السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » محاسن الإسلام » أدب الإنفاق

أدب الإنفاق

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديَ له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: 

فإن الإسلام جاء بالتكافل الاجتماعي فحدد أطره، ووضع عناصره، وبين سبله، وسن ما يحث عليه ويحفظه، كما قال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

ولقد جاءت مجموعة الشرائع في مجال الأخلاق والمعاملات والعبادات لتؤكد على هذا الجانب كصلاة الجمعة والجماعة في الفرائض والأعياد، وكآداب الجوار، وصلة الأرحام، وكحسن الخلق المتضمن أنواعًا عدة من محاسن الأخلاق ومجامعها.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾.

وإن من أعظم وسائل تقوية التكافل الاجتماعي في الإسلام البذل والإنفاق، لذلك حبب الإسلامُ إلى بنيه أن تكون نفوسُهم سخيةً وأكفُّهم نديةً، وأن يجعلوا تقديم الخير إلى الناس شغلهم الدائم لا ينفكون عنه في صباحًا أو مساءً، يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

تعريف الإنفاق:

الإنفاق لغة:

مصدر (أنفق)، وتدور أصول هذا الفعل حول معنيين، أحدهما: يدلّ على انقطاع شيء وذهابه، والآخر: على إخفاء شيء وإغماضه، وصفة الإنفاق إنّما هي من المعنى الأوّل، يقال نفق الشّيء: فني، وأنفق الرّجل افتقر أي ذهب ما عنده، قال ابن الأعرابيّ: ومنه قوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾، والنّفقة ما أنفقت، واستنفقت على العيال وعلى نفسك:

وقال الجوهريّ: رجل منفاق أي كثير النّفقة.

وقال ابن علان: النّفقة من الإنفاق وهو الإخراج. والنّفقة: الدّراهم ونحوها من الأموال وتجمع على نفقات وعلى نفاق (بالكسر).

الإنفاق اصطلاحا:

الإنفاق: إخراج المال الطّيّب في الطّاعات والمباحات.

والنّفقة على العيال والأهل: مقدّرة بالكفاية وتختلف باختلاف من تجب له النّفقة في مقدارها، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك، وقال القاضي أبو يعلى من الحنابلة: هي مقدّرة بمقدار لا يختلف في القلّة والكثرة.

وقال ابن علّان: النّفقة هي سائر المؤن من كسوة ونفقة وسكن على من يعول من زوجة وولد وخادم.

فضائل الإنفاق:

التغلب على شهوة النفس:

فالإنفاق في سبيل الله من أعظم التحديات التي تواجه النفس الإنسانية، خاصة أن طبيعة البشر أنهم حريصون كل الحرص على المال؛ محبون له أشد الحب، ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، فالذي يستطيع أن يكون المال في يده لا في قلبه فقد نجا من فتنة المال، التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي بالمال».

فمن الناس من افتتن بالمال فتنةً عظيمةً، حتى أنه أصبح عبدًا لذلك المال وللدرهم والدينار، فانطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار والدرهم»، فلم يعد لهم همٌّ إلا جمع المال دون النظر من أي طريق يجمع، وفي أي طريق ينفق، فترك دينه وتفرغ لدنياه، فابتعد عن ذكر الله وترك صلاته وعبادته، وانشغل بالأدنى عن الذي هو خير، واستعمل ماله في سخط الله فتعس وانتكس، وبخل بما أعطاه الله ظانًّا أن ذلك خيرٌ له، ولم يسمع قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.

ومن الناس من علم أن المال الذي بين يديه إنما هو أمانة وأنه مستخلف فيه، تصديقا لقوله سبحانه وتعالى: ﴿آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾، فعلم أنه ابتلاء من الله امتحنه فيه، فاتقى الله فيما بين يديه وحافظ على توازنه ما بين ماله ودينه، فأدى الحقوق المطلوبة وقام بالواجبات المفروضة، فبارك الله سبحانه وتعالى له في ماله في دنياه وضاعف له أجره في الآخرة، وصدق فيه قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.

الإنفاق من معايير الإيمان:

إن الإنفاق في سبيل الله سبحانه وتعالى هو أحد أهم الأمور التي يقاس بها العبد من ناحية صدقه مع الله تعالى وعبوديته له، كما قال صلى الله عليه وسلم: «والصدقة برهان»، خاصة أن كثيرًا من الناس يدّعون الإيمان والعبادة، ويتذرعون أن أبواب الخير موصدةٌ في وجوههم.

