السبت , 25 أكتوبر 2014
جديد الموقع

العــــدل

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديَ له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: 

فإن العدل صفة من صفات الله تبارك وتعالى، ولهذا أهاب القرآن بنا أن نعدل فيما بيننا، بل حتم علينا أن نأخذ أنفسنا بالعدل حتى مع عدونا، وحذرنا أن نميل عن العدل انصياعًا لعاطفة، أو تشفيًّا من خصم، أو طواعية لمصلحة أو تكسب، والله جل جلاله يأمرنا بالعدل، فيقول عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.

تعريف العدل:

الْعَدْل: خِلاَفُ الْجَوْرِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ فِي الأُْمُورِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الأَْمْرِ الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ طَرَفَيِ الإْفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، وَالْعَدْل مِنَ النَّاسِ: هُوَ الْمَرْضِيُّ. قَوْلُهُ وَحُكْمُهُ، وَرَجُلٌ عَدْلٌ: بَيِّنُ الْعَدْل، وَالْعَدَالَةُ وَصْفٌ بِالْمَصْدَرِ مَعْنَاهُ: ذُو عَدْلٍ.

العدل ومكانته في الشرائع وأثره في عز الأمم وبقائها:

احترام العدل تقليدٌ تتوارثه الأمم المحترمة، وتقيم له الضمانات، وتبني له الحدود والتشريعات، من أجل أن يرسخ ويستقرَّ.

وإن الحضارات الإنسانية لا تبلغ أوج عزها، ولا ترقى إلى عز مجدها إلا حين يعلو العدل تاجها، ويتلألأ به مفرقها. تبسطه على القريب والغريب، والقوي والضعيف، والغني والفقير، والحاضر والباد.

فقد تواطأت على حسنه الشرائع الإلهية، والعقول الحكيمة، والفطر السوية، وتمدح بادعاء القيام به ملوك الأمم وقادتها، وعظماؤها وساستها.

لقد دلت الأدلة الشرعية وسنن الله في الأولين والآخرين أن العدل دعامة بقاء الأمم، ومستقر أساسات الدول، وباسط ظلال الأمن، ورافع أبنية العز والمجد، ولا يكون شيء من ذلك بدونه.

فالعدل هو غاية الرسالات السماوية كلها: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.

فبالعدل قامت السموات والأرض، وللظلم يهتز عرش الرحمن. العدل مفتاح الحق، وجامع الكلمة، ومؤلف القلوب، وبه تعمر الدول وبدونه يبيدها الخراب.

مكانة العدل في الإسلام والأمر به وسعته وشموله:

إن أمة الإسلام هي أمة الحق والعدل، والخير والوسط، نصبها ربها قوامةً على الأمم في الدنيا، شاهدةً عليهم في الآخرة، خير أمةٍ أخرجت للناس، يهدون بالحق وبه يعدلون، يتواصون بالحق والصبر، ويتنافسون في ميادين الخير والبر، ويتسابقون إلى موجبات الرحمة والأجر.

العدل في كتاب الله عز و جل:

أمة الإسلام أمةٌ أمرها ربها بإقامة العدل في كتابه أمرًا محكمًا وحتمًا لازمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.

وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.

فضل العدل:

أن الله أمر به:

قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾، قال الشيخ السعدي رحمه الله: «فالعدل الذي أمر الله به يشمل العدل في حقه وفي حق عباده، فالعدل في ذلك أداء الحقوق كاملة موفرة بأن يؤدي العبد ما أوجب الله عليه من الحقوق المالية والبدنية والمركبة منهما في حقه وحق عباده، ويعامل الخلق بالعدل التام، فيؤدي كل وال ما عليه تحت ولايته سواء في ذلك ولاية الإمامة الكبرى، وولاية القضاء ونواب الخليفة، ونواب القاضي».

أن الله يحب أهله:

قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.

يسبقون لظل الرحمن يوم القيامة:

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه و سلم: «أَتَدْرُونَ مَنْ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ اللَّهِ عز و جل يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟» قَالُوا: اللَّهُ عز و جل وَرَسُولُهُ صلى الله عليه و سلم أَعْلَمُ. قَالَ: «الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ حُكْمَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ». قال الملا علي القاري: «حكموا للناس أي للأجانب ولو كان حقيرا كحكمهم لأنفسهم أي لذواتهم وقراباتهم».

