السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » محاسن الإسلام » أدب التسامح

أدب التسامح

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: 

معاشرَ المسلمين! إنّ المتأمّلَ في العلاقات الاجتماعيّة وميادين التعامُل بين الناس يهُوله ما يرَى من تفشِّي مظاهرِ التقاطع والتدابر والنُّفرة والتهاجُر وانتشار لوثات التعالي والجفاءِ والتباغُض والشّحناء، في هوًى مُطاع وشُحٍّ متَّبع وإعجابِ كلِّ ذي رأيٍ برأيه، ورفعٍ لراية الشائِعات المغرِضة والأخبار المكذوبةِ الملفَّقة، وتلمُّس العيوبِ للبرَآء، وتضخيم الهِنات للعُلماء، وتتبُّع المثالِب للصّلَحاء، وانتقاص مقامَات الفضَلاء النّبلاء، حتى إنّ الغيورَ لينتابه شعورٌ بالإحباط وهو يرَى هذه المظاهرَ السوداويّة القاتمة تنتشِر في دنيا الناسِ انتشارَ النار في الهشيم، فلا يستطيع لها تفسيرًا، ولا يجدُ لها مساغًا أو تبريرًا.

دعوة الإسلام لحسن الخلق: 

إن الإنسان كائن اجتماعي لا بد له من الاختلاط ببني جنسه، فلا يمكنه الاستغناء عنهم والاستقلال بنفسه في جميع أموره، فإذا كان الاختلاط بهم لازمًا طبعًا، ومعلوم أن الناس يختلفون في خصائصهم الخلقية والعقلية، فلا بد أن يحدث منهم ما يكدر صفو المرء، ويجلب له الهم والحزن، فإن لم يدفع ذلك بالخصال الفاضلة كان اجتماعه بالناس – ولا مفر له منه – من أكبر أسباب ضنك العيش وجلب الهم والغم. لذلك اهتم الإسلامُ بالناحية الأخلاقية وتربيتها أيما اهتمام، ويظهر ذلك كما في النماذج الآتية

1- قال الله سبحانه وتعالى في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].

2- وقال سبحانه وتعالى في ذلك أيضا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩].

3- وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].

4- وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤-٣٥].

5- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». 

1- وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».

فقد قال صلى الله عليه وسلم: «أيسرُ الدّين الحنيفيّةُ السّمحة». فشريعةُ الإسلام كلُّها خير ورحمةٌ وعدل، ومنفَعة للبشريّة في دنياهم وآخِرَتهم لمن قبِلَها، وآمَن بها والتزَمَها.

وقد وصفَ الله عز و جل نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم بأنّه رحمةٌ للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وقال عنه عز و جل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].

بعثه الله عز و جل بالحنيفيّة السّمحَة، ليرفَع الله عز و جل ببِعثتِه صلى الله عليه وسلم الآصارَ والأغلال التي كانت على مَن قبلنا مِن الأمم حينما وضِعت عليهم عقوبةً لهم، قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧].

الإسلام دين اليسر: 

رفع الله الحرجَ عن هذهِ الأمّة فيما أمَرها به ونهاها عنه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]. وأخبرنا ربّنا سحانه وتعالى أنه أراد بنا اليسرَ فيما شرعَ لنا، فقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥].

وعندما يتأمَّل المسلم هذه الشريعةَ حقَّ التأمّل ليرى السماحةَ واليسرَ جليّين في الأوامر والنواهي، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:١١٥].

فانظر إلى أصلِ الدّين توحيد ربِّ العالمين وإخلاص الدّين له، لما اشتدَّ الأمر على المسلمين بمكّة وعذِّب الضعفاءُ ومن لا ناصرَ له في الأرض، عذّبوا وأوذوا، قال الله لهم: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]. فأُبيح لهم النطقُ بكلمةِ الكفر تخلُّصًا مِن عذابِ المشركين وظلمِهم وعدوانهم.

