الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » محاسن الإسلام » آداب قضاء الحاجة

آداب قضاء الحاجة

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديَ له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:

فإن التخلي هو طرد فضلات الجسم الضارة المؤذية عن طريق التبول أو التبرز، وهو نعمة من الله تعالى ليبقى الجسم خاليًا من الأمراض والأسقام، ولذلك كان حريًّا بالمرء أن يشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن نوحًا كبير الأنبياء لم يقم عن خلاء قط إلا قال الحمد الله الذى أذاقنى لذته وأبقى فىَّ منفعته وأخرج عنى أذاه».

وفي كل شيء للمسلم عبرة وذكرى تورثه خشية من الله وحياء منه، ومحبه له وشكرا، روت السيدة عائشة عن أبيها الصديق رضي الله عنه أنه قال: «استحيوا من الله فإني لأدخل فأغطي رأسي استحياء من ربي عز و جل»، وبذلك يكون دخول المسلم لقضاء حاجته تفكُّرًا وعبرةً، وإماطةُ الأذى عنه فضلاً ورحمةً.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نزلتْ في أهل قُبَاء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾، كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم الآية».

وقيل لسلمان الفارسي رضي الله عنه: قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة (قضاء الحاجة) ، وفيما يلي آداب قضاء الحاجة التي قررها الإسلام.

ذكر الله عز و جل قبل الدخول:

من أهم آداب قضاء الحاجة أن يذكر الإنسان ربه سبحانه وتعالى قبل دخوله موضع قضاء الحاجة حيث قد أخبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن مواضع قضاء الحاجة يوجد فيها الشياطين فقال صلى الله عليه وسلم: «إنّ هذِهِ الحُشوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فإذا أتَى أحَدُكُم الخَلاءَ فلْيَقُلْ: أعُوذُ بِالله مِنَ الخبثِ والخَبَائِثِ»، «الخُبث»: جمع خبيث، «الخَبائث»: جمع خَبِيثة، وهما ذُكْرَان الشياطين وإناثهم.

وورد في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك الدعاء عند دخوله الخلاء ، قال ابن حجر رحمه الله: «كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ إظهارًا للعبودية، ويجهر بها للتعليم».

وذكر الله سبحانه وتعالى أنه لا يدع مجالا للشياطين أن تتسلط على الإنسان، فقال: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾، وورد في حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول بسم الله».

قال الإمام النووي رحمه الله: «قال أصحابنا: ويستحب هذا الذكر سواء كان في البنيان أو في الصحراء. وقال أصحابنا رحمهم الله: يستحب أن يقول أولا: «بسم الله»، ثم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث».

أن يستتر عن أعين الناس عند قضاء الحاجة:

وقد كان أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ ، وإذا كان الإنسان في الفضاء وأراد قضاء حاجة ولم يجد شيئًا يستره فليبتعد عمن حوله من الناس؛ لما رواه الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه قَالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَأَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَاجَتَهُ فَأَبْعَدَ فِي الْمَذْهَبِ». 

وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي قُرَادٍ صلى الله عليه وسلم قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْخَلاءِ وَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ أَبْعَدَ.

والمتخلي في البنيان قد كُفي مشقة التحرز من كشف العورة، لوجود المرافق والمراحيض المستورة، فلله الحمد والمنة على تيسيره.

اجتناب الملاعن الثلاث:

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا الملاعن الثلاث، البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل».

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا اللعَّانين. قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم». واتقوا اللاعنين: أي: الأمرين الجالبين للشتم والطرد الباعثين عليه. الأول: الذي يتبرز في طريق الناس. والثاني: الذي يتبرز في ظلهم: أي الذي اتخذوه مقيلاً. وحديث معاذ انفرد بذكر الموارد.

والحديثان صُدّر أحدهما باجتناب الملاعن الثلاث، والآخر باتقاء اللاعنين، فما المراد بذلك.

قال الخطابي: «المراد باللاعنين الأمرين الجالبين للعن، الحاملين الناس عليه والداعيين إليه، وذلك أن من فعلهما شتم ولعن يعني عادة الناس لعنه، فلما صارا سببا ً لذلك أضيف اللعن إليهما، قال: وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون والملاعن مواضع اللعن، قلت: فعلى هذا يكون التقدير:اتقوا الأمرين الملعون فاعلهما، وهذا على رواية أبي داود. وأما على رواية مسلم فمعنا والله أعلم: اتقوا فعل اللعانين أي صاحبي اللعن وهما اللذان يلعنهما الناس في العادة والله أعلم».

وعلة النهي عن التخلي في هذه المواضع الثلاثة، هو أن تقذير هذه المواضع وتنجيسها بالقذر فيه إيذاءٌ للمؤمنين، وإيذاؤهم محرم بنص الكتاب، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.

