الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » محاسن الإسلام » أدب حسن العشرة

أدب حسن العشرة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فالعلاقة بين الزوجين أمرٌ مهمٌّ، فإنَّ استقامتها سببٌ لاستقامة الحال وعمارةِ المنزل، وانتظامِ شأن الولد وحياة الأولاد بين الأبوين المتعاونين في سبيل إصلاح الأولاد وتربيتهم التربية الصالحة، والله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز وضع للزوجين نظامًا إنْ هما سارا عليه فإنَّ ذلك سبب لسعادتهما واجتماعهما وتآلف قلوبهما، فقوله سبحانه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، يبين أن للمرأة حقًا كما عليها حق، وللرجل حق على امرأته كما له عليها حق، فله عليها حق، ولها عليه حق، فإذا قام الزوجُ بالواجب عليه وقامت المرأة المسلمة بالحق الواجب عليها وتعاون الجميع على ذلك فعند ذلك تكون الحياة الزوجية حياةً طيبة سعيدة.

وصية النبي بالنساء:

نجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيبَ الأزواج في القيام بحق النساء، ووصيتَهم بذلك، فرسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: «استوصوا بالنساء خيرًا، فإن المرأة خُلقت من ضلع، وإن أعوجَ ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبتَ تقيمه كسرتَه، فاستوصوا بالنساء خيرًا»، ويقول صلى الله عليه وسلم: «المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتَها وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج»، فأخبرنا صلى الله عليه وسلم عن المرأة وضعفِها وعجزها، وأنها خُلقت من ضلع أعوج، وأنَّ الرجلَ يجب أن يكون أقوى منها تحمّلاً، وأشدَّ منها صبرًا، لا يعاتِب على كلّ قليل وكثير، ولا يأمَل الكمالَ المطلق، وإنما يقبل منها ما جاء، ويتحمَّل بعضَ ما فات، فبذا تستقيم الحياة، وفي لفظ: «ولن تستقيم لك على طريقة»، فهي لا تستقيم لك على كلّ ما تريد، لكن الزوج هو أقوى وأشد تحملاً وصبرًا وعلاجًا للمشاكل.

كما بين صلى الله عليه وسلم أن المرأة المؤمنة قد يكون منها شيء من الأخلاق التي لا يرضاها الزوج، وهي أخلاق لا تتنافى مع الشرف والفضل والفضيلة، ولكن طباع بعض الناس، فيقول صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر»، فالمرأة المؤمنة قد تكره منها شيئًا من الطباع، ولكن في مقابل ذلك ترضى بأخلاق حسنة وسيرة طيبة، فليكن ما لديها من خلق كريم وعمل طيب مقابلَ ما قد ترى منها من بعض المخالفات.

ضرورة أداء الحقوق والواجبات والتمسك بآداب القرآن:

بتدبّر القرآن والسنة يعلم كل من الزوجين ما له وما عليه، وإن قيامَ كلٍّ منهما بما يجب عليه هو الذي يحقّق السعادة، وهو الذي يرسي دعائمَ الاستقرار في المنزل، وهو الذي يجعل الأبوين يقومان بالواجب المُلقى عليهما نحوَ أولادهما، فينشأ الولدُ وتنشأ البنتُ نشأةً صالحة بين أبوين مسلمين، محترمًا بعضهم بعضًا، فتنشأ البنت تحترم زوجَها، وينشأ الابن يحترم أمَّه وأباه، وإنما يُصاب النشء بالعُقد النفسية عندما يشاهد الأطفال الأمَّ والأب وما بينهما من شِجار ونزاع وتبادلٍ للتّهم وتراشقٍ بالكلمات البذيئة التي لا خير فيها، ولا تحقِّق خيرًا، وإنما تنشر سوءًا وبلاء، ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.

فالتعامل بالأخلاق الكريمة بين الزوجين، واحترامُ كلٍّ منهما لصاحبه، وقيامُ كلّ منهما بالواجب عليه، هو الأمر المطلوب من المسلمين، هذا الذي دعا إليه القرآن، وأرشدت إليه سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

تأكيد الشريعة على حسن العشرة بين الزوجين:

العلاقة بين الزوجين علاقة في غاية الأهمية، عُني الإسلام بتوثيقها، وعمل على بقائها واستمرارها، وأكد على ضرورة المحافظةِ على هذه الرابطة، وحضَّ الزوجين على الحرص على إنمائها وديمومتها.

ولذلك نجد أن حسن العشرة بين الزوجين من أهم الركائز التي يؤكد عليها الدين الحنيف، وينتج عنها عيش الأسرة في ود وسلام وصفاء ووئام، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، وقال صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله».

