الإثنين , 5 ديسمبر 2016

الرفــق

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديَ له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:

فهذا موضوعٌ أخلاقيٌّ عظيمٌ من الأخلاق الفاضلة التي حث عليها الإسلام حثًّا شديدًا كما سيتبين معنا إن شاء الله في طيات الآيات والأحاديث، وهو موضوع الرفق، الذي بلغ من الأهمية أنه يدخل في أعمال كثيرة من الأعمال التي يقوم بها الإنسان المسلم،، بل إنه يدخل في أبواب عظيمة من أبواب الإسلام.

تعريف الرفق:

الرِّفْقُ فِي اللُّغَةِ: لِينُ الْجَانِبِ، وَلَطَافَةُ الْفِعْل، وَإِحْكَامُ الْعَمَل، وَالْقَصْدُ فِي السَّيْرِ. وَالرِّفْقُ يُرَادِفُهُ الرَّحْمَةُ، وَالشَّفَقَةُ، وَاللُّطْفُ، وَالْعَطْفُ، وَيُقَابِلُهُ الشِّدَّةُ، وَالْعُنْفُ، وَالْقَسْوَةُ وَالْفَظَاظَةُ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِلرِّفْقِ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ. 

قال العسكري: «والرفق هو اليسر في الأمور والسهولة في التوصل إليها وخلافه العنف وهو التشديد في التوصل إلى المطلوب، وأصل الرفق في اللغة النفع، ومنه يقال: «أرفق فلان فلانا» إذا مكنه مما يرتفق به، ومرافق البيت المواضع التي ينتفع بها زيادة على ما لابد منه».

وقال الغزالي: «اعلم أن الرفق محمود، ويضاده العنف والحدة؛ والعنف نتيجة الغضب والفظاظة، والرفق واللين نتيجة حسن الخلق والسلامة؛ وقد يكون سبب الحدة الغضب، وقد يكون سببها شدة الحرص واستيلاءه، بحيث يدهش عن التفكر ويمنع من التثبت؛ فالرفق في الأمور ثمرة لا يثمرها إلا حسن الخلق، ولا يحسن الخلق إلا بضبط قوة الغضب وقوة الشهوة، وحفظهما على حد الاعتدال». 

فضل الرفق وأهميته:

إن الرفق نعمة عظيمة من نعم الله عز و جل، من أعطاه الله إياها، فقد فاز بخيرٍ عظيمٍ في الدنيا والآخرة، ويتبين هذا الفضل مما يلي:

1- الله عز و جل رفيق يحب الرفق:

فهو من أسماء الله عز و جل، فقد سماه به النبي صلى الله عليه و سلم علي سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا علي الوصفية في بعض النصوص النبوية، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه، كما قال صلى الله عليه و سلم: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِى عَلَى الرِّفْقِ مَا لاَ يُعْطِى عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لاَ يُعْطِى عَلَى مَا سِوَاهُ». 

وعن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِى الأَمْرِ كُلِّهِ». 

2- الرفق صفة نبوية:

امتن الله عز و جل على رسوله صلى الله عليه و سلم بأنه رفق ولان لإخوانه المسلمين، فجمعهم الله عز و جل على رسوله بهذا الرفق وبهذا اللين، فقال عز و جل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، قال ابن كثير رحمه الله: «أي لو كنت سيئ الكلام، قاسي القلب عليهم، لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفًا لقلوبهم». 

3- الرفق أصل في الإسلام:

الإسلامُ هُوَ دينُ اليُسرِ والرِّفقِ واللِّينِ والرَّحمةِ، فقد جمعَ اللهُ تعالى في هذه الشريعةِ الإسلاميةِ بين كونها حنيفيَّةً خالصةً وبين كونِها سمحةً سهلةً؛ فهي حنيفيَّةٌ في التوحيدِ والقصدِ، سمحةٌ في العملِ والعبادةِ. قال اللهُ عز و جل في صفةِ نبيِّ الأمَّةِ: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].

فهذه الآيةُ الكريمةُ من أقوى الأدلَّةِ على أنَّ شريعةَ المصطفى أسهلُ الشرائع، وأنَّه وضعَ عن أمَّتِه كلَّ ثقيلٍ كان في الأمَمِ السابقةِ، فكانت هذه الأمَّةُ أمَّةً وسَطًا، أُريدَ بها اليُسرُ.

قال ابنُ كثير رحمه الله: «إنَّ النبيَّ جاءَ بالتيسيرِ والسماحةِ والرِّفقِ، وقد كانت الأممُ التي قبلنا في شرائعِهم ضيقٌ عليهم، فوسَّعَ اللهُ على هذه الأمَّةِ أمورَها وسهَّلَها لهم». 

