السبت , 3 ديسمبر 2016

الصــــدق

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديَ له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: 

فإن الصدق مطلوب من الإنسان، وواجب عليه أن يكون صادقًا في أقواله وأفعاله وعقيدته، والمرء إذا تعلق بشيء وتخلق به حقًا كان أو باطلاً عرف به وصار ممدوحًا به أو مذمومًا، وخير ما يمدح به المسلم ويتصف به الصدق، وتجنب الكذب، لأن الصدق يجعل الإنسان في منزلة عالية عند الله وعند خلقه، والرسول صلى الله عليه و سلم أمرنا بالصدق وحضنا عليه، ونهانا عن الكذب وحذرنا منه، وأوضح لنا منزلة الصدق والصادقين والكذب والكذابين.

قال صلى الله عليه و سلم: «إنَّ الصِّدقَ يَهْدِي إِلَى البرِّ، وإنَّ البر يَهدِي إِلَى الجَنَّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا. وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكتَبَ عِنْدَ الله كَذَّابًا». 

تعريف الصدق:

الصدق لغةً: هو الصدق في القول ماضيا كان أو مستقبلا، وعدا كان أوغيره، ولا يكون في القول إلا في الخبر دون غيره من أصناف الكلام، كما من معانيه القوة، والنقاء. 

وهو اصطلاحًا: مطابقة القول – أو الفعل – الضمير والمخبر عنه، ومتى انخرم شرط في ذلك صدقا تاما، بل إما ألا يوصف بالصدق، وإما أن يوصف تارة بالصدق وتارة بالكذب على نظرين مختلفين.

ومن خير ما عرف به كذلك: أنه استواء السر والعلانية، والظاهر والباطن، بألا تكذب أحوالُ العبد أعمالَه، ولا أعمالُه أحوالَه. 

درجات الصدق: 

ثم درجات الصدق لا نهاية لها، وقد يكون للعبد صدق في بعض الأمور دون بعض فإن كان صادقًا في الجميع فهو الصديق حقًا. ومن أظهر درجات الصدق ما يلي:

الدرجة الأولى: صدق اللسان:

وهذه المرتبة من الصدق من أعظم المراتب، وتكميلها من أعظم الأمور وأشقها على النفس، لكن ليس الصدق منحصرًا فيها كما يظن كثير من الناس، وهذا النوع من الصدق يستلزم أمورًا ثلاث:

1- الصدق في نقل الأخبار: كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. 

2- واجتناب الظنون والأوهام: كما قال صلى الله عليه و سلم: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث». 

3- والحذر من التحدث بكل ما يسمع: كما قال صلى الله عليه و سلم: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع».

الدرجة الثانية: الصدق في النية والإرادة:

فيستلزم أن تكون بواعث الأعمال والسكنات كلها لله عز و جل، وأن يكون الظاهر معبرًا عن الباطن، فإن تكلم العبد بلسانه خلاف ما في قلبه فهذا يدل على عدم الصدق في النية كما قال الله عز و جل في وصفه المنافقين: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾. 

ومن ذلك حديث الثلاثة أول من تسعر النار بهم يوم القيامة، قال صلى الله عليه و سلم: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ:

رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِىءٌ. فَقَدْ قِيلَ؛ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِى النَّارِ.

وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ؛ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِى النَّارِ.

وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِىَ فِى النَّارِ». 

الدرجة الثالثة: الصدق في العمل:

وهذا يستلزم أن يجاهد الإنسان نفسه لتكون سريرته وعلانيته واحدة، وألا تدل أعماله الظاهرة على أمر باطن لا يتصف به حقيقة كمن يتظاهر بالخشوع في الظاهر، والقلب ليس كذلك.

ولذا كان أبوهريرة رضي الله عنه يقول: تعوذوا بالله من خشوع النفاق قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعا والقلب غير خاشع. 

وقال يزيد بن الحارث: إذا استوت سريرة العبد وعلانيته فذلك النصف، وإن كانت سريرته أفضل من علانيته فذلك الفضل، وإن كانت علانيته أفضل من سريرته فذلك الجور.