تكريم الإسلام للمرأة له صور:

مما لاشك فيه أن الإسلام شرع مركز المرأة في الحياة، وجعل لها من الحقوق والواجبات ما لم تجعله الشريعة سابقة، في حين نجد في بعض الأديان والعقائد من اعتبر المرأة حيوانًا لا روح له، أو أنها خلقت لخدمة الرجل، ومنهم من جعل حياتها مرتبطة بحياة الرجل، فإذا مات الرجل أصبحت المرأة لاحق لها في الحياة فيحكم عليها بالموت معه، ثم جاءت شريعة الإسلام السمحة، لتجعل لها من الحقوق والواجبات مثل ما للرجل، فأعطاها الإسلام حرية التصرف في أموالها، كما أعطاها حرية اختيار زوجها بل جعلها الله تعالى آية من آياته، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

فالمرأة خلقت من نفس الرجل لا من طينة أخرى، فهي ليست حيوانًا بل هي من الرجل، والرجل منها، وقد خلقها الله لتكون زوجة لا خادمة فقط، زوجة يسكن إليها الرجل، وتسكن إليه، والسكن أمر نفساني وسر وجداني يجد فيه المرء سعادته وراحته وأمنه وطمأنينته.

وبهذا فقد قرر الإسلام ما بين الزوج والزوجة من أصول التعاون على رسالة الحياة الزوجية، وجعل حقوق مشتركة بين الزوجين، وهذا ما تطرقنا إليه في الخطبة الماضية، وحقوقًا للزوج على زوجته وهكذا نتركه إلى الخطبة القادمة إن شاء الله، وجعل حقوق للزوجة على زوجها نذكرها في هذه الخطبة.

ولتكتمل الصورة، ويعرف كل من الزوجين ما عليه من حقوق وما له من واجبات، نعرض فيما يلي الحقوق الزوجية، بادئين بالحقوق المشتركة بين الزوجين، ثم حقوق كل من الزوج والزوجة على حدة.

الحقوق الزوجية المشتركة:

الحقوق المشتركة هي حقوق تجب لكل واحد من الزوجين تجاه الآخر، وليست خاصة بأحدهما، نلخصها فيما يلي:

أولاً: حق المعاشرة بالمعروف:

ومعنى هذا أن يعاشر كل من الزوجين صاحبه معاشرة حسنة، فلا يؤذيه بالفعل ولا بالقول ولا بما يستنكر شرعًا ولا عرفًا ولا مروءة، وإنما الصبر والرحمة واللطف والرفق، وأن يعامل كل واحد منهما الآخر كما يحب هو أن يعامل.

قَال الْكَاسَانِيُّ: مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ الْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَمُسْتَحَبٌّ،، وَكَذَلِكَ مِنْ جَانِبِهَا هِيَ مَنْدُوبَةٌ إِلَى الْمُعَاشَرَةِ الْجَمِيلَةِ مَعَ زَوْجِهَا، وَقَال الْبُهُوتِيُّ: وَيُسَنُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا تَحْسِينُ الْخُلُقِ لِصَاحِبِهِ، وَالرِّفْقُ بِهِ، وَاحْتِمَال أَذَاهُ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى: وُجُوبِ الْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ دِيَانَةً لاَ قَضَاءً.

قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذَا – أَيِ الْعِشْرَةُ بِالْمَعْرُوفِ – وَاجِبٌ عَلَى الزَّوْجِ وَلاَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ إِلاَّ أَنْ يَجْرِيَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى سُوءِ عَادَتِهِمْ، فَيَشْتَرِطُونَهُ وَيَرْبِطُونَهُ بِيَمِينٍ.

ثانيًا: المناصحة بينهما:

فإن للتناصح دورًا كبيرًا في الارتقاء بمستوى الأسرة، وإنارة لدرب السلامة من التردي في الخطأ، غير أن كثيرًا من الأزواج يرى من غير الطبيعي أن تؤدي المرأة دورها في نصيحة زوجها، وأن من السائغ أن تكون النصيحة من جانبه هو فقط، ويصل الظن ببعض الأزواج إلى أن قيامها بالنصيحة نوع من التطاول على حقه، وخَدش لكرامته ولقوامة الزوج، وهذا خطأ لأن التناصح مأمور به شرعًا، وحق للمسلم على المسلم، وحق مشترك بين الزوجين وخاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الدين النصيحة».

ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل في هذا، وهو حق لكل مسلم على أخيه المسلم، ومن واجب كلا الزوجين أن يأمر صاحبه بالمعروف وينهاه عن المنكر.

ثالثًا: الشورى:

بمعنى أن يكون التشاور وتداول الرأي قائمًا بين الزوجين فيما يتعلق بشؤون البيت، وتدبير أمر الأسرة وتربية الأولاد، وليس من الحكمة في شيء أن يستبدّ الرجل برأيه ولا يلتفت إلى مشورة امرأته، لا لشيء إلا لأنها امرأة، ومشورتها قدح لقوامته عليها في نظره، فكم من امرأة أدلت برأي أرجح من رأي رجل، وكم من امرأة أشارت برأي صار له أكبر الأثر في استقامة الأمور وإصلاح الأحوال، وخير من يقتدى به في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أن دخل على أم سلمة رضي الله عنها غاضبًا مما فعل أصحابه يوم الحديبية حيث أمرهم بالحلق والتحلل فكأنهم تحرجوا وتباطؤا، فأشارت عليه أم سلمة رضي الله عنها أن يحلق هو أمامهم حتى يحلقوا، فأخذ الرسول بمشورتها، فما كان إلا أن بادروا إلى امتثال أمره صلى الله عليه وسلم.

