الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016

الـحــياء

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:

فإن الحياء هو رأس الفضائل الخلقية، وعماد الشعب الإيمانية، وبه يتم الدين، وهو دليل الإيمان، ورائد الإنسان إلى الخير والهدى، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «الحياء لا يأتى إلا بخير». وقال صلى الله عليه و سلم: «الحياء شعبة من الإيمان، ولا إيمان لمن لا حياء له». فإذا تخلق الإنسان بخلق الحياء، كان ذلك دليلاً على حسن أدبه وسلوكه وصلاح ظاهره، ونقاء سريرته، وكمال إيمانه.

قال ابن القيم رحمه الله: «وخُلق الحياء من أفضل الأخلاق وأجلها وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا، بل هو خاصة الإنسانية، فمن لا حياء فيه ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم وصورتهما الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شيء، ولولا هذا الخلق لم يُقرَ الضيف، ولم يُوفَّ بالوعد، ولم تؤدَّ الأمانة، ولم تقضَ لأحد حاجة».

تعريف الحياء والعفة:

والحياء كما عرفه العلماء هو خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق من الحقوق، فالحياء خلق فاضل يدعوك إلى التحلي بالفضائل والبعد عن الرذائل، والحياء يدعوك أن تخجل في نفسك، وتستحي من ربك، ثم تستحي من الناس.

وقالت عائشة رضي الله عنها: «مكارم الأخلاق عشرة» ثم قالت: «ورأسهن الحياء». 

قال ابن القيم رحمه الله: «والحياء من الحياة، ومنه الحيا للمطر، وعلى حسن حياة القلب يكون فيه قوّة خلق الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح، فكلما كان القلب أحيى كان الحياء أتم».

الفرق بين الحياء والخجل:

الفرق بين الحياء والخجل عظيم ذلك لأن الحياء منقبة وفضيلة ومعناها هو أن يترفع العبد عن المعاصي والآثام، وأما الخجل فإنه منقصة لشعور الإنسان بقصوره أمام الآخرين، فلا يطالب بحقه لخجله، ولا يقول كلمة الحق لخجله، ولا يتحدث أمام الآخرين لشعوره أن من معه خير منه، وعلى الجرأة ربى السلف الصالح أبناءهم. 

فضائل الحياء:

الحياء من صفات الرب سبحانه وتعالى:

والحياء صفة من صفات الله عز و جل، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «إن ربكم حيى كريم يستحيى أن يبسط العبد يديه إليه فيردهما صفرا».

قال ابن القيم: «وأما حياء الرب تبارك وتعالى من عبده فنوع آخر، لا تدركه ولا تكيفه العقول، فإنه حياء كرم وبرّ وجود، فإنه كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يدَيه أن يردّهما صفرا، ويستحي أن يعذّب شيبة شابت في الإسلام». 

الحياء من سمات الملائكة والأنبياء:

فالحياء من خلق الملائكة، كما قال النبي صلى الله عليه و سلم في عثمان بن عفان: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟!»، وفيه دليل على اتصاف الملائكة به.

كما أنه هو خلق الأنبياء، كما قال صلى الله عليه و سلم: «أربع من سنن المرسلين: الحياء والتعطر والسواك والنكاح». 

ومما وُصف به موسى عليه  السلام أنه «كان رجلاً حييًا ستيرًا، لا يُرى من جلده شيء استحياءً منه». 

ولا يخفى علينا جميعا – أيها المسلمون – ما كان لنبينا من هذه الصفة الجليلة، فقد وصفه أبو سعيد الخضري بقوله: «لرسول الله أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه». والعذراءُ هي البنتُ التي لم يَسبقْ لها زواج، وخِدرُها موضعُها الذي تُصانُ فيه عن الأعْيُنِ.

الحياء شعبة من الإيمان:

عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان». 

وقد مر النبي صلى الله عليه و سلم على رجل وهو يعاتب أخاه في الحياء يقول: إنك لتستحي حتى كأنه يقول: قد أضرّ بك، فقال رسول الله: «دعه فإن الحياء من الإيمان». عن ابن عباس قال: «الحياء والإيمان في قرن، فإذا نزع الحياء تبعه الآخر». 

الحياء يفضي للجنة: 

وإنَّ من أعظم فضائله أنه يفضي بأصحابه إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار». والبذاء ضد الحياء، فهو جرأة في فُحشٍ، والجفاء ضد البر. 

الحياء كله خير:

عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه و سلم: «الحياء لا يأتي إلا بخير». وعن أنس رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «الحياء خير كله».

وعن أَنَسٍ رضي الله عنه أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه و سلم قال: «مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ». 

