الجمعة , 9 ديسمبر 2016

أدب الرحمة

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديَ له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:

فإن الرحمة الشاملة الكاملة هي رحمة الله الغفور الرحيم، فقد عمت الكائنات جميعها فما من موجود إلا ويرحمه الله يحيا، وفي ظلال هذه الرحمة الإلهية يعيش. قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾. 

وقد دعا الإسلام إلى التحلي بهذا الخلق الكريم حتى تستقر الحياة بالناس، ويجد كل فرد في المجتمع مكانه ومكانته وحقه وكرامته. 

تعريف الرحمة:

الرحمة: هي حالة وجدانية تعرض غالبا لمن به رقة القلب، وتكون مبدأ للانعطاف النفساني الذي هو مبدأ الإحسان.

الرحمة ليست إهمالا ولا تراخيا:

قال ابن القيم رحمه الله في الرحمة الحزم لا الإهمال: 

«إن الرحمة صفة تقتضى إيصال المنافع والمصالح إلى العبد وإن كرهتها نفسه وشقت عليها فهذه هي الرحمة الحقيقية فأرحم الناس من شق عليك في إيصال مصالحك ورفع المضار عنك. فمن رحمة الأب بولده أن يكرهه على التأدب بالعلم والعمل ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره يمنعه شهواته التي تعود بضرره ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به وإن ظن أنه يرحمه ويرفهه ويريحه فهذه رحمة مقرونة بجهل ولهذا كان من تمام رحمة أرحم الراحمين تسليط أنواع البلاء على العبد فابتلائه له وامتحانه ومنعه من كثير من أغراضه وشهواته من رحمته به».

الإسلام دين الرحمة:

لقد كانت رسالة محمد صلى الله عليه و سلم رحمة لقومه ورحمة للبشرية كلها من بعده، صحيح أن المبادئ التي جاءت بها هذه الرسالة كانت غريبة على الناس وواقعهم في بداية الأمر، لكنهم سرعان ما أخذوا يقتربون من هذه المبادئ، ويشعرون بعظمتها، ويعودون إليها، ويطبقونها في حياتهم.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «كان محمد رحمة لجميع الناس، فمن آمن به وصدّق به سعد، ومن لم يؤمن به سلم مما لحق الأمم من الخسف والغرق».

أهمية خلق الرحمة:

إنّ للحياةِ ركائزَ تعتمِد عليها، وأسُسًا تُبنَى عليها، ومعانيَ ساميةً تُناط بها المنافِع والمصَالح. ومِن هذه المعاني العظيمةِ والصّفات الكريمة التي تسعَد بها الحياةُ ويتعاون بها الخلق الرّحمة.

فالرّحمة خلُقٌ عظيم ووَصف كريم، أُوتيَه السّعداء، وحُرِمه الأشقياء، الرّحمة ضارِبة في جُذور المخلوقات، ومختلِطة بكيان الموجوداتِ، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه و سلم قال: «إن الله خلق الرحمة يوم خَلَقَهَا مائة رحمة فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة وأرسل فى خلقه كُلِّهِمْ رحمة واحدة فلو يعلم الكافر بكل الذى عند الله من الرحمة لم يَيْأَسْ من الجنة ولو يعلم المؤمن بالذى عند الله من العذاب لم يَأْمَنْ من النار».

وقال صلى الله عليه و سلم: «إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة كل رحمة طِبَاقُ ما بين السماء والأرض فجعل منها فى الأرض رحمة فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض وأخر تسعًا وتسعين فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة».

والحياةَ لا تصلُح إلاّ بها، وأوّلُ مَن ينتفِع بالرّحمة صاحبُها في الدّنيا والآخرة، وفي الحديث عن النبيِّ صلى الله عليه و سلم: «أهلُ الجنّة ثلاثة: إِمام عادِل، ورجلٌ رحيمُ القلب بالمساكين وبكلِّ ذِي قربى، ورجلٌ فقير ذو عِيال متعفِّف». 

