الأحد , 4 ديسمبر 2016

أدب الزهد

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديَ له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:

فإن القرآن يخبرنا في مواضع كثيرة عن دناءة الدنيا ويحضنا على الزهد فيها، والإخبار عن خستها وقلتها وانقطاعها وسرعة فنائها، والترغيب في الآخرة والإخبار بشرفها ودوامها.

فيقول المولى جل في علاه: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

ويقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾.

وعن المستورد الفهري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: «والله ما الدنيا فى الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه هذه فى اليم فلينظر بم يرجع». 

إن لله عبادًا فطنا

طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

نظروا فيها فلما علموا

أنها ليست لحي وطنا

جعلوها لجة واتخذوا

صالح الأعمال فيها سفنًا

تعريف الزهد:

الزهد لغة: 

زهد ضد الرغبة والحرص على الدنيا الزهادة في الأشياء كلها ضد الرغبة، والزهد هو القلة في كل شيء، والشيء الزهيد هو القليل، وإنسان مُزهد أي قليل المال، والزهيد هو قليل المطعم، ومنه قول الله عز و جل: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾، ومنه حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: «أفضل الناس مؤمن مزهد».

والزهد ضد الرغبة، ففلان يزهد في الشيء أي يرغب عنه، قال ابن تيمية رحمه الله: «الزهد خلاف الرغبة».

الزهد اصطلاحًا:

قيل: «الزهد هو بغض الدنيا والإعراض عنها، وهو ترك راحة الدنيا طلبًا لراحة الآخرة»، وعرفه الجرجاني فقال: «هو أن يخلو قلبك مما خلت منه يدك». ويعرفه ابن تيمية رحمه الله فيقول: «الزهد ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة وهو فضول المباح فيما يستعان به على طاعة الله»، ويعرفه ابن الجوزي فيقول: «هو عبارة عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه».

ومثال ذلك ترك الدنيا لحقارتها بالنسبة إلى نفاسة الآخرة، ومعنى ذلك أن من رغب عن شيء وليس مرغوبًا فيه ولا مطلوبًا في نفسه لا يسمى زاهدًا، ويقول ابن القيم عنه: «الزهد سفر القلب من وطن الدنيا وأخذه منازل الآخرة».

متعلق الزهد:

ومتعلقات الزهد خمسة أشياء وهي:

الزهد في المال:

وليس المراد من الزهد في المال رفضه، فقد قال صلى الله عليه و سلم: «نعم المال الصالح للعبد الصالح»، فالمال قد يكون نعمة إذا أعان صاحبه على طاعة الله سبحانه وتعالى وأنفقه في رضوان الله، فعلى سبيل المثال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كان من أصحاب الأموال وكان يستخدم ذلك المال في طاعة ربه، أما المال الذي يفسد صاحبه فيدفعه إلى الطغيان، فإن ذلك المال يكون نقمة على صاحبه، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾.

الزهد في الملك والرياسة:

ليس المراد من الزهد أيضًا رفض الملك والرياسة، فسليمان وداود عليهما السلام كانا من أزهد الناس في زمانهما، ولهما من الملك ما أخبرنا الله عز و جل، كذلك يوسف عليه السلام قال: ﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾.

وإنما الملك الذي يطغى صاحبه هو الذي نهى الله عنه، يقول سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾، فجعله يطغى ويحاج في دين الله عز و جل، أو كفرعون كما قال: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.

الزهد في الصورة:

فليس من الزهد أن يكون الرجل أشعث أغبر، لا يحسن ما يلبس، ففي الحديث قال صلى الله عليه و سلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». قال رجل: يا رسول الله، إني أحب أن يكون ثوبي نظيفًا ونعلي نظيفةً أذاك من الكبر! قال: «لا، الكبر بطر الحق وغمط الناس».

الزهد فيما في أيدي الناس:

 ويقصد بذلك الزهد عما في أيدي الناس وعدم استشرافه أو التطلع إليه، وفي هذا يقول صلى الله عليه و سلم: «ازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس»، فإن جاء من الناس للعبد شيء بدون استشراف نفس فلا بأس به.

الزهد في النفس: 

ويقصد بذلك عدم عجب المرء بنفسه فيظن أنه سيخرق الأرض، أو يبلغ الجبال طولاً، فيتكبر بمنصبه أو بما أعطاه الله من صورة على خلق الله سبحانه وتعالى، وإنما يتواضع ويخفض جناحه للمؤمنين، كما أمر الله نبيه صلى الله عليه و سلم: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.