فالله سبحانه وتعالى أمرنا أن نجاهد بأموالنا كما أمرنا أن نجاهد بأنفسنا، بل جاء الأمر بالإنفاق جهادا للنفس قبل الجهاد بالنفس، لما في ذلك من تهيئة للنفس كي تجود بما هو أكبر من ذلك، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

الإنفاق في سبيل الله إنماء وإبقاء له:

يقول صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: يا ابن آدم أَنفِقْ أُنفق عليك»، فالله الله على من زاد ماله وباركه بالإنفاق في سبيل الله وانتظر الجزاء من الله في الدنيا والآخرة، متيقنا بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.

وصدق الله سبحانه وتعالى إذ قال: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهم: اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا».

قال فضيلة الشيخ محمد العثيمين رحمه الله: «والتلف نوعان: تلف حسي، وتلف معنوي.

1- التلف الحسي: أن يتلف المال نفسه بأن يأتيه آفة تحرقه أو يسرق أو ما أشبه ذلك.

2- التلف المعنوي: أن تنزع بركته بحيث لا يستفيد الإنسان منه في حياته».

ما أنفقه العبد هو ماله الباقي:

فمن يقصر بشيء من الإنفاق فإنما يذهب الخير عن نفسه، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟» قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال صلى الله عليه وسلم: «فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر».

قال فضيلة الشيخ العثيمين رحمه الله: «هذه حكمة عظيمة ممن أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم فما لك الذي تقدمه لله عز و جل تجده أمامك يوم القيامة ومال الوارث ما يبقى بعدك من مالك فينتفع به ويأكله الوارث فهو مال وارثك على الحقيقة فأنفق مالك فيما يرضي الله».

وفي ذات يوم ذبح النبي صلى الله عليه وسلم شاة، فقامت عائشة رضي الله عنها فتصدقت بها كلها ولم تُبقِ إلا الكتف؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحب الكتف والذارع، قال: «ما صنعت الشاة؟» قالت: ذهبت كلها إلا الكتف، قال: «لا. قولي: بقيت كلها إلا كتفها». 

الإنفاق بأن الله هو مالك الملك:

بعض الناس يتصور أنه إذا أعطى فإنما يعطي من حقه، وهذا تصور خاطئ؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾، ليس لك من المال شيء، وما حقيقة أمرك لما جئت من بطن أمك هل كان معك شيء؟ لقد جئت وأنت عارٍ واستقبلت في خرقة، وستعيش فترة من العمر ثم تخرج عاريًا في خرقة أخرى وهي الكفن، فالمال مال الله ساقه إليك من حيث لا تحتسب، فأنفق ليس مالك بل هو مال الله استخلفك فيه، ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.

الإنفاق زيادة لا نقصان:

يكفي أن تعلم أن هذا الإنفاق الذي ينفقه الإنسان لا ينقص من ماله بل يزيده، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله»، فأثبت عليه الصلاة والسلام أن الصدقة لا تنقص المال بل تزيده، وهذه الصدقة كما أنها تزيد مالك هي أيضًا تزيد في أعمالك وقربك من الله عز و جل.

والإنفاق يدفع البلاء:

فيدفع الله عز و جل بالإنفاق عن العبد البلاء، كما قال صلى الله عليه وسلم: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة»، حتى كان بعضُ العلماء يوصي إخوانه إذا أصابتهم الشدائد والملمات، أن يكثروا من الصدقات حتى يرحمهم الله عز و جل، وكم من يد أعطت لوجه الله عز و جل عافاها الله ودفع عنها البلاء.

الإنفاق يطفئ الخطيئة:

فيطفئها الله كما يطفئ الماء النار، قال صلى الله عليه وسلم: «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار».

آداب الإنفاق:

أولاً: ألا يتبعها منٌّ ولا أذى:

قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾. وعن أَبي ذَر رضى الله عنه، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكِّيِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ»، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثلاثَ مِرارٍ: قَالَ أَبُو ذرٍ: خَابُوا وخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رسول الله؟ قَالَ: «المُسْبِلُ، والمَنَّانُ، وَالمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بالحَلِفِ الكَاذِبِ».

ثانيًا: الإسرار بها:

وعلى المتصدق أن يسر صدقته ما استطاع، إلا إذا كان في إعلانها مصلحة راجحة، فلا تكون رياء ولا سمعة إن أظهرت الصدقة، وإنما تظهرها للقدوة الحسنة والسنة الحسنة، وإن أخفيتها، فالأصل هو الإخفاء، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.

وقد أعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن من السبعة الذين يظلّهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه».

ثالثًا: إصلاح النية:

فينبغي للمتصدق أن يصلح نيته، فيقصد بالصدقة وجه الله سبحانه وتعالى، فإنه إن لم يقصد وجه الله لم تقبل منه، وعوقب على ذلك أيضا. فيجب أن تكون خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى، كما قال في كتابه الكريم: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.

رابعًا: أن تكون بالطيب:

كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا»، ففي هذا الحديث الحثّ على الإنفاق من الحلال، والنّهي عن الإنفاق من غيره، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾.

