَابِ اللَّه تَعَالَى وَحِفْظه وَإِتْقَانه وَكَثْرَة تِلاوَته كَاعْتِنَائِهِ حَتَّى مَهَرَ فِيهِ.

8- أن أفضل الناس هو من يتعلم القرآن ويعلمه: 

عَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»، قَالَ وَأَقْرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي إِمْرَةِ عُثْمَانَ حَتَّى كَانَ الْحَجَّاجُ قَالَ وَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا». وعنه رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». 

وعَنْ دُرَّةَ بِنْتِ أَبِي لَهَبٍ رضي الله عنها قَالَتْ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ أَقْرَؤُهُمْ وَأَتْقَاهُمْ وَآمَرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ». 

9- أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب إنسانًا حفظ القرآن وعمل به: 

فعن عصمة بن مالك رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: «لو جمع القرآن في إهاب ما أحرقه الله بالنار». وفي رواية: «مَا مَسَّهُ النَّارُ». 

وعن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَوْ جُعِلَ الْقُرْآنُ فِي إِهَابٍ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ مَا احْتَرَقَ». 

وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قال: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، وَلا يَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ الْمَصَاحِفُ الْمُعَلَّقَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يُعَذِّبَ قَلْبًا وَعَى الْقُرْآنَ». 

10- أنه يأتي شفيعًا لأصحابه: 

فيشفع في أصحابه الذين كانوا يعملون به في الدنيا، فعن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ». 

وعن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ فَيَقُولُ لِصَاحِبِهِ أَنَا الَّذِي أَسْهَرْتُ لَيْلَكَ وَأَظْمَأْتُ نهارك». 

وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ». 

11- أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع صاحب القرآن إلى مراتب العلماء: 

فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَخَذَ السَّبْعَ الأُوَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فَهُوَ حَبْرٌ». 

12- أن الله عز و جل يكرم أهله يوم القيامة: 

عن معاذ بن أنس رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ الله الْعَظِيمِ نَبَتَ لَهُ غَرْسٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَكْمَلَهُ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أَلْبَسَ وَالِدَيهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَاجًا هُوَ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتٍ مِنْ بُيُوتِ الدُّنْيَا لَوْ كَانَتْ فِيهِ فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهِ». 

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ حَلِّهِ، فَيُلْبَسُ تَاجَ الْكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ زِدْهُ، فَيُلْبَسُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ ارْضَ عَنْهُ، فَيَرْضَى عَنْهُ، فَيُقَالُ لَهُ: اقْرَأْ وَارْقَ وَتُزَادُ بِكُلِّ آيَةٍ حَسَنَةً». 

13- والقرآن من أعظم القربات لله عز و جل وأحبها إليه: 

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا أُذِنَ لِعَبْدٍ فِي شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا، وَإِنَّ الْبِرَّ لَيُذَرُّ فَوْقَ رَأْسِ الْعَبْدِ مَا دَامَ فِي صَلاتِهِ، وَمَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إِلَى الله تَعَالَى بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ يَعْنِي الْقُرْآنَ». 

14- سلامة أهل القرآن من الغفلة: 

عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنْ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنْ الْمُقَنْطِرِينَ». 

وعن أبي أُمَامَةَ رضي الله عنه قال: «مَنْ قَرَأَ أَلْفَ آيَةٍ كُتِبَ لَهُ قِنْطَارٌ مِنْ الأَجْرِ، وَالْقِيرَاطُ مِنْ ذَلِكَ الْقِنْطَارِ لا يَفِي بِهِ دُنْيَاكُمْ، يَقُولُ لا يَعْدِلُهُ دُنْيَاكُمْ». 

15- القرآن أمنة للبيت الذي يقرأ فيه: 

أن البيت الذي يقرأ فيه القرآن تحصل فيه الخيرات والبركات ويحفظ الله تعالى أهل هذا البيت من كل سوء، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنه كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ الْبَيْتَ لَيَتَّسِعُ عَلَى أَهْلِهِ وَتَحْضُرُهُ الْمَلائِكَةُ وَتَهْجُرُهُ الشَّيَاطِينُ وَيَكْثُرُ خَيْرُهُ أَنْ يُقْرَأَ فِيهِ الْقُرْآنُ وَإِنَّ الْبَيْتَ لَيَضِيقُ عَلَى أَهْلِهِ وَتَهْجُرُهُ الْمَلائِكَةُ وَتَحْضُرُهُ الشَّيَاطِينُ وَيَقِلُّ خَيْرُهُ أَنْ لا يُقْرَأَ فِيهِ الْقُرْآنُ». 

وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِابْنٍ لَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ ابْنِي هَذَا يَقْرَأُ الْمُصْحَفَ بِالنَّهَارِ وَيَبِيتُ بِاللَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا تَنْقِمُ أَنَّ ابْنَكَ يَظَلُّ ذَاكِرًا وَيَبِيتُ سَالِمًا». 

وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ الآيَتَيْنِ الآخِرَتَيْنِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ». 

آداب تلاوة القرآن الكريم: 

1- الإخلاص لله سبحانه وتعالى: 

فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا يوم القيامة عمن تسعر بهم النار، وهم ثلاثة، فمنهم: قارئ للقرآن، والسبب -ولا شك- في تسعير النار به يوم القيامة هو أنه لم يكن من الذين أخلصوا لله سبحانه وتعالى في ذلك، ولذلك هؤلاء الثلاثة الذين تسعر بهم النار، قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: «إن الله إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمةٍ جاثية، فأول من يُدعى به رجلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قتل في سبيل الله، ورجلٌ كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلتُ على رسولي؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت بما علمت؟ قال: كنتُ أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلانٌ قارئ! فقد قيل ذلك، أخذت أجرك في الدنيا، ثم يسحب إلى النار». 

2- الطهارة: 

لا شك أن تلاوة القرآن على طهارة أفضل، وإن حصل الخلاف بين أهل العلم في حكم الطهارة لتلاوة القرآن ولمس المصحف، أما بالنسبة للتلاوة فلا شك أن مجرد التلاوة بدون مس المصحف لا يشترط لها الطهارة، بمعنى زوال الحدث الأصغر والأكبر معًا، وإنما إذا كان على جنابة لا يقرأ حتى يغتسل وعذره يزول، بخلاف عذر الحائض التي تمكث وقتًا لا تستطيع أن تزيل عذرها بيدها.

ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني كرهتُ أن أذكر الله عز و جل إلا على طهرٍ». لا شك أن أعلى ما يُتطهر له هو كلام الله سبحانه وتعالى.

قال الجويني رحمه الله: «لكن تجوز القراءة للمحدث حدثًا أصغر؛ لأنه صح أن النبي صلى الله عليه وسلم: «كان يقرأ مع الحدث»، لكن هذا الحديث ليس بمعروف، والذي ورد: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه». ومن هنا قال بعض العلماء: ما دام أنه كان يذكر الله على كل أحيانه، فقراءة القرآن من ذكر الله.

ولذلك يرى بعضهم جواز قراءة القرآن للجنب، لكن الأحوط أن الجنب لا يقرأ القرآن، والأفضل أن يتطهر الإنسان لقراءة القرآن، والراجح للحائض أنه يجوز لها قراءة القرآن لكن دون مس المصحف، فإن احتاجت إلى مسه بخشبةٍ أو بقلمٍ أو بقفازٍ أو بخرقةٍ ونحو ذلك فلا مانع .

3- التسوك: 

لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أفواهكم طرقٌ للقرآن، فطيبوها بالسواك». وقد جاء عدد من الأحاديث في هذا الموضوع، فمن ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تسوك أحدكم ثم قام يقرأ طاف به الملك يستمع القرآن حتى يجعل فاه على فيه، فلا تخرج آيةٌ من فيه إلا في فيّ الملك». وهذا الحديث صححه الشيخ ناصر الدين الألباني وغيره.

من فوائد السواك للقراءة: 

1- أنه لا يخرج من فم قائم الليل المصلي الذي يقرأ القرآن آية إلا دخلت في فم الملك.

2- أن الملك يضع فاه على فم قارئ القرآن، القائم في الليل .

3- الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: 

لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]. ومعنى «إذا قرأت» أي: إذا أردت القراءة، قال بعض أهل العلم: يجب التعوذ عند قراءة القرآن لظاهر الأمر، وجمهور العلماء على استحباب ذلك، ومن أفضل الصيغ: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه»، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. 

والاستعاذة ليست آية من القرآن، ولذلك لا ترتل ترتيلاً، وإنما تقال: بصوتٍ عال، فإذا بدأ يقرأ رتل الترتيل المعروف، وميَّز صوته بالتلاوة، ومن فوائد الجهر بالتعوذ: إظهار شعار القراءة، وأن السامع ينصت للقراءة ويعلم ماذا سيقوله القارئ، وأن بعده قرآن.

قال ابن الجزري رحمه الله: «المختار عند أئمة القراءة الجهر بها». 

وقال بعضهم: يُسر بها.

وعلى أية حال، إذا تعوذ يُسمع نفسه.

وهنا مسألة: إذا كان جماعة في مقام التعليم يقرءون، فتعوذ الأول وقرأ ثم توقف ليقرأ الثاني، فلا يجب إعادة الاستعاذة، لأن القراءة هنا في حكم المتصلة، فلا يجب إعادة الاستعاذة من القارئ والثاني والثالث.