حقيقة الزهد:

وبالإجمال فإن الزهد هو تطويع المباحات في كل ما يرضي الله عز و جل، وأن يجعل المسلم همه الآخرة ورضى الله عز و جل، قال صلى الله عليه و سلم: «الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام».

وكان النبي صلى الله عليه و سلم يخاف علينا من الالتفات إلى الدنيا وزخرفها فتصرفنا عن الآخرة والسعي لها، فقال صلى الله عليه و سلم: «اتقوا الدنيا واتقوا النساء»، يحذرنا من الافتتان بهما والتعلق بهما.

والزهد في الدنيا وتوابعها ليس مقصودًا لنفسه، بل مقصودًا لغيره، فإن كان ذلك مما يستعان به على طاعة الله وقيام دينه والنفع المتعدى والقاصر، كان محمودًا، وإن كان لا يتوسل به إلى شيء من ذلك، أو يتوسل به إلى أمراض نفسية وشهوات دنية، أو يطلب به الراحة الحاضرة فقط، لم يكن محمودًا، فهو وسيلة محضة لا غاية مقصودة، وإنما الغايات المطلوبة تتبع أوامر الله ورسوله صلى الله عليه و سلم، وعلمها وتنفيذها في نفسه وفي غيره بكل وسيلة وطريقة توصل إليها.

وقال أحمد بن أبي الحواري: قلت لسفيان بن عيينة: من الزاهد في الدنيا؟ قال: من إذا أنعم عليه شرك وإذا ابتلي صبر، فقلت: يا أبا محمد قد أنعم عليه فشكر وابتلي فصبر، وحبس النعمة، كيف يكون زاهدًا؟ فقال: اسكت، من لم تمنعه النعماء من الشرك، ولا البلوى من الصبر، فذلك الزاهد.

وقال ربيعة: «رأس الزهادة جمع الأشياء بحقها ووضعها في حقها».

فليس الزهد في الدنيا بأن تحرّم على نفسك ما أحله الله لك من الطيبات، إذ الحلال نعمة من الله على عبده، وقد قال صلى الله عليه و سلم: «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة ولا سرف؛ فإن الله يحب أن ترى أثر نعمته على عبده»، فشكره على نعمته والاستعانة بها على طاعته واتخاذها طريقًا إلى جنته أفضل من الزهد فيها، والتخلي عنها، لأن الزهد في نعم الله زهد مخالف لهدي النبي صلى الله عليه و سلم وسنته، لا خير فيه، يظلم القلوب ويعميها ويشوه جمال الدين الذي اختاره الله لعباده، وينفر العباد من دين الله عز و جل ويهدم الحضارة، ويمكن أعداء الله من أمة الإسلام وينشر الجهل. 

علامات الزهد الحقيقي:

وقد يظن أن تارك المال زاهد وليس كذلك، فإن ترك المال وإظهار الخشونة سهل على من أحب المدح بالزهد، بل لا بد من الزهد في حظوظ النفس. وينبغي أن يعول الزاهد في باطنه على ثلاث علامات: 

أحدهما: أن يكون العبد بما يد الله أوثق منه بما في يد نفسه، وهذا ينشأ من صحة اليقين وقوته، فإن الله ضمن أرزاق عباده، وتكفل بها، كما قال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾.

قال الحسن رحمه الله: «إنَّ من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله عز و جل».

وقال مسروق رحمه الله: «إن أحسن ما أكون ظنًا حين يقول الخادم: ليس في البيت قفيز من قمح ولا درهم».

وقال الإمام أحمد رحمه الله: «أسرُّ أيامي إليّ يوم أصبح وليس عندي شيء».

والثاني: أن يكون العبد إذا أصيب بمصيبة في دنياه من ذهاب مال أو ولد، أو غير ذلك، أرغب في ثواب ذلك مما ذهب منه في الدنيا أن يبقى له، وهذا أيضًا ينشأ من كمال اليقين.

وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقول في دعائه: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا»، وهو من علامات الزهد في الدنيا، وقلة الرغبة فيها، كما قال علي رضي الله عنه: «من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات».

