السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » محاسن الإسلام » آداب المتعلم

آداب المتعلم

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: 

فإن الحديث عن آداب المعلم لابد أن يتبعه الحديث عن آداب طالب العلم، لما لهما من الصلة، والتأثر المتبادل، وبما أنه قد سبق بنا الحديث على العلم عموما وتعليمه، فسننطلق مباشرة للحديث فن فضل طلب العلم، ثم أمور تخص طلبته. 

فضل طلب العلم: 

 قال الماوردي رحمه الله: «العلم أشرف ما رغب فيه الراغب، وأفضل ما طلب وجد فيه الطالب، وأنفع ما كسبه واقتناه الكاسب؛ لأن شرفه يثمر على صاحبه، وفضله يَنْمي عند طالبه، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فمنع سبحانه وتعالى المساواة بين العالم والجاهل، لما قد خص به العالم من فضيلة العلم، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾. فنفى أن يكون غير العالم يعقل عنه أمرًا، أو يفهم عنه زجرًا».

من الآيات الدالة على فضل العلم وطلب: 

أ- قال الله سبحانه وتعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فأشهد الله العلماء دون غيرهم من البشر، وقرن شهادتهم بشهادته سبحانه وتعالى، وشهادة الملائكة، ولا يستشهد الله إلا العدول.

ب- كما يدل على فضل العلم أن الله عز و جل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يسأله مزيدًا من العلم فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. 

ج- ومن أدلة فضله أن الله عز و جل أخبر عن رفعه لدرجات أهل العلم والإيمان: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. 

د- أن الله عز و جل أخبر أن أهل العلم هم أهل خشيته سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾. 

هـ- أن الله شهد أن من أوتي علمًا فقد أوتي خيرًا كثيرا: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. 

من الأحاديث جاءت بمدح العلم وأهله: 

قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». 

وقال صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق. ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها». 

وقال صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا، سلك الله به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على فضل الطالب كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر». 

والعلم يرفع العبد المملوك مقام الملوك: 

أتى نافع بن الحارث عمر بن الخطاب بعسفان، وكان قد استعمله على أهل مكة، فقال له عمر رضي الله عنه: من استخلفت على أهل الوادي ؟ قال استخلفت عليهم ابن أبزى فقال، منن ابن أبزى ؟فقال: رجل من موالى، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟فقال: إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يرفع بهذا العلم أقوامًا، ويضع به آخرين». 

العلم يرفع بيتا لا عماد له

والجهل يخفض بيت العز والشرف

قال إبراهيم الحربي: كان عطاء بن رباح عبدًا أسود لامرأة من مكة، وكأن أنفه باقلاء، قال: وجاء سليمان بن عبد الملك (أمير المؤمنين) إلى عطاء هو وابناه، فجلسوا إليه، وهو يصلي، فلما صلى انفتل إليهم، فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج، وقد حول قفاه إليهم، ثم قال سليمان لابنيه: قوما. فقاما، فقال: يا بنيا، لا تنيا في طلب العلم، فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود. 

وقال مصعب بن الزبير رضي الله عنه لابنه: «تعلم العلم، فإن يكن لك مال كان لك جمالاً، وإن لم يكن لك مال كان لك مالاً». 

قال الماوردي رحمه الله: «فينبغي لمن زهد في العلم أن يكون فيه راغبًا، ولمن رغب فيه أن يكون له طالبًا، ولمن طلبه أن يكون منه مستكثرًا، ولمن استكثر منه أن يكون به عاملاً، ولا يطلب لتركه احتجاجًا، ولا للتقصير فيه عذرًا؛ ولا يسوف نفسه بالمواعيد الكاذبة لُيمنيها بانقطاع الأشغال المتصلة؛ فإن لكل وقت شغلاً، ولكل زمان عذرًا». 