على منابر من نور:

قال صلى الله عليه و سلم: «إنّ المُقْسِطِينَ عِنْد الله يَوْمَ القيَامَةِ على منَابِرَ مِنْ نُورٍ عنْ يَمينِ الرَّحمن، وَكِلتا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الذينَ يَعْدِلونَ في: حُكْمِهِمْ، وأهْلِيهِمْ، وما وُلُّوا». قال النووي: «والمقسطون هم العادلون».

العادلون أقرب الناس لله سبحانه وتعالى يوم القيامة:

قال صلى الله عليه و سلم: «إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ، وَأَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ جَائِرٌ».

أقسام العدل:

إن الإسلام صدقٌ كله، وحكمه عدلٌ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وعدل الإسلام يسع الأصدقاء والأعداء، والأقرباء والغرباء، والأقوياء والضعفاء، والمرؤوسين والرؤساء.

وقال صلى الله عليه و سلم: «ما من أحد يكون على شيء من أمور هذه الأمة فلم يعدل فيهم إلا كبه الله في النار».

وإن من أولى ما يجب العدل فيه من الحق حق الله سبحانه وتعالى في توحيده وعبادته، وإخلاص الدين له كما أمر وشرع خضوعًا وتذللاً، ورضًا بحكمه وقدره، وإيمانًا بأسمائه وصفاته. وأظلم الظلم الشرك بالله عز و جل، وأعظم الذنب أن تجعل لله ندًا وهو خلقك.

ثم العدل في حقوق العباد تُؤدى كاملة موفورة، ماليةً أو بدنية، قولية أو عملية. يؤدي كل والٍ ما عليه مما تحت ولايته في ولاية الإمامة الكبرى ثم نواب الإمام في القضاء والأعمال في كل ناحية أو مرفق.

أولا: العدل مع الله عز و جل في توحيده وتنزيهه عن الشريك:

فهو أعظم العدل، وهو توحيد الله عز و جل لا شريك له، وهو الحق الذي قامت به السماوات والأرض، ومن أجله خلق الله الخلق، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾.

ويقابل هذا القسم من العدل أعظم الظلم، وهو الإشراك بالله عز و جل والكفر به، والتحاكم إلى غير شرعه ومنهجه القويم، وهو مصداق قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، ومثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، وقوله عز و جل: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.

العدل مع النفس:

ويدخل في ضمن العدل مع الله سبحانه وتعالى قيام الإنسان بالأمانة التي كلفه الله عز و جل بها، والعمل على خلاصها ونجاتها مما لا تطيقه من عذاب الله وغضبه، مصداق قوله عز و جل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.

ويقابل هذا النوع من العدل ظلم الإنسان لنفسه بترك ما أمر الله به، أو بفعل ما حرم الله عز و جل عليه مما هو دون الشرك، وما لا يتعدى ضرره إلى غيره، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.

العدل مع العباد:

وهذا القسم من الأهمية بمكان وهو ثمرة القسمين السابقين، ولا يمكن أن يتحقق هذا القسم أو غيره من الأقسام إلا بتطبيق شرع الله عز و جل، واتباع منهجه الذي أمرنا به، وبيّنه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه و سلم، وإلا فلا عدل ولا قسط ولا استقامة، وإنما كفر وظلم وفسوق، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

فحيث حُكّم في حياة الناس منهجٌ آخر من وضع البشر لازمه جهل البشر، وقصور البشر، كما لازمه الظلم والتناقض، ظلم الفرد للجماعة، أو ظلم الجماعة للفرد، أو ظلم طبقة لطبقة، أو ظلم أمة لأمة، أو ظلم جيل لجيل، وعدل الله عز و جل وحده هو المبرأ من الجهل الهوى والميل لأي من هؤلاء.

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

وهذا القسم الأخير من أقسام العدل له لوازم ومقتضيات كثيرة لا يتحقق إلا بها.

لوازم ومقتضيات للعدل مع العباد. 

1- التثبت من الأمر قبل الحكم عليه:

فمن العدل والإنصاف أن يتثبت المسلم من كل خبر أو ظاهرة قبل الحكم عليها، وإن من الظلم والاعتداء الحكم على أمر بمجرد الظنون والأوهام، والله عز و جل يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾، فالإنسان مسئول عن سمعه وبصره وفؤاده أمام الله عز و جل، فلا تتبع ما لم تعلمه علم اليقين، وما لم تتثبت من صحته من قول يقال أو رواية تروى أو غير ذلك، والله عز و جل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.