يسر الإسلام في الطهارة: 

الطهارةِ التي جعَلَها الله شرطًا لصحّة الصلاة، وفي الحديث: «لا يقبل الله صلاةً بلا طهور». هذه الطهارةُ بالماء التي هي شرطٌ لصحّة الصلاة عندما يفقِد المسلم الماءَ، أو عندما يتعذَّر عليه استعمالُه لمرضٍ أو قروحٍ ونحو ذلك أبيحَ له أن ينتقِل إلى التيمّم: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [النساء:٤٣، والمائدة:6]، وقال صلى الله عليه وسلم: «وجُعِلت ليَ الأرض مسجدًا وطهورا». 

يسر الإسلام في الصلاة: 

الصلاةِ التي هي الرّكنُ الثاني من أركانِ الإسلام، أوجب الله لها القيامَ والرّكوعَ والسّجودَ واستقبالَ القبلة، وهذه فأركانُها وشروطُها، ولكنها قد تسقُط عند العَجز عنها، ففي الحديث: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطِع فقاعدًا، فإن لم تستطِع فعلى جَنب». فيصلّيها المسلمُ على قدرِ حالِه، وفي الآية يقول الله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة:٢٣٩]، مستقبلي القبلةَ أو غير مستقبليها عندما تدعو الضرورةُ إلى ذلك. وكذلك شرَع الله صلاةَ الخوف وما فيها من تخفيفٍ في الأركان؛ لأن ذلك من يسرِ هذه الشريعة.

يسر الإسلام في الصيام: 

الصيام جعله الله ركنًا من أركانِ الإسلام، شهرًا في العام، أوجب الله على المقيمِ الصحيحِ أن يصومَ رمضانَ في وقته أداءً، وجعل هذا ركنًا من أركانِ الإسلام، وأباح للمريضِ والمسافِرِ الفطرَ وأن يقضيَا أيّامًا أُخر، وأباح للشيخِ الهرِم الكبير الذي يُعجزه الصيام مُطلقًا أن يطعمَ عن كلِّ يوم مسكينًا عِوَضًا عن الصيام، ولذا قال الله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥].

يسر الإسلام في الحج: 

فَرضَ الله عز و جل الحجَّ على المسلم في عُمره مرّةً، وجعل هذا الفرضَ مشروطًا بالاستطاعة البدنيّة والماليّة: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧].

دعوة الإسلام إلى خلُق التسامح: 

كما تبين مما سبق أن شريعةَ الإسلام مِن خُلقِها السماحةُ، لذا فهي تدعو المسلمَ لأن يكونَ متخلِّقًا بالسماحةِ في تعامُله مع عباد الله؛ لأنّ هذه السماحةَ التي يتخلَّق بها المسلم تقوِّي الإيمانَ في قلبه قبل كلِّ شيء، وتضاعِف الثوابَ له عند الله، ثم تشدُّ أزرَه بإخوتِه، فتكون المحبّةُ والمودّة سائدةً بين أفرادِ المجتمع.

فشريعةُ الله إذا تخلَّق بها المسلمُ في تعامُله مع عبادِ الله حقًّا فإنها تجلِب له المحبةَ والمودّة وتجعل له في قلوبِ العباد محبّةً مع ما سبَق ذلك من رِضوان الله، وما وعَد الله به المسلمَ خيرٌ من هذا كلِّه، ﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى:٤].

قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩].

قال ابن جزي: «خُذِ العفو» فيه قولان: 

أحدهما: أن المعنى خذ من الناس في أخلاقهم وأقوالهم ومعاشرتهم ما تيسر لا ما يشق عليهم، لئلا ينفروا؛ فالعفو على هذا بمعنى السهل والصفح عنهم، وهو ضد الجهل والتكليف كقول الشاعر: «خذي العفو مني تستديمي مودتي».

والآخر: أن المعنى من الصدقات ما سهل على الناس في أموالهم أو ما فضل لهم، وذلك قبل فرض الزكاة، فالعفو على هذا بمعنى السهل أو بمعنى الكثرة. 

«وَأْمُرْ بالعرف» أي: المعروف وهو فعل الخير، وقيل العفو الجاري بين الناس من العوائد، واحتج المالكية بذلك على الحكم بالعوائد.

«وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين»، أي: لا تكافئ السفهاء بمثل قولهم أو فعلهم واحلم عنهم، ولما نزلت هذه الآية سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عنها، فقال: «لا أدري حتى أسأل»؛ ثم رجع فقال: «يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك». وعن جعفر الصادق: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم فيها بمكارم الأخلاق، وهي على هذا ثابتة الحكم وهو الصحيح.

من ظواهر سماحة النفس: 

والعبدُ في هذه الدنيا لا بدَّ له من التعامُلٍ مع الناس، أَخذًا وعطاءً، والتقاءً مع أفرادِ المجتمع، فلا بدَّ أن يروِّض نفسه على السماحةِ في تصرّفاته كلِّها؛ في بيعه، وشرائه، وقضائه، واستقضائه حقَّه، في تعامُله مع الناس، في سيرته وجلوسِه معهم وصحبته لهم، في كلِّ الأحوال. فإذا تخلَّق بالسماحةِ يسَّر الله أمرَه وبارك له في أحوالِه كلِّها، ولسماحة النفس مظاهر عديدة، من أهمها: 

1- طلاقة الوجه واستقبال الناس بالبشر. 

2- مبادرة الناس بالتحية والسلام والمصافحة وحسب المحادثة لأن من كان سمح النفس بادر إلى ذلك. 

3- حسن المصاحبة المعاشرة والتغاضى عن الهفوات لأن من كان سمح النفس كان حسن المصاحببة لإخوانه وأهله ولأولاده ولخدمه ولكل من يخالطه أو يرعاه.

والناس في هذا الخلق الكريم طرفان ووسط: 

الطرف الأول: أهل الإفراط فيه والغلو: 

وهم الذين يضعون العفو في غير موضعه؛ إما أن يعفوا عمن لم يستحق العفو؛ كالظالم والمستهتر المتكبر المتغطرس الذي لا يزيده العفو إلا ظلمًا وتمردًا وغرورًا؛ فمثل هذا لا يصلح في حقه العفو، وإما أن يكون العفو عن ذلة ومهانة وعدم قدرة على رد الاعتداء؛ فهذا عفوه ليس محمودًا، وإنما هو عجز ومهانة، وتضييع للحقوق.

الطرف الثاني: أهل التفريط والإضاعة: 

وهم الذين فرطوا في هذا الخلق الرفيع وأصبح ليس لهم هم إلا الانتقام من كل من أخطأ في حقهم، ولو كانت الهفوة منه زلة عابرة، أو خطًا غير مقصود؛ فلا يدفنون لمسلم زلة ولا يصفحون عمَّن ارتكب في حقهم مزلة.

الوسط: العدل المتوازن: 

وهم الذين وضعوا العفو في موضعه الذي يحبه الله عز و جل ويرضاه، فلم يتجاوزوا فيه الحد فيعفوا عن من لا يصلح في حقه العفو، ولم يكونوا ممن عفوهم ناشئ عن ذلة ومهانة وعجز لا عن حلم وعفو واقتدار، ولم يفرِّطوا في هذا الخلق حتى أضاعوه بسبب شهوة الانتقام والانتصار للنفس، بل هم على حظ كبير من هذا الخلق الذي يعفون به عن من ظلمهم أو أخطأ في حقهم ممن لم يكن الظلم مهنته ولا التكبر والغرور صفته، وإنما هو زلة عابرة أو خطأ غير مكرر أو مقصود.

فضل العفو والصفح: 

ورد في فضل العفو أحاديث كثيرة منها: «من سر أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه ويصل من قطعه».

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: « ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مال قط من صدقة، فتصدقوا؛ ولا عفا رجل عن مظلمة ظلمها يبتغى بها وجه الله إلا زاده الله بها عزًّا». 

ومنها أن رجلاً شتم أبا بكر رضي الله عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس ويبتسم فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام، فلحقه أبو بكر رضي الله عنه فقال يا رسول الله! كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله، غضبت وقمت، قال: «إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان، يا أبا بكر! ثلاث كلهن حق ما من عبد ظُلِمَ بمظلمة فيغض عنها لله عز و جل إلا أعز الله بها نصرهُ، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة». 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم». 