4- البسملة: 

فيحافظ على قراءة البسملة أول كل سورة غير براءة، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف انقضاء السورة وابتداء السورة التي تليها بالبسملة، إلا في موضعٍ واحد وهو ما بين الأنفال وبراءة، فإن الصحابة تركوهما بغير بسملةٍ بينهما، لأن النبي صلى الله عليه وسلم توفي ولم يبين لهم، هل براءة والأنفال سورة واحدة أم لا؟ فلو وضعوا البسملة صارت سورتين منفصلتين، وإذا لم يضعوا البسملة في بداية السورة توهم الناس أنهما سورة واحدة، فتركوهما بهذا الشكل الموجود الآن.

وكذلك بما أن البسملة آية فالسنة ألا تُوصل بما بعدها، فيستعيذ بالله ثم يتوقف، ثم يقرأ البسملة ويتوقف، ثم يشرع في قراءة الآيات أو السورة، وبما أن البسملة هي في بداية كل سورة، فإذا بدأ من وسط سورة، فإنه يكتفي بالاستعاذة .

5- الترتيل: 

لأن الله قال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:٤]، ونعتت أم سلمة رضي الله عنها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قراءةً مفسرةً حرفًا حرفًا. وعن أنس رضي الله عنه أنه سئل عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: «كانت مدًا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد الله – أي: المد الطبيعي حركتين – ويمد الرحمن، ويمد الرحيم». 

وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أن رجلاً قال له: إني أقرأ المفصل في ركعةٍ واحدة، فقال: «أهذًّا كهذِّ الشعر». ينكر عليه، أي: الإسراع بالقراءة: «إن قومًا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع». 

وفي الأثر عن ابن مسعود كما أخرجه الآجري: «لا تنثروه نثر الدقل – أي: التمر الرديء -، ولا تهذُّوه كهذِّ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكون همَّ أحدكم آخر السورة». 

6- الاجتماع لمدارسة القرآن: 

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». فالاجتماع لتلاوة القرآن ومدارسته من السنن والمستحبات العظيمة، ولا يعني قوله: «يتلون كتاب الله»، أي: يتلونه بصوت واحد، ولا يعني أن كل واحد يقرأ وراء الآخر مقطعًا مقطعًا، كما يفعل كثيرٌ من الناس، لأنه قد ثبت عن الصحابة – رضوان الله عليهم -، أنهم كانوا إذا جلسوا أمروا واحدًا منهم أن يقرأ ويستمع الباقون.

حكم طريقة الإدارة في التلاوة: 

والإدارة هي أن يقرأ كل واحد مقطعًا ثم يقرأ الآخر، فهذه طريقةٌ مكروهة، وبعضهم يقول: مبتدعة إلا في مقام التعليم، أي: التعليم عند شيخ يأمر شخصًا أن يقرأ، ثم يأمر الآخر، وهكذا الثالث والرابع في التحفيظ، مثلاً يسمع الأول ثم الثاني ثم الثالث، لكن إذا اجتمعوا مجموعة في المسجد أو في غيره، ما هي السنة؟ أمروا واحدًا منهم أن يقرأ، مثل أن يكون أنداهم صوتًا، أو أفضلهم قراءةً، والباقون يستمعون.

7- تحسين الصوت بالقراءة: 

لقوله صلى الله عليه وسلم: «حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا». وفي رواية: «حُسن الصوت زينة القرآن». فتحسين الصوت: تجميله، وتزيينه، والاعتناء به، والإبداع فيه، وسيأتي لهذا مزيد من الشرح – إن شاء الله -.

8- أن يُتغنى بالقرآن: 

وهذا تابع لما ذكرناه من تحسين الصوت به، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن». وكذلك حديث: «ما أذن الله لشيءٍ ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يتغنى به». فالتغني بالقرآن من آداب التلاوة ومستحباتها، وهذا معنى التغني: تحسين الصوت .

9- عدم الجهر بالقراءة على الآخرين: 

فلا يجهر شخصٌ على شخصٍ بالقراءة فيرفع صوته، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن»؛ لئلا يكون ذلك سبيلاً إلى التشويش». 

10- قطع القراءة عند النعاس والتثاؤب: 

فمن نعس كف عن القراءة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدرِ ما يقول فليضطجع». أي: يذهب وينام حتى لا يخلط القرآن بغيره، أو تلتبس عليه الآيات، فيُقدم ويُؤخر، أو يهذي ويذكر حروفًا ليست فيه ونحو ذلك مما يفعله النعسان، فإذا نعس فعليه أن يذهب وينام.

11- الاعتناء بالسور التي لها فضل: 

فيُكثر من قراءتها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة! فإنه من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١-٢]، في ليلة فقد قرأ في ليلته ثلث القرآن». وفي رواية أنه قال: «احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن»، ثم قرأ عليهم سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾». 

12- عدم القراءة في الركوع أو السجود: 

لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «أيها الناس! إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له، ألا وإني نهيتُ أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمنٌ أن يستجاب لكم». 

ومن أسباب هذا وعلته: ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله من أن الركوع والسجود من مواضع الذل، فلا ينبغي أن يقرأ القرآن في مواضع الذل، وإنما فيه تسبيح الله سبحانه وتعالى.

