السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » محاسن الإسلام » إصلاح ذات البين

إصلاح ذات البين

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: 

فإن من أهم سمات أمة الإسلام الأخوة الإيمانية، الأخوة الصادقة، أخوة الإيمان، قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. وهي صلةٌ بين أمة الإسلام لا تنقطع، كما قال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، وفي الحديث: «مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». 

والخلاف بين المسلمين أمر طبيعي؛ لاختلاف أخلاقهم، وتباين أفكارهم، وقوة مداركهم من ضعفها، فيقع النزاع بين الأب وأبنائه، بين الزوج وزوجته، بين الأخ وإخوانه، بين الجيران بعضهم بعضًا، بين الإنسان وشريكه في البيع، بينه وبين صديقه، وبينه وبين شريكه في التجارة، وقد يكون بينه وبين موظفيه ومَنْ تحت يده في العمل.

هذا الاختلاف يقع أحيانًا لاختلاف وجهات النظر، وربما تطوّر إلى أن تتخذ موقفًا خاصًّا، وربما يكون سبب الخلاف والنزاع سعي الوشاة والنمّامين، الذين يحبون أن يفرقوا بين المرء وزوجه، وبين الأخ وأخيه، وبين الصاحب وصاحبه، وبين الشريك وشريكه، إلى غير ذلك؛ لأن قلوبهم المريضة تسعى بالنميمة للتفريق بين الناس.

والإسلام لم يدع هذا الخلاف يتسع نطاقه، بل سعى في تضييقه، وعلاجه، ورفعه إن أمكن، ولذا شرع الإصلاح بين الناس، وحثّ عليه، ورغّب فيه، وأخبر أنه خير ما يتناجى فيه المتناجون، سواء كان هذا الإصلاح بين الزوجين، أو بين الأفراد، أو بين المجموعة، قال سبحانه وتعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

تأليف القلوب وإزالة الشحناء مقصد شرعي: 

كثيرًا ما يكون بين الناس منازعاتٌ وخصوماتٌ، وذلك نتيجة لاختلاف الأهواء والرغبات والاتجاهات، ومن ثمَّ فإن المنازعات والخصومات تسبب البغضاء والعداوات، وتفرق بين المسلمين والقرابات، ومطلوب منا أن نسعى إلى الإصلاح بكل الوسائل والإمكانات، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. 

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾، «أي: واتقوا الله في أموركم، وأصلحوا فيما بينكم، ولا تظالموا، ولا تشاجروا؛ فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه»، ثم أورد عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: «هذا تحريج من الله ورسوله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات البين». 

ولقد أرسل الله سبحانه وتعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين؛ ليجمع على الإيمان قلوب المؤمنين، ويزيل من قلوبهم كل أسباب الشحناء، ويطهر نفوسهم من كل أسباب البغضاء، ليكونوا إخوانًا متحابّين، فإذا وجد بين بعضهم خصومة وشحناء ونزاع وبغضاء أمروا أن يتقوا الله، وأن يصلحوا ذات بينهم، وعلى المسلمين أن يسعوا في الإصلاح ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: «رد الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن».

المفهوم الصحيح للإصلاح: 

المقصود بالإصلاح هنا هو الإصلاح بمعناه الواسع الذي له سُبُل وطرق كثيرة، وليس محصورًا فيما تعارف عليه الناس بأنه الإصلاح بين متخاصمَيْن أو متخاصِمِين قلّوا أو كثروا، فالإصلاح له سبل كثيرة، ومطلوب من كل مسلم ومسلمة المساهمة بما يستطيعون من ذلك، فالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإماطة الأذى عن الطريق والكلمة الطيبة والعمل الصالح أيًا كان نوعه فيما يعود بالنفع على أفراد المجتمع أو الحيوانات أو الطيور أو غيرها وتعليم العلم النافع والإصلاح بين الناس كل ذلك وغيره من الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى الله، وينال عليها الأجر من المولى عز و جل إذا صاحبها الإخلاص والصواب، وهي من الإصلاح حقيقة، ومن عمل المصلحين المخلصين الذين يهمهم شأن أمتهم ومجتمعهم ومن يعيشون معهم على هذه الأرض، سواء كانوا في عصرهم أو يأتون ويلحقون بهم فيما بعد، ذلك شأن المصلحين الساعين بالخير الذين يسعد بهم مجتمعهم مع سعادتهم هم أنفسهم بإذن الله عز و جل. 