من صور التسامح: 

وَلِلسَّمَاحَةِ في حَيَاةِ النَّاسِ صُوَرٌ عَدِيدَةٌ، وَمِن تِلكَ الصُّوَرِ: 

التَّنَازُلُ عَنِ الحَقِّ وَرَفعُ الحَرَجِ عَنِ النَّاسِ: 

الأصل في الحقوق أن يكون استيفاء الحق كاملاً، لكن الشارع ندب صاحب الحق إلى عدم استيفاء حقه كله أو بعضه تسامحًا وإحسانًا وإيثارًا، وبخاصة إذا كان المكلف أو المدين في ضائقة، وذلك خير يثاب عليه فاعله، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨٠]، والمراد بالتصدق في الآية: إبراء المدين من دينه.

وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ السَّمحَ السَّهلَ لا تَطِيبُ نَفسُهُ بِأَن يُحَصِّلَ حَقًّا لم تَطِبْ بِهِ نَفسُ الطَّرَفِ الآخَرِ، فَيُؤثِرَ لِذَلِكَ التَّنَازُلَ عنه وَالسَّمَاحَةَ بِهِ وَإِن كان لَهُ، كَمَا أَنَّهُ لِسَمَاحَتِهِ يحرِصُ على عَدَمِ إِيقَاعِ النَّاسِ في الحَرَجِ، وَلا يَشغَلُهُ التَّفكِيرُ بِمَا لَهُ عَنِ التَّفكِيرِ بِمَا عَلَيهِ مِن سَمَاحَةٍ مَعَ إِخوَانِهِ وَتَقدِيرٍ لِظُرُوفِهِم.

وفي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمدَ رحمه الله أَنَّ عُثمَانَ رضي الله عنه اشتَرى مِن رَجُلٍ أَرضًا فَأَبطَأَ عَلَيهِ، فَلقِيَهُ فَقَالَ له: مَا مَنَعَكَ مِن قَبضِ مَالِكَ؟ قال: إِنَّكَ غَبَنتَني؛ فَمَا أَلقَى مِنَ النَّاسِ أَحَدًا إِلاَّ وَهُوَ يَلُومُني، قال: أَوَذَلِكَ يَمنَعُكَ؟ قال: نَعَمْ، قَال: فَاختَر بَينَ أَرضِكَ وَمَالِكَ، ثم قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَدخَلَ اللهُ عز و جل الجَنَّةَ رَجُلاً كان سَهلاً مُشتَرِيًا وَبَائِعًا وَقَاضِيًا وَمُقتَضِيًا». 

السَّمَاحَةُ مَعَ مَن أَسَاءَ والإِحسَانُ إِلَيهِ: 

وفي التنازل عن حق القصاص قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٧٨].

وَمِن أَبرَزِ مَوَاقِفِ الرِّجَالِ في ذَلِكَ مَوقِفُ أَبي بَكرٍ الصَّدِيقِ رضي الله عنه حِينَ كان يُنفِقُ على ابنِ عَمِّهِ مِسطَحِ بنِ أُثَاثَةَ رضي الله عنه وَكَانَ مِن فُقَرَاءِ الصَّحَابَةِ، فَلَمَّا أَثَارَ المُنَافِقُونَ على عَائِشَةَ رضي الله عنها مَا أَثَارُوهُ مِن قَضِيَّةِ الإِفكِ، وَاتَّهمُوهَا بِمَا هِيَ مِنهُ بَرِيئَةٌ، كَانَ مِسطَحٌ ممَّن تَوَرَّطَ في حَدِيثِ الإِفكِ، فَحَلَفَ أَبُو بَكرٍ رضي الله عنه أَن لاَّ يُنفِقَ عَلَيهِ بَعدَ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَمَرَ اللهُ تعالى بِالعَفوِ وَالصَّفحِ بَادَرَ أَبُو بَكرٍ رضي الله عنه وَكَفَّرَ عَن يَمِينِهِ وَعَفَا وَصَفَحَ، وَعَادَ يُنفِقُ على مِسطَحٍ، فَرضي الله عنه مَا أَسمحَهُ وَأَنبَلَهُ! وما أَكرَمَهُ وَأَجزَلَهُ! فَقَد كَانَ ممَّن قال اللهُ فِيهِم: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى:٣٧].