وذكر أهل العلم أنه إذا قرأ شيئًا من القرآن في الركوع أو السجود، وأتى بدعاء من القرآن بقصد الدعاء، فإنه لا بأس به، كأن يقول: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، أو: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح:٢٨]، ونحو ذلك مما ورد من الأدعية في القرآن على سبيل الدعاء فلا بأس به.

13- الصبر على الصعوبة في القراءة: 

فيصبر الشخص الذي يجد صعوبةً في التلاوة عليها، مثل العامي الذي يتعب في القراءة؛ لأنه لم يدرس ذلك أو لم تتهيأ له الفرصة لذلك، أو الشخص الذي في لسانه شيء، أو في تركيبة أسنانه شيء، قد يكون يشق عليه القراءة فيصبر على ذلك وأجره عظيم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ وهو عليه شاق له أجران». فلو صبر على هذه المشقة وحاول أن يتعلم ما استطاع فلا شك أنه يؤجر أجرًا عظيمًا.

14- ألا يقرأ القرآن في أقل من ثلاثة أيام: 

لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث». لكن قد يبحث الإنسان عن دليل معين، فيستعرض القرآن في ذهنه استعراضًا، كما فعل الشافعي رحمه الله فقد استعرض القرآن كله في ليلة، يبحث عن دليل الإجماع، فهذا لا يسمى تلاوة، وبالتالي نطبق عليه أحكام التلاوة، وآداب التلاوة، فنقول: لابد من الترتيل ونحو ذلك.

15- البكاء عند تلاوة القرآن الكريم: 

لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٧-١٠٩]؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر ابن مسعود رضي الله عنه أن يقرأ عليه التفت إليه ابن مسعود فإذا عيناه تذرفان – عليه الصلاة والسلام -. والبكاء الصادق عند قراءة القرآن دليل الخشوع.

البكاء على أنواع: 

1- منه ما يكون بكاء رحمة ورقة.

2- ومنه ما يكون بكاء خوف وخشية.

3- ومنه ما يكون بكاء محبة وشوق.

4- ومنه ما يكون بكاء فرح وسرور.

5- ومنه ما يكون بكاء حزن وجزع.

فالبكاء المطلوب عند تلاوة القرآن هو بكاء الخشوع، وليس بكاء النفاق، وليس البكاء المستعار، أما التباكي فهو تكلف البكاء، وقد جاء في حديثٍ: «إن لم تبكوا فتباكوا». ولكن الحديث ضعفه الشيخ ناصر، وذكر الشيخ عبد العزيز بن باز في بعض فتاويه أنه لا يعرف صحته، والحديث رواه أحمد وغيره.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من أحسن الناس صوتًا بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى الله». 

التباكي نوعان: 

أما بالنسبة للتباكي فإنه ينقسم إلى: تباكٍ محمود، وتباكٍ مذموم: 

أما التباكي المحمود: فهو الذي يستجلب رقة القلب وخشية الله، وليس تباكي الرياء والسمعة، مثلما قال عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد رآه يبكي هو و أبو بكر رضي الله عنه في شأن أسرى بدرٍ: «أخبرني ما يبكيك يا رسول الله، فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد تباكيت لبكائكما». ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعض السلف: «ابكوا من خشية الله، فإن لم تبكوا فتباكوا». 

أما التباكي المذموم: فهو الذي يجلب ويستجلب به حمد الخلق وثناءهم عليه، فيتظاهر بالبكاء أمام الناس، فهذا تباكي النفاق.

وكان صلى الله عليه وسلم يبكي عند تلاوة القرآن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن وهو يصلي، «ولجوفه أزيزٌ كأزيز المرجل». 

وقصة أبي بكر رضي الله عنه معلومة في مرض وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة رضي الله عنها: «إنه رجلٌ رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء»، وفي رواية: «إن أبا بكر رجلٌ أسيف، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس». 

و عائشة رضي الله عنها مرَّ عليها القاسم وهي تقرأ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧]، ترددها وتبكي وتدعو. 

16- التلاوة بين الجهر والإسرار: 

أما قضية الجهر بالقرآن فقد ورد فيها أحاديث، مثل قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبيٍ حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به». ومن الجهة الأخرى ورد قوله صلى الله عليه وسلم: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة». 

17- القراءة من المصحف إذا لم يشغل عن التدبر: 

حيث جاء مدح القراءة من المصحف في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من سرَّه أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف». وصححه الشيخ ناصر، وهذا يدل على فضل القراءة في المصحف.

ولكا اختلف أهل العلم إن كانت القراءة من المصحف أفضل أو على ظهر قلب؟ على ثلاثة أقوال: 

القول الأول: أن القراءة من المصحف أفضل؛ لأن النظر فيه عبادة، فيجتمع القراءة والنظر، وأن استعمال الحاسة – حاسة العين – زيادة على اللسان وإخراج الصوت هذا الاستعمال لهذه الحاسة فيه أجر زائد عن عدم استخدام هذه الحاسة.