الإصلاح من شيم أهل الفضل: 

الإصلاح من صفت الله عز و جل: 

ولنذكر حديث أنس رضي الله عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله؟ بأبي أنت وأمي! فقال صلى الله عليه وسلم: «رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة تبارك وتعالى، فقال أحدهما: يا رب! خذ لي مظلمتي من أخي. قال الله تعالى: أعط أخاك مظلمته. قال: يا رب لم يبق من حسناتي شيء. قال: رب فليحمل عني أوزاري»، قال: ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء، ثم قال: «إن ذلك ليوم عظيم يوم يحتاج الناس إلى من يتحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله تعالى للطالب: ارفع بصرك، وانظر في الجنان، فرفع رأسه فقال: يا رب أرى مدائن من فضة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ. لأي نبي هذا؟ لأي صديق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى ثمنه قال: يا رب ومن يملك ثمنه؟ قال: أنت تملكه قال: ماذا يا رب؟ قال: تعفو عن أخيك قال: يا رب فإنى قد عفوت عنه قال الله تعالى: خذ بيد أخيك فادخلا الجنة»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة».

الإصلاح من شيم النبي صلى الله عليه وسلم: 

فضل الإصلاح وأهله: 

نجاة المصلحين من الهلاك: 

فالهلاك لا ينزل بقومٍ فيهم المصلحون، والمصلحون غير الصالحين، فشتّان بين الصالح في نفسه الذي لا يتعدّى نفعه إلى غيره، وبين المصلح الذي هو صالح في نفسه ساعٍ للإصلاح في المجتمع، فهو مصلح كما ذكر الله عز و جل عن المجرمين المفسدين في الأرض وعن المصلحين أيضًا، وبأن الله لا يهلك قرية كان أهلها مصلحين، قال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. فلنتنبّه لقول الله سبحانه وتعالى: «مُصْلِحُونَ»، ولم يقل: «وأهلها صالحون»، فالمصلح أعم وأشمل وأنفع من الصالح في نفسه؛ لأن المصلح يسعى ويعمل جاهدًا لإصلاح الناس وصلاحهم حتى تستقيم الأمور كما أمر الله عز و جل بأن يدعو إلى الله، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويهمه أمر المسلمين بعامة.

الإصلاح براءة من النفاق: 

ذكر الله عز و جل من أوصاف المنافقين وأهل الزيغ والفساد بأنهم مفسدون في الأرض، مع ادعائهم الإصلاح وهم على النقيض من ذلك، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. وقال عز شأنه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. 

وعلى العكس من هذا الصنف ذكر الله عز و جل بعد هذه الآيات المتعددة عن هذا النوع بعدها مباشرة ذكر في آية واحدة المصلحين الذين يبيعون أنفسهم يبتغون ما عند الله، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. فمن الناس من يكون مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، ومنهم من يكون مفتاحًا للشر مغلاقًا للخير، وشتّان بين الفريقين، وسيجازي الله كلاً بعمله، ويوفّيه حسابه، وهو يعلم سبحانه المفسدين من المصلحين، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. والذي يتمسك بالكتاب والسنة ويؤدي ما أوجب الله عليه ويقوم به قولاً وعملاً واعتقادًا يُسمّى مصلحًا، ولن يضيع أجره عند الله، وسوف يجزيه الله أحسن الجزاء، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾. 

الإصلاح من الصدقات: 

ففي الحديث الصحيح من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل سُلامَى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، ودَلُّ الطريق صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة».

الإصلاح من أفضل الأعمال: 

فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هو الحالقة». وفي رواية: «إن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين».

من أهميته أبيح فيه الكذب: 

ففي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتفق عليه حين ذم الكذب والكذابين، وعدّ ذلك من صفات المنافقين، ولكنه رخّص فيه إذا كان لا يمكن التوصل إلى الإصلاح بين المتخاصمين إلا عن طريقه، أو أنه سوف تفسد العلاقة الزوجية إذا لم يكن إلا الكذب وسيلة لذلك، والذي ينمي به الخير بين المتخاصمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا». وينمي خيرًا أي: يبلّغ وينقل خبرًا فيه خير وإصلاح بين الناس.

قال الطبري: ذهبت طائفة إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح وقالوا: إن الثلاث المذكورة كالمثال، وقالوا: الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مضرة، أو ما ليس فيه مصلحة. وقال آخرون: لا يجوز الكذب في شيء مطلقا، وحملوا الكذب المراد هنا على التورية والتعريض كمن يقول للظالم: دعوت لك أمس، وهو يريد قوله اللهم اغفر للمسلمين. ويعد امرأته بعطية شيء ويريد إن قدر الله ذلك.

فوائد الإصلاح: 

1- الإصلاح بين المؤمنين إذا تنازعوا واجب لابد من لتستقيم حياة المجتمع ويتجه نحو العمل المثمر. 

2- بالإصلاح تحل المودة محل القطعية، والمحبة محل الكراهية ولذا يستباح الكذب في سبيل تحقيقه. 

3- الإصلاح بين الناس يغرس في نفوسهم فضيلة العفو. 

4- الإصلاح منبه النفوس السامية ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج بنفسه ويسعى للإصلاح بين الناس. 

5- اكتساب الحسنات والثواب الجزيل من جراء الإصلاح بين الناس. 

6- إصلاح ذات البين أفضل من نافلة الصيام والصلاة والصدقة. 