رابعًا: حق الإنجاب:

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾.

إن حق الإنجاب والرغبة في الولد أمر فطري عند الرجل والمرأة على السواء، لكن قد يزهد في طلب الولد لاعتبار ما في زمن ما، وعندها ينبغي لمن زهد منهما في الولد أن يراعي حق الآخر، وخاصة إذا كان الدافع إلى الزهد في الولد مصلحةً كماليّةً لا مصلحة ضرورية أو شرعية، ولهذا رأى الفقهاء رحمهم الله لما تحدثوا عن العزل أن يكون بإذن الزوجة، مراعاة لحقها في قضاء الوطر، وحقها كذلك في الولد، والرسول صلى الله عليه وسلم حرض على طلب الولد حين قال: «تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الأُمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ».

خامسا: تربية الذرية:

فأمر التربية حق مشترك بين الزوجين، فكل واحد منهما يقوم بواجبه، إلا أنه من المتفق عليه أن ثمة مجالات تختلف باختلاف سن الولد وطبيعته، فمنه ما يكون رائد التربية فيها الأب، ومجالات أخرى يكون رائد التربية فيها الأم، فعلى كل واحد منهما تقدير مجال صاحبه وعدم التعدي على حقه فيه، مع التسليم إلى القوامة للرجل، وهذا لا يعني أن يلجأ أحدهما إلى الآخر ويُخطأه أمام الأولاد، ولا يليق تجريحه والنيل من كرامته، أو أن يختلف الأبوان في الأسلوب الأمثل لحل واقعة بين الأولاد بحضورهم؛ فإن ذلك يؤدي إلى جرح عميق في نفوسهم يبقى أثره أبد الدهر، وأقل ما يحصل من ذلك عقوق الأولاد لأحدهما، واستهانتهم بالمهزوم منهما؛ فالملاحظات في شؤون التربية لا تكون أمام الأولاد ولكن بعيدًا عنهم، إذا انفرد بها قال لزوجته ما شاء، وإذا انفردت به قالت ما شاءت.

حقوق الزوجة على الزوج:

الحقوق ثبتت للزوجة بقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إن لكم على نسائكم حقًا، ولنسائكم عليكم حقًا»، ومن الحقوق التي أقرها الإسلام للمرأة التالي:

1- المهر: 

لقوله تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾، والمهر نوع من أنواع الهدية يقدمه الرجل بين يدي عقد الزواج، وهو حق للزوجة تأخذه عاجلاً أم آجلاً.

2- النفقة والسكن المناسب:

فالنفقة تلزم الزوج من حين عقد الزواج، يعد لها السكن والمتاع ويوفر لها الطعام والشراب والكسوة، ولا تلزم الزوجة ولو كانت ذات مال أن تنفق على نفسها شيئًا من مالها، قليلاً أو كثيرًا إلا أن تتطوع به عن طيب نفس منها، ولا يحق للزوج أن يجبرها على شيء من هذا، وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف».

ولما روى حكيم بن معاوية عن أبيه رضي الله عنه قال قلت: يا رسول الله ماحق الزوجة على أحدنا؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وأن تكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت».

والنفقة والكسوة والسكن يجب أن يكونوا على حسب طاقة الزوج وقدرته، فالغني ينفق من سعته، والمقل على قدره لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾، أي على قدر ما يطيقه كل منكم، وكذلك قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾.

فلذا على المسلمة أن لا تكلف زوجها فوق طاقته، كما على الزوج أن لا يبخل، وليعلم كل زوج أم أفضل صدقة ينفقها هي التي ينفقها على أهله، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته، أعظمها أجرًا الذي تنفقه على أهلك».

3- تعليمها وتربيتها:

أن يعلمها أمور دينها، فالزوج راعٍ ومسؤولٌ عن رعيته، وعليه أن يعلم زوجته أمور دينها، وخاصة إذا لم تكن المرأة قد أخذت من العلم الشرعي ما يكفيها في أمور دينها ودنياها، هذا إن كان متعلمًا؛ وإلا أذن لها أن تحضر مجالس العلم كأن يصحبها معه أو أن يجلب لها ما تستفيد منه وتتعلم منه ككتاب أو شريط، وهذا الأمر يتساهل فيه كثير من الأزواج ونسوا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾.

4- الصبر عليها وتحمّلُها:

أن يصبر عليها وعلى أذاها، وأن يتحمل ويتغافل عما يصدر عنها من قول أو عمل رحمة بها وشفقة عليها وعملاً بوصية الرسول صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيرًا»، ولأن هذا داخل في المعاشرة بالمعروف، وليعلم أن الناس في العشرة طرفان مذمومان، منهم من لا يعرف الرحمة والعطف إلى قلبه سبيلاً، ومنهم من يفرط ويتساهل ويتسامح حتى ينفلت زمام الأمور من يده، والحق وسط بين الغالي فيه والجافي عنه.