القول الثاني: أن القراءة عن ظهر قلب أفضل، وهو اختيار أبي محمد العز بن عبد السلام رحمه الله.

القول الثالث: وهو اختيار النووي رحمه الله: إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر والتفكر وجمع القلب أكثر مما يحصل له من القراءة في المصحف، فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن استويا فمن المصحف أفضل، قال: وهو مراد السلف.

فوائد القراءة في المصحف: 

1- إشغال جارحة العين عن النظر إلى غير المصحف، لأنه ربما إذا لم ينظر في المصحف نظر إلى غير المصحف.

2- إن لمس المصحف فيه داعٍ إلى الوضوء، بخلاف إذا قرأ من حفظه فإنه لا يحتاج أصلاً إلى المصحف حتى يمسه.

3- إنه آمنُ من الغلط والتحريف؛ لأنه إذا قرأ من حفظه فيمكن أن يغلط فيه كآية حفظها خطًأ، ولكن إذا قرأ من المصحف بالتأكيد تكون القراءة مضبوطة، لأنه يقرأ من شيءٍ مكتوب، بخلاف الذاكرة التي يعتريها ما يعتريها.

4- إن فيه تكفيرًا للنظر المحرم التي ارتكبته العين.

18- التوقف عن التلاوة إذا خرج منه ريح أو تثاءب: 

والأفضل أن يتوضأ لمواصلة القراءة، وإن كان لا يمسك المصحف فقرأ وواصل القراءة بغير وضوء فلا بأس، لكن الأفضل أن يكون على طهارة. فإن ابن عيينة روى عن زر قال: قلتُ لـ عطاء: أقرأ القرآن فيخرج مني ريح، قال: تمسك عن القراءة حتى تنقضي الريح .

وكذلك لو عرض له تثاؤب: فإنه يُمسك عن القراءة؛ لأجل التثاؤب، حتى لا يتغير الصوت وتخرج كلمات غير كلمات القرآن .

19- السجود في موضع التلاوة: 

فإذا مرَّ بسجدة للتلاوة سجد، وقال أبو حنيفة بالوجوب، وأن الكفار يندمون على عدم السجود، وأنه لا يُندم إلا على ترك واجب، وقول الجمهور هو القول الراجح إن شاء الله، وهو قول عمر رضي الله عنه أن سجود التلاوة مستحبٌ وليس بواجب. ولذلك ذكر رضي الله عنه على المنبر أنه من أراد أن يسجد فليسجد، ومن أراد ألا يسجد فلا يسجد، وأنه ليس عليه حرجٌ من ذلك، لكن ماذا يفعل إذا أراد أن يسجد؟ يكبر ويسجد.

20- استقبال القبلة: 

واستدلوا بحديث: «خير المجالس ما استقبل به القبلة». لكن هذا الحديث ضعيف، إنما إذا استقبل القبلة يكون أحسن. 

21- التزام هيئة الأدب والتذلل: 

فينبغي لقارئ القرآن أن يكون في حال القراءة على هيئة الأدب ما أمكنه، نعم! يجوز له أن يقرأ القرآن قاعدًا وقائمًا وماشيًا ومضطجعًا كل ذلك جائز، لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١]، لكن لو جلس متخشعًا أحسن من أن يجلس مثلاً على جنبه متكئًا، فمن ناحية الجواز لا بأس أن يقرأ القرآن متكئًا، لكن من ناحية الأفضل إذا جلس جلسة المتخشع فإنه أفضل.

22- عدم إطالة العهد بالختمة: 

فلا يُطيل العهد بالقرآن سنوات لا يختم مثلاً، وإنما لا يُنقص عن ثلاثة، أي: لا يقرأ في أقل من ثلاث، لكن لا يطول به العهد، وقد جاءت عدة أحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لشخص: «اقرأ القرآن في أربعين». وقال: «اقرأ القرآن في خمسة عشر يوما». وقال: «اقرأ القرآن في ثلاث إن استطعت». وقال: «اقرأ القرآن في كل شهرٍ، اقرأه في عشرين ليلة، اقرأه في عشرٍ، اقرأه في سبعٍ ولا تزد عن ذلك». 

هذه الروايات المختلفة تدل على أن الناس طاقات أشغالهم مختلفة، وجودة وسرعة تلاوتهم وتمكنهم يختلف.

23- الوقوف عند رءوس الآيات: 

فيقف عند رءوس الآيات وإن تعلقت في المعنى بما بعدها؛ لأنه قد ورد في الحديث الصحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كان يقطع قراءته آيةً آية». يقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم يقف، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم يقف.