حاجة البشرية إلى هذا الخُلُق:

ألا ما أحوجَ البشريّةَ إلى هذهِ المعاني الإسلاميّةِ السّامية، وما أشدَّ افتقارَ الناسِ إلى التخلُّق بالرّحمة التي تُضمِّد جراحَ المنكوبين، وتحثّ على القيامِ بحقوقِ الوالدَين والأقربين، والتي تواسِي المستضعَفين، وتحنو على اليتامَى والعاجِزين، وتحافِظ على حقوقِ الآخرين، وتحجز صاحبَها عن دِماء المعصومين من المسلمين وغير المسلمين، وتصون أموالَهم مِن الدّمار والهلاك، وتحثّ على فِعل الخيراتِ ومجانبَة المحرّمات. 

ما أحوجَ الناسَ إلى التخلُّقِ بالرّحمة في هذا العصرِ الذي غاضَت فيه الرّحمة إلاّ من شاء الله، وغلبَت فيه الأهواء، وأُعجِب فيه كلّ ذِي رأيٍ برأيه، ولم يحتكِم إلى الكتاب والسنّة، ولم يراجِع في آرائه الرّاسخين في العِلم.

من أوجه رحمة الله بعباده:

إن رحمة الله عز و جل بعباده، تأتي على أوجه، لا يمكن حصرها، ولكن سأضرب لها أمثلة، فيما يلي:

من رحمته أنْ تكفّل برزق عباده:

فتكفل سبحانه وتعالى برزق عباده، ولم يَكِل أحدًا إلى أحد، وإنما تكفّل برزق الجميع، فلا الأولاد وُكِلُوا لآبائهم، ولا الآباء لأولادهم، بل الجميع تحت فضله وكرمه وإحسانه، كما قا سبحانه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.

من رحمته أن سَخّر لنا ما في السماء والأرض جميعًا منه:

لقيام مصالح حياتنا وانتظام معيشتنا، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.

ومن رحمته أن بعث الرسل:

فمن أعظم أبواب رحمة الله عز و جل بخلقه أن بعث الرسل مبشّرين ومنذرين، يُعَرّفون العباد ربَّهم، ويدعون العبادَ إلى عبادة الله وإخلاص الدين لله، ويعلمونهم الحق، ويحذّرونهم من سبيل الباطل والضلال، ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾.

ومن رحمته بنا أن بعث فينا سيدَ الأولين والآخرين:

فرسالة النبي محمد صلى الله عليه و سلم رحمةٌ لعموم العالمين، والكتاب الذي أَنزَل عليه نذيرٌ للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، فَرَحِم الله البشرية كلها بمبعث هذا النبي الكريم الذي جعل الله رسالته رسالة عامة لكل الثَّقَلَين منذ بُعِث إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.

وكان الأنبياء عليهم السلام يُبعثون إلى قومهم خاصة، وبُعِث محمد صلى الله عليه و سلم إلى الناس عامة، فيقول: «وكان النبي يُبعَث إلى قومه خاصة، وبُعِثتُ إلى الناس عامة»، صلوات الله وسلامه عليه أبدًا دائمًا إلى يوم الدين.

ومن رحمة الله بالعباد إنزال الشريعة:

وهي هذه الشريعة الكاملة في مبادئها ونُظُمِها وقِيَمها وأخلاقها، فهي شريعة كاملة شاملة صالحة ومُصْلِحة لكل زمان وجيل من الناس: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. 

فرحمنا الله سبحانه وتعالى بهذه الشريعة الشاملة العامّة التي وضع الله فيها الآصَارَ والأغلالَ التي كانت على من قبلنا، يقول الله في وصف نبيه: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾، فهي شريعة مبنيّة على اليُسر والتسهيل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وقال صلى الله عليه و سلم: «ادعوا الناس وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا»، وفي الحديث: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين».

ومن رحمته قبوله للتوبة:

قال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، كل هذا رحمة منه بعباده، ينزل في الثلث الأخير من الليل فينادي: «هل من سائل فيُعطَى سُؤلَه؟ هل من مستغفر فيُغفَر له؟ هل من تائب فيُتاب عليه».