ومن هنا نقول: يجب على الزوج أن يكون حازمًا في وقت الحزم غير متساهل في الأمور الشرعية والدينية، كما عليه أن لا يألو جهدًا في الترفيه عن زوجته بما يدخل عليها السرور، وأن يكون طلق الوجه يحسن اختيار الكلمة الطيبة الحلوة وأن لا يهجرها على أمر دنيوي فوق ثلاث ليال.

5- عدم تغيبه عن المنزل إلا بضرورة:

فيجب على الزوج أن يجلس الوقت الكافي في بيته لتأنس به زوجته، وأن يبتعد عن كثرة السهر خارج البيت إلى ساعات متأخرة من الليل، وهذا حق يجب أن يراعى حتى لا تضطر الزوجة إلى الخروج عن حيائها، فبعض الأزواج تراه في دنياه لاهيًا أو يدمن على السهرات مع الأصدقاء والخلان ولايعود إلا متأخرًا، قد أرهقه التعب وأضناه، واستنفذ ما في جعبته من المرح واللهو مع أصدقائه، فيدخل وربما لا بسلام ولا كلام ويرتمي على فراشه كالجيفة، ولو قدر الله أن يقضي وطره منها قضاه على وجه لا تشعر معه الزوجة بسعادة، وكأنها ما بقيت في البيت إلا للكنس والطبخ والخدمة وتربية الأطفال فهي في نظره أو كما يعبر عنه حاله وواقعه معها، ليست بحاجة إلى قلب يَعطف عليها ورجل يُداعبها ويَحنّ إليها ويروي عاطفتها، ويشبع غريزتها، وإذا كان الرجل ينهى عن الانهماك والاشتغال بالعبادة لأجل إتمام هذا الحق لزوجته فكيف بإهدار الوقت وإضاعته في السهرات العابثة والليالي اللاهية؟

جاء سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء رضي الله عنهما يزوره وقد آخى رسول الله بينهما، فإذا بأم الدرداء رضي الله عنها مبتذلة فقال: ما شأنك؟ قالت: إن أخاك لا حاجة له في الدنيا، يقوم الليل ويصوم النهار، فجاء أبو الدرداء فرحب به وقرب إليه طعامًا فقال له سلمان: كُل، قال: إني صائم، قال: أقسمت عليك لتفطرنّ، فأكل معه ثم بات عنده فلما كان الليل، أراد أبو الدرداء أن يقوم فمنعه سلمان وقال: إن لجسدك عليك حق، ولربك عليك حق، ولأهلك عليك حق، صم وأفطر وصلّ، وائت أهلك وأعط كل ذي حقه حقه، فلما كان وجه الصبح قال: قم الآن إن شئت فقاما فتوضأ ثم ركعا ثم خرجا إلى الصلاة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك فقال له النبي: «صدق سلمان».

6- أن لا يمنعها من زيارة أهلها وأقاربها:

فلا يمنعها الزوج من زيارة أهلها وأقاربها بلا إفراط، لأن ذلك من صلة الرحم، وهي واجبة في الإسلام، وذلك بعد أن تستأذنه عند الخروج وأن يكون خروجها شرعيًّا بحيث لا تمس طيبًا ولا تخرج بزينة، وأن لا تكون في زيارتها تلك ما يؤدي إلى الحرام، وهذا يكون في كل خروج اضطرت إليه المرأة لتخرج.

7- أن يغار عليها ويصونها:

فعلى الزوج أن يصون زوجته وأن يغار عليها، فيصون كرامة زوجته ويحفظ عرضها، ومن المؤسف أن بعض حيوانات الغابة أكثر غيرة على زوجته من بعض الرجال اليوم، فتراه يطلق العنان لزوجته تختلط مع الرجال تحادثهم وتذهب للأسواق وحدها، وإذا كان الحَمْو هو قريب الزوج كأخيه الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمو الموت»، إذا كان لا يجوز لها أن تخالطه وتختلي به ويدخل عليها في غياب زوجها، فما بالك بغيره من البقال والسائق وغيره؟!!

وينبغي أن تكون هذه الغيرة محمودةً لا مذمومة، لقول جابر رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يبغضه الله فأما التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، وأما التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة»، فيجب أن لا تتجاوز الغيرة حدَّها حتى لا تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه.

8- العدل بين الزوجات:

ويقصد به إذا كان للزوج أكثر من زوجة، فحق كل واحدة أن يعدل بينهنّ، فإن الله سبحانه وتعالى عندما أباح للرجال الزيادة على الواحدة قيّد ذلك بالعدل لقول الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.

ويكون العدل في أمور كثيرة ذكر منها الطعام والشراب والكسوة والسكن والمبيت والكلام وحتى الابتسامة، أما المحبةُ فهذا الأمر لا يقدر عليه لأن القلوب بيد الله سبحانه وتعالى يقلبها كيف يشاء، فمن حق المرأة أن يعدل زوجها وأن لا يحابي وأن لا يميز بين زوجاته في هذه الأمور المقدور عليها، وليعلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحدهما جاء يوم القيامة وشقه مائل».