وقد قال الشاعر: 

نروح ونغدو لحاجاتنا

تموت مع المراء حاجاته

وحاجة من عاش لا تنقضي

وتبقى له حاجة ما بقي

الأسباب المعينة على طلب العلم:

أولاً: التقوى: 

قال الله عز و جل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. فقوله سبحانه وتعالى: «يجعل لكم فرقانا» أي يجعل لكم ما تُفرّقون به بين الحق والباطل، وبين الضار والنافع، وهذا يدخل فيه العلم بحيث يفتح الله على الإنسان من العلوم ما لايفتح لغيره، فإن التقوى يحصل بها زيادة الهدى، وزيادة العلم، وزيادة الحفظ، ولهذا يذكر عن الشافعي رحمه الله أنه قال: 

شكوت إلى وكيع سوء حفظي

وقال اعلم بأن العلم نور

فأرشدني إلى ترك المعاصي ونور

الله لا يؤتاه عاصي

ولاشك أن الإنسان كلما ازداد علمًا ازداد معرفة وفرقانًا بين الحق والباطل، والضار والنافع، وكذلك يدخل فيه ما يفتح الله على الإنسان من الفهم، لأن التقوى سبب لقوة الفهم، وقوة الفهم يحصل بها زيادة العلم، فإنك ترى الرجلين يحفظان آية من كتاب الله يستطيع أحدهما أن يستخرج منها ثلاثة أحكام، ويستطيع الآخر أن يستخرج أكثر من هذا بحسب ما أتاه الله من الفهم.

فالتقوى سبب لزيادة الفهم، ويدخل في ذلك أيضا الفراسة أن الله يعطي المتقي فراسة يميز بها حتى بين الناس ؛ فبمجرد ما يرى الإنسان يعرف أنه كاذب أو صادق، أو بر أو فاجر حتى أنه ربما يحكم على الشخص وهو لم يعاشره ولم يعرف عنه شيئا بسبب ما أعطاه الله من الفراسة. 

ثانيا: المثابرة والاستمرار على طلب العلم: 

يتعين على طالب العلم أن يبذل الجهد في إدراك العلم والصبر عليه، وأن يحتفظ به بعد تحصيله، فإن العلم لا ينال براحة الجسم، فيسلك المتعلم جميع الطرق الموصلة إلى العلم وهو مثاب على ذلك ؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من سلك طريقا يلتمس به علما سهّل الله له طريقًا إلى الجنّة». فليثابر طالب العلم، ويجتهد ويسهر الليالي، ويدع كل ما يصرفه، أو يشغله عن طلب العلم. 

ثالثا: الحفظ: 

فيجب على طالب العلم الحرص على المذاكرة، وضبط ما تعلمه، إما بحفظه في صدره، أو كتابته؛ فإن الإنسان عرضة للنسيان، فإذا لم يحرص على المراجعة، وتكرار ما تعلمه، فإن ذلك يضيع منه، وينساه وقد قال الإمام مالك رحمه الله: 

العلم صيد والكتابة قيده فمن

الحماقة أن تصيد غزالة

قيّد صيودك بالحبال الواثقة

وتتركها بين الخلائق طالقة

رابعا: ملازمة العلماء: 

فيجب على طالب العلم أن يستعين بالله عز و جل، ثم بأهل العلم، ويستعين بما كتبوا في كتبهم، لأن الاقتصار على مجرد القراءة والمطالعة يحتاج إلى وقت طويل، بخلاف من جلس إلى عالم يبين له، ويشرح له، وينير له الطريق، وليس معنى ذلك أنه لا يدرك العلم إلا بالتلقي من المشايخ، فقد يدرك الإنسان بالقراءة والمطالعة، لكن الغالب أنه إذا ما أكب إكبابًا تامًّا ليلاً ونهارًا، ورُزق الفهم فإنه قد يخطئ كثيرًا، ولهذا يقال: «من كان دليله كتابه فخطئه أكثر من صوابه». ولكن هذا ليس على الإطلاق في الحقيقة. 

آداب طالب العلم:

الأول: إخلاص النية لله عز و جل: 

بأن يكون قصده بطلب العلم وجه الله سبحانه وتعالى والدار الآخرة ؛ لأن الله حثّ عليه ورغّب فيه، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. والثناء على العلماء في القرآن معروفٌ، وإذا أثنى الله على شيء، أو أمر به صار عبادة. 

إذن فيجب الإخلاص فيه لله، بأن ينوي الإنسان في طلب العلم وجه الله عز و جل، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تعلم علما يبتغى به وجه الله عزوجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة». 

فلا يجوز أن تكون نيته هي الحصول على شهادة، أو وظيفة فقط، لكن إذا كانت نية الإنسان نيل الشهادة من أجل نفع الخلق تعليمًا أو إدارة أو نحوها، فهذه نية سليمة لا تضره شيئا لأنها نية حق.

الثاني: رفع الجهل عن نفسه وعن غيره: 

أن ينوي بطلب العلم رفع الجهل عن نفسه وعن غيره، لأن الأصل في الإنسان الجهل، ودليل ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. 