24- التدبر عند تلاوته: 

وهذا يكاد يكون أهم آداب التلاوة على الإطلاق، والتدبر هو الثمرة الحقيقية لتلاوة القرآن الكريم، والتدبر يتضمن عدة أشياء: 

1- التفكر في عظمة الله سبحانه وتعالى: 

فيُفكر القارئ في عظمة الله سبحانه وتعالى وعلوه وفضله ولطفه بخلقه، عندما أنزل علينا هذا الكتاب، وجعله لنا مفهومًا، فإن القرآن عظيم، لأنه كلام الله، والله عز و جل عظيم، ومع ذلك فقد جعل كلامه مفهومًا لنا نحن البشر، وإلا هو فوق طاقتنا، ولكن جعل كلامه عز و جل مفهومًا: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧، 22، 32.40]، ولولا أنه جعله مُيسرًا ما استطعنا تلاوته ولا حفظه ولا فهمه؛ لأنه فوق عقولنا، لكن الله سبحانه وتعالى سهَّله وقرَّبه لنا، وجعله بلغة العرب وهي أكمل لغات العالم.

2- استحضار عظمة الله سبحانه وتعالى: 

وكذلك فإن من التدبر أن يُحضر الإنسان في قلبه عظمة المتكلم، وهو الله سبحانه وتعالى؛ وكان بعض السلف وهو عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه إذا نشر المصحف غُشي عليه، ويقول: «كلام ربي كلام ربي». فالله سبحانه وتعالى الذي تكلم بالقرآن حقيقةً، وينبغي لتالي القرآن أن يستشعر عند قراءته أنه يقرأ كلام الخالق القادر الرازق الذي جميع الكون في قبضته، وتحت مشيئته وهيمنته، وأن الخلق مترددون بين فضله ورحمته ونقمته وسطوته، إن أنعم فبفضله، وإن عاقب فبعدله، وهو الذي يقول: «هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي». 

3- استحضار القلب عند القراءة: 

فيحضر قلبه ويترك حديث النفس، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢]، أي: بجدٍ واجتهاد، وإنما يؤخذ القرآن بالقوة بالتجرد عند قراءته، وصرف الهمة إليه، وقيل لبعض السلف: إذا قرأت القرآن تحدث نفسك بشيء؟ فقال: «أو شيءٌ أحب إليّ من القرآن حتى أحدث به نفسي!». 

4- النظر في خلق الله سبحانه وتعالى: 

ويدخل في التدبر كذلك أن ينظر في أفعال الله عز و جل من خلق السماوات والأرض، وخلق العرش، وأن كل شيء ٍهالكٌ إلا وجهه، وإذا قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة:٥٨]، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة:٦٣]، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ [الواقعة:٦٨]، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة:٧١]، فإنه لا شك يتأمل في ذلك، وكذلك في الآيات المشابهة.

5- التأمل في موقف الغافلين عن القرآن: 

كذلك يتأمل ما في هذا القرآن من الختم والطبع على قلوب الذين لا يفقهون ولا يعقلون، ويدعو الله ألا يكون منهم؛ لأن الذين طبع الله على قلوبهم غير موفقين ولا مؤهلين لتدبر القرآن، ويندرج تحت التدبر التخلي عن موانع الفهم التي تمنع الفهم، فإن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن بأسباب، وحجب من الشيطان؛ فعميت عليهم عجائب القرآن فصاروا لا يفهمون ولا يفقهون منه شيئًا، كأنه بالنسبة لهم طلاسم.

6- أن يقرأ تفسيرًا للقرآن: 

فكيف يتدبر وهو لا يعرف ما قاله أهل العلم في الآية؟ هل يتدبر من تلقاء نفسه؟ كما حصل لبعضهم عندما مرّ بآية ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران:١١٧]، قال: فهمت الصراصير الليل، والصِر: هو البرد.

قد يفهم الإنسان أشياء كثيرة خطأ؛ بسبب جهله باللغة، وبأسباب النزول ونحو ذلك.

إذن لا يمكن أن يأتي التدبر إلا بعد قراءة التفسير، كقراءة ما جاء عن مجاهد رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما، فإن مجاهد عرض القرآن على ابن عباس ثلاث مرات، يستوقفه عند كل آيةٍ يسأله عنها.

7- يقرأ على أنه المقصود بالخطاب: 

وهو التخصيص: أي: يظن ويعتقد أنه المقصود بالخطاب، وأنه خاصٌّ به موجهٌ إليه، ليس إلى غيره.

فإذا سمع قصص الأولين والأنبياء علم أنه ليس المقصود التسلي بالأحداث والسمر بها، أو الأخذ بروعة القصة وأحداثها دون أن يكون معنيًّا بما فيها من العبر، وتثبيت الفؤاد، لأن الله قال: ﴿وَكُلاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠]، فيتأمل في أحوال الأنبياء وصبرهم على الإيذاء، وثباتهم في الدين، وكيف نصرهم الله سبحانه وتعالى.