السماحة في الحوار: 

لَقَد حَثَّ الإسلام على السماحةِ في الحِوَارِ، وَرَغَّبَ في التَّنَازُلِ عِندَ الاختِلافِ، وَحَذَّرَ مِنَ الوُقُوعِ في مَغَبَّةِ الجَدَلِ، فَتَعَهَّدَ صلى الله عليه وسلم – وهو لا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى – بِبَيتٍ في الجَنَّةِ لمن تَنَازَلَ وَتَرَكَ المِرَاءَ وَالجَدَلَ، قال صلى الله عليه وسلم: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيتٍ في رَبَضِ الجَنَّةِ لمن تَرَكَ المِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا».

كَمَا حَذَّرَ صلى الله عليه وسلم مِن كَثَرَةِ اللَّغوِ وَالتَّبَارِي بِالأَلسِنَةِ وَتَضيِيعِ الأَوقَاتِ في الأَخذِ وَالرَّدِّ وَالجَذبِ وَالشَّدِّ، فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيكُم عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ وَوَأدَ البَنَاتِ وَمَنعَ وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُم قِيلَ وَقَالَ وَكَثرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ المَالِ». 

السماحة في البيع والشراء: 

البيع تبادُل منافع بين الأفرادِ، هذا يبذلُ سلعتَه، وذا يبذل قيمتَها، ونبيّنا صلى الله عليه وسلم أرشد المسلمَ أن يكونَ متخلِّقًا بخلُق السماحةِ في بيعه وشرائه، فيقول صلى الله عليه وسلم: «رحِم الله امرئًا سَمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتَضَى».

وقال صلى الله عليه وسلم: «أفضل المؤمنين رجلٌ سمحٌ في بيعِه وسَمح في شرائه وسمحٌ إذا قَضى وسمح إذا اقتضى».

نعم أيها المسلم، يكون المسلِم سمحًا في بيعِه، ليس الهدف أن يفرِّطَ في أمواله، ولا أن نقولَ تصرَّف فيها تصرّفَ السفيه، فتدفعُها بلا قيمةٍ تأخذها، هذا لا يقولُه أحَد، ولكنَّ السماحةَ في البيع تتمثَّل بطيبِ النفسِ وسخاءِ النّفس وكرَم النفس وجودِها، أنت بائعٌ ومستفيد، ولكنَّ السماحةَ لا بدَّ أن تصحبَك في بيعك؛ فاستقصاءُ الحقوق كاملةً تامّة لا يليق بك في موضعِ البيع، أنت تَبيع وتبحثُ عن الفائدة، وتطلُب المزيدَ من فضلِ الله، ولكن لتكُن السماحة واضحةً عليك وعلى نظراتِك وبسماتك أثناءَ بيعك، فتبيع حقًّا، وتطلُب حقًّك، وتعرِض سِلعتَك، ولكن اعلم أنّ السماحةَ خلُق كريم، وأنّ السماحةَ عنوان كرَم النّفس وجودِ النفس وطِيبِ الخلُق، وهي حقيقتُها عدمُ الاستقصاءِ التامّ في كلّ الأمور.

فبعضُ الباعَةِ عندَما تفاوِضه في قيمةِ سِلعةٍ يريد بيعَها بدَلَ أن يفاوضَك بخلُقٍ طيّب إذا عرضتَ له سَومًا ما انقضَّ عليك غَضبًا واستهزاءً وسخريّة، وقيلٍ وقال، ورفع الصوتَ وأتى ببذاءة ِالقول وفحش اللفظ، ليس هذا مِن خُلُق المسلم. 

السماحة في قضاء الحقوق: 

فالمسلم سمحٌ في قضائه، فإذا كانَت الحقوقُ في ذمّته فليكن سَمحًا في قضائِه، بمعنى أن لا يماطِل بالحقوق، ولا يضطرَّ صاحبَ الحقِّ لرفعِ صوتِه فالنبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ لصاحبِ الحقِّ مقالاً».