7- يثمر المغفرة للمتخاصمين عند المصالحة. 

8- عدم الإصلاح يؤدى إلى استشراء الفساد وقسوة القلوب وضياع القيم الإنسانية الرفيعة. 

9- الإصلاح بين الناس عهد أُخذ على المسلمين.

من مجالات الإصلاح بين الناس: 

أولاً: النزاع بين الزوجين: 

النزاع بين الزوجين يهدِّم كيان الأسرة، وربما أدّى إلى الطلاق والفراق، وتشتت الأولاد وضياعهم، إذًا فالإصلاح بينهما مطلوب، والله يقول: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. فتصلح بين الزوجين، ولا سيما إن كنت من أقاربهما، فالإصلاح بينهما، والبحث عن مصدر الانشقاق والنزاع وعلاج القضية بما يدل عليه الكتاب والسنة، ويكون صلحك منفعةً للزوجين، لا تفضل أحدهما على الآخر، بل تعدل في إصلاحك بينهما، فَمَن مِنْه الخطأ والتقصير تحاول حثّه على تجنّب ذلك التقصير والخطأ، حتى تقرّب وجهة الزوجين فيما بينهما.

وعلى ضدّ ذلك السحرة وأعوانهم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾.

وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من خبب امرأة على زوجها أو عبدا على سيده». فالمصلح بين الناس هو بخلاف أولئك، يسعى لتقريب وجهة الزوجين بعضهما مع بعض.

ثانيًا: الإصلاح بين الأب وأولاده: 

قد يكون بين الأب وأولاده شيء من الاختلاف والنزاع، فلا بُدّ من إصلاحٍ بينهما، حث الأولاد على بِرّ الأب، والإحسان إلى الأب، والقيام بحقه، ثم الالتفات إلى الأب إن كان هو سبب النزاع والشقاق، وحثّه على القيام بالواجب، والعدل بين الأولاد، والبعد عن ما يسبب القطيعة فيما بينهما.

ثالثًا: الإصلاح بين ذوي القربى: 

الرحم، تُصلح بين الأرحام، وتوفّق بينهما، وتحاول جاهدًا أن تبذل النصيحة لكل من الرحم، وتذكّرهم صلة الرحم، وأهميتها، وأنها من واجبات الإسلام، وأنهما مما يحبه الله ويرضاه، ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾. فتحاول جاهدًا الإصلاح بينهم.

رابعًا: الإصلاح بين الجيران: 

وقد ينشأ الخلاف بين الجيران أحيانًا، فلا بد من إصلاح بينهما، وبحث المشكلة التي سبّبت هذا النزاع، وتذكير الجيران بحق الجوار، وما أمر الله به من إكرام الجار، والنهي عن أذاه، فعسى أن يوفق في ذلك.

من فقه الإصلاح ومسالكه: 

للإصلاح فقه ومسالك، دلت عليها نصوص الشرع، وسار عليها المصلحون المخلصون، وهي فيما يلي: 

إخلاص النية: 

إن من فقه الإصلاح النية، وابتغاء مرضاة الله، وتجنب الأهواء الشخصية والمنافع الدنيوية. فإذا تحقق الإخلاص حل التوفيق، وجرى التوافق، وأنزل الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» الحديث. 

أما من قصد بإصلاحه الترؤس والرياء وارتفاع الذكر والاستعلاء فبعيد أن ينال ثواب الآخرة، وحري ألا يحالف التوفيق مسعاه ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. 

سلوك مسلك السر والنجوى: 

فلئن كان كثير من النجوى مذمومًا فإن ما كان من صدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس فهو محمود مستثنى، كما يتضح من الآية السابقة.

وهذا فقه في الإصلاح دقيق، فلعل فشل كثير من مساعي الصلح ولجانه بسبب فشو الأحاديث، وتسرب الأخبار، وتشويشات الفهوم، مما يفسد الأمور المبرمة والاتفاقيات الخيرة.

إن من الخير في باب الإصلاح أن يسلك به مسلك النجوى والمسارة، فمن عرف الناس وخبر أحوالهم لا سيما فيما يجري بينهم من منازعات وخصومات وما يستتبع ذلك من حبٍ للغلبة وانتصار للنفس أدرك دقة هذا المسلك وعمق هذا الفقه. فمن الناس من يأبى أن يسعى في الصلح فلان أو فلانةٌ، وآخر يصر على أن تكون المبادرة من خصمه.

وتمشيًا مع هذه المسالك السرية والتحركات المحبوكة أذن الشارع للمصلح بنوع من الكذب في العبارات والوعود، فقال صلى الله عليه وسلم: «ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا، أو يقول خيرًا».

وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: «لا يصلح الكذب إلا في ثلاث؛ رجل يصلح بين اثنين، والحرب خدعة، والرجل يصلح امرأته».

* * *

-- موقع السكينة

التعليقات

  1. اسماعيل محمد

    وفقكم الله تعالى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*