2- العدل في النقد ومعالجة الخطأ:

وفي هذا الجانب موقفه صلى الله عليه و سلم من صنيع حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه في فتح مكة، ومعالجته صلى الله عليه و سلم لهذا الخطأ رغم شناعته وخطورته.

فعن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم أنا والزبير والمقداد بن الأسود، قال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها». فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقبن الثياب. فأخرجته من عقاصها.

فأتينا به رسول الله صلى الله عليه و سلم، فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «يا حاطب ما هذا؟».

قال: يا رسول الله لا تعجل علي، إني كنت أمرًا ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت كفرًا ولا ارتدادًا ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «لقد صدقكم».

قال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: «إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».

فهذا هو النبي صلى الله عليه و سلم لم يحكم على حاطب رضي الله عنه نتيجة خطأ واحد جرى منه ساعة خوف على أهله، بل احتسب صلى الله عليه و سلم لحاطب حظه في السبق للإسلام وجهاده يوم بدر.

3- الفرح بإصابة الغير للحق والحزن على مجانبتهم له:

ولعل هذا اللازم من أصعب لوازم الحق تحقيقًا، لأنه يمثل قمة العدل والتقوى والورع، حيث نرى الكثير من دعاة المسلمين اليوم فضلاً عن عامتهم إذا رأوا غيرهم قد أخطأ فإنهم يفرحون بذلك حتى يحسبونه غلبة، في الوقت الذي لو وجدوا خلاف ذلك – من إصابة غيرهم للحق – فإنهم يحزنون لهذه الإصابة، وهذا والعياذ بالله هو الظلم والحقد والحسد الذي لا يلتقي مع العدل وحب الخير للناس.

4- الشهادة للمحسن بإحسانه وللمسيء بإساءته:

فإننا نرى اليوم كثيرا من الناس يفرطون في محبتهم أو كرههم، فإذا أحبوا شخصًا أو طائفة ما فإنهم يفرطون في هذا الحب ولا يعدلون فيه، فلا يرون إلا الحسنات، ويتجاوزون عن الأخطاء والسيئات، ويبررونها ويؤولونها، وكأن من أحبوه لا يجوز عليه الخطأ، وهذا غلو واعتداء في الحب قد يؤدي إلى الغلو في الرجال وتقديسهم، وفرق شاسع بين التقدير والتقديس، وفي مقابل ذلك إذا أبغضوا شخصًا أو هيئة ما فإن هذا الكره ينسيهم كل الحسنات والإيجابيات، وهذا عين الظلم، فلا بد من ذكر المحاسن مقابل المساوئ ليعتدل ميزان الحكم، فالاعتدال في الحب والكره من لوازم قوله تعالى: ﴿قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.

5- الابتعاد عن النجوى:

فمما يفرضه العدل على المسلم أن يبتعد عن النجوى التي من شأنها إحزان المسلمين وإثارة العداوة والبغضاء بينهم، وهي عامل مهم في ترويج الإشاعات، يقول عز و جل: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

والنجوى لا تأتي بخير إلا في أحوال ثلاثة ذكرها الله عز و جل في قوله: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾.

6- الصدق والوضوح:

فالصدق يؤدي إلى العدل كما أن العدل يستلزم الصدق والوضوح في الأقوال والأفعال، بعكس ما يحدث في زماننا من الأساليب الغامضة في تعامل المسلمين مع بعضهم البعض، وهذا الغموض وعدم الوضوح وسوء الظن بالمسلمين من الأمراض الخطيرة التي تؤدي إلى إذكاء العداوة والفرقة بين المسلمين وعدم اطمئنان بعضهم إلى بعض، والأصل أن يفترض الصدق في المسلم وألا يساء الظن به، ورأينا كيف قال صلى الله عليه و سلم عندما سمع من حاطب عذره قال: «صدق ولا تقولوا إلا خيرا».

العدل في الأقوال:

وكما يكون العدل في الأعمال والأموال فهو مطلوب في الأقوال والألفاظ: قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾. ولعل العدل في الأقوال أدق وأشق.

وصاحب اللسان العدل يعلم أن الله يحب الكلام بعلم وعدل، ويكره الكلام بجهلٍ وظلم: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.