فتكون سمحًا في قضائِك بأن تعطيَ الناسَ حقوقَهم في وقتِها، لا تماطل بهم، لا تخدعهم، لا تكذِب عليهم، لا تعطيهم المواعيدَ بعد المواعيد وأنت كاذِبٌ في وعدِك غيرُ وفيٍّ بما التزمتَ به؛ إذا كان الأمرُ يشقُّ عليك فتدبَّر أمرَك قبلَ أن تتعلَّقَ بذمتك حقوقُ الآخرين. 

كن سمحًا في قضائِك بأن تحرِصَ على الوفاءِ وتعطيَ الناسَ حقوقَهم طيّبةً بذلك نفسُك، غيرَ مماطلٍ، ولا كاذب، ولا هارب، إنما أنت صادِق في الوعد صادقٌ في القول، لا يشعُر منك البائع بكذِبٍ ولا إخلافِ وعدٍ ولا أمورٍ دنيئة، ولا تضطرّه إلى المحاكِمِ والترافُع إليها، بل أنت تَرى حقوقَ العباد واجبًا تبذلها بطيبِ النّفس؛ هكذا يكون المسلم في قضائه. 

السماحة في إنظار المعسر أو التجاوز عنه: 

ثم مَن له الحقُّ أيضًا مطلوبٌ منه أن يكونَ سمحًا في اقتضائه، يراعي شعورَ الآخرين، ويراعي ظروفَهم، ويراعي أحوالَهم، هو حقًّا مطالِبٌ بحقّ ولا شكّ، مطالِب بحقٍّ وله القول، لكن مع هَذا كلِّه فلا بدَّ من السماحة، فلا تلجِئ أخاك إلى ما لا يطيق، وخاطِبه بالقولِ الحسَن، وحتى في مرافعَتك كن عدلاً وسمحًا في أمورِك، فما يحِلّ المشاكلَ وينهيها بالطّرق الميسَّرةِ السّمحَة فذاك خيرٌ من أمورٍ تقسو بها القلوبُ وتعظم بها الفجوَة بين الإخوان المسلمين؛ ولذا شُرِع التيسير في الاقتضاءِ، والله جل وعلا قال لنا: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠].

فأمرنا أن ننظِر المعسرَ عندما نقتضِي منه أن نُنظرَه إن علِمنا فقرَه وقلَّةَ ذاتِ يده، فلنُنظره إلى أن ييسِّرَ الله الأمرَ له، لكن أن نشمتَ به، ولكن أن نفضَحَه، ولكن أن نقولَ ونقولَ فيه ونحن نعلَم أنّه ليس ذا قدرةٍ على الوفاء فذاك مما حرّم الله.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «كان رجل تاجر يداين الناس فكان يقول لفتاه إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فلقى الله فتجاوز عنه». 

وقال صلى الله عليه وسلم: «من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله». 

وعن أبى قتادة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه». 

السماحة في الإجارة: 

فالمسلم سَمحٌ في اقتضاءِ الأُجرةِ، سمحٌ في قضاءِ حقِّ الأجير، لا يماطل بالأجير ولا يظلِمه، فلتكن سمحًا في بذلِ ما تحقَّق عليك في ذمَّتك مِن أُجرة، كما أنَّ المستأجِر يجب أن يكونَ سمحًا فيدفعُ الأجرةَ إلى صاحبها من غيرِ ضرَرٍ وأذًى يلحقه. 

التسامح بين الزوجين: 

وفي تنازل المرأة عن شيء من حقوقها أو كل مهرها، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤]. ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧].

قال محمد الطاهر عاشور: «ومعنى كون العفو أقرب للتقوى: أن العفو أقرب إلى صفة التقوى من التمسك بالحق؛ لأن التمسك بالحق لا ينافي التقوى لكنه يؤذن بتصلب صاحبه وشدته، والعفو يؤذن بسماحة صاحبه ورحمته، والقلب المطبوع على السماحة والرحمة أقرب إلى التقوى من القلب الصلب الشديد، لأن التقوى تقرب بمقدار قوة الوازع، والوازع شرعي وطبيعي، وفي القلب المفطور على الرأفة والسماحة لين يزعه عن المظالم والقساوة، فتكون التقوى أقرب إليه، لكثرة أسبابها فيه».ا.هـ.

