الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » محاسن الإسلام » الأمـــــانة

الأمـــــانة

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:

فإن الأمانة سر الإيمان، من تركها ضلّ، ومن غابت عنه غوى وأخلّ، وإن من عظم شأنها وجلال خطرها، عرضها المولى سبحانه وتعالى على أعظم مخلوقاته، وحملها الإنسان، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾.

والأمانة فضيلة من أشرف الفضائل، والعمل بها كرامة، وشرف، وتقوى، وصلاح، وإيمان خالص لرب العالمين، ورأفة ورحمة بالخلائق، وكان العرب يفتخرون بها، ويعدونها مكرمة، حتى أنهم كانوا يطلقون على النبي الكريم صلى الله عليه و سلم قبل بعثته لقب (الأمين)، لما اشتهر عنه من الأمانة في القول والعمل.

تعريف الأمانة:

الأمانة ضد الخيانة، وهى تطلق على كل ما عهد به إلى الإنسان من التكاليف الشرعية كالعبادة، والوديعة.

ومن الأمانة: الأهل والولد، وكل ما فرض الله سبحانه وتعالى على العباد فهو أمانة، كالصلاة والزكاة والصيام وأداء الدين، وأوكدها الودائع، وأوكد الودائع كتم الأسرار.

فمَعنى الأمانَةِ في الإسلام عَامّ، يتضمَّن التكاليفَ الشرعيّة والواجباتِ الإسلاميّة، فالأمانة جزءٌ من إيمانِك، فلا إيمانَ لمن لا أمانةَ له.

هذهِ الأمانةُ تكون معَ المسلمِ في معاملَتِه معَ ربِّه، وفي تعامُله مع نفسه، وفي سائرِ التّعامُل مع عبادِ الله.

عناية الإسلام بالأمانات:

أمر الإسلام بحفظِ الأمانة ورِعايَتِها:

وفرَض أداءَها والقِيامَ بحقِّها كما قال عز وجل: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

وقال صلى الله عليه و سلم: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله».

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: أخبرني أبو سفيان رضي الله عنه أن هرقل قال له: سألتك: ماذا يأمركم؟ فزعمت أنه يأمر بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال: وهذه صفة نبي».

وعن أبى هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».

أداء الأمانة من سمات المؤمنين:

فالأمانة من أبرز أخلاق الرسل عليهم السلام، ورسولنا محمد صلى الله عليه و سلم قد كان في قومه قبل الرسالة وبعدها مشهورًا بينهم بأنه الأمين، وكان الناس يختارونه لحفظ ودائعهم عنده. ولما هاجر الرسول صلى الله عليه و سلم وَكَلَ عليَّ بن أبى طالب رضي الله عنه برد الودائع إلى أصحابها. 

وجبريل عليه السلام هو أمين الوحي، وقد وصفه الله بذلك في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾.

والأمانة كذلك صفة المؤمنين العاملين، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾.

وقال في سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾، إلى أن قال: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾.

والأمانة ضد الخيانة، خير أمناء البشر هو نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وقد شهد على ذلك أعداؤه (قريش) وإليك هذه القصة شاهدًا على ذلك: 

لما قامت قريش بهدم الكعبة وإعادة بنائها وانتهوا إلى موضع الحجر الأسود اختلفوا في رفعه وأراد كل فريق أن يذهب بشرف وضعه في مكانه، وزعمت كل قبيلة أنها حق بذلك الشرف حتى كاد ينشب بينهم القتال. وظلوا على تلك الحال بضع ليال، ثم تشاوروا فأشار عليهم أبو أمية حذيفة بن المغيرة وكان أسنّ قريش، بأن يُحكِّموا أول من يطلع عليهم من باب بنى شيبة، فرضوا بذلك فطلع عليهم محمد صلى الله عليه و سلم، فلما رأوه قالوا: «هذا الأمين».. إلى آخر القصة وهذا هو الشاهد أنه صلى الله عليه و سلم عُرف بأمانته قبل البعثة وبعدها. 

تضييع الأمانة عند اقتراب الساعة: 

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة». قيل: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: «إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»، والمراد برفعها إذهابها بحيث يكون الأمين معدومًا أو شبه المعدوم. 