4- دعاء النبي صلى الله عليه و سلم للرفقاء:

فدعوة الرسول صلى الله عليه و سلم مستجابة في حق كل من رفق بالأمة أن يرفق الله تعالى به ويحفظه، وفي حق كل من شق على الأمة وضايقها في دينها ودنياها وأمنها واقتصادها وإعلامها وغير ذلك، أن الله تعالى يشق عليه، ويسلط عليه. قال صلى الله عليه و سلم: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ».

قال المناوي: «وقد استجيب فلا يرى ذو ولاية جار إلا وعاقبة أمره البوار والخسار». 

ولا يشترط أن يكون المقصود من الحديث الخليفة أو الحاكم، فيمكن أن يكون أدنى منه بكثير، من ولي ولو أمر رجل واحد، من ولي أمر رجل واحد من المسلمين، يجب عليه أن يرفق به، فما بالك بالذي يلي أمر اثنين، أو ثلاثة، أو عشرة، أو مجموعة من البشر.

فالمدير في مدرسته، والوزير في دائرته، وكل صاحب سلطان وولاية، وكل صاحب أسرة يجب أن يرفق بمن تحت يديه، وبمن هو مسئول عنه، وإلا فإن الله سيشق عليهم يوم القيامة، وفي الدنيا أيضًا، فالدعاء عام.

5- الرفق خير من العنف:

فلذلك روى الإمام مسلم رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِى عَلَى الرِّفْقِ مَا لاَ يُعْطِى عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لاَ يُعْطِى عَلَى مَا سِوَاهُ». قال ابن حجر رحمه الله: «يعني: أن الرفق يتأتى معه من الأمور ما لا يتأتى مع ضده، تأتيك بالرفق أشياء، وتنفتح لك مغاليق أمورٍ لا تنفتح لك بغير الرفق مطلقًا».

وهذه المقارنة في الحديث بين الرفق والعنف هي في مجال الخير، كالتربية مثلا أو الأمر بالمعروف، فحتى لو أثمر العنف نيتجة ظاهرها الخير فإن الرفق يبقى مؤثرا في النفوس أكثر، وعليه الأجر مما لا يؤجر على العنف. 

6- الرفق خير رزق للمرء:

ولذلك يقول صلى الله عليه و سلم مبينًا الأثر السلبي والدرجة التي يكون عليها الرجل العنيد الذي حرم الرفق بقوله صلى الله عليه و سلم في الحديث الصحيح: «ن أُعطِيَ حَظَّهُ مِن الرِّفق فقد أُعْطِيَ حَظَّهُ مِن الخَيرِ، وَمنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِن الرِّفق، فقد حُرِم حَظَّهُ من الخير». إذا لم يوجد رفق يعني: لا يوجد خير، هكذا بهذه البساطة.

7- الرفق من محبة الله للعبد:

عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ». 

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «مَا أَعْطِيَ أَهْلُ بَيْتٍ الرِّفْقَ إِلاَّ نَفَعَهُمْ». 

8- من حرم الرفق حرم الخير:

عن جرير رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه و سلم: «مَنْ حُرِمَ الرِّفْقَ حُرِمَ الْخَيْرَ أَوْ مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ». أي: يحرم قدرًا كبيرًا من الخير. أي: يحرم خير العمل الذي استخدم فيه العنف، وانعدم فيه الرفق، وذلك لأن أسلوب العنف أسلوب لا يأتي بخير. 

ومن ذلك قوله صلى الله عليه و سلم: «إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِى شَىْءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَىْءٍ إِلاَّ شَانَهُ». (شانه) أي: عابه. ففيه الحث على أن يكون الإنسان رفيقا في جميع شئونه رفيقا في معاملة أهله، وفي معاملة إخوانه وفي معاملة أصدقائه وفي معاملة عامة الناس يرفق بهم، فإن الله تعالى رفيق يحب الرفق.

9- الرفق فوز ومنجاة في الآخرة:

قال صلى الله عليه و سلم: «أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلاَثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِى قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ». يرحم عباد الله، يرحم الفقراء والعجزة والصغار وكل من يستحق الرحمة، رقيق القلب ليس قلبه قاسيًا، لكل ذي قربى ومسلم، وأما للكفار فإنه غليظ عليهم هذا أيضا من أهل الجنة أن يكون الإنسان رقيق القلب يعني فيه لين وفيه شفقة على كل ذي قربى ومسلم.

وقال صلى الله عليه و سلم: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يُحَرَّمُ عَلَى النَّارِ؟ أَوْ بِمَنْ تُحَرَّمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟ قَالَ: كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ، قَرِيبٍ سَهْلٍ». قال في «النهاية»: «المسلمون هينون لينون» وهما بالتخفيف قال ابن الأعرابي: العرب تمدح بالهين اللين مخففين وتذم بهما مثقلين وهين: أي بالتشديد فيعل من الهون وهو السكينة والوقار والسهولة فعينه واو، وشيء هين لين أي أسهل». 