خامسًا: أن يكون تطوعا:

فلا تعد من الزكاة، أو مغرمًا، بل هو مغنمٌ لك، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾.

سادسًا: أن يخرج المال طيبةً به نفسه:

فلا يكون كارهًا له، ولهذا وصف الله تعالى المنافقين، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾، وأثنى على المؤمنين أنهم إن وجدوا مالاً تصدقوا، وإن لم يجدوا تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾.

سابعًا: أن تكون في وقت سعة:

كأن تكون في وقت صحتك وعافيتك وشبابك وحاجتك وخوفك من الفقر، كما قال صلى الله عليه وسلم: «أعظم الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وَتَأْمُلُ الغنى».

وهذا المعنى موجود في القرآن الكريم، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.

ثامنا: أن يُقدّم أقرباءه من الفقراء:

فإن هذا أدعى لإيجاد المودة والصلة والمحبة ونزع العداوة من القلوب؛ لأن القلوب جبلت على حبّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصدقة على المسكين صدقة، وإنها على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة».

صور من إنفاق السلف:

تركت له الله ورسوله:

يقول عمر رضى الله عنه أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا أن نتصدق فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت اليوم أسبق أبا بكر، فجئت بنصف مالي، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» فقلت مثله؛ وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا.

رجل واحد يجهز جيشا:

وكان عثمان رضى الله عنه من المنفقين أموالهم جهادًا في سبيل الله سبحانه وتعالى، فعن عبد الرحمن بن خباب قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحث على جيش العسرة، فقام عثمان فقال: يا رسول الله ! علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ثم حض على الجيش، فقام عثمان فقال: يا رسول الله ! علي ثلاثمائة عير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله.

قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل على المنبر وهو يقول: «ما على عثمان ما فعل بعد هذه.. ما على عثمان ما فعل بعد هذه».

يطفئ السراج لئلا يتحرج السائل!! 

وروي عن سعيد بن العاص أنه كان يعشي الناس في رمضان، فتخلف عنده ذات ليلة شاب من قريش بعدما تفرق الناس، فقال له سعيد: أحسب أن الذي خلفك حاجة؟ قال: نعم! أصلح الله الأمير. قال: فضرب سعيد الشمعة بكمه فأطفأها ثم قال: ما حاجتك؟ قال: تكتب لي إلى أمير المؤمنين أنَّ علي دَيْنًا، وأحتاج إلى مسكن وخادم. قال: كم دَيْنُك؟ قال: ألفا دينار، وذكر ثمن المسكن والخادم، فقال سعيد: تكفيك مؤونة السفر، اغد فخذها منا. 

فكان الناس يقولون: إن إطفاء الشمعة أحسن من إعطائه المال، لئلا يرى في وجهه ذل المسألة!!

مجالات الإنفاق:

للإنفاق في سبيل الله سبحانه وتعالى مجالات عديدة جدًّا يصعب حصرها، ولكن يمكن الإشارة إلى بعض هذه المجالات على سبيل الاختصار: 

الإنفاق على الفقراء والمحتاجين وإسقاط الديون عن المدينين.

بناء المساجد والإنفاق عليها وعلى الأئمة والمؤذنين والقائمين عليها.

سقي الماء وحفر الآبار في الأماكن التي لا يصل إليها الماء.

إطعام الطعام وشراء الملابس وتوزيعها.

الإنفاق على طلب العلم وشراء الكتب والأدوات الدراسية لهم. 

طباعة الكتب والأشرطة الإسلامية وتوزيعها.

توزيع المصحف الشريف على الشعوب الإسلامية في العالم 

الإنفاق على حلقات تحفيظ القرآن الكريم ورصد المكافآت للطلاب والمدرسين.

بناء المدارس ودور العلم والمستشفيات.

بناء الملاجئ ودور الأيتام والمسنين والمساكن للغرباء من طلبة العلم وأبناء السبيل.

الصدقة على فقراء الحجاج والمعتمرين والزوار وتوفير الطعام والشراب والمراكب لهم.

الإنفاق على الأرامل والأيتام وكبار السن.

الإنفاق على الجهاد والمجاهدين ودعم المستضعفين من المسلمين في كل مكان.

مساعدة الشباب المسلم على الزواج.

الإنفاق على الدعاة وإرسالهم إلى مشارق الأرض ومغاربها.

رعاية الأقليات المسلمة في العالم، وربطهم بدينهم حتى لا تذوب هويتهم الإسلامية.

تخصيص الأموال للجوائح والعوارض الطارئة كالحرائق والأمراض والكوارث والزلازل والسيول وغيرها.

الإنفاق على مغاسل الأموات التي تقوم بتجهيز الموتى مجانًا.

 *  * 

 

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*