الدرجة الرابعة: الصدق في الوعد والوفاء به:

سواء كان هذا الوعد على مكان معين، أو في زمان معين، أو على أعطية، أو زواج، أو أي أمر آخر يعد به الرجل أخاه، فالصدق في القول يستلزم الوفاء بها وعدم إخلافها مهما كانت الظروف، وللأسف الشديد فإن هذا النوع من الصدق في القول لا زلنا نفتقده كثيرًا في واقعنا، وقل من يحرص عليه، ومن ذلك:

الوفاء بعهد الله عز و جل:

قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. 

فالوفاء بعهد الله عز و جل يقتضي توحيده وإفراده بالعبادة، كما يقتضي التحاكم إلى شرعه وحده والكفر بالطاغوت، وهذا هو مقتضى الصدق في شهادة أن لا إله إلا الله التي يرددها الإنسان بلسانه.

الوفاء بعهد النبي صلى الله عليه و سلم:

إن الوفاء بعهده صلى الله عليه و سلم يقتضي إحياء سنته والذب عنها وتقديم قوله على قول كل أحد، وهذا مقتضى شهادة أن محمدا رسول الله، فمن أخل بشيء من ذلك المقتضى فهو كاذب في هذه الشهادة كما قال الله عز و جل مكذبا المنافقين عندما قالوا: نشهد إنك لرسول الله فقال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. 

الوفاء بعهد الناس:

وقد جعل الشرع إخلاف عهد الناس والغدر فيه من أشد أنواع الكذب، بل جعله من أركان النفاق وآيات المنافقين، كما قال صلى الله عليه و سلم: «آية المنافق ثلاثة وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائْتُمِنَ خان».

وقال صلى الله عليه و سلم: «أَرْبَعٌ من كُنَّ فيه كان مُنَافِقًا خَالِصًا، ومَنْ كانتْ فيه خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كانت فيه خصلةٌ من النفاقِ حتى يدعَها: إذا حدَّث كذَب، وإذا وعد أخلفَ، وإذا عاهد غَدَرَ، وإذا خاصم فَجَرَ». 

الدرجة الخامسة: الصدق في مقامات الدين:

وهو كما يقول صاحب الإحياء: أعلى الدرجات وأعزها، وهو صدق أحوال القلب من الصدق والرجاء والحب والتوكل والرضا واليقين وسائر هذه الأمور التي لها مبادئ ينطلق الاسم بظهورها، وغايات لمن نال حقيقتها، والناس يتفاوتون فيها تفاوتا عظيما؛ ولنضرب أمثلة لذلك.

الخوف – مثلا -: ما من عبد يؤمن بالله واليوم الآخر إلا وهو خائف من الله خوفًا ينطلق عليه الاسم، ولكنه خوف غير صادق أي غير بالغ درجة الحقيقة، ولا يظهر عليه شيء من ذلك عند جريان معصية عليه!! في حين أنه إذا خاف حاكما ظالما أو قاطع طريق فإنه يصفر لونه وترتعد فرائصه ويتنغص عليه عيشه.

انظر إلى أولئك الذين يتخلفون عن الجمعة، وعن الصلاة، أو ربما لا يصلون بالمرة، ألا يزعم كل واحد منهم أنه يخاف الله رب العالمين؟!

وهذا الذي يفطر في نهار رمضان من غير عذر، ألا يزعم أنه يخاف الله رب العالمين؟!

وذلك الذي يسرق ويغش ويزني ويرابي، ألا يزعم كل واحد منهم أنه يخاف الله رب العالمين؟!

وهؤلاء النسوة المتبرجات السافرات الكاسيات العاريات، ألا يزعمن أنهن يخفن الله رب العالمين؟!

مثال آخر محبة الله عز و جل: … كم من مدع لها وهو كاذب في دعواه، وواقعه يناقض هذه الدعوة ويكذبها، وقد فضح الله هؤلاء بآية واحدة فقال لهم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.

النصوص تأمر بالصدق:

بالإضافة إلى أن الصدق هو أساس الفضائل النفسية، فهو ضرورة من ضرورات الحياة الاجتماعية، بل هو أكبر أبواب السعادة للأفراد وللأمة، فحسبك مثلا في المعاملات المادية أن ترى نفسك مسوقا حين تريد ابتياع سلعة أن تفتش عن التاجر الذي عرف بالصدق.