لذلك قال قيس بن أبي حازم: «كان يقال: من يعط الرفق في الدنيا نفعه في الآخرة». 

حث الإسلام على الرفق واللين: 

اللِّينُ والرِّفقُ واليُسْرُ وَالسَّمَاحَةُ مِنَ الخِصَالِ الحَمِيدَةِ وَالصِّفَاتِ النَّبِيلَةِ التي جاءَ الإِسْلاَمُ، بالحَثِّ عَلَيْهَا وَالدَّعْوَةِ إِلَى التَّحَلِّي بِهَا، وَالثَّنَاءِ عَلَى أَهْلِهَا وَالقَائِمِينَ بِهَا، إِنَّهَا أَساسُ المَحَبَّةِ والتَّعَاطُفِ بَيْنَ النَّاسِ، وَجَالِبَةُ السَّمَاحَةِ وَالمَودَّةِ فِي التَّعَامُلاَتِ، وَدَلِيلُ كَمَالِ الإِيمَانِ وَحُسْنِ الإِسْلاَمِ، وَعُنْوَانُ فَلاَحِ العَبْدِ وَسَعَادَتِهِ فِي الدَّارَيْنِ، وَصَلاَحِهِ وَحُسْنِ خُلُقِهِ مَعَ الآخَرِينَ، وَسَبَبٌ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى للعِبَادِ، قال صلى الله عليه و سلم: «إِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ». 

وقد يثار هنا سؤال وهو: إن كان الرفق فضيلة بين العنف واللين، فلماذا يحث الإسلام على الرفق بهذا الشكل، محذرًا من العنف، رغم أن العنف في مواضعه مستحسن.

ويجيب على ذلك الغزالي قائلا: «المحمود –أي من الرفق- وسط بين العنف واللين، كما في سائر الأخلاق؛ ولكن لما كانت الطباع إلى العنف والحدة أميل كانت الحاجة إلى ترغيبهم في جانب الرفق أكثر، فلذلك كثر ثناء الشرع على جانب الرفق دون العنف، وإن كان العنف في محله حسنًا، كما أن الرفق في محله حسنٌ، فإذا كان الواجب هو العنف فقد وافق الحق الهوى، وهو ألذ من الزبد بالشهد وهكذا». 

أهمية الرفق في التعامل مع الناس وفي الدعوة إلى الله تعالى: 

إِنَّ التيسيرَ والرِّفقَ في الإسلامِ سمَةٌ عَظِيمَةٌ ظاهرةٌ، تتجلَّى في عقائدِه وعباداتِه ومعاملاتِه وأخلاقِه، وفي الصَّحِيحِ أَنَّهُ صلى الله عليه و سلم مَا خُيِّرَ بينَ أمرينِ إلاَّ اختارَ أيسرَهما ما لم يكن إثمًا.

وَعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ». والمعنى: النَّهيُ عن التشديدِ في الدينِ بأن يُحمِّلَ الإنسانُ نفسَه من العبادةِ ما لا يحتملُهُ إلاَّ بكُلْفَةٍ شديدةٍ، فالدينُ لا يؤخذُ بالمُغَالبَةِ.

وقد قال المصطفى صلى الله عليه و سلم: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ».

وروى عبدُ اللهِ بنُ عمرو بن العاصِ رضي الله عنهما مرفوعًا: «إنَّ هذا الدينَ متينٌ، فأوْغِلْ فيهِ بِرِفْقٍ، وَلا تُبغِّضْ إلى نفسكِ عبادةَ اللهِ، فإنَّ المُنْبَتَّ لا سفَرًا قطعَ وَلا ظهرًا أبقى». 

فالإسلامُ شريعةٌ وَسَطٌ وحنيفيَّةٌ سهلةٌ، مبناها على التيسيرِ ورفعِ الحرَجِ والبُعدِ عن المشقَّةِ والتكلُّفِ والتَّنَطُعِ والتَّشدُّدِ والتَّعَمُّقِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى اليُسْرِ وَالسُّهُولَةِ. 

مفاهيم خاطئة للرفق: 

لَيْسَ المرادُ من الرِّفقِ وَاللِّينِ السُّكُوتَ عَنِ المُنْكَرَاتِ وَالرِّضَا بِالمَعَاصِي وَالذُّلّ وَالهَوَان، فَإِنَّ هَذَا ضَعْفٌ وَجُبْنٌ وَخَوَرٌ يَنْهَى عَنْهُ الإِسْلاَمُ بِكُلِّ شِدَّةٍ، وَيُحَذِّرُ مِنْهُ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ، وليسَ المرادُ به كذلك اللِّينَ في المواقِفِ كلِّها التي قد يتطلَّبُ بعضُها من الشدَّةِ والقسوةِ ما يُحقِّقُ المصالحَ وتُحفَظُ به الكرامةُ والدِّيانَةُ والشريعةُ.