الحياء خلق الإسلام:

خلق الحياء هو الخلق الذي يميز أتباع الإسلام، كما قال صلى الله عليه و سلم: «إن لكلّ دين خلقا، وخلق الإسلام الحياء». 

الحياء وازع عن المعاصي:

فالحياء يحمل على الاستقامة على الطاعة، وعلى ترك المعصية ونبذ طريقها، فإن الذي هبط بالناس إلى هذا المستوى المذموم هو ذهاب الحياء من الله عز و جل، كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت». 

وقال الشاعر: 

ورُبّ قبيحة ما حال بينِي

وبيْن ركوبِها إلا الحياء

فكان هو الدواء لها ولكن

إذا ذهب الحياء فلا دواء

فالمرء حينما يفقد حياءه يتدرج في المعاصي من سيئ إلى أسوأ، ومن رذيلة إلى أرذل، ولا يزال يهوي حتى ينحدر إلى الدرك الأسفل.

وكذلك المرء إذا لم يكن له حياء جهر بالمعاصي أمام الناس ولا يبالي، فالمجاهرون بالجرائم والمعاصي والمعلنون لها أمام الناس جهارًا نهارًا ولا يبالون بما يفعلون هؤلاء لا يستحيون من الله، ولا يستحيون من الناس، ولهذا استحقوا الوعيد الشديد الذي أخبر به النبي صلى الله عليه و سلم بقوله: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين». 

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: «إن الله إذا أراد أن يُهلك عبدا نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تَلْقَهُ إلا مَقِيتا مُمَقَّتا فإذا لم تَلْقَهُ إلا مَقِيتا مُمَقَّتا نُزِعَتْ منه الأمانة فإذا نُزِعَتْ منه الأمانة لم تَلْقَهُ إلا خَائِنا مُخَوَّنا فإذا لم تَلْقَهُ إلا خَائِنا مُخَوَّنا نُزِعَتْ منه الرحمة فإذا نُزِعَتْ منه الرحمة لم تَلْقَهُ إلا رَجِيما مُلَعَّنا فإذا لم تَلْقَهُ إلا رَجِيما مُلَعَّنا نُزِعَتْ منه ربقة الإسلام». 

قال الفضيل بن عياض رحمه الله: «من علامات الشقوة القسوة في القلب وجمود العين وقلة الحياء والرغبة في الدنيا وطول الأمل». وقال ابن حبان رحمه الله: «فالواجب على العاقل لزوم الحياء؛ لأنه أصل العقل، وبذر الخير، وتركه أصل الجهل وبذر الشر».

أقوال السلف في الحياء: 

قال أبو بكر رضي الله عنه وهو يخطب الناس: «يا معشر المسلمين استحيوا من الله فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب الغائط في الفضاء متقنعًا بثوبي استحياءً من ربي عز و جل».

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه». 

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «من لا يستحي من الناس لا يستحي منه الله». 

قال إياس بن قرة الحنث عند عمر بن عبد العزيز رحمه الله فذكر عنده الحياء، فقالوا: الحياء من الدين. فقال عمر: «بل هو الدين كله». 

وقال الحسن البصري رحمه الله: «الحياء والتكرم خصلتان من خصال الخير لم يكونا في عبد إلا رفعه الله بهما». 

أنواع الحياء:

أولا: الحياء من الله عز و جل:

وهذا هو أكرم أنواع الحياء وأعظمها، وهو ثلاثة مواضع، هي:

الحياء من أن تقابل إحسان الله بالإساءة ونعمه بالجحود:

يقول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «أنا والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، أتحبب إليهم بالنعم ويبتعدون عني بالمعاصي، خيري إليهم نازل وشرهم إليّ صاعد».

ألا تتضجر عند البلاء فتنسى قديم إحسان الله إليك:

ذكر الإمام الألوسي رحمه الله: أن أيوب عليه  السلام عندما فقد المال وفقد الولد وفقد عافيته، قالت له زوجته: أنت نبي الله فلو سألت الله تعالى أن يرفع عنك البلاء لفعل، فقال لها أيوب عليه  السلام: كم مضى علينا ونحن في عافية؟ قالت: ستين سنة. قال: والله إني لأستحي أن أسأل الله رفع البلاء وما بلغت في البلاء ما بلغته في العافية. 

أن يحفظ العبد قلبه وجوارحه:

فمن حياء العبد مع الله عز و جل أيضا أن يحفظ العقل من أن يكفر بالله، أو أن تدخل فكرة منحرفة إلى عقله، وأن يحفظ جوفه عن الحرام، لقول النبي صلى الله عليه و سلم: «استحيوا من الله حق الحياء»، قالوا: وكيف نستحي من الله حق الحياء؟ قال: «أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى، ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء».