وتأملوا هذا الإنصاف النبوي في القول حينما أعلن النبي صلى الله عليه و سلم حكمه على كلمة قالها شاعر حال كفره حين قال صلى الله عليه و سلم: «أَصْدَقُ كلمة قالها الشاعر كلمة لَبِيد (أَلاَ كُلُّ شَىْءٍ ما خَلاَ اللَّهَ بَاطِلٌ)، وكاد أُمَيَّةُ بن أَبِى الصَّلْتِ أن يُسْلِمَ».

وهذا علي رضي الله عنه يقاتل من خرج عليه، فلما سئل عنهم: أمشركون هم؟ قال: هم من الشرك فروا. قيل: أفمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً. قيل: فما هم يا أمير المؤمنين؟ قال: هم إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم ببغيهم.

ويقول النووي رحمه الله: «ينبغي أن يذكر فضل أهل الفضل ولا يمتنع منه لسبب عداوة ونحوها».

التحذير من اتباع الهوى:

إن إقامة العدل في الأرض لا يمكن أن تتم إلا حين تتجرد النفوس لله سبحانه وتعالى، وتتخلى عن رغباتها، ويكون هدفها الأسمى هو ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى، ونعيمها النفسي هو العمل لإرضاء الله، ولذا قال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، لله فقط وتعاملا مباشرا مع الله، لا لحساب أحد، ولا لمصلحة فرد أو جماعة أو أمة.

والهوى صنوف شتى ذكر الله بعضا منها: حب الذات هوى، وحب الأهل والأقربين من الهوى، والعطف على الفقير في موطن الشهادة والحكم هوى، ومجاملة الغني هوى، ومضارته هوى، والتعصب للعشيرة والقبلية والأمة والوطن في موضع الشهادة والحكم هوى، وكراهية الأعداء ولو كانوا أعداء الدين، في موطن الشهادة والحكم هوى، وأهواء شتى كلها مما ينهى الله الذين آمنوا عن التأثر بها والعدول عن الحق والصدق تحت تأثيرها. 

من مواقف العدل في حياة النبي صلى الله عليه و سلم: 

كان صلى الله عليه و سلم عادلاً في قوله وفعله وحكمه. لا يجور ولا يحيف، وكان العدل من أخلاقه وأوصافه اللازمة له، فقد عرف به في الجاهلية قبل الإسلام؛ وهذه مواقف له صلى الله عليه و سلم يتجلى فيها هذا الخلق النبوي الكريم: 

حكمه في قضية الحجر الأسود:

وهي قصة تحكيم قريش له صلىالله عليه وسلم في وضع الحجر الأسود بعد خلاف شديد بينهم كاد يفضى بهم إلى الاقتتال. فقالوا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى نحكم أول قادمٍ علينا. فكان صلى الله عليه و سلم، فقالوا: هذا الأمين، هذا الحكم، رضينا به. فحكم بأن يوضع الحجر في ثوب، وتأخذ كل قبيلة بطرف، ثم أخذ الحجر بيديه ووضعه في مكانه من جدار البيت، فحكم فعدل، وكان مظهرًا من مظاهر عدله صلى الله عليه و سلم. 

قوله في قضية المخزومية:

لما سرقت المخزومية، وشق على المسلمين إقامة الحد عليها فتقطع يدها، فتوسطوا له بحِبه وابن حِبه أسامةَ بنِ زيد، فرفع إليه القضية، فقال صلى الله عليه و سلم: «أفي حد من حدود الله تشفع يا أسامة والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها».

عدله بين زوجاته صلى الله عليه و سلم:

كان صلى الله عليه و سلم تحته تسع نسوة، وكان يعدل ويتحرى العدل، ثم يعذر إلى ربه وهو مشفق خائف فيقول: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمي فِيمَا أملك، فَلَا تلمني فِيمَا تملك وَلَا أملك». يعني الحب وقد كانت عائشة رضي الله عنها أحب نسائه إليه، وسائر نسائه يعرفن ذلك وكان يطاف به محمولا في مرضه في كل يوم وكل ليلة فيبيت عند كل واحدة منهن.

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في العدل والمساواة: 

قال ابن حزم رحمه الله: «أفضل نعم الله تعالى على المرء أن يطبعه على العدل وحبه، وعلى الحق وإيثاره». 

قال ابن تيمية رحمه الله: «إن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة وخيمة، وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يروى: الله بنصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة، ولو كانت مؤمنة». 

قال ابن القيم رحمه الله: «التوحيد والعدل هما جماع صفات الكمال». 