وَإِنَّمَا الرِّفْقُ الحَقِيقيُّ هُوَ وَضْعُ الأُمُورِ فِي مَوَاضِعِهَا التي تَتَطَلَّبُهَا بِعِزَّةٍ وَكَرَامَةٍ وَحُسْنِ سِيَاسَةٍ وَرِعَايَةٍ؛ عَلَى حَدِّ قَوْلِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ بن أبي سُفيانَ رضي الله عنهما: «إنَّ بيني وبينَ الناسِ خيطًا، إن أمهلوه شددتُ، وإن شدُّوه أمهلتُ». 

وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالعُلاَ

مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى

ولَقَدْ كَانَ المُصْطَفَى – صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه – من أرفقِ الناسِ وأليَنِهم وأرحمِهم بِعِبَادِ اللهِ، لكنَّه كَانَ إذا انتُهِكَتْ حُرماتُ اللهِ أو اعتُدِيَ عليها لم يَقُمْ لغَضَبه قائمةٌ، كما صحَّ بذلك الحديثُ عن عائشةَ رضي الله عنها فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.

رفق النبي ورحمته: 

كَانَ المُصْطَفَى صلى الله عليه و سلم إِذَا أَرْسَلَ رَسُولاً أَوْ بَعَثَ بَعْثًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ أَوْصَاهُمْ بِقَوْلِهِ: «بَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا، وَسَكِّنُوا – أَوْ قَالَ: يَسِّرُوا – وَلاَ تُعَسِّرُوا؛ فَإِنَّمَا بُعُثْتُمْ مُيُسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ». 

وعن عائشةَ رضي الله عنها أَنَّ يَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ – يعني: الموتُ عليكم -، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ اللهُ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْكُمْ، قَالَ: «مَهْلاً يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ»، قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟! قَالَ: «أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؟! رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلاَ يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رجلاً أتى النبيَّ يتقاضاه، فأغلَظَ، فهمَّ به أصحابُه، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم: «دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالا»، ثُمَّ قَالَ: «أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِلاَّ أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ، فَقَالَ: «أَعْطُوهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً». 

ولقد تمثَّلَ خُلُقُ الرِّفقِ واللينِ في المصطفى صلى الله عليه و سلم حَتَّى بلغَ مبلغًا عظيمًا مُنقطعَ النظيرِ، وكان يُعالجُ به أمَّتَه وسائرَ خلقِ اللهِ تعالى حتَّى ملكَ نواصيَهم –كما سيتبين فما يلي-، واجتمعَت قلوبُهم على محبَّتِه وتقديمِه على النَّفسِ والمالِ والأهلِ والولدِ، وَأَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ القَرِيبُ وَالبَعِيدُ وَالمُؤْمِنُ وَالكَافِرُ.

أبواب يدخل فيها الرفق:

الرِّفْقُ بِالْوَالِدَيْنِ:

أَمَرَ الله سبحانه وتعالى بِالرِّفْقِ بِالْوَالِدَيْنِ وَالإِْحْسَانِ إِلَيْهِمَا وَبِرِّهِمَا فِي عَدَدٍ مِنَ الآْيَاتِ كَقَوْلِه سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ – ٢٤].

الرفق مع الإخوان:

كل إنسان منا له أصدقاء، وله زملاء، وله إخوان في الله، أناس كثيرون له علاقة بهم، هؤلاء الناس لا بد أن يرفق بهم، قال الله عز و جل لرسوله صلى الله عليه و سلم: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]، اخفض جناحك: أي: كن لينًا هينًا رفيقًا بهم متواضعًا لهم.

لذلك إذا دققت في الأسباب التي تؤدي إلى انفصام عرى الأخوة بين كثير من المسلمين، وجدتها في طرف من الأطراف، أو في كلا الطرفين، لوجدت الأمر حدة في الطبع، وصعوبة في التعامل، وخشونة في الألفاظ، وغلظة، وعزة على المسلمين، بدلاً من أن يكون الأمر: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤].

ولكن انقلب الأمر عند كثير من المسلمين اليوم – للأسف – إلى أن يكونوا أذلة على الكافرين، أعزة على إخوانهم المؤمنين، فكثيرًا ما يجد الأخ بينه وبين أخيه وحشة وتنافرًا، لو دقق في التفكير لوجد السبب يعود إلى هذه العوامل التي ذكرناها التي يسببها فقدان الرفق.

فانعدام الرفق هو الذي يسبب هذه الوحشة وهذا التقاطع والتنافر، لا بد من قبول أعذار الناس، والمسامحة معهم، لا بد من اللين مع الإخوان في المعاملة، ولا بد من خفض الجناح.