والثالث: أن تستوي عند العبد حامده وذامُّه في الحق، وهذا من علامات الزهد في الدنيا، واحتقارها، وقلة الرغبة فيها، فإن من عظمت الدنيا عنده أحبّ المدح وكره الذم، فربما حمله ذلك على ترك كثير من الحق خشية الذمّ، وعلى فعل كثير من الباطل رجاء المدح، فمن استوى عنده حامده وذامه في الحق، دل على سقوط منزلة المخلوقين من قلبه، وامتلائه من محبة الحق، وما فيه رضا مولاه، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: «اليقين أن لا ترضى الناس بسخط الله».

أهمية الزهد:

إن الزهد في الدنيا ليس من نافلة القول، بل هو أمر لازم لكل من أراد رضوان الله سبحانه وتعالى والفوز بجنته، ويكفي في فضيلته أنه اختيار نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وأصحابه رضي الله عنهم، قال ابن القيم رحمه الله: «لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، فإيثار الدنيا على الآخرة إما من فساد في الإيمان، وإما من فساد في العقل، أو منهما معًا».

ولذا نبذها رسول الله صلى الله عليه و سلم وراء ظهره هو وأصحابه، وصرفوا عنها قلوبهم، وهجروها ولم يميلوا إليها، عدوها سجنًا لا جنة، فزهدوا فيها حقيقةَ الزهد، ولو أرادوها لنالوا منها كل محبوب، ولوصلوا منها إلى كل مرغوب، ولكنهم علموا أنها دار عبور لا دار سرور، وأنها سحابة صيف ينقشع عن قليل، وخيال طيف ما استتم الزيارة حتى أذن بالرحيل. 

أقسام الزهد: 

قسم ابن القيم رحمه الله: الزهد إلى أقسام وهي: 

1- زهد في الحرام: وهو فرض عين. 

2- زهد في الشبهات: وهو بحسب مراتب الشبهة؛ فإن قويت التحق بالواجب، وإن ضعفت كان مستحبًا. 

3- زهد في الفضول: وهو زهد فيما يعنى من الكلام والنظر والسؤال واللقاء وغيره، وزهد في الناس، وزهد في النفس، حيث تهون عليه نفسه في الله. 

4- زهد جامع لذلك كله: وهو الزهد فما يُنسى ما عند الله، وفي كل ما يشغلك عن الله، وأفضل الزهد إخفاء الزهد، وأصعبه الزهد في الحظوظ. 

دعوة الإسلام إلى الزهد:

أولا: من القرآن الكريم:

قال سبحانه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.

وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾.

وقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾.

ثانيا: من السنة الشريفة:

1- من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة».

2- من حديث عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه و سلم وهو يقرأ: ألهاكم التكاثر قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي، قال: وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت».

3- من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطى رضى وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه فى سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان فى الحراسة كان فى الحراسة وإن كان فى الساقة كان فى الساقة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع».

4- من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، وقد كان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك.

5- من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه و سلم رجل وقال له: دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس».

6- من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر في الآخرة».

7- وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له».

ما يعين على الزهد:

قسم ابن رجب في جامع العلوم والحكم ما يعين على الزهد إلى:

1- علم العبد أن الدنيا ظل زائل وخيال زائر: فهي كما قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.

2- علم العبد أن وراء الدنيا دارًا أعظم منها قدرًا وأجل وهي دار البقاء. 

3- معرفته وإيمانه الحق بأن زهده فيها لا يمنعه شيئًا كتب له منها وأن حرصه عليها لا يجلب له ما لم يقض له منها فمتى تيقن ذلك ثلج له صدره وعلم أن مضمونه منها سيأتيه. 

فحيَّ على جنات عدن فإنها

منازلك الأولى وفيها المخيم

ولكننا سبي العدو فهل ترى

نعود إلى أوطاننا ونسلم

وقد زعموا أن الغريب إذا نأى

وشطت به أوطانه فهو مغرم

وأي اغتراب فوق غربتنا التي

أصبحت لها الأعداء فينا تحكم

زهد النبي صلى الله عليه و سلم:

وقد كان نبينا صلى الله عليه و سلم إمام الزاهدين وله تسع نسوة، وكان سليمان وداود عليهما السلام من أزهد أهل زمانهما، ولهما من الملك والمال والنساء ما لهما، وكذلك الصحابة رضي الله عنهم كانوا من الزهاد مع ما كان لهم من الأموال والنساء والبنين، ما هو معروف.