ولعل أصدق ميزان لرقي أمة من الأمم صدق أفرادها في أقوالهم وأعمالهم، وإنها لأزمة كبيرة تلك التي يعاني منها الناس في تعاملهم عندما يفقدون الثقة فيما بينهم لأنهم يفقدون خلق الصدق، وينتشر بينهم خلق الكذب: الكذب في الأقوال، والكذب في الأعمال، والكذب في النيات، فليس غريبًا إذن أن تقف الشرائع كلها مشددة في خلق الصدق، منكرة رذيلة الكذب.

والإسلام هو أشد الشرائع وطأة على الكذب والكذابين، وأكثرها تنويها بالصدق والصادقين، فالله تعالى جعل الصدق قريب التقوى، فمن فقد الصدق فقد التقوى، حين يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. 

ويعتبر الإسلام الصدق مفتاح البر، والكذب مفتاح الإثم والفجور، فيقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: «إن الصدق يهدي إلى البر، وان البر يهدي إلى الجنة، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار».

والكذب خيانة كبرى، يقول صلى الله عليه و سلم: «كبرت خيانة أن تحدث أخالك حديثا هو لك مصدق وأنت له كاذب».

وقد حرص الأدب العربي على الدعوة إلى الصدق مهما كانت عواقبه،، كما في قول الشاعر:

عليك بالصدق ولو أنه

أحرقك الصدق بنار الوعيد

وابغ رضا الولى، فأغبى الورى

من أسخط المولى وأرضى العبيد

الصدق في أقوال السلف والحكماء:

أخي الكريم، للصالحين والفضلاء في الصدق أقوال جميلة وعبارات سديدة أذكر لك فيما يلي بعضها:

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «عليك بالصدق وإن قتلك».

وقال أيضًا: «لأن يضعني الصدق – وقلّ ما يفعل – أحب إلى أن من أن يرفعني الكذب وقلّ ما يفعل».

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «أربع من كن فيه فقد ربح: الصدق والحياء وحسن الخلق والشكر». 

وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «ما كذبت مذ علمت أن الكذب يشين صاحبه».

وقال يوسف بن أسباط رحمه الله: «لأن أبيت ليلة أعامل الله بالصدق أحب إلى من أن أضرب بسيفي في سبيل الله».

وقال الشعبي رحمه الله: «عليك بالصدق حيث ترى أنه يضرك فإنه ينفعك، واجتنب الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك».

فضل الصدق:

إن الأعمال الصالحة تتفاضل في الثواب، والصفات الحميدة يزيد بعضها على بعض في الأجر والمنازل، بحسب عموم نفعها لصاحبها وللخلق، كما أن الأعمال السيئة والأفعال والصفات القبيحة يعظم عقابها وجزاؤها الأليم بحسب ضررها، وثوران شررها لصاحبها وللخلق، قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. 

الصدق خلق كريم:

فالصدق خلق كريم، ووصف حسن عظيم، لا يتصف به إلا ذو القلب السليم، أمر الله به في كتابه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. وقد قيل: «الصدق عمود الدين، وركن الأدب، أصل المروءة، فلا تتم هذه الثلاثة إلا به». 

الصدق خلق الأنبياء:

النبوة رسالة من الله سبحانه وتعالى على يد رجل من الناس ليبلغ عن الله تعالى ما أرسل به، فإذا كان كذلك فإن أول ما يجب أن يتصف به النبي هو الصدق، سواء قبل البعثة أو بعدها، إذ يستحيل أن يبعث الله سبحانه وتعالى كذابا، فيستحيل على الرسول أن يكذب؛ فتأييد الله سبحانه وتعالى له بالآيات البينات دليل على صدقه، كما أن اتباع الناس له وظهور أمره كل ذلك يدل على صدقه.

قال الله سبحانه وتعالى في إبراهيم عليه السلام: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾. وقال في إدريس عليه السلام مثل ذلك. وقال في وصف إسحاق ويعقوب ابني إبراهيم عليه السلام: ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاً جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾. وقال في إسماعيل عليه السلام: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا﴾.