فهذا القرآن رسائل أتتنا من قبل الله عز و جل، نتدبرها في الصلوات، ونقف عليها، وننفذها، وكان مالك بن دينار يقول: «ما زرع القرآن في قلوبكم يا أهل القرآن، إن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض». 

وقال قتادة: «لم يجالس أحدٌ هذا القرآن إلا قام عنه بزيادةٍ أو نقصان». قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢].

8- التفاعل مع آيات الوعد والوعيد: 

أنه إذا مرَّ بآية رحمة ووعد سأل، وإذا مر بآية وعيد وعذاب استعاذ، فإذا مرَّ بقول الله عز و جل: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]، أرعى سمعه لها فتاب وحقق الإيمان واهتم بالصالحات، وإذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١-٢]، ألقى سمعه خائفًا أن يكون من المعنيين بذلك، مشرئبًا أن ينضم مع من يستثنيهم الله عز و جل من هذا الخسران بقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣].

25- التلقي عن أهل العلم: 

فيتلقاه عن أهل العلم المجيدين فيه، المجودين له، ولذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن عن أشخاصٍ معينين، فقال صلى الله عليه وسلم: «خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود و أبي بن كعب، و معاذ بن جبل، و سالم مولى أبي حذيفة». 

وكان هناك في الصحابة من حفظ القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث أنس في الصحيحين قال: «جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة، كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، و زيد، و أبو زيد، فقلت: ومن أبو زيد ؟ فقال: أحد عمومتي».

وجاء في الحديث: «استقرءوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، و سالم مولى أبي حذيفة، و معاذ بن جبل، و أبي بن كعب». 

ولنعلم أن المسألة ليست بالحفظ فقط، فالذين حفظوا القرآن من الصحابة معروفة أسماؤهم، وكان أكثرهم يحفظ السورة والسورتين، وكان الذي يحفظ البقرة والأنعام من علمائهم، لأنهم كانوا لا يتجاوزون الآيات إلا بعد العمل بها، يعملون ثم يأخذون أخرى وهكذا.

كم سنة مكث ابن عمر في تعلم البقرة؟ ثمان سنوات يتعلم سورة البقرة، لأنهم كانوا يسعون إلى الاستفادة.

26- التجويد: 

وقد عرَّفه العلماء بأنه: إقامة الحروف، ومعرفة الوقوف. والنبي صلى الله عليه وسلم لما وصفت قراءته جاء في الحديث عن أم سلمة رضي الله عنها أنها تنعت قراءته مفسرةً حرفًا حرفًا، فالقراءة ليست فيها أكل للحروف، ولا تغيير حرف بحرف، فإذا صار الإنسان يغير صفات الحروف تغيرت الكلمة بالكلية.

والتجويد ينبغي الاعتناء به، حتى يخرج القرآن منه جميلاً في أدائه إياه، وينبغي أن ينتبه بالذات من قضية اللحن الجلي الذي يغير المعنى، مثل: تغير الحركات، أو تغير الحروف، لو ضم التاء من «أنعمت»: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧]، صار المنعم هو المتكلم، بينما المنعم هو الله .

27- عدم قطع الآية: 

فلا يقطع القارئ الآية لكلام الناس، بل إذا أراد أن يكلم أحدًا يُنهي الآية أو ينهي السورة ثم يتكلم. نعم، قد يحتاج إلى كلامٍ للحاجة، فعلى الأقل ينهي الآية، فلا يرد على أحد أو يتكلم وهو في وسط الآية، بل ينتظر حتى يكمل الآية، فإذا تكلم بكلام الدنيا رجع فاستعاذ وشرع في القراءة مرةً أخرى. و«كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه». 

28- عدم القراءة بالقراءات الشاذة: 

فإن هناك قراءات شاذة فيها زيادة أو نقصان، وشروط القراءة الصحيحة معروفة:

أولاً: أن تكون نقلت بطريق التواتر.

ثانيًا: أن تكون موافقة لرسم المصحف العثماني.

ثالثًا: أن تكون مطابقة لوجهٍ من وجوه اللغة الصحيحة.

29- عدم الجدال في القرآن بالباطل: 

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا». لأن البقاء يؤدي إلى التنازع والعبث بآيات الله، وقال صلى الله عليه وسلم: «أما إنه لم تهلك الأمم قبلكم حتى وقع في مثل هذا، يضربون القرآن بعضه ببعض». 

كما جاء رجل من الخوارج إلى ابن عباس رضي الله عنهما، قال: مرة يقول: لا ينطقون، ومرة يقول: لا يتكلمون كيف؟ فبين له ابن عباس أن يوم القيامة طويل، وهو خمسون ألف سنة في مراحل، مرحلة يتكلمون ومرحلة يُختم على أفواههم فلا ينطقون، فلا يوجد تعارض في القرآن.

وقد حذَّر الرسول صلى الله عليه وسلم من الجدال في القرآن بالباطل، فقال: «الجدال في القرآن كفرٌ». وقال صلى الله عليه وسلم: «المراء في القرآن كفرٌ». ونهى عن الجدال في القرآن، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تجادلوا في القرآن فإن جدالاً فيه كفرٌ». 