ومن رحمته ستره على عبده يوم القيامة:

في يوم القيامة يُؤتَى برجل فيُؤتَى بتسعة وتسعين سِجِلاً، كل سِجِلٍّ مَدّ البصر، يقال له: أتنكر من هذا شيئًا؟ يقول: لا. أَظَلَمَك الكرامُ الكاتبون؟ فيقول: لا. فيظن الرجل أنه هلك، فيقال: لا ظلم. فيُؤتَى ببطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فتوضع البطاقة في كِفّة، والسِّجِلاّت في كِفّة، قال: فطاشَتِ السِّجِلاّت، وثقلت البطاقة.

ومن رحمته أنه يجيب دعاء المضطر:

وهو القائل: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾.

سعة رحمة الله وشمولها:

إن رحمة الله رحمة واسعة، رحمة شاملة، رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة، ورحمة لغير المؤمن في الدنيا، يتمتّع فيها بالملذّات ولا نصيب له في الآخرة، أما المؤمن فرحمة الله عليه في الدنيا والآخرة: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. 

وفي عهد النبي صلى الله عليه و سلم وقد وقع سبي من الكفار فجاءت امرأة تبحث عن صبي لها، فوجدته فألصقته ببطنها، ووضعت ثديها في فمه، فقال النبي صلى الله عليه و سلم: «أترون هذه تلقي ولدها في النار؟» قالوا: لا. قال صلى الله عليه و سلم: «لله أرحم بعبده من هذه بولدها».

الحث على اتصاف العبد بالرحمة مع جميع الخلق:

إن رحمة الله ينالها العبدُ إذا أخذ بأسباب الرحمة، ومن أسباب الرحمة رحمتُك بعباد الله، ففي الحديث عنه قال صلى الله عليه و سلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يَرْحَمْكُم من في السماء»، فالذين يرحمون عباد الله يرحمهم الله، والذين يرحمون أهل الأرض يرحمهم مَن في السماء، جزاءً على قدر أعمالهم الصالحة. وأخبر أن هذه الرحمة لا تُنتَزع إلا من شقيّ، فقال صلى الله عليه و سلم: «لا تُنْزَع الرحمةُ إلا من شقي»، وأخبرنا خبرًا صادقًا أن الله يرحم الرحماء من عباده، فيقول صلى الله عليه و سلم: «إنما يرحم اللهُ من عباده الرحماءَ»، ويقول صلى الله عليه و سلم: «من لا يَرْحَمِ الناس لا يرحمه الله»، فالقاسية قلوبُهُم الذين لا خير فيهم يفوتهم هذا الفضل العظيم.

أولى الناس بالرحمة:

الرحمة بنفسك:

فارحمها بأن تنقذها من عذاب الله، وتسعى في فكاكها من عذاب الله سبحانه وتعالى، بطاعتك لربك، وقيامك لما أوجب عليك: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، ويقول صلى الله عليه و سلم: «كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو مُوبِقُها» ، فارحم نفسك من عذاب الله، قِها عذاب الله بطاعتك لربك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.

الرحمة بالوالدين:

فهما السبب في وجودك بعد الله، ترحمهما رحمة صادقة، تتذكّر أفعالهما الجميلة، وسيرتهما الفاضلة، وتلكم الليالي والأيام التي أمضياها في الإحسان إليك وتربيتك وتهذيبك والإنفاق عليك، فترحم الأمَّ، وترحم الأبَ، ولاسيما عند ضعف القوة وقلّة النشاط والعجز عن الحركة، فهنا يبرز ذَوُو الفضائل، وهنا يكون المَعْدَنُ الصادق، قال تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.

ترحم الأمَّ عند كبر سِنّها وعجز قوّتها، فالخطاب طيّب، والسمع والطاعة والخدمة والنفقة وبذل المعروف.

ترحم الأبَ عند عجزه وضعفه وقلّة حيلته، فتُحسِن إليه كلامًا طيبًا وخدمة وإحسانًا ورِفقًا وقيامًا بالواجب.