وكذلك تنوي رفع الجهل عن الأمة ويكون ذلك بالتعليم بشتى الوسائل لتنفع الناس بعلمك. 

الثالث: الدفاع عن الشريعة: 

أن ينوي بطلب العلم الدفاع عن الشريعة، لأن الكتب لا يمكن أن تدافع عن الشريعة، ولا يدافع عن الشريعة إلا حامل الشريعة، فلو أن رجلا من أهل البدع جاء إلى مكتبة حافلة بالكتب الشرعية فيها ما لا يحصى من الكتب، وقام يتكلم ببدعة ويقررها فلا أظن أن كتابا واحدا يرد عليه، لكن إذا تكلم عند شخص من أهل العلم ببدعته ليقررها فإن طالب العلم يرد عليه ويدحض كلامه بالقرآن والسنة.

الرابع: رحابة الصدر في مسائل الخلاف: 

أن يكون صدره رحبًا في مواطن الخلاف الذي مصدره الاجتهاد لأن مسائل الخلاف بين العلماء، إما أن تكون مما لا مجال للاجتهاد فيه ويكون الأمر فيها واضحا فهذا لا يعذر أحد بمخالفتها، وإما أن تكون مما للاجتهاد فيها مجال فهذه يعذر فيها من خالفها، ولا يكون قولك حجة على من خالفك فيها لأننا لو قبلنا ذلك لقلنا بالعكس قوله حجة عليك.

وهذا ينطبق على ما للرأي فيه مجال، ويسع الإنسان فيه الخلاف، أما من خالف طريق السلف كمسائل العقيدة فهذه لا يقبل من أحد مخالفة ما كان عليه السلف الصالح، لكن في المسائل الأخرى التي للرأي فيها مجال فلا ينبغي أن يُتخذ من هذا الخلاف مطعنٌ في الآخرين، أو يُتخذ منها سببا للعداوة والبغضاء. 

 فيجب على طلبة العلم أن يكونوا إخوة حتى وإن اختلفوا في بعض المسائل الفرعية وعلى كل واحد أن يدعو الآخر بالهدوء والمناقشة التي يُراد بها وجه الله سبحانه وتعالى والوصول إلى العلم، وبهذا تحصل الألفة ويزول هذا العنت والشدة التي تكون في بعض الناس، حتى قد يصل بهم الأمر إلى النزاع والخصام، وهذا لا شك يفرح أعداء المسلمين والنزاع بين الأمة من أشد ما يكون في الضرر قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. 

الخامس: العمل بالعلم: 

أن يعمل طالب العلم بعلمه عقيدة، وعبادة، أخلاقًا، وآدابًا، ومعاملةً ؛ لأن هذا هو ثمرة العلم وهو نتيجة العلم، وحامل العلم كالحامل لسلاحه، إما له وإما عليه، ولهذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «القرآن حجة لك أو عليك». 

السادس: الدعوة إلى الله: 

أن يكون داعيًا بعلمه إلى الله عز و جل يدعو في كل مناسبة في المساجد وفي المجالس، وفي الأسواق وفي كل مناسبة، هذا النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أتاه الله النبوة والرسالة لم يجلس في بيته، بل كان يدعو الناس ويتحرك. 

السابع: الحكمة: 

أن يكون متحليا بالحكمة، حيث يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. 

والحكمة أن يكون طالب العلم مربيًا لغيره، بما يتخلق به من الأخلاق، وبما يدعو إليه من دين الله عز و جل، بحيث يخاطب كل إنسان بما يليق بحاله، وإذا سلكنا هذا الطريق حصل خيرٌ كثيرٌ، كما قال ربنا عز و جل في الآية السابقة.

والحكيم هو الذي يعمل بعلمه. وهو الذي يعلم بما يوجبه العلم. وقيل: هو الذي يمنع نفسه عما يجهله ويسفهه. وهو الذي يُنزل الأشياء منازلها،… فينبغي بل يجب على طالب العلم أن يكون حكيما في دعوته.

وقد ذكر الله مراتب الدعوة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وذكر الله تعالى مرتبة رابعة في جدال أهل الكتاب، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾. فيختار طالب العلم من أساليب الدعوة ما يكون أقرب إلى القبول. 