تضييع الأمانة من ضعف الإيمان:

فالأمانةُ تحمِلُها إن كنتَ مؤمنًا صادقًا، فكلّما قُمتَ بِواجبِ هذهِ الأمانةِ دلَّ على صفاءِ قلبِك وتمكُّنِ الإيمانِ مِنك، وكلّما ضعُف أداؤك للأمانةِ دلّ على ضَعفِ الإيمان في القلبِ، يقول أنسٌ رضي الله عنه: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه و سلم كثيرًا ما يَقول: «لا إيمانَ لمن لا أَمانةَ له، ولا عَهدَ لمن لا دِينَ له»، فلا أمانةَ لمن لا إيمانَ له، فاقدُ الإيمان لا يمكِن أن يؤدِّيَ أمانة، فاقدُ الدّين لا يلتزِم عهدًا ولا يفِي بميثاق. 

تضييع الأمانة من خصال المنافقين:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان». آية: علامة. 

مجالات الأمانة:

قال العلماء: «والمجالات التي تدخل فيها الأمانةُ كثيرةٌ، قاعدتها وأصلُها التكاليف والحقوقُ التي أمر الله – جل وعلا – بِرعايتها وصِيانتها، ممّا هو متعلِّق بالدِّين أو النّفوس أو العقول أو الأموال أو الأعراض». 

 فالأمانة منها أمانات في العبادة، وأخرى في المعاملة، فالأمانة في العبادة أن تقوم بطاعة الله تعالى مخلصًا له متبعًا لرسوله صلى الله عليه و سلم، وأما الأمانة في المعاملة فعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به من النصح والبيان، وأن تكون حافظًا لحقوقهم المالية وغير المالية من كل ما استؤمنت عليه لفظًا أو عرفًا.

الأمانة في النصيحة:

إخوةَ الإيمان، ومِن الأمانة الواجِب مراعاتُها والقِيام بحقِّها إسداءُ النصيحةِ لمن استَنصَح، وإبداءُ الرأيِ السديد المتجرِّدِ من كلِّ غَرَض لمن استشار، فنبيُّنا يقول: «المستَشار مؤتَمَن». ويقول صلى الله عليه و سلم: «ومَن استشارَه أخوه المسلمُ فأشار عليهِ بغيرِ رشدٍ فقد خانَه». 

الأمانة في مجال العبادة:

الصلوات الخمس ائتمِنتَ على طهارتها، كما ائتمِنتَ على أدائها، فطهارتها أمانةٌ في عنقك، إن أخللتَ بشيءٍ منها كنتَ خائنًا لشيءٍ من أمانتِك. رأَى النبيّ بَعضَ أَصحابه تَلوح أعقابهم لم يصِبها الماء فنادى: «ويلٌ للأعقاب من النار». 

وأنتَ مؤتمَنٌ على صلواتِك الخمس مِن حيث الوقتُ، فتؤدّيها في الوقتِ الذي شَرعَ الله فيه أداءها، ولا تؤخّرها تكاسُلاً وتهاوُنًا فتكونَ من الخاسرين، فأنت مؤتمَنٌ على أركانها وواجباتها وجميعِ متطلَّباتها لتكونَ ممن أدّى الصلاةَ على الحقيقة.

وزكاةُ مالك أمانةٌ في عنُقك، واللهُ سائلك عن ذلكِ يومَ لِقاه، فإن أَحصيتَ المالَ وعَرفتَ قدرَ الزّكاة وراقبتَ الله في ذلكَ فأخرجتَ زكاةَ أموالكَ كاملةً تامّة ثمّ أوصَلتها إلى مستحقّيها دِيانةً وأمانةً كنتَ ممن أدّى أمانةَ هذه الزكاة.

وصومُك لرمضانَ أمانة وسرٌّ بينك وبين ربّك، لا يطَّلع عليه إلاّ الله، فالسّعيد من حفِظَ صومَه في سِرِّه وعلانيته، ولذا عظُم فضلُ الصيام، وقال الله سبحانه وتعالى فيه: «كلُّ عمَل ابن آدم له؛ الحسنةُ بعشر أمثالها، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به». 

والحجِّ أمانة فتؤدّي شعائرَه كما أمَرك ربّك عز وجل، وكما شرَع لك نبيّك صلى الله عليه و سلم.