الرحمة بالأبناء:

فترحم أبناءك من بنين وبنات، رحمة لهم تتمثّل في الإنفاق عليهم، والإحسان إليهم، رحمة تتمثّل في تربيتهم وتوجيههم والعقد على أيديهم، وتحذيرهم سُبُلَ الرَّدَى والفساد، فتلك الرحمة الحقيقية لهم، ليست الرحمة بمجرد إعطائهم مَلذّاتهم، وتمكينهم من شهواتهم، هذه رحمة ضعف وخَوَر، إنما الرحمة الصادقة هي الرحمة المشتملة على كل الخير، فمن باب النفقة والإحسان يرحمهم فيحسن إليهم، ويعطف عليهم، ويعاملهم بالحسنى، ولكن مع هذا يرحمهم بتربيتهم وتوجيههم، والأخذ على أيديهم، وتبصيرهم بطرق الهدى، وتحذيرهم من سُبُلِ الفساد والرَّدَى، فتلك التربية النافعة التي تجد لذّتَها في حياتك وبعد موتك، وفي الحديث قال صلى الله عليه و سلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث»، ذكر منهم: «ولدًا صالحًا يدعو له»، فالولدُ إذا رُبِّيَ على الخير والتُّقى، والفتاةُ إذا رُبِّيَت على العِفّة والصيانة نشأ الجميع على خير، وتذكّروا للأبوين تلك السيرة الفاضلة والخُلُق الجميل.

رحمة منك للصغار من الأطفال، فترحمهم بالإحسان إليهم، قَبَّل النبيُّ صلى الله عليه و سلم الحسنَ بن علي ابن ابنته رضي الله عنهما، فقال له رجل من الأعراب: أتقبّلون أبناءكم؟! فنظر إليه النبي وقال: «من لا يَرْحَم لا يُرْحَم»، وقال صلى الله عليه و سلم لآخر: «ما أملك أن نزع اللهُ الرحمةَ من قلبك».

وكان رحيمًا رفيقًا بالأطفال، كان صلى الله عليه و سلم يصلي وبنت ابنته أُمَامَة بنت زينب رضي الله عنها تكون معه، إذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها. ويأتي الحسن والحسين  فيصعدان على ظهره وهو ساجد فينتظرهما حتى ينزلا، كل هذا رحمة بالصغار، صلوات الله وسلامه عليه أبدًا دائمًا إلى يوم الدين.

إن رحمتك لأولادك تكون بتربيتهم وتوجيههم ودعوتهم إلى الخير، وحثّهم على احترام الصغير للكبير، ورحمة الكبير للصغير، تسعى في جمع كلمتهم، وتوحيد صفّهم، ينظرون إليك أنّك الأب الرحيم العادل، والأب الذي لا يفرّق بين ذا وذاك.

الرحمة بالزوجة:

ترحم الزوجة فتُحسن إليها، وتُحسن عشرتها، وترحمها بأمرها بالخير، وحثّها على الخير، وتوجيهها للخير، فليس عندك جَفَاء ولا غِلْظة، ولا قُبْح قول ولا سوء معاملة، ولكن حكمة ورفق وأمر بخير وتحذير من شر، وقال صلى الله عليه و سلم: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي». 

الرحمة بالأرحام:

فتصلهم بما تستطيع، فقير تواسيه، وغنيّ تزوره، وآخر تحسن إليه، وهكذا رحمتك لرحمك، «فإن الرحم معلقة بالعرش تقول: يا رب، أنت الرحمن وأنا الرحم. يقول: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ فتقول: نعم. فيقول: ذلك لك».

الرحمة بالضعفاء:

فترحم اليتيم رحمة تحملك على العطف عليه، والإحسان إليه، وتفقّد أحواله، والسعي فيما يصلح دينه ودنياه. وترحم المريض والعاجز بمساعدته وإعانته وتيسير مهمّته.