مجالات العدل:

مر بنا قوله قال صلى الله عليه و سلم: «إنّ المُقْسِطِينَ عِنْد الله يَوْمَ القيَامَةِ على منَابِرَ مِنْ نُورٍ عنْ يَمينِ الرَّحمن، وَكِلتا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الذينَ يَعْدِلونَ في: حُكْمِهِمْ، وأهْلِيهِمْ، وما وُلُّوا». وفي ذلك من مجالات العدل التي يمدح بها هؤلاء ويستحقون هذه المنزلة في الآخرة ما يلي:

أولا: العدل في الحكم:

فهم في حكمهم عادلون، لا يجورون، ولا يميلون، يقولون الحقَّ ولو على أنفسِهم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾، فلا تتّبعوا الهوى فتتركوا العدلَ، فإنّ العدلَ إنّما يكون ممّن سَلِم من الهوى، أمّا صاحب الهوى فالهوى يميل به يمينًا ويسارًا، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.

والذين يعدِلون في حكمِهم يجعَل الله لهم محبّة في القلوب وطمأنينَة لقولهم وثقةً بهم، لأنّهم حكموا فعدلوا وقضَوا بين النّاس بالعدل، ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾.

وفي مثل هؤلاء صح الخبر عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجلٌ رحيمٌ رقيق القلب لكل ذي قربى، ومسلم عفيف متعفف ذو عيال». كما أن الإمام العادل سابع سبعةٍ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. 

ومن ثمرات العدل في الحكم: 

من ثمرات العدل في الحكم إشاعة الطمأنينة في النفوس، روي أن قيصرًا أرسل إلى عمر بن الخطاب رسولاً لينظر أحواله ويشاهد أفعاله، فلما دخل المدينة سأل عن عمر وقال: أين ملككم؟ فقالوا: ما لنا ملك، بل لنا أمير قد خرج إلى ظاهر المدينة، فخرج في طلبه فرآه نائمًا فوق الرمل، وقد توسد درته (وهي عصا صغيرة كانت دائما بيده يغير بها المنكر)، فلما رآه على هذه الحال وقع الخشوع في قلبه. وقال: رجل يكون جميع الملوك لا يقر لهم قرار من هيبته، وتكون هذه حالته، ولكنك يا عمر عدلت فنمت وملكنا يجور، فلا جرم أنه لا يزال ساهرًا خائفًا!.

العدل في الأهل:

فالممدوحون بالعدل الموعودون بمنابر النور يوم القيامة أهلُ عدل في أهليهم، فليس عندهم جورٌ في أهليهم، بل يعاملون أهليهم بالعدلِ في كلّ الأحوال، وأهلوهم هم أولادهم وأزواجهم. 

العدل في الأولاد:

فالمسلم أمَام أولادِه ذكورًا وإناثًا يلزَم العدلَ بينهم، ويتّقي الله فيهم، ويظهِر لهم أنّه أبوهم الرّحيم بهم الشفيق عليهم، لا يطمع هذا في ظُلمه، وهذا في حَيفه، لا يطمَع أحدٌ فيه، فيطمع في ظلمِه لإخوانِه وميلِه معه دون غيره، وإنّما الكلّ مطمئنّون إليه، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه و سلم أرشد الآباءَ إلى أن يتّقوا الله في أولادِهم، فلا يفضِّلوا بعضًا على بعض، ولا يقدّموا أحدًا على أحد.

في عهدِه صلى الله عليه و سلم جاءَه بشير بن سعد الأنصاريّ رضي الله عنه ليشهِدَه على أنّه وهب لابنِه النّعمان بن بشير رضي الله عنه غلامًا، وأمّ النعمان أبَت إلاّ أن توثّق تلك العطيّةَ بشهادةِ محمّد صلى الله عليه و سلم فقالت: لا أقبل أن تعطيَ ابني هذه العطيّة إلاّ أن يكونَ رسول الله صلى الله عليه و سلم شاهدًا عليها، وأيّ شهادةٍ أعظم من شهادة محمد وأصدق منها وأوثق منها؟! فلمّا جاءه وأخبره قال: إنّ أمّ هذا طلبت منّي أن أنْحل ابنَها غلامًا وأن أشهِدَك عليه، فقال صلى الله عليه و سلم: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ ذَا؟» قال: لا، قال: «أَيَسُرُّك أَنْ يَكُونُوا لَك فِي الْبِرِّ سَوَاءً» قال: نعم، قال: «إذًا فلا»، وفي لفظ أنّه قال له: «أشهد عَلَى هَذَا غَيْرِي»، ففهِم منه أنّ هذا الأمرَ الذي امتنع محمّد أن يكونَ شاهدًا عليه دليل على أنّه مخالف للحقّ، وفي بعض الألفاظ أنّه صلى الله عليه و سلم قال: «لا تُشهِدني على جَور»، وفي لفظ أنّه صلى الله عليه و سلم قال: «اتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ».

