الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » محاسن الإسلام » القناعـــة

القناعـــة

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أما بعد:

فإن من سنة الله تعالى في هذا الكون أن جعل الدنيا دار ابتلاء وامتحان، وقدَّر أن تكون مليئةً بالمصاعب والمتاعب، دائمةَ التغيّر والتحوّل، لا تثبت على حال، ولا تدوم على شأن، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الفتح: ٢٣]، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].

مفهوم القناعة:

توجد علاقة متينة بين القناعة وبين الزهد والرضى، ولذلك عرَّف بعض أهل اللغة القناعة بالرضى، والقانع بالراضي( 1). 

قال ابن فارس: «قنع قناعة: إذا رضي، وسميت قناعة؛ لأنه يُقبل على الشيء الذي له راضيًا»( 2). 

ونحا فريق من أهل الاصطلاح إلى تقسيم القناعة، وجعل أعلى مراتبها الزهد كما هو صنيع الماوردي؛ حيث قال: «والقناعة قد تكون على ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: أن يقتنع بالبُلغة من دنياه، ويصرف نفسه عن التعرض لما سواه؛ وهذا أعلى منازل أهل القناعة، ثم ذكر قول مالك بن دينار: «أزهد الناس من لا تتجاوز رغبته من الدنيا بُلغته». 

الوجه الثاني: أن تنتهي به القناعة إلى الكفاية، ويحذف الفضول والزيادة، وهذا أوسط حال المقتنع، وذكر فيه قول بعضهم: من رضي بالمقدور قنع بالميسور.

الوجه الثالث: أن تنتهي به القناعة إلى الوقوف على ما سُنح، فلا يكره ما أتاه وإن كان كثيرًا، ولا يطلب ما تعذَّر وإن كان يسيرًا، وهذه الحال أدنى منازل أهل القناعة؛ لأنها مشتركة بين رغبة ورهبة، فأما الرغبة: فلأنه لا يكره الزيادة على الكفاية إذا سنحت، وأما الرهبة: فلأنه لا يطلب المتعذر عن نقصان المادة إذا تعذرت»( 3). ا. هـ.

وبناءً على تقسيم الماوردي فإن المنزلة الأولى هي أعلى منازل القناعة وهي الزهد أيضًا، والمنزلة الثالثة هي التي عليها أكثر الذين عرّفوا القناعة وهي مقصود مقالتنا تلك.

حث الإسلام على القناعة:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه»( 4). قال المناوي: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا: أي ما يكف من الحاجات ويدفع الضرورات، وقنعة الله بما آتاه: فلم تطمح نفسه لطلب ما زاد على ذلك؛ فمن حصل له ذلك فقد فاز»( 5). 

قال الحافظ المنذري: الكفاف ما كفّ عن السؤال مع القناعة لا يزيد على قدر الحاجة، وفيه الزهد: الكفاف الذي ليس فيه فضل عن الكفاية. روى أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب عن سعيد بن عبد العزيز أنه سئل: ما الكفاف من الرزق؟ فقال: شبع يوم وجوع يوم ا هـ. وقال القرطبي: «هو ما لم يكف عن الحاجات ويدفع الضرورات والفاقات ولا يحلق بأهل الترفهات» ا.هـ. وإنما كان ذلك فلاحًا لكونه حاز كفايته وظفر بإقامته وسلم من تبعة الغنى وذلّ سؤال الشيء ( 6). 

وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «ليس الغِنَى كثرة العرض ولكن الغِنى غِنى النفس»( 7).

قال ابن بطال: معنى الحديث ليس حقيقة الغنى كثرة المال، فكثير من الموسع عليه فيه لا ينتفع بما أوتي، جاهد في الازدياد لا يبالي من أين يأتيه. فكأنه فقير من شدة حرصه، وإنما حقيقة الغنى غنى النفس، وهو من استغنى بما أوتي وقنع به ورضي ولم يحرص على الازدياد ولا ألحّ في الطلب. وقال القرطبي: وإنما كان الممدوح غنى النفس لأنها حينئذ تكفّ عن المطامع فتعزّ وتعظم، ويحصل لها من الحظوة والشرف والمدح أكثر من الغنى الذي يناله مع كونه فقير النفس لحرصه، فإنه يورّطه في رذائل الأمور وخسائس الأفعال لدناءة همته وبخله وحرصه، فيكثر من يذمه من الناس فيصغر قدره عندهم فيصير أحقر من كل حقير وأذلّ من كل ذليل ( 8). 