الثامن: أن يكون الطالب صابرا على التعلم: 

أي مثابرًا عليه، لا يقطعه، ولا يمل، بل يكون مستمرًّا في تعلمه بقدر المستطاع، وليصبر على العلم، ولا يمل؛ فإن الإنسان إذا طرقه الملل استحسر وترك، ولكن إذا كان مثابرًا على العلم، فإنه ينال أجر الصابرين من وجه، وتكون له العاقبة من وجه آخر. 

وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى

والنفس كالطفل إن تهمله شب على

فإن أطمعت تاقت وإلا تسلتِ

حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

التاسع: احترام العلماء وتقديرهم: 

إن على طلبة العلم احترام العلماء وتقديرهم، وأن تتسع صدورهم لما يحصل من اختلاف بين العلماء وغيرهم، وأن يقابلوا هذا بالاعتذار عمن سلك سبيلاً خطأ في اعتقادهم، وهذه نقطة مهمة جدًا؛ لأن بعض الناس يتتبع أخطاء الآخرين، ليتخذ منها ما ليس لائقًا في حقهم، ويشوش على الناس سمعتهم، وهذا من أكبر الأخطاء، وإذا كان اغتياب العامّيّ من الناس من كبائر الذنوب، فإن اغتياب العالم أكبر وأكبر، لأن اغتياب العالم لا يقتصر ضرره على العالم، بل عليه وعلى ما يحمله من العلم الشرعي.

والناس إذا زهدوا في العالم أو سقط من أعينهم تسقط كلمته أيضًا، وإذا كان يقول الحق ويهدي إليه، فإن غيبة هذا الرجل لهذا العالم تكون حائلاً بين الناس وبين علمه الشرعي، وهذا خطره كبير وعظيم. 

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطّائين التوابون». أما أن يفرح بزلة العالم وخطئه، ليشيعها بين الناس فتحصل الفرقة، فإن هذا ليس من طريق السلف.

العاشر: التمسك بالكتاب والسنة: 

يجب على طالب العلم الحرص التام على تلقي العلم، والأخذ من أصوله التي لا فلاح لطالب العلم إن لم يبدأ بها، وهي: 

1- القرآن الكريم: 

فإنه يجب على طالب العلم الحرص عليه قراءةً وحفظًا وفهمًا وعملاً به، فإن القرآن هو حبل الله المتين، وهو أساس العلوم، وقد كان السلف يحرصون عليه غاية الحرص، فيذكر عنهم الشيء العجيب من حرصهم على القرآن.

وإنه مما يؤسف له أن تجد بعض طلبة العلم لا يحفظ القرآن، بل بعضهم لا يحسن القراءة، وهذا خلل كبير في منهج طلب العلم. فيجب على طلبة العلم الحرص على حفظ القرآن والعمل به، والدعوة إليه، وفهمه فهمًا مطابقًا لفهم السلف الصالح.

2- السنة الصحيحة: 

فهي ثاني المصدرين للشريعة الإسلامية، وهي الموضحة للقرآن الكريم، فيجب على طالب العلم الجمع بينهما والحرص عليهما، وعلى طالب العلم حفظ السنة، إما بحفظ نصوص الأحاديث، أو بدراسة أسانيدها ومتونها، وتمييز الصحيح من الضعيف، وكذلك يكون حفظ السنة بالدفاع عنها، والرد على شبهات أهل البدع في السنة.

الحادي عشر: التثبت والثبات: 

من أهم الآداب التي يجب أن يتحلى بها طالب العلم التثبت، فالتثبت فيما ينقل من الأخبار والتثبت فيما يصدر منه من الأحكام.

وهناك فرق بين الثبات والتثبت، فهما شيئان متشابهان لفظًا مختلفان معنىً، فالثبات: معناه الصبر والمثابرة وألا يمل ولا يضجر، وألا يأخذ من كل كتاب نتفة، أو من كل فن قطعة ثم يترك، لأن هذا يضر بالطالب، ويقطع عليه الأيام بلا فائدة.

الثاني عشر: الحرص على فهم مراد الله عز و جل ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم: 

من الأمور المهمة في طلب العلم قضية الفهم. أي فهم مراد الله عز و جل ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن كثيرًا من الناس أوتوا علمًا ولكن لم يؤتوا فهمًا. فلا يكفي أن يحفظ المرء كتاب الله سبحانه وتعالى وما تيسر من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بدون فهم. بل لا بد من أن يفهم عن الله عز و جل ورسوله صلى الله عليه وسلم ما أراده الله ورسوله، وما أكثر الخلل من قوم استدلوا بالنصوص على غير مراد الله سبحانه وتعالى، ومراد ورسوله صلى الله عليه وسلم فحصل بذلك الضلال.