الرحمة بالمحتاج:

فترحم المَدِين الذي أثقلته الديون، ولازمته الهموم والغموم، فتُضَمّد جراحه، وتعينه على نوائبه، وتسعى في فكاك دَينه، وتُيسّر له عُسره، وتُنظِرَه إن كنت صاحب الحق، وتعين على إنظاره إن لم تكن صاحب الحق. ترحم هذا المَدِين الذي إن خرج رأى الناس وهم يطالبونه، فليله ونهاره في هَمّ وغَمّ وبلاء. قال صلى الله عليه و سلم: «أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالاً فقال له ماذا عملت فى الدنيا فقال ما عملت من شىء يا رب إلا أنك آتيتنى مالاً فكنت أبايع الناس وكان من خلقى أن أُيَسِّر على المُوسر وأَنْظِر المُعْسِر قال الله أنا أحق بذلك منك تجاوزوا عن عبدى».

الرحمة بالعاصي المخالف للشريعة:

ترحمه فَتَذَكّر أنه ضَعُف أمام تسلّط العدو عليه، ذلكم العدو الذي هو عدوه وعدو أبيه قبله، يجري من ابن آدم مجرى الدم، ترحم هذا المسكين الذي زلّت به القدمُ فوقع في الرذائل، زلّت به القدمُ فانحرف سلوكه، زلّت به القدمُ فابْتُلِي بأصحاب سوء وعُشَرَاء سوء ودعايات مضلّلة وأفكار سيئة.

وترحم أولئك الذين وقعوا في شَرَكِ المخدرات، فأفسدت عقولهم، وغيّرت مزاجهم، وأصبحوا أعضاء مشلولين في مجتمعاتهم، ترحم أولئك فترحم أطفالهم الصغار، وترحمهم بالإحسان إليهم، وترحم هذا المسكين فتنصحه وتدعوه إلى الله. إن أهل المعاصي يرحمهم المسلمون رحمة تقتضي دعوتهم إلى الخير وتحذيرهم من الشر، والأخذ على أيديهم، وإقامة حدود الله عليهم، فبهذا رحمة تخفّف إجرامهم، وتقلّل من ذنوبهم وأوزارهم. 

محمد صلى الله عليه و سلم أرحم الخَلْق بالخَلْق.

إن محمدًا صلى الله عليه و سلم أعظم الناس غَيْرة على محارم الله، ومع هذا كله فهو أرحم الناس حتى بالعصاة والمذنبين. أُتِيَ برجل كان يشرب الخمر مرارًا، فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به! فقال: «لا تعينوا الشيطان عليه، لا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه»، وقال مرة صلى الله عليه و سلم: «إنه يحب الله ورسوله».

فالرحمة على أهل هذه المعاصي، تنظر إليهم بعين الرحمة أنهم ضعفوا أمام هذا العدو، تسلّط عليهم هذا العدو، فترحمهم بالنصيحة والتوجيه والدعوة إلى الخير والتحذير من أسباب الشر، ترحمهم فتأخذ على أيديهم، ويرحمهم ذو الشأن فيقيم عليهم حدود الله والتعزيرات الرادعة التي تردّهم إلى الصواب، وتُنقِذُهم من الضلال، فإن حدود الله رحمة للعباد، بها تصلح العباد، ويستقيم حالهم: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.

فالرحمة بأهل المعاصي لا تقتضي التغاضي عنهم ولا تجاهل حالهم، ولا تقتضي مجرد النفور عنهم، لا، بل تحاول إصلاح أخطائهم، وتقويم ما اعوج من سلوكهم، والنظر إليهم بعين الرحمة، ثم بعين العدل بإقامة حدود الله عليهم؛ ليرتدعوا: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

القسوة والعقوبة قد تكون من صور الرحمة

يجب أن ندرك مع سبق أن الرحمة الحقّة قد تأخذ طابع القسوة أحيانًا، وهي ليست كذلك، فالأطفال عندما يساقون إلى المدارس كرهًا ويُحفَّظون الدروس زجرًا، ولو تركوا وأهواءَهم لقتلهم اللهو واللعب، وعندما يؤدبون على الخطيئة أو ينهوا من قبل آبائهم وأمهاتهم عما تميل إليه نفوسهم وفيه ضرر عليهم إنما هو رحمة من الوالدين، وكذلك الطبيب عندما يجري جراحة بالجسم فيمزق اللحم، وقد يضطر لتهشيم العظام أو بترها، وما يفعل ذلك إلا رحمة بالمريض، فليست الرحمة حنانًا لا عقل فيه، أو شفقة تتنكّر للعدل والنظام، وإنما هي عاطفة ترعى الحقوق جميعها، فمنظر الإنسان وهو يقتصّ منه قد يستدرّ العطف، ولو أجيبت هذه العاطفة السريعة وأطلق سراح القاتل لامتلأت الأرض فوضى وفسادًا، ولذا قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، والمسلم يسرّ ويفرح عند سماعه إقامة الحدود.