تاكيد الإسلام على هذه الحقوق:

هذه هي حقوق الزوجة على الزوج التي ينبغي على كل زوج مسلم أن يؤديها لزوجته كما أمر بها الله ورسوله؛ فالزوجة هي الجانب الأضعف والأحوج إلى العطف والرحمة وحسن الرعاية، وعن أبي شريح صويلة عمرو الخزاعي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة»، ومعنى أحرج الحق: الحرج أي الإثم، أي أؤثم وأتوعد وأحذر من ذلك تحذير بليغًا.

حقوق الزوج على زوجته:

وأما حقوق الزوج فهي كالتالي:

1- الطاعة بالمعروف:

قال صلى الله عليه وسلم: «لو كنت آمرًا أحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها»، فطاعة الزوج شيء مقدم على كل أمر ما لم يتعارض مع أمر الله، حتى أمر الوالد وأمر الوالدة، فلو أمرها أبوها بأمر وأمرتها أمها بأمر، وزوجها قال: لا.

ومن الطاعة ألا تقدم أمر أحدٍ على أمر زوجها، فله وحده الطاعة المطلقة حتى جعلها النبي صلى الله عليه وسلم ربع الطريق إلى الجنة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت بعلها – انظروا ربع الطريق – قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئتِ».

2- حسن العشرة مع الزوج:

كما أن الزوج مأمور بأن يحسن عشرتها أيضًا هي مأمورة بأن تحسن عشرته، وتبحث عن الأسباب التي تجلب له السعادة، وتهتم به، حتى يشعر بأن زوجته جديرة بأن تكون شريكة لحياته؛ لأن الزواج مسئولية، بعض النساء تهتم بكل شيء إلا الزوج، تهتم بالطبيخ، وتهتم بالغسيل، وتهتم بالكنس، وتهتم بالأطفال، والزوج آخر من تهتم به، وهذا غير صحيح، فالزوج لا يريد نظافة الجدران، ولا رائحة الطعام، بل يريد أن يجد اهتمامًا به شخصيًا، اهتمامًا بموعد نومه، واهتمامًا بموعد أكله، واهتمامًا بملابسه، واهتمامًا بمشاعره، واهتمامًا بكل شؤونه، حتى الدواء إذا كان مريضًا وعنده حالة مرضية وعنده دواء ويأتي بالعلاج هي التي تذكره، بل وتعينه على أمور وعزائمه ما دامت في الخير.

ولنذكر النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل على خديجة رضي الله عنها وقال: «دثروني دثروني، زملوني»، فقالت رضي الله عنها: «كلا والله لا يخزيك الله أبدا: إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق».

3- الاعتدال في الغيرة:

للمرأة أن تغار على زوجها ولكن بنسبة، خصوصًا إذا كان الرجل معدِّدًا؛ لأن الغيرة دائمًا تكون من بعض النساء على الزوج تجاه الأخرى، فتغار، لا نقول: تترك الغيرة؛ لأن تركها مستحيل، فهي فطرة، لكن هذبي الغيرة، ولا تتعمقي في التجسس وفي التحسس، وفي التدقيق وفي المراقبة.

وقد أوصى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رحمه الله ابنته فقال: «قال عبد اللَه بن جعفر لأبنته حين زوجها أياك والغيرة فإنها مفتاح الطلاق»، وما حصل كثير من المشاكل إلا بسبب الغيرة الغير منضبطة.

3- حماية عرضه وماله وأولاده:

فإنها مؤتمنة على هذا، العرض أمانة ولا ينبغي لها أن تسمح بأن يدنس عرضه، أو أن يضيع شيء من ماله، أو أن تضيع أولاده، لأنها مؤتمنة عليه والرجل لا يعلم، فإذا خانت هانت، وسقطت من عين الله، وحصل لها دمار في الدنيا والآخرة، إن الخيانة الزوجية – والعياذ بالله – من أسوأ ما يمكن، ويترتب عليها فساد في الدنيا والآخرة.

4- عدم الخروج إلا بإذنه:

قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، ففي الآية دلالة على أن النساء مأمورات بلزوم البيت، منهياتٌ عن الخروج.

وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، فيفهم من الحديث أنها إذا أرادت الخروج لا بد أن تستأذن، كما يُفهمُ منه أن للزوج منع زوجته من الخروج إلا ما استثني شرعًا، فالإسلام حينما جعل بيت المرأةِ قرارًا لها، وحذرها من الخروج منه، فإنه أباح لها الخروج عند الحاجة أو الضرورة، ومن ذلك الخروج لحضور صلاة الجماعة في المسجد كما في الحديث السابق، وكذا الخروج إلى مصلى العيد أو الجهاد أو ما إليه ضرورة.

ومع أن الإسلام أمر المرأة بعدم الخروج، إلا أن حسن المعاشرة يحتم على الزوج أن يكون حكيمًا، وأن يدرك أن المرأة ليست حبيسة المنزل، فيأذن لها في الخروج فيما تحتاج في نفسها، أو ما تحتاجه من زيارة أبويها أو أقاربها؛ لأن في ذلك صلة للرحم التي أمر الشرع بصلتها، وهذا مشروط بأن لا يكون في خروجها ضرر يعود على زوجها أو على نفسها.