الأمانة في مجالات الواجبات الاجتماعية:

الأبَوان أمانةٌ في أعناقِ الأبناء والبنات، لا سيّما بعد كِبَر سنّهما وضَعف قوّتهما وعجزهما عن القيام بشؤونهما، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾، فإن أدّيتَ الأمانةَ ورعيتَ البرَّ والإحسانَ كنتَ من المؤمنين، وإن خُنتَ تلك الأمانة وأعرضتَ عن الأبوين أو أهملتهما أو ضيَّعتهما أو عهِدتَ بهما إلى غيرك تخلُّصًا منهما وزُهدًا فيهما لم تؤدِّ تلك الأمانة الصّادقة.

ورحمُك أمانةٌ في عنُقك، في الصّلةِ التي أمرك الله بها، وحذّرك من قطيعةِ رحمك.

وجارُك أمانة عندك و«لا إيمان لمن لم يأمَن جاره بوائقَه». 

والأبناءُ والبَناتُ أمانةٌ في أعناقِ الآباء من حيث التربيةُ، ومن حيثُ النفَقَة، ومن حيث الرعايةُ، ومن حيث القيام بالواجب وحِفظُ إيمانهما وكرامتِهما، فالأبناء والبناتُ أمانة في أعناقِ الآباء والأمّهات، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. فمن ضيَّع الأبناء والبناتِ فقد خان أمانتَه، إن فضَّل بعضهم على بعض، إن أهمل التربيةَ، إن لم يقبلِ الكفء للفتيات، إن ردَّ الأكفاء ولم يقبلها، أو زوَّج من لا كفاءةَ له، كان من الخائنِين في تلكم الأمانة.

وقبل كل ما سبق فإن نفسَك التي بين جنبَيك أنت مؤتمَن عليها، قد حذّرك الله من قتلِ نفسك: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، وفي الحديث: «من قتَل نفسَه بشيءٍ عذِّب به يومَ القيامة». 

أمانة الوظائف:

ومن الأمانات العامّةِ التي يجب تقوَى الله عز وجل فيها الوظائفُ بشتَّى أنواعها والمسؤوليَّات بمختَلفِ صوَرِها، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسولَ الله، ألا تستعمِلُني؟! قال: فضَرَب بيدِهِ على منكِبي ثم قال: «يا أبا ذرّ، إنّك ضعيف، وإنها أمانةٌ، وإنها يومَ القيامة خِزيٌ وندامة، إلاّ من أخذها بحقِّها وأدَّى الذي عليه فيها». وعن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: «ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيّةً يموت يومَ يموت وهو غاشٌّ لرعيَّته إلاّ حرَّمَ الله عليه الجنة». 

أمانة الأموال العامة:

من أعظمِ ما يُؤتمَن عليه الإنسانُ الأموالُ العامّة التي تعود للمسلِمين قاطِبَة، فرَضَ الله رعايَتَها وعدَمَ إهدارِها، وأوجَبَ حفظَها كما يحفظ الإنسان مالَه وأشدّ، قال صلى الله عليه و سلم في حديث طويلٍ: «ومَن استعمَلناه منكم على عمَلٍ فكتمَنا مخيطًا فما فوقه كان غُلولاً يومَ القيامة». وقد مدَح الأمينَ على أموال المسلمين فقال: «الخازن الأمين الذي يؤدِّي ما أمِر به طيِّبةً نفسُه أحَدُ المتصدِّقين». 

أمانة الولاية:

ومِنَ الأمانات العظيمةِ أن لاَ يوسَّدَ أمرٌ من أمور المسلمين إلاّ فيمن يُتَوخَّى فيه خوفُ الله جل وعلا، وممّن توفَّرت فيهم شروطُ الصلاحيّة العلميّة والعملية والأمانةُ على تأديَة الواجب الملقَى، فربُّنا جلّ وعلا يقول حكايةً عن عفريتِ الجن: ﴿أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾، وقال حكايةً عن بنت شعيبٍ: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، ويقول عن يوسف عليه السلام: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، وفي حديث حذيفةَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه و سلم قال لأهلِ نجران: «لأبعثَنّ إليكم رَجلاً أمينًا حقَّ أمين». فاستشرَفَ لها أصحابُ رسول الله، فبَعث أبا عبيدةَ.