كان رسول الله صلى الله عليه و سلم «يَتَخَلَّفُ فِى الْمَسِيرِ فَيُزْجِى الضَّعِيفَ وَيُرْدِفُ وَيَدْعُو لَهُمْ».

فانظروا إلى لين الرسول صلى الله عليه و سلم ورفقه بإخوانه، كانوا في الجيش فإذا تقدم الناس كان الرسول يتخلف إلى الوراء، ولا يكون دائمًا في المقدمة، فيرى من هو الضعيف، ومن هو المسكين العاجز، ومن هو الذي ليس عنده دابة تحمله، فيحمله الرسول صلى الله عليه و سلم، ومن هو الذي يحتاج إلى مساعدة وإعانة، فيعينه الرسول صلى الله عليه و سلم بالعمل والدعاء، لأنه قال في الحديث: «كان يتخلف في المسير، فيزجي الضعيف، ويردف»، يردفه وراءه على دابته رفقًا بهم وبحالتهم، «ويدعو لهم» وهكذا في صحيح الجامع.

الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

ويدخل الرفق دخولاً أساسيًا في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نحن الآن نستعرض استعراضًا بعض الجوانب التي يدخل فيها الرفق، ولا نريد أن نفصل في جانب معين، لأن هذا الجانب يصلح أن يكون موضوعًا مستقلاً بذاته.

والرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من القواعد التي وضعها علماؤنا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقول: «لا بد للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون عالمًا فيما يأمر، عالمًا فيما ينهى رفيقًا فيما يأمر، رفيقًا فيما ينهى». 

بعض الناس قد يكون عندهم علم أن هذا معروف، وأن هذا منكر، لكن ليس عنده رفق في أسلوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك ترى نتيجة جهود هذا الرجل عشوائية ساقطة فاسدة، لا أحد يستجيب له، ولا يصغي إليه، بل إن النتيجة هي الإعراض وشذوذ الناس الذين يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر.

ما هو السبب؟ افتقاد هذا الخلق الإسلامي العظيم، خلق الرفق في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، انظروا معي إلى هذه الحادثة التي لو سارت بشكل آخر، لو سارت الحادثة كما سارت في بدايتها، كيف ستكون النتيجة؟

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قام أعرابي، فبال في المسجد» جريمة عظيمة جدًا أن يقوم أحدهم ويبول في المسجد، مكان العبادة وأطهر مكان، فالصحابة انبهروا لهذا التصرف، فتناوله الناس، وفي رواية للبخاري – أيضًا – فسار الناس ليقعوا فيه، فقال لهم النبي صلى الله عليه و سلم: «دعوه لا تزرموه» يعني: لا تقطعوا عليه بوله، قد ينحبس البول فيتضرر الرجل، أو يهرب وتنتشر النجاسة في بقعة أوسع من المسجد، فلما قضى الأعرابي بوله، قال النبي صلى الله عليه و سلم: «أريقوا على بوله سجلاً»، بمعنى دلوًا وزنًا ومعنى، «فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين». 

فلو أن الأمور سارت بالشكل الذي بدأ به الصحابة، كيف ستكون النتيجة؟ أولاً: الوحشة في نفس الأعرابي، وربما يترك الإسلام، وربما كان قادمًا ليسلم، فربما يرجع بعد أن يجد هذه المعاملة، وأيضًا: انتشار البول، وقد يتضرر شخصيًا.

ما دام الأمر حدث وانتهى، فلا بد من درء أعلى المفسدتين في ارتكاب أدناهما، لذلك أوقفهم الرسول صلى الله عليه و سلم، وجاءت الروايات بعد ذلك أن هذا الأعرابي قال: «اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدا». لأن هذا هو التصرف الذي رآه من الرجل العظيم الرسول صلى الله عليه و سلم.

فلا بد من الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا بد من اللين، ولذلك قال الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام عندما أرسلهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. 

ومن الأمور التي يدخل فيها الرفق – أيضًا – في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أنه إذا كان النهي عن المنكر يحصل بدون عنف وغلظة وهي ضد الرفق، فلا داعي لها عندئذٍ، ومما يشهد لهذا المعنى ما رواه البخاري رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «دخل وفدٌ من اليهود على رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقالوا: السام عليكم – يعني: الموت – قالت: ففهمتها، وقلت: وعليك السام واللعنة، إخوان القردة والخنازير، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «مهلاً يا عائشة ! فإن الله يحب الرفق في الأمر كله، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله»، فقلت: يا رسول الله! أولم تسمع ما قالوا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «فقد قلت وعليهم – يعني: سمعت ما قالوا وفهمت أيضًا – ولكن قلت: وعليكم، وبما أننا يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا، فدعاؤنا عليهم مستجاب، ودعاؤهم علينا غير مستجاب». 