ويجب على المرأة اجتناب ما اجترأ كثير من النساء عليه في هذا الزمن من الخروج من بيوتهن بلا ضرورة، بل لارتياد المتاجر، لا لشراء ما هن في حاجة إليه، بل لمعرفة ما استحدث من نماذج وموضات جديدة للملابس التي تظهر المفاتن، وتجتنب أيضا أن تكشف عما أُمرت المرأة بستره، وكأنها بخروجها تعرض مفاتنها لتوجه أنظار الرجال إليها، أو تثير إعجابهم بمحاسنها، وأصبح خروجها بهذه الطريقة عادة مألوفة في كثير من المجتمعات.

وقد توعد النبيّ صلى الله عليه وسلم المرأة التي تخرج على تلك الصفة، فقال صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فمرَّت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زانية».

5- أن تؤدي حقوق زوجها أكثر من حقوق والديها:

فمن حق الزوج أن تنظر زوجته إلى أن حقه أعظم عليها من حق والديها، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أعظم حقًا على المرأة؟ قال: «زوجها»، قلت: فأي الناس أعظم حقًّا على الرجل؟ قال: «أمه».

6- ألا تصوم تطوعًا إلا بإذنه:

وعلة ذلك أن صومها يمنعه من الاستمتاع بها، أما الفريضة فتصوم بغير إذنه، لكن أن تتطوع وتصوم نافلة وهو موجود لا يجوز لها، إلا أن يأذن لها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه».

7- تدبير المنزل:

فتقوم بالخدمة في بيته، وتصبر على ما قد تعانيه من تعب ومشقة، وليس الزوج ملزمًا بأن يؤمّن لها خادمةً، بل الصحيح من أقوال العلماء أنه يجب على الزوجة خدمة زوجها، ويدل لذلك حديث عليٍّ رضي الله عنه أن فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتت النبيّ تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى، وبلغها أنه جاءه رقيق فسألته خادمًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكما على خير مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما – أو أويتما إلى فراشكما – فسبّحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبرا أربعًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم».

وفي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي جُرحت يدُها مما تزاول من أعمالِ بيتها أسوةٌ حسنةٌ لزوجات المؤمنين، وقد كان نساءُ النبيِّ وغيرهن من نساء الصحابة يخدمن أزواجهنَّ في بيوتهن وخارج بيوتهن إذا دعت الحاجة، ولا خير في حدوث إشكالٍ بين الزوجين بسبب خدمة البيت، والخيرُ في تعاونِهما جميعًا، والله تعالى يأمر المؤمنين بالتعاون، وهو بين الزوجين آكد من غيرهما.

قال ابن القيم رحمه الله: «إن عقد الزواج يُنزلُ على العرف السائد بين الناس، والعرف بين الناس أن الزوجة تقوم بخدمة الزوج كما تقوم بشؤون البيت الداخلية».

8- أن تبر أهله وأقاربه:

خصوصًا والديه، إذ يجب عليها برهما، وإكرامهما، وخدمتهما شكرًا لله على ما أنعم عليها من ولدهما الذي أصبح زوجها، وبعض النساء أوّل ما تكره من الناس أمُّ بعلها، والمفروض أن تعرف فضلها، وتقدرها أكثر كتقديرها من أمها.

وما يذكر من الخلاف اللازم بين أم الزوج وبين الزوجة أمر مستغرب جدًا، فهو من كيد الشيطان، ومن إضلاله لإفساد الترابط الأسري، ولحمل الزوج على عقوق والدته ووالده.

ودور الزوجة الصالحة يجب أن يكون بارزًا في التحمل، وعدم إثارة المشاكل، والصبر على ما تجد من ألم أو مرارة أو من سوء معاملة من الأم أو من الأب، وعدم الشكوى إلى الزوج من والدته.

9- أن تصبر على فقره وإعانته:

فتصبر على قلة ذات يده إن كان الزوج فقيرًا، بل لها أن تتصدق عليه من مالها في حالة فقره، كما قال صلى الله عليه وسلم: «زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم».

10- أن تعينه على الخير وتدله عليه:

فتذكره بطاعة الله سبحانه وتعالى إذا نسي أو غفل، إذا نام عن الفجر والعصر مثلاُ، وإذا نسي أن يصل والديه، وإذا ترك الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: «قلب شاكر ولسان ذاكر وزوجة صالحة تعينك على أمر دنياك ودينك خير ما اكتسب الناس»، وقال صلى الله عليه وسلم: «ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة مؤمنة تعينه على أمر الآخرة».

ثم يهيب صلى الله عليه وسلم بالزوجين معًا بأن يجتهد كل منهما في إعانة الآخر على طاعة الله سبحانه وتعالى، فيقول: «رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت فإن أبت نضح فى وجهها الماء رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فصلى فإن أبى نضحت في وجهه الماء».