العدل بين الزوجات:

ومِن العدل في الأهلِ، عدلُ الرّجل بين زوجاتِه إن يكن عنده أكثرُ من واحدة، فإنّ العدلَ بين الزوجات واجب شرعيّ أمر الله سبحانه وتعالى به، وأمر به نبيّه صلى الله عليه و سلم، فالله جلّ وعلا لما أباح لعباده التعدّد قيَّد ذلك بقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾، فأباح التعدّدَ وأذن فيه، لكن شريطةَ أن يكون المعدِّد يغلِب على ظنّه العدل بين الزوجات، وأن لا يقصِد بالتعدّد ظلمَ هذه لمصلحةِ هذه.

فيعدل بين الزوجاتِ في الأمور التي يمكنه العدل فيها، يعدل بينهنّ في النّفقة، فلا يفضّل تلك على أخرى بلا سبب، يعدِل في المبيت والمسكن والنّفقة، ولو كان في القلبِ حبٌّ لواحدة، لكن لا يظهر ذلك أمام الأخرى، فلا يقدح في هذه عند الأخرى، ولا يعيب هذه عند الأخرى، ولا يفشِي سرَّ هذه عند الأخرى.

وكان صلى الله عليه و سلم أعدلَ الناس بين نسائه، وألزمهم للعدلِ في الأمور كلّها، وقد حذّر صلى الله عليه و سلم المسلم من أن يجورَ ويظلم، فيقول أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله: «مَن كان عنده امرأتان فمال إلى إحداهنّ دون الأخرى جاء يوم القيامة وشقُّه مائل».

العدل في الولاية:

المسلم فيما تولّى من عملٍ يلزم العدلَ، يلزم العدلَ فيمن وُلّي عليهم ويسوسُهم السّياسة الشرعيّة ويحكم بينهم بالعدل، فلا يظلِم هذا، ولا يحقِد على هذا، ولا يحابي هذا ضدَّ هذا، إنّما يعدل بين من تولّى أمرَهم، ويسوسهم السّياسة الشرعيّة، ويقوم بهم على حسب العدلِ والقيام بالواجب، فأقرب النّاس إليه أحسنُهم أداء وأحسنهم عملاً وأنجزهم مهمّة، هذا أحبّ النّاس إليه، لا يميل مع هذا ضدّ هذا، وإنّما يلزم تقوى الله فيمن وُلّي عليهم، والله سائلٌ كلَّ راع وما استرعى؛ حفظ ذلك أو ضيَّعه.

هذا هو العدل العالمي الذي جاء به محمد منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، عدلٌ يتم فيه ضبط النفس والتحكم في المشاعر. إنه القمة العليا، والمرتقى الصعب الذي لا يبلغه إلا من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًا ورسولاً، وبدينه دستورًا وحكمًا.

عدل الإسلام مع الأعداء:

ما من عقيدة أو نظام في هذه الأرض يكفل العدل المطلق للأعداء المناوئين كما يكفله لهم الإسلام، لقد نزلت آيات من القرآن لتنقذ رجلاً يهوديًّا من تهمة توجه إليه، مع كيد يهود للإسلام وللنبي صلى الله عليه و سلم وأتباع دينه بكل ما في جبلتهم من الرغبة في الشر وكراهية الخير للناس، وينصفه من رجل مسلم من قبيلة الأنصار، الأنصار الذين آووا ونصروا، وقدموا أرواحهم، وأموالهم في سبيل الله سبحانه وتعالى.

قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾.

عن الضحاك قال: «كان رجل من اليهود استودع رجلا من الأنصار درعا من حديد فتركها ما شاء الله أن يتركها ثم طلبها فكابره بها فخون اليهودي الأنصاري فغضب له قومه فمضوا معه إلى رسول الله فقالوا يا رسول الله إن اليهودي خون صاحبنا فاعذره وأزجر عنه فقام النبي وهو لا يعلم فعذره وزجر عنه فأنزل الله عز و جل هذه الآيات كلها فيه».

 *  * 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>