صور من قناعة النبي صلى الله عليه و سلم:

لقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أكمل الناس إيمانًا ويقينًا، وأقواهم ثقةً بالله سبحانه وتعالى وأصلحهم قلبًا، وأكثرهم قناعة ورضيً بالقليل، وأنداهم يدًا، وأسخاهم نفسًا، حتى كان – عليه الصلاة والسلام – يفرِّق المال العظيم: الوادي والواديين من الإبل والغنم ثم يبيت طاويًا ( 9). وكان الرجل يُسْلم من أجل عطائه صلى الله عليه و سلم ثم يحسن إسلامه. قال أنس رضي الله عنه: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا؛ فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها (10 ). 

وقال صفوان بن أمية رضي الله عنه: لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أعطاني وإنه لمن أبغض الناس إليَّ؛ فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ. قال الزهري: أعطاه يوم حنين مائة من النعم ثم مائة ثم مائة( 11). وقال الواقدي: أعطاه يومئذ واديًا مملوءًا إبلاً ونعمًا حتى قال صفوان رضي الله عنه: أشهد: ما طابت بهذا إلا نفس نبي( 12). وقال: «وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَانِى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم مَا أَعْطَانِى وَإِنَّهُ لأَبْغَضُ( 13) النَّاسِ إِلَىَّ فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِى حَتَّى إِنَّهُ لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَىَّ»( 14). 

وقال أنس رضي الله عنه: ما سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا؛ فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة(15 ).

أما تلك الصورة الرائعة من بذله – عليه الصلاة والسلام – التي جعلت أقوامًا وسادة وعتاة من أهل الجاهلية تلين قلوبهم للإسلام وتخضع للحق، فأمامها صور عجيبة لا تقل في جمالها عنها من قناعته – عليه الصلاة والسلام – ورضاه بالقليل وتقديم غيره على نفسه وأهله في حظوظ الدنيا؛ بل وترك الدنيا لأهل الدنيا، ومن ذلكم:

أولاً: قناعته صلى الله عليه و سلم في أكله:

روت عائشة رضي الله عنها تخاطب عروة بن الزبير رضي الله عنهما فقالت: «ابن أختي! إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أُوقِدَت في أبيات رسول الله صلى الله عليه و سلم نار، فقلت: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر، والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه و سلم جيران من الأنصار كان لهم منائح ( 16)، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه و سلم من أبياتهم فيسقيناه»(17 ). 

وعنها رضي الله عنها قالت: «لقد مات رسول الله صلى الله عليه و سلم وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين»( 18). 

وعن قتادة رضي الله عنه قال: كنا نأتي أنس بن مالك وخبّازه قائم، وقال: كلوا؛ فما أعلم النبي صلى الله عليه و سلم رأى رغيفًا مُرقَّقًا حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطًا بعينه قط ( 19). 

السميط: هو ما أزيل شعره بماء سخن وشوي بجلده، وإنما يفعل ذلك بصغير السن وهو من فعل المترفهين. قال ابن الأثير: ولعله يعني أنه لم ير السميط في مأكوله، إذ لو كان غير معهود لم يكن في ذلك تمدح وقط بفتح القاف وتشديد الطاء المهملة، ظرف لما مضى من الزمان: أي لم يره في شيء من أزمنته ( 20). 

ثانيًا: قناعته صلى الله عليه و سلم في فراشه:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان فراش رسول الله صلى الله عليه و سلم من أدم(21 ) وحشوه من ليف(22 )»(23 ). 

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «نام رسول الله صلى الله عليه و سلم على حصير، فقام وقد أثّر في جنبه، قلنا: يا رسول الله! لو اتخذنا لك وطاءً؛ فقال: ما لي وللدنيا؛ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها»(24 ). 