السماحة في التعامل مع الناس: 

السّماحة مطلوبةٌ أيضًا في المعاملاتِ العامّة مع المسلمين، وفي الوضعِ الاجتماعيّ مع المسلمين، فلا بدّ أن تكونَ سمحًا، سماحتُك تتمثَّل في عفوٍ عمّن أساء، وفي صلةٍ لمن قطَع، وفي إعطاءٍ لمن منَع، كما قال صلى الله عليه وسلم في وصيته لعقبة رضي الله عنه: «يا عقبة ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ تصل من قطعك، وتعطى من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ألا ومن أراد أن يبسط له فى رزقه ويمد له فى عمره فليتق الله وليصل رحمه». 

واسمع الله يؤدِّب المسلمَ بالأدبِ الحسَن، يقول الله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤-٣٥]، ويقول جلّ وعلا: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣].

فالحِلم على الجاهِل والعفوُ عن السّفيه وتحمُّل الأذى يكسِبك خلُقًا كريمًا ومكانةً في مجتمعك، وقبل ذلك عند الله الثوابُ العظيم، فتكونُ لك المكانةُ المرموقَة، وتعرَف لك تلك المكارِم بصبرِك وعفوِك وحِلمك عن جاهل وعدمِ مخاطبِتك للسفهاء. يقول الله في وصفِ عبادِ الرحمن: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان:٦٣].

هكذا سماحةُ الإسلامِ في التعامُل، إنَّ المسلمَ سمحٌ في تعاملِه مع أصحابه، فلا يعاتِب على كلّ خطأ، بل يعفو ويتناسَى ويتجاهَل كثيرًا من الأشياء لتدومَ المودّة والإخاء. أنت مع زوجتِك لو تعاتِبُها كلَّ يومٍ على كلِّ شيء لسئمت منك وضجِرت الحياةَ معك، ولكن إذا كنتَ تتغاضَى عن بعض الأشياءِ وتتناسى بعضَ الأشياء غير مخلّةٍ بشرَف ولا دين، ولكن تساهُلٌ وتسامح، عند ذلك تدومُ المودّة. 

تسامح النبي ورحمته: 

أنسٌ رضي الله عنه خادِم النبي صلى الله عليه وسلم، خدمه عشرَ سنين، وها هو أنَس يخبِرنا عن خلُق النبيِّ مع من يخدِمه ومع من يقضِي حاجتَه، يقول أنَس: «خدمتُ نبيَّكم عشرَ سنين، والله ما قال لي لشيء لم أفعله: لماذا لم تفعله؟ ولا لشيءٍ فعلتُه لماذا فعلته؟».

سماحتُه في إرضاءِ الكلّ وإزالةِ اللَّبس عن كلّ أحد، فأصحابُه الكرام المهاجرون والأنصار كان معَهم في أسمحِ الخلُق وأعلاه وأكمله، لما انتهت غزوةُ حُنين وزَّع غنائمَه وخصَّ المؤلّفةَ قلوبُهم حديثي الإسلام بالأموالِ ترغيبًا لهم في الإسلام وتقويةً للإيمان، وترك أولئك القومَ الذين امتلأت قلوبُهم إيمانًا ويقينًا، فالدّين لا يعدِله عندهم شيء، فكأنَّ الأنصارَ وجدوا في أنفسهم إذ لم يُعطَوا من تلكَ الغنائِم وقال قائلهم: رحِم الله رسولَ الله، وجَد قومَه وعشيرتَه فأعرض عنّا، أو نحو ذلك، فجمَعَهم جميعَ الأنصار ولم يدخِل معهم أحدًا، وقال لهم: «يا معشرَ الأنصار، ألم أجِدكم ضُلالاً فهداكم الله بي؟» قالوا: الله ورسوله أمنُّ، «ألم أجِدكم متفرِّقين فألَّفكم الله بي؟» قالوا: الله ورسوله أمنّ، «ألم أجِدكم عالةً فأغناكم الله بي؟!» قالوا: الله ورسوله أمنّ، قال: «أتَرضونَ أن يرجعَ الناس بالشاء والبعير وترجِعون بالنبيِّ إلى رحالكم؟! المحيا محياكُم، والمماتُ مماتُكم، الأنصارُ شِعارٌ والناس دِثار»، قال: فبكى القومُ حتّى أخضَبوا لِحاهم وقالوا: رضِينا بالله وبرسولِه.