وقد كان العرب في جاهليتهم قبل بعث النبي صلى الله عليه و سلم يلقبونه بالصادق الأمين، فما كانوا يؤثرون عليه كذبًا قط.

الصدق طمأنينة:

من يتحلى بهذه الفضيلة على مراتبها فإنه يرزق بإذن الله تعالى طمأنينة القلب، عن حديث الحسن بن على رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلى ما لا يَرِيبُكَ؛ فإِن الصِّدْقَ طُمأْنينة والكذبَ رِيبَة». 

الصدق يهدي إلى الجنة:

فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِى إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِى إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا. وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا». 

الصدق محمودة عواقبه في الدنيا:

كما في حديث كعب بن مالك رضي الله عنه في قصة تخلقه عن غزوة تبوك، قال: قلت: يا رسول الله، إني – والله – لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، لقد أُعطيت جدلاً، ولكني – والله – لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله يسخطك علي، وإن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عقبى الله عز و جل. 

الصدق محمودة عواقبه في الآخرة:

ثواب الصدق في الآخرة رضوان الله سبحانه وتعالى، والدرجات العلى في الجنة، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ففي القرآن العظيم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. 

التحذير من الكذب:

إن الكذب من علامات النفاق، وما اجتمعت في مسلم إلا كان منافقًا خالصًا، كما سبق في الحديث.

وما شيء إذا فكرت فيه

بأذهب للمروءة والجمال

من الكذب الذي لا خير فيه

وأبعد بالبهاء من الرجال

الكذب دليل سوء النفس:

إن الكذب رذيلة محضة، تنبئ عن تغلغل الفساد في نفس صاحبها، وعن سلوك ينشِّئ الشرّ تنشئة، ويدفع إلى الإثم دفعًا؛ والطباع التي تتأثر بالجبن أو البخل غير الطبائع التي تُقبل على الموت في نَزَقٍ، وتبعثر المال بغير حساب، وقد تكون هناك أعذار لمن يشعرون بوساوس المرض أو الخوف عندما يقفون في ميادين التضحية والفداء في سبيل الله والإنفاق من الأموال المكتنزة، ولكنه لا عذر أبدًا لمن يتّخذون الكذب خلقًا، ويعيشون به على خديعة الناس والتحايل عليهم بشتى الطرق الشيطانية، معتقدين بأن في ذلك الخير، مع أنه يحمل الشر والهلكة لو كانوا يعقلون.

فيجب على المسلم أن يلتزم بالصدق وإن رأى فيه الهلكة، فإن مضمونه النجاة بإذن الله عز و جل، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «المؤمن يطبع على كل خلق إلا الكذب والخيانة».

وسئل رسول الله صلى الله عليه و سلم: أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: «نعم»، قيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: «نعم»، قيل له: أيكون المؤمن كذابًا؟ قال: «لا». 

لا يكذب المرء إلا من مهانته

أو فعله السوء، أمن قلة الأدب

لبعض جيفة كلبٍ خير رائحة

من كذبة المرء في جد وفي لعب

الكذب مذمومة عواقبه في الآخرة:

سوف يجد الكذاب في الآخرة عاقبة كذبه وجزاءه، وله الويل والعذاب الأليم، قال النبي صلى الله عليه و سلم: «[أما الرجل] الَّذِي رَأيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ، يُحَدِّثُ بِالكِذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ مَا رَأَيْتَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ». 

أقبح أنواع الكذب:

الكذب في دين الله من أقبح المنكرات، وأول ذلك نسبة شيء إلى الله أو إلى رسوله وهو لم يقله، يقول: قال الله، قال رسوله، وهو بذلك كاذب. وهذا الضرب من الافتراء فاحش في حقيقته، وخيم في عاقبته، ومع ذلك نجد بعض المسلمين لا يتورع من الوقوع في ذلك يقول: قال الله، مع أن ذلك ليس في القرآن الكريم، ويقول: قال رسول الله، وليس ذلك بحديث عنه، وما أشبه ذلك من الفتوى، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾.

وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «إِنَّ كَذِبًا عَلَىَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ فَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».

وقال أيضًا صلى الله عليه و سلم: «يَكُونُ فِى آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ يَأْتُونَكُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ لاَ يُضِلُّونَكُمْ وَلاَ يَفْتِنُونَكُمْ». 