خطورة ضياع الأمانة:

وإنَّ من علامات سوء الزمان وفسادِ المجتمع وخُبث السّرائر ضياعَ الأمانة والتّفريطَ في الرِّعاية والتّهاوُن في المسؤولية واتِّخاذَ المصالح الخاصّة الهدفَ والغاية ونبذَ المصالح العامّةِ من أجل المصالحِ الخاصّة والمنافع الذاتيّة، ففي مقامِ الذمّ يقول النبي صلى الله عليه و سلم: «إنَّ الله يبغِض الفحشَ والتفحُّش. والذي نفسُ محمّد بيدِه، لا تقوم الساعة حتى يُخوَّنَ الأمين ويؤتَمَن الخائن، حتى يظهَر الفُحش والتفحُّش وقطيعةُ الأرحام وسوءُ الجوار».

وفي صحيح البخاريّ قولُه صلى الله عليه و سلم: «فإذا ضيِّعَت الأمانة فانتظِرِ الساعةَ»، قال: كيف إضاعتُها؟ قال: «إذا وُسد الأمرُ إلى غير أهلِه فانتظرِ الساعة». 

فيا من تحمَّلَ مسؤوليّةً من مسؤوليات المسلمين مِن الوظائف والأعمال والمهامِّ والمسؤوليّات، لقد استرعَاكم ربُّكم جل وعلا ثمّ وليُّ الأمر مسؤوليّاتٍ جسامًا، واجبٌ عليكم تقوَى الله جل وعلا فيها ورِعايةُ هذِه المسؤوليّات، عليكم فَرضٌ عظيم بالقِيام بهذه المسؤوليّات بما يُرضِي الله ثم يرضِي وليَّ الأمر وعامّةَ المسلمين، إيّاكم وتسخيرَ هذه المسؤوليات في مصالحَ خاصّةٍ أو منافع ذاتيّة، واحذَروا من التهاونِ في مقاصِدِ هذه المسؤوليّات وأهدافِها، فلقد ائتَمَنكم وليُّ الأمر ثمّ المسلمون من بعده على هذهِ المسؤوليّات لتسخِّروها في النفعِ العامّ وتحرصُوا على الدقيقِ والكبير فيما يعودُ بالمصلَحة والمنفعةِ لكلّ مسلم، ارفقُوا بالمسلمين، اقضُوا حاجاتِهم، سهِّلوا عليهم، احذَروا من إعنَاتِهم والمشقَّة عليهم، يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا، وإياكم وخيانة أماناتكم، فلقد قال صلى الله عليه و سلم: «لكلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامة، يُرفَع له بقدر غَدرِه، ألا ولا غادرَ أعظم غَدرًا من أميرِ عامّة». قال العلماءُ: «لأنَّ أميرَ العامّة – وهو صاحبُ الوِلايةِ العامّة من حاكمٍ عامّ أو وزيرٍ ونحوِه – لأنّ غدرَه يتعدّى ضرره إلى خلقٍ كثير». 

أمانة الدعوة:

ومِن الأمانةِ العظيمةِ على كلِّ مسلم في هذه الأرض حملُ هذا الدينِ، وإبراز محاسنِه العِظام وفضائِله الجسام، وإفهامُ العالم كلِّه بالعِلم والعمَل بالسلوك والمظهر أنَّ هذا الدينَ خير ورحمةٌ عامّة للبشرية، وصلاحٌ للعالَم، وأنه يحمِل السعادة والسّلام والفوزَ والنجاة في الدنيا والآخرة.

وإنّ من الأمانة العظيمةِ على العلماء تبصيرَ المسلمين بسنّةِ نبيِّنا محمّد صلى الله عليه و سلم وهديِ صحابته في الجليلِ والحقير، ففي ربيعٍ الأول ينتَشِر بين الناس ما يُسمَّى بالمولد النبويّ، في حفلاتٍ تعبّديّة، وإنّ محبّةَ سيّدِنا ونبيّنا وحبيبِنا محمّد صلى الله عليه و سلم لرُكنٌ من أركان الدّين وأساس من أسُسِه المتينة، لا يستقيم إيمانٌ إلاّ بالمحبّة لشخصِه وسنّته – عليه أفضل الصلاة والسلام -، ولكن لا يجوز التقرُّب بشيءٍ لم يشرَعه لنا سيّدنا وحبيبُنا صلى الله عليه و سلم، ولم يعمَله صحابته المهديّون الطّاهرون رضي الله عنهم، فمن زعَم إحداثَ قربةٍ ليس فيها برهانٌ من القرآن أو حجّة من السنّة أو هدي من الخلفاء الراشدِين أو إجماع مِن الصحابة المهديِّين فقد زعم أن محمَّدًا قد خانَ الرسالةَ كما قاله الإمامُ مالك. 