الثالث عشر: التواضع: 

لا سيما في مجالس العلماء، وذلك أن العالم هو الذي يتواضع لمن يعلمه، وقد ورد في الأثر: «لا يتعلم العلمَ مستحي ولا مستكبر». 

الرابع عشر: الجرأة وعدم الاستحياء: 

يعني أنك إذا صرت تستحي من أن تسأل بقيت على جهلك ؛ وهذا معنى الأثر: «لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر»، يحمله تكبره على أن يعجب بنفسه ويبقى على جهله، وكذلك أيضا يحمله استحياؤه عن أن لا يطلب أو يستفيد ممن معه علم فيبقى على جهله. 

نقول إن الإنسان إذا تأدب بهذه الآداب الشرعية فإن الله تعالى يوفقه ويفتح عليه ويرزقه العلم النافع والعمل الصالح، ونذكر الخصال الستة التي أشرنا إليها حيث نظمها أبو المعالي الجويني رحمه الله: 

أخي لن تنال العلم إلا بستة

ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة

سأنبيك عن تفصيلها ببيان

وصحبة أستاذ وطول زمان 

هذه هي الوسائل التي يمكن أن ينال طالب العلمِ العلمَ بها، ولا شك أن العلم موهبة وفضل من الله تعالى، فإن الكثير من العلماء المشاهير لهم أولاد انحرفوا عن العلم وصاروا دنيويين، وكثير من الجهلة يسر الله لأولادهم فتعلموا وصاروا قادة وسادة، فهو فضل من الله تعالى، متى كان عند الإنسان نية صادقة وأحب مواصلة التعلم يسر الله تعالى له العلم.

فوائد مهمة لطالب العلم: 

الفائدة الأولى: أمور هامة عند الطلب: 

لا بد لطالب العلم من مراعاة عدة أمور عند طلبه لأي علم من العلوم: 

أولاً: حفظ متن مختصر فيه.

فإذا كنت تطلب النحو، فإن كنت مبتدئًا فلا أرى أحسن من متن الأجرومية ؛ لأنه واضح وجامع وحاصر وفيه بركة، ثم متن ألفية ابن مالك ؛ لأنها خلاصة علم النحو كما قال هو نفسه: 

أحصى من الكفاية الخلاصة

كما أقصى غنى بلا خصاصة

* وأما في الفقه: فمتن زاد المستقنع، لأنه كتاب مخدوم بالشرح والحواشي والتدريس، وإن كان بعض المتون الأخرى أحسن منه من وجه، لكن هو أحسن من حيث كثرة المسائل الموجودة فيه، ومن حيث إنه مخدوم.

* وأما في الحديث: فمتن عمدة الأحكام، وإن ترقيت فبلوغ المرام، وإن كنت تقول إما هذا أو هذا، فبلوغ المرام أحسن؛ لأنه أكثر جمعًا للأحاديث، ولأن الحافظ ابن حجر رحمه الله بين درجة الحديث.

 * وأما في التوحيد: فمن أحسن ما قرأنا متن كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وأما في توحيد الأسماء والصفات فمن أحسن ما قرأت العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فهو كتاب جامع مبارك مفيد، وهلم جرا، خذ من كل فن تطلبه متنًا مختصرًا فيه واحفظه.

ثانيًا: ضبطه وشرحه على شيخ متقن: 

وتحقيق ألفاظه وما كان زائدًا أو ناقصًا.

ثالثًا: عدم الاشتغال بالمطولات أولا: 

وهذه الفقرة مهمة لطالب العلم، فلا بد لطالب العلم أن يتقن المختصرات أولاً حتى ترسخ العلوم في ذهنه ثم يُفيض إلى المطولات.

رابعًا: لا تنتقل من مختصر إلى آخر بلا موجب: 

فهذا من باب الضجر، وهذه آفة عظيمة تقطع على الطالب طلبه وتضيع عليه أوقاته، فإذا كان كل يوم له كتابًا يقرأ فيه، فهذا خطأ في منهج طالب العلم، فإذا قررت كتابًا من كتب العلم فاستمر فيه، ولا تقول أقرأ كتابًا أو فصلاً من هذا الكتاب ثم أنتقل للآخر، فإن هذا مضيعة للوقت.