تنبيهات مهمة تتعلق بتلاوة القرآن: 

وفيما يلي تنبيهات تتعلق بتلاوة القرآن الكريم، لضمان سلامتها من الخلل والنقصان ظاهرا وباطنا: 

أولا: أشياء تتعلق بالمصحف لا علاقة لها بالتلاوة: 

مثل: احترام المصحف، وأن لا يوضع فوقه أي شيء، ولا يُتوسد، ولا يُنام عليه، ولا يُسافر به إلى أرض العدو.

ثانيا: جواز تضمين القرآن في الكلام إذا قصدَ مصلحةً شرعية: 

لا يجوز استعمال القرآن في غير ما أنزل فيه، كالذي يقول إذا أراد الطعام: «آتنا غدائنا» ونحو ذلك. وإذا قصد بها هذا فهي بدعة، أو أنه لا يتكلم إلا بالقرآن هذه بدعة، قال ابن عقيل: «لا يجوز أن يجعل القرآن بدلاً من الكلام»، أي: كلما أراد أن يتكلم بكلمة أتى بشيء من القرآن.

فلو قال أحد: ما حكم أن تجعل آية شطر بيت، أو أن يجعلها في خطبة؟ يضمنها ويستشهد، مثلاً أي: لو أن أحدًا تكلم عن التبرج والسفور ونحو ذلك، وذكر مفاسده، ثم ذكر كثرة الواقعين فيه، وذكر قلة الغيرة، وذكر الآيات، ثم قال: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٧٨]، هذا اقتباس من القرآن، فإذا لم يأتِ به على سبيل العبث فلا بأس به.

ثالثا: افتتاح الحفلات بقراءة القرآن: 

وهو أمرٌ مشهورٌ متعارف عليه وشائع، ولكنه ليس من طريقة السلف، فلم يؤثر أنهم إذا اجتمعوا بأمور مهمة كإنفاذ جيش أو اختيار خليفة ونحو ذلك كانوا يأمرون واحدًا أن يقرأ القرآن في بداية الاجتماع، لكن إن فُعلت أحيانًا من باب تذكير الحاضرين مثلاً دون المواظبة عليها، وليس كل حفلة نفتتحها بالقرآن فلا بأس بذلك، وكذلك إذا كان المجتمع ليس من المجتمعات التي فيها خلط اللهو بالجد والحق بالباطل، فيكون القرآن كنوع من التلبيس والتغطية لما يدور بعد ذلك من منكرات.

التحذير من قراءة القرآن دون العمل به: 

عن زياد بن لبيد رضي الله عنه قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فقال: «ذلك عند أوانِ ذهاب العِلمِ»، قلت: يا رسول الله! كيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة ؟ قال: «ثكِلتك أمك يا زياد! إِن كنت لأراك من أفقهِ رجلٍ في المدينة، أو ليس هذهِ اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل لا يعملون بِشيء مما فيهما؟».

جميل أن نقرأ القرآن وأن نحفظه، وأجمل من هذا تفهمه وتدبر معانيه وتعلمه وتعليمه، ولكن الأجمل من هذا كله العمل بما فيه، فهذا من أعظم حقوق كتاب الله علينا، وينبغي الاعتصام به والتحاكم إليه في كل ما نأتي ونذر، فإن الله لم ينزله إلا ليكون دستورًا للحياة البشرية عقيدة وعبادة وسلوكًا، وقد كان أسلافنا – رضوان الله عليهم يقرؤون اليسير -، ويقفون عنده حتى يعملوا به، وبذلك توارثوا القرآن علمًا وعملاً، تلاوة وترتيلاً وفهمًا وتفسيرًا وتدبرًا، فعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: «فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا». 

فمن المؤسف جدًا أن القرآن الكريم أصبح في كثير من ديار الإسلام لا وظيفة له ولا مهمة سوى أن يملأ فراغًا من وقت الإذاعة، أو يرتله القراء في المآتم، أو يستجدون به على أضرحة الموتى، أو يعلقونه تمائم ورقى، إلى غير ذلك من البدع المنكرة التي ينهى عنها القرآن.

فاتقوا الله عباد الله، وقوموا بحق كتاب الله عليكم، واحذروا أن يكون حجة عليكم لا لكم، ولا تكونوا ممن لا يعرف للقرآن قدره إلا عبر المذياع أو يستفتحون به المحافل والمهرجانات وما شابه ذلك.

فالقرآن إنما أنزل للعمل به وتحكيم شريعته؛ والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].

* * *

 

-- موقع السكينة

التعليقات

  1. ما شاء الله, الله يرضى عليك, و يجعل الجنة مثواي و مثواك , و يجعلنا ممن هم أهل الله و خاصته

  2. الله يخليك أكبلي أدب تتعلق بمس المصحف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*