الرفق في دعوة الناس إلى الإسلام:

أما الرفق في دعوة الناس إلى الإسلام، فله أمثلة كثيرة في السيرة النبوية، كان صلى الله عليه و سلم يتلطف في أسلوب الدعوة، كان لينًا في دعوة الناس إلى الإسلام، ولذلك فتح الله له برفقه مغاليق قلوب زعماء الكفر والإلحاد، وألان له نفوسهم كما يلان الحديد، ألينت له نفوسهم بسبب السلاح الفتاك الذي استعمله وهو الرفق، فأسلم الجمع الغفير ممن كانوا من زعماء الضلال والشرك، وصاروا قادة في الإسلام، وقدوات في الدين بعد ذلك، وكان السبب هو أسلوب الرفق المستخدم في دعوته إلى الإسلام.

الرفق في تعليم الناس:

وأما استخدام الرفق في تعليم الناس، فأمثلته كثيرة – أيضًا – ومنها: ما رواه مسلم وغيره في صحيحه عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه وأرضاه وهو رجل أتى من البادية، وكان قبل ذلك موجودًا لكنه خرج في عمل له في البادية، وكان الكلام في الصلاة مباحًا، وكان بعض الصحابة يقول لأخيه: هذه الآيات التي يقرأها رسول الله صلى الله عليه و سلم في أي سورة؟ ومتى نزلت؟ كان الكلام مباحًا في الصلاة، ثم نزل قول الله عز و جل: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. فحرم الكلام، هذا الرجل جاء من البادية ولم يعلم بأن الكلام في الصلاة قد صار محرمًا، فدخل في الصلاة مع الناس، قال: «بين أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وا ثكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني، لكنني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم، فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما نهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، ثم قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن». 

وكذلك كان الرسول صلى الله عليه و سلم رفيقًا بمن يعلمهم، كان الناس يأتون الرسول صلى الله عليه و سلم من شتى الأماكن ليتعلموا، يسافرون إلى المدينة لطلب العلم، فيجلسون عند الرسول صلى الله عليه و سلم، هؤلاء الناس الذين يأتون عندهم أهل يشتاقون إليهم، فماذا كان يفعل الرسول صلى الله عليه و سلم بهؤلاء الناس الذين يأتون ليتعلموا؟ انظر كيف كان يرفق بهم، من كلام هؤلاء الرجال روى البخاري رحمه الله عن مالك بن الحويرث، قال: «أتينا إلى النبي صلى الله عليه و سلم ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلةً نتعلم، وكان رحيمًا رفيقًا، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: «ارجعوا إلى أَهْلِيكُمْ فكونوا فيهم وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ وَصَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِى أصلى فإذا حضرتِ الصلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لكم أحدُكم وَلْيَؤُمَّكُمْ أكبرُكم». 

الرفق بالمسلمين إذا ولي من أمرهم شيئًا:

فالولي قد تحمل المسئولية؛ وتحمل المسئولية لا بد فيه من الرفق، وأؤكد على هذا الجانب بالذات تأكيدًا شديدًا، لأن الذي يتولى أمور المسلمين إذا لم يكن رفيقًا بهم، فإن الفساد والفوضى ستعم، والظلم سينتشر، يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم في الحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به». 

ولا يشترط أن يكون الولي الخليفة أو الملك أو رئيس الحكومة، فيمكن أن يكون أدنى منه بكثير، فمن ولي أمر رجل واحد من المسلمين، يجب عليه أن يرفق به، فما بالك بالذي يلي أمر اثنين، أو ثلاثة، أو عشرة، أو مجموعة من البشر.

فالمدير في مدرسته، والوزير في دائرته، وكل صاحب سلطان وولاية، وكل صاحب أسرة يجب أن يرفق بمن تحت يديه، وبمن هو مسئول عنه، وإلا فإن الله سيشق عليهم يوم القيامة، وفي الدنيا أيضًا، فالدعاء عام: «من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به»، وهذا الدعاء من رسول الله صلى الله عليه و سلم دعاءٌ مستجاب.

نصيحة عمرية:

بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن جماعة من رعيته اشتكوا من عماله فأمرهم أن يوافوه فلما أتوه قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! أيتها الرعية! إن لنا عليكم حقًّا النصيحة بالغيب والمعاونة على الخير، أيتها الرعاة إن للرعية عليكم حقًّا فاعلموا أنه لا شيء أحب إلى الله ولا أعز من حلم إمام ورفقه، وليسَ جهل أبغض إلى الله ولا أغم من جهل إمام وخرقه، واعلموا أنه من يأخذ بالعافية فيمن بين ظهريه يرزق العافية ممن هو دونه. 