تحقيق الرحمة:

إنّ الرحمةَ هيَ الإحسانُ إلى النّفسِ بالقِيام بفرائضِ الله والابتعادِ عن محرّماته، والإحسانُ إلى الخلقِ بفعل أنواعِ الخير الذي ينفَع العبادَ ويُصلِح البلاد، وكفُّ الأذى والشرّ، فمن اتَّصف بهذا أدخَله الله في رحمتِه وبوّأه جنّتَه وأصلح له شأنَه كلَّه، قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

حقيقة الرحمة وثمارها:

الرحمةُ تثمِر الألفةَ والمحبّة بين الخلق، وهي سعادةٌ في القلب وطريق إلى الجنة، كما قال صلى الله عليه و سلم: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطانٍ مقسِط متصدِّق موفَّق، ورجل رحيم رقيقُ القلب لكلّ ذي قربى ومسلم، وضعيف متعفِّف ذو عيال».

والرّحمة ترقِّق القلب، فيرحمُ مَن دونَه حتى البهائم والطيور، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنّا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفر، فانطلق لحاجتِه، فرأينا حمَّرَةً معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمَّرة فجعلت تفرِّش، فجاء النبيّ فقال: «من فجع هذه بولدِها؟ ردُّوا ولدَها إليها».

وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: دخل النبيّ صلى الله عليه و سلم حائطًا لرجلٍ من الأنصار، فإذا جملٌ فلمّا رأى النبيَّ صلى الله عليه و سلم حنَّ وذرفت عيناه، فأتاه النبيّ فمسح ذِفراه فسكت، فقال: «من ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟» فجاء فتًى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: «ألا تتَّقي الله في هذه البهيمة التي ملَّكك الله إياها؟! فإنّه شكا إليّ أنّك تجيعه وتُدئبه».

ومَع أنَّ رحمة الخلقِ جالبة لرحمة الله للعبد ففي الصحيح: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمْكم من في السماء»، فإنّها صفة هذه الأمة «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادِّهم وتعاطفِهم كمثل الجسد؛ إذا اشتكى عضو تداعى سائر جسده بالسهر والحمى».

الرحمة تحصل بحسب الهداية:

الرحمة تحصل للمؤمنين المهتدين بحسب هُداهم، فكلما كان نصيب العبد من الهدى أتمّ كان حظه من الرحمة أوفر، فبرحمته سبحانه شرع لهم شرائع الأوامر والنواهي، بل برحمته جعل في الدنيا ما جعل من الأكدار حتى لا يركنوا إليها فيرغبوا عن نعيم الآخرة.

وأرسل نبيه محمدًا بالرحمة، فهو نبي الرحمة للعالمين أجمعين، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، بعثه ربه فسكب في قلبه من العلم والحلم، وفي خُلُقه من الإيناس والبر، وفي طبعه من السهولة والرفق، وفي يده من السخاوة والندى ما جعله أزكى عباد الرحمن رحمة، وأوسعهم عاطفة، وأرحبهم صدرًا.

قال سبحانه وتعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.

والإسلام رسالة خير وسلام ورحمة للبشرية كلها، دعا إلى التراحم، وجعل الرحمة من دلائل كمال الإيمان، فالمسلم يلقى الناس وفي قلبه عطفٌ مدخور، وبرّ مكنون، يوسع لهم، ويخفف عنهم، ويواسيهم، فعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: «لن تؤمنوا حتى تراحموا»، قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم، قال: «إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة العامة».

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*