خامسًا: اقتناص الفوائد والضوابط العلمية: 

فهناك الفوائد التي لا تكاد تطرأ على الذهن، أو التي يندر ذكرها والتعرض لها، أو التي تكون مستجدة تحتاج إلى بيان الحكم فيها، فهذه اقتنصها، وقيدها بالكتابة، لا تقول هذا أمر معلوم عندي، ولا حاجة أن أقيدها، فإنك سرعان ما تنسى، وكم من فائدة تمر بالإنسان فيقول هذه سهلة ما تحتاج إلى قيد، ثم بعد فترة وجيزة يتذكرها ولا يجدها.

لذلك احرص على اقتناص الفوائد التي يندر وقوعها أو يتجدد وقوعها، وأحسن ما رأيت في مثل هذا كتاب (بدائع الفوائد) للعلامة ابن القيم رحمه الله فيه من بدائع العلوم، ما لا تكاد تجده في كتاب آخر، فهو جامع في كل فن، كلما طرأ على باله مسألة أو سمع فائدة قيد ذلك، ولهذا تجد فيه من علم العقائد، والفقه، والحديث، والتفسير، والنحو، والبلاغة وغيرها.

وأيضًا احرص على الاهتمام بالضوابط: 

ومن الضوابط: ما يذكره العلماء تعليلاً للأحكام، فإن كل التعليلات للأحكام الفقهية تعتبر ضوابط ؛ لأنها تبني عليها الأحكام، فهذه احتفظ بها، وسمعت أن بعض الإخوان يتتبع هذه الضوابط في الروض المربع ويحررها، وقلت من الأحسن أن يقوم بهذا طائفة، تتبع الروض المربع من أوله إلى آخره كلما ذكر علة تقيد، لأن كل علة يبني عليها مسائل كثيرة، إذ أن العلم له ضابط، فكل ضابط يدخل تحته جزئيات كثيرة.

فمثلاً إذا شك في طهارة ماء أو بنجاسته فإنه يبني على اليقين، فهذه العلة تعتبر حكمًا وتعتبر ضابطًا.

أيضًا يعلل بأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، فإذا شك في نجاسة طاهر فهو طاهر، أو في طهارة نجس فهو نجس ؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان.

فإذا حرص طالب ودوّن كلما مر عليه من هذه التعليلات وحررها وضبطها ثم حاول في المستقبل أن يبني عليها مسائل جزئية لكان في هذا فائدة كبيرة له ولغيره.

سادسًا: جمع النفس للطالب: 

فلا يشتتها يمينًا ويسارًا، اجمع النفس على الطلب مادمت مقتنعًا بأن هذا منهجك وسبيلك، وأيضًا اجمع نفسك على الترقي فيه لا تبقى ساكنًا. فكَّر فيما وصل إليه علمك من المسائل والدلائل حتى تترقى شيئًا فشيئًا، واستعن بمن تثق به من زملائك وإخوانك فيما إذا احتاجت المسألة إلى استعانة، ولا تستحي أن تقول يا فلان ساعدني على تحقيق هذه المسألة بمراجعة الكتب، الحياء لا ينال العلم به أحد، فلا ينال العلم مستحيي ولا مستكبر.

الفائدة الثانية: التلقي من الأشياخ: 

مما ينبغي لطالب العلم مراعاته تلقي العلم عن الأشياخ ؛ لأنه يستفيد بذلك فوائده عدة: 

اختصار الطريق: 

فبدلاً من أن يذهب يقلب في بطون الكتب وينظر ما هو القول الراجح وما سبب رجحانه، وما هو القول الضعيف وما سبب ضعفه، بدلاً من ذلك كله، يُمد إليه المعلم ذلك بطريق سهل ويعرض له خلاف أهل العلم في المسائل على قولين أو ثلاثة مع بيان الراجح، والدليل كذا، وهذا لا شك أنه نافع لطالب العلم.

السرعة في الإدراك: 

فطالب العلم إذا كان يقرأ على عالم فإنه يدرك بسرعة أكثر مما لو ذهب يقرأ في الكتب ؛ لأنه إذا قرأ في الكتب تمر عليه العبارات المشكلة والغامضة فيحتاج إلى التدبر وتكرار العبارة مما يأخذ منه الوقت والجهد، وربما فهمها على وجه خطأ وعمل بها.

الربط بين طلاب العلم والعلماء الربانيين: 

لذلك القراءة على العلماء أجدى وأفضل من قراءة الإنسان لنفسه.