الشباب أمانة:

ومِن الأمانة العظيمةِ شبابُ الإسلام. فيا علماءَ المسلمين ويا مفكِّريهم، يا دعاةَ الإسلام، يا رجالَ الإعلام والتربيّة، اتقوا الله جل وعلا في الشباب، وجِّهوهم لما فيه خيرُهم وخير بلدانهم وما فيه مصالِحُهم ومصالِح أمَّتهم، فقِّهوهم مقاصدَ الإسلام، وجِّهوهم لمضامين العقيدة الصحيحة ومبادئ الأخلاق المستقيمَة والأفكار السليمةِ، بصِّروهم بخطورَةِ الآراءِ المنحرِفة مثل الغلوّ والأفكارِ المتطرّفة وتبنِّي التكفير والتّبديع والتفسيق بدون حجّةٍ قرآنيّة وسنّة نبويّة وفهمٍ سديد على منهَج علماء الأمّة، «كلّكم راع، وكلٌّ مسؤول عن رعيّتِه». 

حذّروا الشبابَ من المعاصِي بأنواعها، ومن الآثامِ بشتَّى أشكالها، وعلَى رجالِ الأعلام خَطرٌ عظيمٌ مما يقَع في قنواتٍ كثيرة من برامجَ تحمِل السُّمّ الزُّعاف والشرَّ المستطير لإفساد أخلاقِ شبابِ الإسلام وشابّاتهم، حتى وصَلَ الأمر إلى جمع الشّبابِ والشابّات في مكانٍ واحد لغسلِ الأدمِغة وتعليم الأغاني الماجِنَة والأخلاقِ الرَّديَّة، فليتذكَّر أولئك المالِكون لهذه القنواتِ عِظَمَ الموقف بين يدَيِ الله سبحانه وتعالى، وليتذكَّروا أن الدّنيا دارُ ممرّ والآخرة هي المستقرّ، وليتفكّروا في هذهِ الآيةِ العظيمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾.

أمانة الفتوى:

ومن الأمانة العظيمة التي يتحمّلها العلماء أمانةُ الفتوى، فالواجب على من صدَّر نفسه للفتوى أن يعلم عِظمَ الأمانة، وأن الأمر جِدُّ خطير، فالفتوى الصادرة عن عدم علمٍ دقيق وفقه عميق بالحكم وعن عدم فهمٍ شامل للوقائع المطروحة والنوازل الواقعة المراد تنزيل الشريعة عليها يُعدُّ من عظائم الأمور، فما حصلت الانحرافات في الأمّة إلاّ بسبب التصدّر للفتوى بلا علم بالأمرين المذكورين، وقد حذّر ربنا جل وعلا من القول عليه بلا علم، ونبيُّنا يقول فيما صحَّ عنه: «ومن أفتيَ بفُتيا بغير علمٍ كان إثمه على من أفتاه». 

وليُعلَم أنَّ أشدّ الأمور إثمًا وأعظمها خطرًا تلك الفتاوى التي تصدر بلا علمٍ بالحكم أو بلا علمٍ بالواقع، ويترتّب عليها حينئذٍ ما لا يمكن أن يُتدارَك خطره ولا يستدرك ضرره.

ومن أخطر هذه الفتاوى التي تصدر بالتكفير ونحوه، فليتّق اللهَ العلماءُ، وليتذكّروا سيرةَ سلف هذه الأمة، فلقد كان واقع حالهم ما ذكره أبو حصين قال: «إنَّ أحدكم يقول هذا القول وهو في عصر العلم الصحيح، إنَّ أحدكم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر – وهو من هو في العلم والعمل – لجمع لها أهل بدر». 

وأنّ جميعَ الغيورِين على هذا الدِّين ليُنادون المجامعَ العلمية في العالم كلِّه بالمسارعة إلى تبنِّي الفتاوى الإجماعية في كلِّ مسألة نازلةٍ مهما كان نوعها؛ لقطع الطريق على الفتاوى الأحاديّة التي تصدر في قنوات فضائية وغيرها، في مشاكل دينية أو دنيوية، حتى لا يُفتح المجال لمن قلَّ فقهه وانعدم ورعه، قال ابن أبي ليلى: «لقد أدركتُ عشرين ومائةً من أصحاب رسول الله، ما مِنهم مفتٍ إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا».

* * *

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*