11- أن تتزين لزوجها:

وللأسف فبعض الزوجات لا يتزينّ ولا يتطيّبن إلا عند خروجهن من المنزل وإلى الأسواق والشوارع، أما عندما تكون في المنزل فحدّث ولا حرج، فهي طوال الوقت بملابس المطبخ، ومحملة بروائح الطبخ والنفخ، وغير مهتمة بنظافة أو ترتيب؛ مما ينتج عنه نفور الزوج منها، خاصة وقد امتلأت أمامه الطرقات بالكاسيات العاريات وقد تبرّجن بكل ما يفتن الرجال، مما ينتج عنه حدوث المشاكل بينهما.

وقد حث الإسلام على أن تتزين النساء لأزواجهن، ففي الحديث عن جابر رضي الله عنه قال كنا مع النبي في غزاة، فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل فقال صلى الله عليه وسلم: «أَمْهِلُوا حتى ندخل ليلاً – أي عشاء – لكى تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ»، والشعثة هي البعيدة العهد بالغسل وتسريح الشعر والنظافة، والمغيبة التي تغيّب عنها زوجها.

وفي هذا الحديث بيان على أن المرأة ما دام زوجها حاضرًا مقيمًا فهي دائمة التزين، ولا تهجر هذه الخصلة إلا عند غياب زوجها، لهذا على الزوجة الصالحة أن تتزين لزوجها وتتجمل له لأنه إذا لم تتزين وتتجمل لزوجها، فلمن تتزين، وبالطبع يدخل في هذا نظافة منزلها وترتيبه لأن هذه الأمور، من أهم أسباب دوام الحياة الزوجية واستمرارها.

12- إجابة دعوة الزوج إلى الفراش:

فلا يحق لها أن تمنعه نفسها متى طلب منها ذلك لأن، من أعظم غايات الزواج إحصان النفس بالجماع الحلال؛ وعدم استجابة الزوجة لزوجها قد يترتب عليه عواقب وخيمة وقد تتعرض الحياة الأسرية للهدم والتصدع؛ لأنه قد يخيل للزوج أن زوجته لا تحبه، أو قد يضعفه ذلك أمام كم الشهوات والعري التي اكتظت بها الطرقات.

لهذا قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه: فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها».

وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا الرجلُ امرأتَه إلى فراشِهِ فأبتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عليها لعنتها الملائكةُ حتى تُصْبِحَ».

فعلى الزوجة الاهتمام بهذا الحق والاستجابة لزوجها، خاصة في هذا العصر الذي ينتشر فيه الإغراء والتبرج، فما يراه الرجل سواء في الشارع أو في الأسواق من تبرج للنساء المتزينات، يؤدي به إلى الإثارة والشهوة؛ وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله: «إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها فإن ذلك يرد ما في نفسه»، وفي رواية: «إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة أعجبته فليأت أهله؛ فإن الذي معها مثل الذي معها».

وليس لها أن تنشغل عن ذلك الواجب بأي عمل، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا الرجلُ زوجتَه لحاجتِهِ فَلْتَأْتِهِ وإن كانتْ على التَّنُّورِ»، أي وإن كانت تخبز على الفرن.

13- أن لا تتصدق من ماله إلا بإذنه:

لما روى أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تنفق المرأة شيئًا من بيتها إلا بإذن زوجها»، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟! قال: «ذلك أفضلُ أموالنا»، غير أن المتصَدَّقَ به إذا كان يسيرًا من عادة الزوج أن يسمح بمثله فللزوجةِ التصدق به ولو لم يأذن الزوج.

ضرورة استخدام الحكمة والرفق في الخلافات الزوجية:

لا تسلم الحياة الزوجية من منغصات تأتيها بين الحين والآخر، والتي يجب أن يتصدى لها الزوجان، فحين يدب الخلاف بين عمودي الأسرة نتيجة سوء العشرة بينهما فإن الرياح العاتية والعواصف المدمرة تنذر بهدم ذلك الكيان القائم وتشتيته في كل اتجاه، وعند حدوث أي خلاف بين الزوجين فإنه ينبغي التغلب عليه داخل كيان الأسرة بالتفاهم والتراضي والعمل على القضاء عليه واستئصالِ جذوره، دون سريانه إلى أطرافٍ أخرى أجنبية عن الأسرة.

ولا ينبغي للزوج أن يتسرع، أو يعجز عن مقاومةِ الخلاف من أول وهلة، بل عليه أن يصبر، فإن استعجاله في حسم الخلاف قد يندم عليه ندمًا يصحبه طيلة حياته، فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.

وإذا كان بعض النساء تميل بطبعها إلى بعض التصرفات الخطأ، فعلى الزوج أن يكون أعقل وأثبت وأحلم في موقفه منها، فلعل فيها من الصفات الأخرى والمحاسن والمحامد ما يُغطّي زلاتِها ويمحو أخطاءها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك – أي: لا يبغض – مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلقًا رضي منها آخر».

إلا أن بعض النساء تنظر إلى صفح الزوج عنها وتسامحه عن هفواتها وعفوه عن زلاتها بأنه ضعف في جانبه، وخَوَرٌ في موقفه، واهتزازٌ لشخصيته، فيزيد استعلاؤها، وتتمادى في عنادها، وكلما اقترب من رأب الصدع والتئام الشمل ابتعدت عنه وترفعت عن التفاهم معه، لذا فعلى الزوجين معرفة كيف يتغلبان على النزاعات والخلافات الأسرية.