الفائدة الثالثة: أدب السؤال: 

إذا دعت الحاجة للسؤال فليحسن طالب العلم السؤال، أما إذا لم تدع الحاجة فلا يسأل، لأنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل إلا إذا احتاج هو أو ظن أن غيره يحتاج إلى السؤال، فربما يسأل ليستفصل عن أمور يبينها لمن معه في الدرس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه جبريل وسأله عن الإيمان، والإحسان، والإسلام، والساعة وأشراطها، قال: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم». فإذا كان الباعث على السؤال حاجة السائل فسؤاله وجيه، أو حاجة غيره وسأل ليعلَّم غيره فهذا أيضًا وجيه وطيب.

كذلك ينبغي أن يكون عند طالب العلم حسن الاستماع لجواب العالم، وصحة الفهم للجواب، فبعض الطلبة إذا سأل وأجيب تجده يستحي أن يقول ما فهمت. والذي ينبغي لطالب العلم إذا لم يفهم أن يقول ما فهمت لكن بأدب وتوقير للعالم.

الفائدة الرابعة: الحفظ ينقسم إلى قسمين: 

القسم الأول: غريزي: يهبه الله تعالى لمن يشاء، فتجد الإنسان تمر عليه المسألة والبحث فيحفظه ولا ينساه.

القسم الثاني: كسبي: بمعنى أن يمرن الإنسان نفسه على الحفظ، ويتذكر ما حفظ فإذا عود نفسه تذكر ما حفظ سهل عليه حفظه.

الفائدة الخامسة: المجادلة والمناظرة نوعان: 

النوع الأول: مجادلة مماراة: يماري بذلك السفهاء ويجاري العلماء ويريد أن ينتصر قوله فهذه مذمومة.

النوع الثاني: مجادلة إثبات الحق وإن كان عليه فهذه محمودة مأمور بها وعلامة ذلك – أي المجادلة الحقة – أن الإنسان إذا بان له الحق اقتنع وأعلن الرجوع، أما المجادل الذي يريد الانتصار لنفسه فتجده لو بان أن الحق مع خصمه، يورد إيرادات يقول: لو قال قائل، ثم إذا أجيب قال: لو قال قائل، ثم إذا أجيب قال: لو قال قائل، ثم تكون سلسلة لا منتهى لها، ومثل هذا على خطر ألا يقبل قلبه الحق لا بالنسبة للمجادلة مع الآخر ولكن في خلوته، ربما يورد الشيطان عليه هذه الإيرادات [فيبقي في شك وحيرة]، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾.

فالحاصل أن المجادلة إذا كان المقصود بها إثبات الحق وإبطال الباطل فهي خير، وتعودها وتعلمها خير لا سيما في وقتنا هذا، فإنه كثرَ فيه الجدال والمراء، حتى أن الشيء يكون ثابتًا وظاهرًا في القرآن والسنة ثم يورد عليه إشكالات.

وهناك مسألة: وهي أن بعض الناس يتحرج من المجادلة حتى وإن كانت حقا استدلالاً بحديث: «وأنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا». فيترك هذا الفعل.

فالجواب: من ترك المراء في دين الله فليس بمحق إطلاقًا ؛ لأن هذا هزيمة للحق، لكن قد يكون محقا إذا كان تخاصمه هو وصاحبه في شيء ليس له علاقة بالدين مثلاً، قال: رأيت فلانًا في السوق، ويقول الآخر: بل رأيته في المسجد، ويحصل بينهما جدال وخصام فهذه هي المجادلة المذكورة في الحديث، أما من ترك المجادلة في نصرة الحق فليس بمحق إطلاقًا فلا يدخل في الحديث.

الفائدة السادسة: المذاكرة: 

من الأمور التي ينبغي لطالب العلم أن يهتم بها المذاكرة، والمذاكرة نوعان: 

مذاكرة مع النفس: 

بأن تجلس مثلاً جلسة وحدك ثم تعرض مسألة من المسائل أو مسألة قد مرت عليك، ثم تأخذ في محاولة عرض الأقوال وترجيح ما قيل في هذه المسألة بعضها على بعض، وهذه سهلة على طالب علم، وتساعد على مسألة المناظرة السابقة.