فائدة (1): يُلحق بالظل، المكان الذي يتشمس فيه الناس أيام الشتاء، قال الشيخ ابن عثيمين: وهذ قياسٌ جليٌّ ، وعلى هذا فلا يجوز التخلي في هذا المكان، لأن العلة في النهي عن الظل موجودة هنا، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.

فائدة (2): الأحاديث تشير إلى أن النهي ينصبُّ على حال التغوّط فقط دون التبوّل. وإلى هذا ذهب النووي، فقال في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: «الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم» قال: «فمعناه يتغوط في موضع يمر به الناس». ورد ذلك العظيم آبادي فقال: لا يصح تفسير النووي بالتغوّط، ولو سلم فالبول يلحق به قياسًا… وقال: وقد علمت أن المراد بالتخلي التفرد لقضاء الحاجة غائطًا كان أو بولاً… وأنت تعلم أن البراز اسم للفضاء الواسع من الأرض، وكنوا به عن حاجة الإنسان، يقال: تبرز الرجل إذا تغوط، فإنه وإن كان اسمًا للغائط لكن يلحق به البول.

النهي عن البول في الماء الراكد (الدائم):

وفيه حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهى أن يُبال في الماء الراكد»، والعلة فيه ظاهرة، وهو أن البول في الماء الدائم مظنة التنجيس، والتغوّط فيه أشد وأقبح وهو أولى. ويُفهم منه أن حكم النهي لا ينسحب على الماء الجاري. قال النووي: «فإن كان الماء كثيرًا جاريًا لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث».

عدم الدخول بالمصحف وما فيه ذكر الله سبحانه وتعالى:

يكره دخول مكان قضاء الحاجة بشيء فيه ذكر الله؛ وذلك صيانة لاسم الله سبحانه وتعالى عن الإهانة والابتذال، ولا يليق بمسلم أن يدخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله إلا لحاجة.

قال ابن عثيمين رحمه الله: في شرحه، قوله: «إلا لحاجة» هذا مستثنى من المكروه، يعني إذا احتاج إلى ذلك كالأوراق النقدية التي فيها اسم الله، لأننا لو قلنا؛ لا تدخل بها ثم أخرجها ووضعها عند باب الخلاء صارت عرضة للنسيان، وإذا كان في محل بارح صارت عرضة لأن يطير بها الهواء، وإذا كان في مجمع من الناس عرضة لأن تسرق.

وأما المصحف فلا نشك في تحريم الدخول به إلى مكان قضاء الحاجة، وعليه أهل العلم، ولكنهم أجازوا الدخول به إن كان يُخشى عليه السرقة، ومع ذلك فإن المسلم عليه أن يتقي الله ربه، ولا يعرض كلام الله للإهانة، وعليه أن يتحرز في ذلك الأمر ما استطاع إلى ذلك سبيلاً كأن يُعطي شخصًا آخر ذلك المصحف حتى يخرج من الخلاء ونحو ذلك من السبل، فإن عُدمت فلا يُكلف الله نفسًا إلا وسعها.

النهي عن استقبال القبلة واستدبارها:

وفيه أحاديث صحاح، منها حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره شرِّقوا أو غربوا» ، ولفظ مسلم وغيره: «… فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببولٍ ولا غائطٍ ولكن شرقوا أو غربوا».

ومنها حديث ابن عمر رضي الله عنهما فعن واسع بن حبان قال: عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: إن ناسًا يقولون: إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، فقال عبد الله بن عمر: لقد ارتقيت يومًا على ظهر بيتٍ لنا فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على لبنتين مستقبلاً بيت المقدس لحاجته… الحديث.

ومنها حديث سلمان رضي الله عنه قال: قيل له: قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيءٍ حتى الخراءة قال، فقال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول… الحديث.

وعن مروان الأصفر قال: رأيت ابن عمر رضي الله عنهما أناخ راحلته مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها، فقلتُ: يا أبا عبد الرحمن: أليس قد نُهي عن هذا؟ قال: بلى. إنما نُهي عن ذلك في الفضاء؛ فإذا كان بينك وبين القبلة شيءٌ يسترك فلا بأس. قال ابن بطال: «ودلت هذه الآثار على أن حديث أبى أيوب مخصص بحديث ابن عمر لا منسوخ به».

والأحاديث السابقة ظاهرها التعارض، ولأجل ذا اختلف أهل العلم في حكم استقبال القبلة واستدبارها، عند قضاء الحاجة في البنيان وغير البنيان.