الرفق في الإمامة بالناس:

بعض الأئمة يصلون بالناس، فيطيلون الصلاة جدًا، وينهكون قوى الناس الذين يصلون وراءهم، وهذا الحديث يوضح هذا الأمر، فعن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم، فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان – الإمام – مما يطيل بنا، يقول الراوي: فما رأيت النبي صلى الله عليه و سلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذٍ، فقال: «يا أيها الناس! إن منكم منفرين، فأيكم أمَّ الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة». 

الرِّفْقُ بِالْغَيْرِ وَتَجَنُّبُ إِيذَائِهِ فِي مَوَاطِنِ الاِزْدِحَامِ لِلْعِبَادَةِ:

وذلك في عدد من العبادات ومنها على سبيل المثال ما نراه في الحج في الطَّوَافِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فالسنة في ذلك اسْتِلاَمُ الْحَجَرِ وَتَقْبِيلُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، اكْتَفَى بِالإِْشَارَةِ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَوْ بِعُودٍ، وَعِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ يُقَبِّل مَا أَشَارَ بِهِ إِلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ، وَلاَ يُؤْذِي غَيْرَهُ لأَِجْل أَنْ يَصِل إِلَيْهِ وَيُقَبِّلَهُ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه و سلم قَال لِعُمَر رضي الله عنه: «يَا عُمَرُ: إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ لاَ تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِي الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلاَّ فَاسْتَقْبِلْهُ فَهَلِّل وَكَبِّرْ». وَهَذَا كُلُّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَمَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. 

الرفق بالأهل والأولاد:

وهو الرفق في البيت بشكل عام، ومع الزوجة والأولاد بشكل خاص، وهذه نقطة اجتماعية حساسة وخطيرة، ولا بد من الانتباه إليها، يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: «ما أعطي أهل بيت الرفق إلا نفعهم». 

وقال صلى الله عليه و سلم: «إذا أراد الله بأهل بيت خيرًا، أدخل عليهم الرفق»، قال شارح الحديث: يعني أدخل عليهم الرفق بحيث يرفق بعضهم ببعض، فيرفق الزوج بالزوجة، ويرفق الرجل بأبيه وأمه، ويرفق الأب والأم بالولد، ويرفق الإخوة بعضهم ببعض، وهم يرفقون بجيرانهم، وهكذا وعامة البيوت التي تفوح منها روائح المشاكل والخلافات والنعرات والشتات والفرقة، إذا تأملت فيها وجدت السبب عدم الرفق في علاقة أفراد البيت بعضهم ببعض، وفيما يلي جوانب مهمة من الرفق بالأهل والأولاد.

أولا: الرفق بالنساء:

أردأ الرجال هو الرجل الذي لا تشعر المرأة بالأنس معه، وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يجلس لأزواجه ويستمع شكايتهن، ويحل المواقف العصيبة جدًا بكل راحة واطمئنان، ولو تعلمنا من النبي عليه الصلاة والسلام صفة الزوج الصالح لانتهت مشاكل البيوت.

ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت صانعة طعام أجود من صفية، ففي يوم من الأيام أرسلت صفية رضي الله عنها إناء فيه طعام إلى بيت عائشة، وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم عندها ومعه ضيوف، فأخذت عائشة الإناء وكسرته، فتبسم النبي صلى الله عليه و سلم وقال لأصحابة: «غارت أمكم»، ثم أخذ إناءها وأرسله إلى صفية، وقال: «طعام بطعام وإناء بإناء»، فانتهت المشكلة، وحُلت بابتسام، وهكذا إذا عز أخوك فهُن، فإذا كانت المرأة متعصبة ومتصلبة فهُن، ولا يأخذ الرجل العناد والأنفة ويبادر بالطلاق، فيصرح به في وقت، ويكني في وقت آخر، كما لو كان الطلاق سيسحب منه، فيريد أن يستخدمه قبل أن يسحب منه.

والرسول صلى الله عليه و سلم يقول في الحديث الصحيح: «استوصوا بالنساء خيرًا، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء». 

ثانيا: الرفق بالأبناء:

أما بالنسبة للرفق بالأولاد، فقد كان صلى الله عليه و سلم يرفق بالصبيان كثيرًا، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ. وعنه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يزور الأنصار، ويسلم على صبيانهم، ويمسح رءوسهم، وعن جابر رضي الله عنه قال: دخلت على النبى صلى الله عليه و سلم والحسن والحسين على ظهره وهو يقول: «نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما». 

والرجل الأعرابي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم وقال: إنكم تقبلون صبيانكم، إن عندي عشرة من الولد ما قبلت واحدًا منهم، فقال صلى الله عليه و سلم: «أوأملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟». 