الخطوات الشرعية لحل النزاعات الأسرية:

يضع الإسلام خطواتٍ متوالية، وإجراءات متتابعة لحل النزاع وإعادة الأُنس والصفاء الذي كانت تعيش في ظلاله الوارفة وسمائه الصافية، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾.

الخطوة الأولى: الوعظ والتذكير:

فيبدأ الزوج بوعظ شريكة حياته وملاطفتها بالكلام بأسلوب رقيق وألفاظ حسنة مهذبة، تؤثر في نفسها، وتقرب عاطفتها، ويعيدها بذاكرتها إلى أيام حياتهما الزوجية الأولى، وما كان بعدها من المشاعر والأحاسيس الرقيقة الفياضة التي جمعت بينهما في محبة ووئام ومودةٍ، والمرأةُ العاقلة هي التي تؤثر فيها تلك الكلمات الصادقة من الزوج، فتعود إلى رشدها وتلبي رغبته.

الخطوة الثانية: الهجر في المضجع:

إن لم تعبأ الزوجة بالوعظ انتقل الزوج إلى هجرها في فراشها، وذلك بأن يدير ظهره إليها، ويبدي لها امتعاضه منها، فلا يكلمها ولا يلتفت إليها، وليس المراد من هجرها نومه في غرفة مستقلةٍ عنها، فإن ذلك ربما أدى إلى زيادة تأزُّم العلاقة بينهما واتساع الفجوة في حياتهما.

الخطة الثالثة: الضرب غير المبرح:

فإذا لم تستجب الزوجة لهذا التأديب المعنوي انتقل الزوج إلى الخطوة الثالثة وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾، فإن الضرب هو الذي يصلحها له، ويحملها على توفيةِ حقوقه وقيامها بها.

لكن لا يتبادر إلى الذِّهن الضربُ الشديد القاسي الذي من شأنه التأثير في جسدها، أو إلحاق عاهةٍ أو أذى بها، أو إهانتها والانتقام منها، أو قهرها وإذلالها، بل المراد الضرب التأديبي غير المبرح، أي: الذي لا يؤدي إلى شيء مما ذُكر، بل يضربها ضربًا خفيفًا، وقد نبه إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله في خطبة عرفات: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح».

وقد بين صلى الله عليه وسلم أن البعد عن العنف وترك القسوة في التعامل مع الزوجة دليل على حسن العشرة، وذلك مما يجب على الزوج تجاهها، فقد سأل أحد الصحابة رضي الله عنهم رسول الله عن حق المرأة على الزوج، فقال صلى الله عليه وسلم: «حق المرأة على الزوج أن يطعمها إذا طعم ويكسوها إذا اكتسى ولا يضرب الوجه ولا يقبح ولا يهجر إلا فى البيت».

فهذا يدل على أن الضرب المراد في الآية هو ما قُصد منه تنبيه المرأة إلى أنها قد حادت عن الطريق الأمثل في تعاملها مع زوجها، وأن عليها أن تعود إلى رشدها وتؤوب إلى صوابها، وقد سئُل ابن عباس رضي الله عنهما عن صفة الضرب الوارد في الآية فقال: «بالسواك ونحوه».

فُعرف أن المقصود من ذلك تهذيب المرأةِ وتقويم اعوجاجها وإصلاحها، دون أن يؤدي الضرب إلى إيذائها أو إهانتها أو إلحاق الضرر بها، فإن جاوز ذلك فهو متعدٍ قد جنى عليها، وخالف المراد من ذلك، 

الخطوة الرابعة: تدخل المصلحين بينهما:

إن لم تُجْدِ الخطوات السابقة ولم يكن لها نتيجة إيجابية في إعادة صفو العلاقة الزوجية إلى ما كان عليه، وازداد الخلاف والتباين بين الرجل والمرأة، وظهرت في الأفق بوادر وعلامات التباعد، فإن على المصلحين المسارعة إلى لمِّ الشمل، واختيار اثنين من أهل الرأي وأصحاب الخبرة والمشورة، يعملان على التقريب بين الزوجين، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾.

فينظر الحكمان الثقتان في الأصلح للزوجين من دوام العلاقة الزوجية بينهما واستمرارها أو التفريق بينهما، من خلال دراستهما لأحوال الزوجين ومعرفة أسباب الخلاف بينهما وما كَدَّرَ صفو حياتهما حتى الوصول إلى هذه الحال، ومحاولة التقريب بينهما، واستفراغ وسعهما في إزالة كافة العوائق والعقبات التي تقف في طريق حياتهما الزوجية، وسيهديهما الله تعالى إلى السبيل الأمثل إذا قصدا الجمع والتقريب بين الزوجين، قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.

 *  * 

-- موقع السكينة

التعليقات

  1. يذكر أن من حقوق الزوجة على الزوج : تعليمها وتربيتها. كيف بعد أن أصبحت نداً له، وأين كان اهلها من تعليمها طوال السنوات الطويلة السابقة؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*