مذاكرة مع الغير: 

بأن يختار من إخوانه الطلبة من يكون عونًا له على طلب العلم، مفيدًا له، فيجلس معه ويتذاكرون، يقرأ مثلاً ما حفظاه، كل واحد يقرأ على الآخر قليلاً، أو يتذاكران في مسألة من المسائل بالمراجعة أو بالمفاهمة إن قدرا على ذلك فإن هذا مما ينمي العلم ويزيده، لكن إياك والشغب والصلف ؛ لأن هذا لا يفيد.

الفائدة السابعة: زكاة العلم تكون بأمور: 

الأمر الأول: نشر العلم: 

نشر العلم من زكاته، فكما يتصدق الإنسان بشيء من ماله، فهذا العالم يتصدق بشيء من علمه، وصدقة العلم أبقى دومًا وأقل كلفةً ومؤنه، أبقى دومًا ؛ لأنه ربما كلمةً من عالم تسمع ينتفع بها أجيال من الناس وما زلنا الآن ننتفع بأحاديث أبي هريرة  رضي الله عنه ولم ننتفع بدرهم واحد من الخلفاء الذين كانوا في عهده، وكذلك العلماء ننتفع بكتبهم ومعهم زكاة وأي زكاة، وهذه الزكاة لا تنقص العلم بل تزيده كما قال أبو إسحاق الإلبيري: 

يزيد بكثرة الأنفاق منه

وينقص إن به كفًا شددت

الأمر الثاني: العمل به: 

لأن العمل به دعوة إليه بلا شك، وكثير من الناس يتأسون بالعالم، بأخلاقه وأعماله أكثر ممن ما يتأسون بأقواله، وهذا لا شك زكاة.

الأمر الثالث: الصدع بالحق: 

وهذا من جملة نشر العلم ولكن النشر قد يكون في حال السلامة وحال الأمن على النفس وقد يكون في حال الخوف على النفس فيكون صدَّعًا بالحق.

الأمر الرابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 

لا شك أن هذا من زكاة العلم، لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عارف للمعروف وعارف للمنكر ثم قائم بما يجب عليه من هذا المعرفة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الفائدة الثامنة: موقف طالب العلم من وهم وخطأ العلماء: 

 هذا الموقف له جهتان: 

الأولى: تصحيح الخطأ: وهذا أمر واجب، يجب على من عثر على وهم إنسان ولو كان من أكبر العلماء أن ينبه على هذا الوهم وعلى هذا الخطأ، لأن بيان الحق أمر واجب وبالسكوت يمكن أن يضيَّع الحق لاحترام من قال بالباطل ؛ لأن احترام الحق أولى بالمراعاة.

لكن هل يصرَّح بقائل الوهم أو الخطأ ؟ أو يقول توهم بعض الناس فقال كذا وكذا ؟

الجواب: ينظر لما تقتضيه المصلحة، قد يكون من المصلحة ألا يصرح، كما لو كان يتكلم عن عالم مشهور في عصره موثوق عند الناس، محبوب إليهم، يقول: قال فلان: كذا، وكذا وهذا خطأ، فإن العامة لا يقبلون كلامه بل يسخرون منه ولا يقبلون الحق، ففي هذه الحال ينبغي أن يقول: من الخطأ أن يقول القائل كذا وكذا، ولا يذكر اسمه، وقد يكون هذا الرجل الذي توهم متبوعًا يتبعه شرذمة من الناس وليس له قدر في المجتمع فحينئذ يصرح لئلا يغتر الناس به، فيقول: قال فلان كذا وكذا وهو خطأ.

الثانية: أن يقصد بذلك بيان معايبة لا بيان الحق من الباطل، وهذه تقع من إنسان حاسد – والعياذ بالله – يتمنى أن يجد قولاً ضعيفًا أو خطأ لشخص ما فينشره بين الناس ولهذا نجد أهل البدع يتكلمون في شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وينظرون إلى أقرب شيء يمكن أن يقدح به فينشرونه ويعيبونه، مثلاً يقولون خالفت الإجماع في أن الطلاق الثلاث واحدة فيقولون هذا شاذ، ومن شذ في النار، وأمثال هذا كثير.

المهم أن يكون قصدك من البيان إظهار الحق ومن كان قصده الحق وفق لقبوله، أما من كان قصده أن يظهر عيوب الناس فإن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جوف بيته، فإذا عثرت على وهم عالم، حاول أن تدفع اللوم عنه وأن تذب عنه، لا سيما إذا كان من العلماء المشهود لهم بالعدالة والخير ونصح الأمة.

* * *

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*