ويدخل مكّةَ فاتحًا صلى الله عليه وسلم منتصِرًا عاليَ الرأس بنصرِ الله عز و جل وتأييده، وتجتمع قريش في الحرم ينتظرون مصيرَهم، وماذا سيكون حالهم، فمِنهم من قد قتل منهم مَن قتل، ومنهم من قد آذاه وآذى أصحابه، فماذا سيكون المآلُ والعاقبة؟ فيصعَد الكعبةَ ويقِف ببابها ويقول: «يا معشر قريش، اذهَبوا فأنتُم الطلقاء».

التحذير من حسبان التسامح عجزا وضعفا: 

إِنَّ مِن تَلبِيسِ الشَّيطَانِ وَأَعوَانِهِ وَوَسوَسَتِهِم أَنَّهُم قَد يَصِفُونَ المُتَسَامِحَ بِالعَجزِ عَن أَخذِ حَقِّهِ، وَيَرمُونَهُ بِالضَّعفِ عَن تَحصِيلِهِ، وَيَتَّهِمُونَهُ بِالخَوفِ مِنَ النَّاسِ وَخَشيَةِ شَرِّهِم، ممَّا يَحمِلُ ضَعِيفَ الإِيمَانِ وَالإِرَادَةِ على الفُجُورِ، أَمَّا المُؤمِنُ القَوِيُّ الصَّابِرُ الوَاثِقُ بِأَنَّ مَا عِندَ اللهِ خَيرٌ وَأَبقَى فَإِنَّهُ يختَارُ مَا عِندَ اللهِ، وَيَتَسَامَحُ مَعَ عِبَادِ اللهِ.

قال سبحانه وتعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٠-٤٣]. 

ويبين الإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى – الفرق بين العفو الناشئ عن الجود والكرم مع قدرته على الانتقام، وبين العفو الناشئ عن الذل والعجز عن الانتقام فيقول: «والفرق بين العفو والذل: أن العفو إسقاط حقك جودًا وكرمًا وإحسانًا مع قدرتك على الانتقام؛ فتؤثر الترك رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق، بخلاف الذل؛ فإن صاحبه يترك الانتقام عجزًا وخوفًا ومهانة نفس؛ فهذا مذموم غير محمود، ولعل المنتقم بالحق أحسن حالاً منه؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى:٣٩].

وسائل اكتساب سماحة النفس: 

1- التأمل في الترغيبات التي رغب الله بها من يتحلى بهذا الخلق، وتأمل الفوائد التي يجنيها سمح النفس في العاجل والآجل. 

2- التأمل في المحظورات التي يقع فيها نكد النفس، وما يجلبه ذلك من مضار ومتاعب وخسائر مادية ومعنوية. 

3- الاقتناع الإيمانى بسلطان القضاء والقدر، لأن علم الإنسان بأن المقادير أمور مرسومة ولا راد لها، وأنها تجرى وفقًا للحكمة الإلهية يجلب الطمأنينة وثبات القلب وراحة البال. 

قال الشاعر: 

فإن الذي بيني وبين عشيرتي

وبين بني عمي لـمختلف جدا

 

إذا قدحوا لى نار حرب بزندهم

قدحت لهم في كل مكرمة زندا

 

فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم

وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدًا

 

ولا أحمل الحقد القديم عليهم

وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

 

وأعطيهم مالي إذا كنت واجدا

وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا

 

وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم

وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدًا

 

* * *

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*