كان صلى الله عليه و سلم أزهد الناس في الدنيا، وأقلهم رغبة فيها، حتى كان الزهد خلقًا من أخلاقه الفاضلة، وإليك المواقف التالية: 

1- قوله صلى الله عليه و سلم في الصحيح: «لو كان لي مثل أحد ذهبا لسرني أن لا يمر على ثلاث وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدين»، فهذا أكبر مظهر للزهد الصادق الذي كان الحبيب صلى الله عليه و سلم يعيش عليه ويتحلى به. 

2- قوله صلى الله عليه و سلم لعمر رضي الله عنه وقد دخل عليه فوجده على فراش من أدم حشو ليف، فقال: إن كسرى وقيصر ينامان على كذا وكذا، وأنت رسول الله صلى الله عليه و سلم تنام على كذا وكذا فقال له صلى الله عليه و سلم: «ما لي وللدنيا يا عمر، وإنما أنا فيها كراكب أستظل بظل شجرة ثم راح وتركها». 

3- وأكبر مظهر لزهده صلى الله عليه و سلم في الدنيا سؤاله المتكرر: «اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا»، وفي لفظ قوتا أي بلا زيادة ولا نقصان.

4- قول عائشة رضي الله عنها: «مات رسول الله صلى الله عليه و سلم وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي»، وقد قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعا من شعير.

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في الزهد: 

دخل رجل على أبي ذر رضي الله عنه فجعل يقلب بصره في بيته، فقال: يا أبا ذر! أين متاعكم؟ فقال: «إن لنا بيتًا نتوجه إليه!!» فقال: إنه لا بد من متاع ما دمت ها هنا. فقال: «إن صاحب المنزل لا يدعنا ها هنا».

وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: «إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل». وعنه أيضا رضي الله عنه أنه قال: «طوبى للزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة، أولئك قوم أخذوا أرض الله بساطًا وترابها فراشا وماءها طيبا والكتاب شعارا والدعاء دثار ورفضوا الدنيا رفضًا».

وقال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز: «إن الدنيا ليست بدار قراركم، كتب الله عليها الفناء، وكتب الله على أهلها منها الظعن، فكم من عامر عما قريب يخرب، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن، فأحسنوا – رحمكم الله – منها الرحلة».

هي الدنيا تقول بملء فيها

حذار حذار من بطشي وفتكي

فلا يغرركم مني ابتسام

فقولي مضحك والفعل مبكي

الزهد في الدنيا: 

قال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. 

عن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جلس رسول الله صلى الله عليه و سلم على المنبر وجلسنا حوله فقال: «إن مما أخاف عليكم من بعدى ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها».

وقد وصف رسول الله صلى الله عليه و سلم الدنيا في أحاديث كثيرة، منها حديث جابر رضي الله عنه الذي أخرجه مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم مر بالسوق والناس كنفيه – أي بجانبيه – فمر بجدي أسكّ ميت، أي صغير الأذن فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: «أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم؟»، فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ ثم قال: «أتحبون أنه لكم؟» قالوا: والله لو كان حيًا كان عيبًا أنه أسك، فكيف وهو ميت؟! فقال: «فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم».

وكان الرسول صلى الله عليه و سلم يقول: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء».

وقال صلى الله عليه و سلم: «ألا إن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله تعالى وما والاه، وعالمًا ومتعلمًا».

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

النفس تبكي على الدنيا وقد علمت

أن السلامة فيها ترك ما فيها

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها

إلا التي كان قبل الموت يبنيها

فإن بناها بخير طاب مسكنه

وإن بناها بشر خاب بانيها

أين الملوك التي كانت مسلطنة

حتى سقاها بكأس الموت ساقيها

أموالنا لذوي الميراث نجمعها

ودورنا لخراب الدهر نبنيها

كم من مدائن في الآفاق قد بنيت

أمست خرابًا وأفنى الموت أهليها

لا تركنن إلى الدنيا وما فيها

فالموت لا شك يفنينا ويفنيها

واعمل لدار غدًا رضوان خازنها

الجار أحمد والرحمن بانيها

قصورها ذهب والمسك طينتها

والزعفران حشيش نابت فيها

 *  * 

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*