فحديث أبي أيوب رضي الله عنه يفيد النهي عن استقبال القبلة واستدبارها مطلقًا سواءٌ في الصحراء أو البنيان، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما في رقيه على ظهر بيت حفصة رضي الله عنها يفيد جواز استدبار القبلة دون استقبالها في البنيان أو ما يقوم مقامه، كوضع ابن عمر راحلته بينه وبين القبلة عند قضائه حاجته، وحديث سلمان رضي الله عنه فيه النهي عن استقبال القبلة مطلقًا في البنيان وغيره، وحديث جابر رضي الله عنه فيه أن آخر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم هو جواز استقبال القبلة.

ومذاهب أهل العلم في هذا كثيرة تبعًا لظواهر النصوص المتعارضة، ولكن الجمع بينها ممكن، قال النووي رحمه الله: «ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها، بل يجب الجمع بينها والعمل بجميعها».

والمختار عندنا هو تحريم قضاء الحاجة مستقبل القبلة أو مستدبرها في الخلاء، وجواز ذلك في البنيان، أو بوجود ساتر بين المتخلي وبين القبلة استقبالاً أو استدبارًا. وإلى هذا ذهبت اللجنة الدائمة .

يدخل بالرجل اليسرى:

يقدم الداخل إلى الخلاء رجله اليسرى، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وقد استقرت قواعد الشريعة على أن الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليسرى تقدم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة، كالوضوء والغسل، والابتداء بالشق الأيمن في السواك، ونتف الإبط، وكاللباس، والانتعال، والترجل، ودخول المسجد والمنزل، والخروج من الخلاء، ونحو ذلك. وتقدم اليسرى في ضد ذلك، كدخول الخلاء وخلع النعل، والخروج من المسجد».

البول قائمًا وقاعدًا:

الأصل في البول أن يكون من قعود، قالت عائشة رضي الله عنها: «من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائمًا، فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا جالسًا»، وذلك لأن البائل قائمًا لا يسلم عادةً من تلوث في بدنه وثوبه، ولكن إن دعت الحاجة إلى البول واقفًا فلا بأس بذلك، لما رواه حذيفة رضي الله عنه قال: «رأيتني أنا والنبي صلى الله عليه وسلم نتماشى فأتى سباطة قومٍ خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم فبال فانتبذت منه، فأشار إليَّ فجئته فقمت عند عقبه حتى فرغ».

ولا منافاة بين حديث حذيفة وبين قول عائشة رضي الله عنها، فكلام عائشة رضي الله عنها يُحمل على الأغلب من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلنا ذلك لثبوت بوله قائمًا صلى الله عليه وسلم.

وحمل العلماء بول النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا، على أن ذلك لبيان الجواز، أو أنه كان في مكان لا يستطيع معه البول جالسًا. 

فائدة: لجواز البول قائمًا شرطان:

(1) أن يأمن التلويث.

(2) أن يأمن الناظر. قاله ابن عثيمين.

مسألة: هل يجوز البول قائمًا لغير حاجة؟

الجواب: قالت اللجنة الدائمة: لو بال قائمًا لغير حاجة لم يأثم لكنه خالف في قضاء حاجته الأفضل والأكثر من فعله صلى الله عليه وسلم.

أن لا يكشف العورة إلا بعد أن يدنو من الأرض:

لأنّه أستر له، لما أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الأَرْضِ. 

وإذا كان في مرحاض فلا يرفع ثوبه إلا بعد إغلاق الباب وتواريه عن أعين النّاظرين، ومن هذه النقطة والتي قبلها نعلم أنّ ما يفعله كثير من النّاس في بلاد الغرب وغيرها من التبوّل وقوفًا في المحلات المكشوفة داخل المراحيض العامة هو أمر منافٍ للأدب والحياء والحشمة والأخلاق الفاضلة الكريمة، وتقشعرّ منه بدن كلّ صاحب فطرة سليمة وعقل صحيح، إذ كيف يكشف الشّخص أمام النّاس عورته التي جعلها الله بين رجليه سترًا لها وأمر بتغطيتها، واستقرّ أمر تغطيتها عند جميع عقلاء البشر.

وكذلك فإنّ من الخطأ أساسًا بناء المراحيض بهذا الشّكل المُشين الذي يرى فيه مستعملوها بعضُهم بعضًا وهم يبولون متخلّفين في ذلك عن بعض البهائم التي من عادتها الاستتار عند التبوّل والتغوّط. 

كراهية الكلام في الخلاء:

كره كثيرٌ من أهل العلم الكلام على قضاء الحاجة، وأخذوا ذلك من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «أن رجلاً مر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبول، فسلم فلم يرد عليه »، واستثنوا من ذلك إذا كان لضرورة أو حاجة كإرشاد ضرير يكاد يقع في بئر، أو طلب ماء ونحو ذلك.