حالات جواز الكذب:

إذا كان الإسلام قد حرم الكذب لما فيه من الضرر، فقد يكون للضرورة مباحًا في بعض المواطن التي ترجح فيها المصلحة، فقد أباح الإسلام الكذب لإنقاذ نفس بريئة من القتل، كما أباحه في الحرب مع الأعداء لخداعهم، وفي الإصلاح بين الناس، وفي حديث الرجل لزوجته، وهذا ما يقوله صلى الله عليه و سلم: «لا يصلح الكذب إلا فى ثلاث يحدث الرجل امرأته ليرضيها والكذب فى الحرب والكذب ليصلح بين الناس». وفي رواية: «لاَ أَعُدُّهُ كَاذِبًا الرَّجُلُ يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ يَقُولُ الْقَوْلَ وَلاَ يُرِيدُ بِهِ إِلاَّ الإِصْلاَحَ وَالرَّجُلُ يَقُولُ فِى الْحَرْبِ وَالرَّجُلُ يُحَدِّثُ امْرَأَتَهُ وَالْمَرْأَةُ تُحَدِّثُ زَوْجَهَا». 

تحريم الكذب في المزاح.

ومن الجدير بالذكر أن الإسلام حرم الكذب حتى في حال المزاح، وكان من أوصافه أنه كان يمزح ولا يقول إلا حقًّا. 

تربية الأبناء على الصدق.

يوصي الإسلام أن تغرس فضيلة الصدق في نفوس الأطفال، حتى يشبّوا عليها وقد ألفوها في أقوالهم وأحوالهم كلّها، ولننظر إلى حال بعض المسلمين اليوم، كيف يعوّد الشخص أولاده بنين وبنات على الكذب وتعلمه منذ الصغر، فمثلاً لو طرق أحد عليه الباب أو دق جرس الهاتف قال للابن أو البنت: قل: أبي غير موجود! مع أنه موجود، وهو الذي لقّنه الكذب، ثم يطلب من أولاده أن يصدقوا ولا يكذبوا.

فهل ترى إذا الأب عوّد أولاده على الكذب من حيث يشعر أو لا يشعر، هل يستجيبون لتربيته ولطلبه الصدق منهم وعدم التعامل بالكذب؟!

الجواب: لا، لن يستجيبوا لنداءاته بأن يكون الصدق سَجِيّة لهم وعلامة واضحة في حياتهم، وإن استجابوا وصدقوا مرة فسوف يقولون الكذب مرات ومرات؛ نظرًا لما طُبعوا عليه وتعودوا.

وكذلك الحال يُرغَمُ أولادنا جميعًا على الكذب سواءٌ ممن عوّدهم الصدق أو ممن لم يعوّدهم، وذلك من خلال الاستماع إلى المسلسلات أو قراءة القصص الكاذبة أو الخيالية البعيدة عن الواقع أو سرد القصص الواهية باسم التخيلات التائهة، والتي تثري فكر الطفل على حدّ زعمهم، والتي لا تمتّ إلى الإسلام بصلة، بل هي مفسدة ودعوة للكذب.

وعن عبد الله بن عامر قال: دعتني أمي يومًا ورسول الله قاعد في بيتنا فقالت: تعال أعطك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه و سلم: «ما أردت أن تعطيه؟» قالت: أردت أن أعطيه تمرًا، فقال لها صلى الله عليه و سلم: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِيهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «مَنْ قَالَ لِصَبِيٍّ: تَعَالَ هَاكَ، ثُمَّ لَمْ يُعْطِهِ فَهِيَ كَذْبَةٌ».

فلننظر كيف يعلّم الرسول صلى الله عليه و سلم الأمهات والآباء أن ينشّئوا أولادهم تنشئة يحترمون فيها الصدق ويتنزهون عن الكذب، ولو أنه تجاوز عن هذه الأمور وعدّها من التوافه الهيّنة كما يظنها بعض المسلمين، لو تجاوز عنها لخشي أن يكبر الأطفال وهم يعتبرون الكذب ذنبًا صغيرًا، وهو عند الله عظيم.

* * *

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*