الرفق في التعامل مع الخصوم:

الرفق علاج فعال لكثير من الأمور حتى التعامل مع الخصوم، ولذلك شرعه ربنا عز و جل لنا في مجال الدعوة مع الخصوم، قال: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. 

الرفق بالمملوك: 

عن أبى مسعود رضي الله عنه أنه ضرب عبدًا له فقال النبي صلى الله عليه و سلم: «اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام»، قلت: هو حر لوجه الله تعالى. فقال: «أما إنك لو لم تفعل للفحتك النار أو لمستك النار». 

هذا الحديث فيه الحث على الرفق بالمملوك والوعظ والتنبيه على استعمال العفو وكضم الغيظ والحكم كما يحكم الله على عباده. 

الرفْقُ بالْخَدَمِ:

والرِّفْقُ بِالْخَدَمِ وَحُسْنُ مُعَامَلَتِهِمْ مِنَ الأْمُورِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الرَّسُول صلى الله عليه و سلم وَاَلَّتِي جَرَى عَلَيْهَا عَمَل الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، فَقَدْ أَمَرَ الرَّسُول صلى الله عليه و سلم بِأَنْ نُحْسِنَ مُعَامَلَتَهُمْ، وَنَرْفُقَ بِهِمْ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ وَالْعَمَل، فَنُطْعِمَهُمْ مِنْ طَعَامِنَا وَنُلْبِسَهُمْ مِنْ لِبَاسِنَا وَلاَ نُكَلِّفَهُمْ بِالأْعْمَال الَّتِي يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الْقِيَامُ بِهَا، فَإِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ فَعَلَيْنَا أَنْ نُعِينَهُمْ.

وأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الْمَعْرُورِ قَال: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبْذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ، عَنْ ذَلِكَ فَقَال: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلاً فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَال لِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و سلم: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُل وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ». 

الرفق بالحيوان:

وأدلة الرفق بالحيوان كثيرة، ومن ذلك:

عن عبد الله بن جعفر قال: دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم حائطًا لرجل من الأنصار، فإذا جملٌ في البستان، فلما رأى النبي صلى الله عليه و سلم الجمل حن الجمل وذرفت عيناه، فأتاه النبي صلى الله عليه و سلم، فمسح سراته إلى سنامه، يعني: مسح ظهره إلى سنامه، وزجراه، يعني: أصل أذنه، فسكن البعير، لمسح الرسول صلى الله عليه و سلم عليه، فقال: «من رب هذا الجمل؟» يعني: من صاحب هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار، فقال: لي يا رسول الله! فقال: «أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إليَّ أنك تجيعه وتدئبه». يعني: تتعبه وتكده، وهذه من المعجزات.

ولعن رسول الله صلى الله عليه و سلم من اتخذ شيئًا فيه روح غرضًا يرمى إليه، كأن يضع أحدهم دجاجة، ويتسلى عليها في الرمي، أو يضع أرنبًا ويتسلى عليه.

وهذه المرأة التي حبست الهرة حتى ماتت فدخلت النار. وغير هذا كثير من أحاديث النبي صلى الله عليه و سلم التي إن ذهبنا نستقصيها لاحتاجت مؤَلَّفا منفردا.

ضرورة الحذر من انقلاب الرفق إلى ذل ومهانة:

لا بد أن نؤكد على نقطة مهمة وهي أن الرفق قد ينقلب أحيانًا إلى ذلٍ ومهانةٍ، فبعض الناس يخطئون في المكان الذي يرفقون فيه، فينقلب الرفق في حقه إلى ذل ومهانة، إذن لا بد من التوسط في الأمور، ولذلك قال بعض السلف: لا تكن رطبًا فتعصر، ولا يابسًا فتكسر، وقال بعضهم: لا تكن حلوًا فتبلع، ولا مرًا فتلفظ إلى الخارج.

وفرقٌ بين أن يكون الرفق وسيلة إلى تحصيل المقصود، وبين أن يكون الرفق هو الهدف، المهم أنه يصل إلى اللين حتى لو كان الوضع لا يسمح.

الرفق يجب أن يكون وسيلة يحقق المقصود، فإذا كان المقصود لا يتحقق بالرفق، وإنما يتحقق بالشدة والغلظة، فلا يجوز استخدام الرفق في هذه الحالة، ولا يعني الرفق الذلة للكفار، والذلة للذين يستهزئون بالمسلمين كالصور التي يطبقونها، وكالذين يسبون الله عز و جل، فهؤلاء ليس لهم الرفق، إذا دعوا إلى الله، ودين الله والحكمة، ووعظوا، وأصروا، فليس لهم إلا الغلظة ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.

هذا التنبيه مهم جدًا حتى لا تنقلب الأمور، وحتى لا تخرج عن إطارها الصحيح.

* * *

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*