النهي عن استخدام اليد اليمنى في قضاء الحاجة:

من تأمل نصوص الشرع، فإنه يجد أنها جاءت بتكريم اليد اليمنى والرجل اليمنى على الرجل اليسرى واليد اليسرى، وأرشدت العباد إلى أن يستخدموا أيمانهم في فعل الأمور الكريمة، وشمائلهم على الضد من ذلك.

ومن هذا الباب نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مس الذكر والاستنجاء باليد اليمنى، قال ابن الجوزي: «وإنما وقع النهي عن مس الذكر والاستنجاء باليمين لمعنيين: أحدهما: لرفع قد اليمين عن الاستعمال في خساس الأحوال، ولهذا تجعل في آخر دخول الخلاء وأول دخول المسجد، وتُجعل اليمين للأكل والشرب والتناول، وتُمتهن اليسرى في الأقذار. والثاني: أنه لو باشرت اليُمنى النجاسة لكان الإنسان يتذكر عند تناول طعامه بيمنه ما باشرت ومست، فينفر الطبع ويستوحش، ويخيل إليه بقاء ذلك الأثر فيها، فُنزهت عن هذا ليطيب عيشه في التناول».

روى أبو قتادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره بيمنه، ولا يستنجي بيمينه، ولا يتنفس في الإناء»، وفي لفظ: «إذا شرب أحدُكم فلا يتنفسْ فى الإناءِ وإذا أتى الخلاءَ فلا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ ولا يتمسحْ بِيَمِينِهِ»، قال النووي: أجمع العلماء على أنه منهي عن الاستنجاء باليمين، ثم الجماهير على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم.

الاستنجاء والاستجمار:

من محاسن الشريعة، أنها جاءت باليسر والتخفيف، ورفع الحرج عند المشقة وعدم الاستطاعة، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، ومن التيسير الذي منَّ الله سبحانه وتعالى به على المكلفين أن أباح لهم التنظف بالأحجار ونحوها كالأوراق والمناديل وشبهها بعد الفراغ من تخليهم واستطابتهم، وهو يقوم مقام الماء في التطهير، ولا شك أن هذا من التيسير لأن الماء غير مقدور عليه في كل الأحوال.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «اتبعت النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج لحاجته فكان لا يلتفتُ فدنوت منه، فقال: «ابغني أحجارًا أستنفض بها أو نحوه و لا تأتني بعظم ولا روثٍ»، فأتيته بأحجارٍ بطرف ثيابي فوضعتها إلى جنبه وأعرضت عنه فلما قضى أتبعهُ بهنَّ».

فائدة: الاستنجاء قد يكون بالماء، وقد يكون بالأحجار، وقد يكون بهما جميعًا. أما الأول والثاني فقد وردت فيهما آثارٌ صحيحة، وأما الثالث: [فـ] هذا لا أعلمه واردًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن من حيث المعنى لا شك أنه أكمل تطهيرًا، قاله ابن عثيمين رحمه الله.

استحباب الاستجمار وترًا:

وهذا من أجل إنقاء المحل، وأقله ثلاث مسحات تعم المحل، لحديث سلمان رضي الله عنه، أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار»، فإن حصل الإنقاء بدون ثلاث مسحات وجب تكميلها، وإن حصل الإنقاء بعد الثلاث وكان شفعًا كالأربع والست استحب قطعه على الوتر، لقوله صلى الله عليه وسلم من حديث جابر رضي الله عنه: «وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بِتَوٍّ».

الاستبراء من البول، وتجنب النجاسة حتى لا تصيب الثوب أو البدن:

وذلك لأن عامة عذاب القبر من عدم الاستبراء من البول، كما ورد في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استنزهوا من الْبَوْل؛ فَإِن عَامَّة عَذَاب الْقَبْر مِنْهُ».

ويكون تجنب النجاسة بعدم التبول في مهب الريح لئلا ترد البول عليه، وكذلك الأرض الصلبة.

كما يجب رفع الثياب حتى لا تصيبها النجاسة.

غسل اليدين بالماء والصابون بعد الخروج من الخلاء:

لما ورد عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى الخلاء، فقضى الحاجة، ثم قال: «يا جرير هات طهورا»، فأتيت بالماء، فاستنجى، وقال بيده، فدلك بها الأرض»، حيث يقوم الصابون اليوم مقام الدلك بالتراب لأن الغاية هي الطهارة وإذهاب النجاسة وآثارها، وهو حاصل بالصابون. مع عدم إغفال فائدة التراب في هذا الجانب، حيث يمكن أن يقوم بهذا الدور عند عدم وجود صابون.

 *  * 

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*