ثانيا: حياء العبد في نفسه:

الحياء من تشوه سمعته:

فيحرص على أن تكون سمعته كريمة بيضاء ناصعة لا تمس بشائبة أبدًا، كما خرج النبي صلى الله عليه و سلم يومًا في الليل حتى يوصل إحدى زوجاته إلى دارها فمر به رجلان من الأصحاب، فلما رأيا رسول الله ومعه امرأة، أسرعا في مشيهما، فنادى عليهما النبي صلى الله عليه و سلم وقال: «على رسلكما إنها صفية»، قالا: سبحان الله يا رسول الله أنشكّ بك؟ قال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فخشيت أن يقذف في قلبيكما شرا». 

اجتناب الفواحش:

فالحيي ينأى بمائه عن أن يضعه إلا في الموضع الكريم الذي أذن الله تعالى به، مثل يوسف عليه  السلام، قد دعته امرأة العزيز وغلقت الأبواب وقالت: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾، قال: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣]، شهوة ومتعة يتكالب عليها السفلة يدوسها يوسف عليه  السلام بقدمه.

ومن حديث أبي سفيان رضي الله عنه، وهو بين يدي هرقل أنه قال لِتَرْجُمَانِهِ: «قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، فَوَاللَّهِ لَوْلاَ الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَىَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ». 

الحياء أن ينقضي عمره في المعصية:

فيا أبناء الخمسين زرع قد دنا حصاده؟ ويا أبناء الستين ماذا قدمتم؟ ويا أبناء السبعين هلموا إلى الحساب؟ يقول صلى الله عليه و سلم: «أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين». قال: صلى الله عليه و سلم: «أَعْذَرَ الله إلى امرئ أَخَّرَ أجله حتى بلغ ستين سنة». ويقول عليه  السلام: «إذا بلغ الرجلُ من أمتى ستين سنةً فقد أعذر اللهُ إليه فى العمر». 

حفظ العورات:

عَنْ يَعْلَى بن أمية أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم رَأَى رَجُلاً يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ بِلاَ إِزَارٍ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه و سلم: «إِنَّ اللَّهَ عز و جل حَيِىٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ». البراز: هو الفضاء الواسع من الأرض، وعند النسائي وابن ماجة وصححه الألباني: «إِنَّ اللَّهَ عز و جل حَلِيمٌ حَيِىٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ».

قال العلماء: «والتستر بمئزر ونحوه في حال الاغتسال في الخلوة أفضل من التكشف، والتكشف جائز مدة الحاجة في الغسل ونحوه، والزيادة على قدر الحاجة حرام على الأصح». 

من حياء العبد في نفسه أن يحفظ عورته عن أي عين، يقول النبي صلى الله عليه و سلم: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة». إلا الزوجة للحديث: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك». 

ثالثا: حياء العبد في مجلسه:

ألا يتكلم عن خصوصياته وأهله:

قال النبي صلى الله عليه و سلم: «من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت». أما فاقد الحياء فإنه لا يجد ألذ من أن يتحدث بالذي يكون بينه وبين أهله، وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم وقد صلى بالناس فالتفت، فقال: «أيكم الرجل الذي إذا أراد أن يأتي أهله أغلق بابه وأرخى ستره، ثم جامع أهله، ثم يخرج إلى الناس يقول: فعلت بأهلي كذا وكذا»، فسكت القوم، فجلست امرأة على ركبتيها وقالت: والله يا رسول الله إنهم ليتحدثون وإنهن ليتحدثن، فقال صلى الله عليه و سلم: «أتدرون ما مثل من يفعل ذلك؟ إن مثل من يفعل ذلك مثل الشيطان أتى شيطانة في قارعة الطريق فجامعها والناس ينظرون إليهما». 

ألا يفضح نفسه فيما ستره الله عز و جل:

وذلك بألا يتحدث عن ماضيه القبيح، وما كان فيه من الآثام والمعاصي، لا على جهة الندم أو أخذ العبرة منه، وإنما على سبيل التفاخر والندم على الأيام التي مضت وليتها عادت من جديد، وأمثال هؤلاء لا مغفرة لهم، لقول النبي صلى الله عليه و سلم: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين». ومن المجاهرة أن يعمل العبد العمل بالليل ويصبح وقد ستره الله فيقول: «يا فلان عملت البارحة كذا وكذا! بات يستره الله وأصبح يفضح نفسه». 

رابعا: الحياء من ذوي الحقوق:

الحياء مع الوالدين:

رأى أبو هريرة غلاما يمشي مع رجل فقال للغلام: من هذا منك؟ قال: أبي، قال: «اسمع! لا تمش أمامه، ولا تستسبَّ له، ولا تجلس قبله، ولا تناده باسمه». 

الحياء مع العلماء:

قال النبي صلى الله عليه و سلم: «العلماء ورثة الأنبياء». لذا فهو يدعونا صلى الله عليه و سلم إلى التواضع لما لهم من علم كريم، فيقول – عليه الصلاة والسلام -: «تعلموا العلم، وتعلموا للعلم سكينته، وتواضعوا لمن تعلمون منه». 

الحياء من ذوي الشيبة:

فالصغير يجل من يكبره، وفي هذا يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم». 

مظاهر مخالفة للحياء:

الكلام الفاحش:

البعض من الناس – هدانا الله وإياهم – لا يبالون بالكلمات البذيئة، ولا بالكلمات الوقحة، ولا بالكلمات الهابطة، يتحدث بها بعضهم من غير خجل ولا حياء، وفعلهم هذا ضعف في الإيمان، والنبي صلى الله عليه و سلم ما كان كذلك، كان يلمِّح ولا يصرِّح، بل إذا تأملت كتاب الله سبحانه وتعالى تراه يذكر الفواحش مجملة من غير أن يفصل في جزئياتها.

فالتحدث بالكلمات السيئة والكلمات الهابطة، والتحدث بها على وجه الانبساط والمزح والضحك مما ينافي الحياء المطلوب الذي ينبغي أن يتخلق به المسلم.

إساءة التعامل مع الناس:

إن المسلم يدعوه حياؤه إلى الفضائل، فتراه يستحي من أن يطالب معسرًا يعلم أنه معسر، ويخجل أن يلحق الضرر به، وإنما يمهله رجاء أن ييسر الله أمره.

وتراه يستحي أن يسأل الناس، أو يلتجئ للناس، أو يمد يده للناس، فحياؤه يمنعه ولو كان فقيرًا، ولذا قال الله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:٢٧٣]، أي: يظهرون أمام الناس مظهر الغني وقلة الشكاية، يحسبهم من يراهم ذوي غنى وثراء لعفة نفوسهم وترفعهم عن سؤال الناس.

التسول والسؤال بغير ضرورة:

ونوع آخر من الناس انتزع الحياء منه، فتراه وراء الناس يلهث، يشحذهم ويسألهم في كل مناسبة تحدث، وربما حلف الأيمان على فاقته وفقره، وربما أتى بملبس وسخ وحالة سيئة قذرة، أو أظهر نفسه بأنه المصاب بالعاهات والمصائب، ليتوسل بها إلى الأخذ مما بأيدي الناس.

فأراقو ماء وجوهم بلا حياء، ثم استجدوا الناس سُحتًا واستغلالا لحياء الناس، ولهذا كان نبينا صلى الله عليه و سلم أعظم الخلق حياء، ما سئل شيئًا على الإسلام إلا أعطاه؛ ولبس يومًا بردة فسأله أحد الصحابة فأعطاه إياها، فقيل له: تسأله وأنت تعلم أنه لا يرد سائلا؟! قال: أريد أن تكون كفني، فكانت كفنه. 

فهو صلى الله عليه و سلم ما سُئل إلا أعطى، ولما أكثر السؤال عليه قال: «إن الرجل ليسألني وأعطيه فيخرج بها يتأبطها جمرًا». 

أمور ليست من الحياء:

السكوت على الباطل بدعوى الحياء:

ليس من الحياء أن يسكت الإنسان على الباطل، فبذلك تُعَطل شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال النووي رحمه الله: «وأما كون الحياء خيرًا كله ولا يأتي إلا بخير فقد يُشكل على بعض الناس من حيث إن صاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق من يجلُّه، فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق، وغير ذلك مما هو معروف في العادة. وجواب هذا ما أجاب به جماعة من الأئمة؛ منهم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله: أن هذا المانع الذي ذكرناه ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز وخور ومهانة، وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازًا لمشابهته الحياء». 

ولذا مما تنزه الله عنه الاستحياء من الحق مع أنه موصوف بالحياء كما سيأتي، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦]. وسببها أن المنافقين لما ضرب الله مثلهم: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة:١٧]، وقوله: ﴿كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة:١٩]، قالوا: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال! فأنزل الله الآية. 

وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب:٥٣]، وقال النبي صلى الله عليه و سلم: «إن الله لا يستحيي من الحق». 

الامتناع عن السؤال والتعلم:

وليس من الحياء أن يمتنع الإنسان من السؤال عن أمور دينه، فالحياء يبعث على الخير ولا يصدّ عنه؛ ولذا مدحت عائشة رضي الله عنها نساء الأنصار بقولها: «رحم الله نساء الأنصار؛ لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين».

وجاء إليها أبو موسى الأشعري فقال: يَا أُمَّاه، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ وَإِنِّي أَسْتَحْيِيكِ؟ فَقَالَتْ: لا تَسْتَحْيِي أَنْ تَسْأَلَنِي عَمَّا كُنْتَ سَائِلاً عَنْهُ أُمَّكَ الَّتِي وَلَدَتْكَ، فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّكَ، قُلْتُ: فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ؟ قَالَتْ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ».

وجاءت أم سُليم رضي الله عنها لرسول الله قائلةً: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و سلم: «إِذَا رَأَتِ الـْمَاءَ». 

فإذا لم يقدر الإنسان على السؤال لعذر يقتضي الحياء فعليه أن يُرسل من يسأل له أو يهاتف الشيخ أو يراسله، فقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ ابْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ». 

لوزام الحياء:

وإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم هم أكثر الناس بعد النبي حياء من الله وأشدهم خجلا منه وخشية له ومراقبة لجلاله ومع ذلك يقول لهم: «استحيوا من الله حق الحياء»، قال: قلنا: يا رسول الله، إنا نستحي والحمد الله، قال: «ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء». 

وهذه العظة تحوي كثيرا من آداب الإسلام ومناهج الفضيلة، فإن على المسلم تنزيه لسانه أن يخوض في باطل، وبصره أن يرمق عورة أو ينظر إلى شهوة، وأذنه أن تسرق سرّا أو تستكشف خبئا، وعليه أن يفطم بطنه عن الحرام ويقنعه بالطيب الميسور، ثم عليه أن يصرف أوقاته في مرضاة الله وإيثار ما لديه من ثواب، فلا تستخفّه نزوات العيش ومتعه الخادعة.

وجاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله أوصني، قال صلى الله عليه و سلم: «أوصيك أن تستحي من الله تعالى كما تستحي من الرجل الصالح من قومك». 

نداء الحياء للنساء:

إذا كان الحياء في الرجال جميلاً فهو في النساء أجمل؛ لأنه لها أستر وأكمل، يقول الله عز و جل: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص:٢٥]، قال صاحب التحرير والتنوير: «والمعنى: أنها مستحيية في مشيها، أي تمشي غير متبخترة ولا متثنية ولا مظهرة زينة».

يقول العلامة السعدي – رحمه الله تعالى -: «وهذا يدل على كريم عنصرها، وخلقها الحسن؛ فإن الحياء من الأخلاق الحسنة، وخصوصاً في النساء».

وفي الآية بيان فضل الحياء وشرف المؤمنات اللائي يتعففن عن الاختلاط بالرجال، وستر الوجه عن الأجانب سنة المؤمنات من عهد قديم وليس كما يقول المبطلون هو عادة جاهلية، فبنتا شعيب نشأتا في دار النبوة والطهر والعفاف وغطت إحداهما وجهها عن موسى حياءً وتقوى. 

ولكن نساءنا الآن يواجهن – ومعهن الأمة كلها – خطر التغريب الذي نكس كثيرا من سمات الإسلام في نفوسهن، بل وكثيرا من سمات الفطرة السليمة، ومن أمثلة هذا التغريب ما تقومبه الفضائيات، حيث أنها نزعت الحياء منهن، وهونت من شأنه في نفوسهن، فالفضائيات تغتال حياء الطالبات، فوجد لدينا نتيجة لذلك مظاهر مخالفة لشرع الله سبحانه وتعالى من أهمها: ما اعترى علاقة المرأة بالرجال الأجانب عنها من تساهل وتهاون. فحديثها وكلامها مع الرجال الأجانب في لحن وإيماء وخضوع في القول، ولين في الكلام مع دعابة، ومزاح وهزل بشكل لم يكن معهوداً قبل وجود القنوات الفضائية.

وليس يخفى أن أزكى النساء أمهاتُ المؤمنين.. ومع هذا فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٣٢]، يأمر المولى عز و جل نساء النبي بعدم الخضوع بالقول وهن أطهر النساء، وإذا كان الأمر كذلك فإن من عداهن من النساء أحوج لهذا التوجيه والتحذير؛ لأن المرأة إذا كان في نبرتها ذلك الخضوع اللين أثارت شهوة الرجال، وحركت غرائزهم، وطمع مرضى القلوب فيها.

* * *

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*