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان لرسول الله صلى الله عليه و سلم سرير مشبك بالبردي، عليه كساء أسود قد حشوناه بالبردي، فدخل أبو بكر وعمر عليه فإذا النبي صلى الله عليه و سلم نائم عليه، فلما رآهما استوى جالسًا فنظر، فإذا أثر السرير في جنب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أبو بكر وعمر – وبكيا -: يا رسول الله! ما يؤذيك خشونة ما نرى من سريرك وفراشك، وهذا كسرى وقيصر على فرش الحرير والديباج؟ فقال: «لا تقولا هذا؛ فإن فراش كسرى وقيصر في النار، وإن فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنة»(25 ). 

ثالثًا: تربيته صلى الله عليه و سلم أهله على القناعة:

لقد ربى النبي صلى الله عليه و سلم أهله على القناعة بعد أن اختار أزواجُه البقاء معه، والصبر على القلة، والزهد في الدنيا، حينما خيرهن بين الإمساك على ذلك أو الفراق والتمتع بالدنيا، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ – ٢٩].

فاخترن – رضي الله عنهن – الآخرة، وصبرن على لأواء الدنيا، وضعف الحال، وقلة المال، طمعًا في الأجر الجزيل من الله عز و جل؛ ومن صور تلك القلة والزهد إضافةً إلى ما سبق:

ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «ما أكل آل محمد صلى الله عليه و سلم أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر»(26 ). 

وعنها رضي الله عنها قالت: «ما شبع آل محمد صلى الله عليه و سلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم»(27 ). 

ولم يقتصر صلى الله عليه و سلم في تربيته تلك على نسائه بل حتى أولاده رباهم على القناعة، فقد أتاه سبي مرة، فشكت إليه فاطمة رضي الله عنها ما تلقى من خدمة البيت، وطلبت منه خادمًا يكفيها مؤنة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها، وقال صلى الله عليه و سلم: «لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع»(28 ). 

ولم يكن هذا المسلك من القناعة إلا اختيارًا منه صلى الله عليه و سلم وزهدًا في الدنيا، وإيثارًا للآخرة.

نعم إنه رفض الدنيا بعد أن عرضت عليه، وأباها بعد أن منحها، وما أعطاه الله من المال سلطه على هلكته في الحق، وعصب على بطنه الحجارة من الجوع صلى الله عليه و سلم. قال -عليه الصلاة والسلام-: «عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت:لا يا رب؛ ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك»(29 ). 

الآثار وأقوال العلماء الواردة في القناعة: 

عن أبى عمرو الشيبانى: قال: سأل موسى عليه السلام ربه عز و جل: أى ربِ، أى عبادك أحب إليك؟ قال: أكثرهم لى ذكرًا. قال: يا رب. فأيُّ عبادك أغنى؟ قال: أقنعهم بما أعطيته، قال: يا رب، فأي عبادك أعدل؟ قال: من دان لنفسه (30 ). 

كتب بعض بنى أمية إلى أبى حازم يعزم عليه إلا رفع إليه حوائجه، فكتب إليه: قد رفعت حوائجي إلى مولاي، فما أعطاني منها قبلتُ، وما أمسك عني قنعتُ ( 31). 

فوائد القناعة(32 ): 

إن للقناعة فوائد كثيرة، تعود على المرء بالسعادة والراحة والأمن والطمأنينة في الدنيا والآخرة؛ ومن تلك الفوائد:

1- تقوية الإيمان:

وذلك بامتلاء القلب بالإيمان بالله سبحانه وتعالى والثقة به، والرضى بما قدر وقسم، وقوة اليقين بما عنده سبحانه وتعالى، ذلك أن من قنع برزقه فإنما هو مؤمن ومتيقن بأن الله سبحانه قد ضمن أرزاق العباد، وقسمها بينهم، حتى ولو كان ذلك القانع لا يملك شيئًا.

وقال الإمام أحمد رحمه الله: «أسرُّ أيامي إليَّ يوم أُصبح وليس عندي شيء»( 33).

وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: «أصل الزهد الرضى من الله عز و جل»( 34). وقال أيضًا: «القُنوع هو الزهد وهو الغنى»( 35).

وقال الحسن رحمه الله: «إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله»( 36). 

2- الحياة الطيبة:

قال سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، فَسَّر الحياةَ الطيبة عليٌّ وابن عباس والحسن رضي الله عنهم فقالوا: «الحياة الطيبة هي القناعة»(37 ). وفي هذا المعنى قال ابن الجوزي رحمه الله: «من قنع طاب عيشه، ومن طمع طال طيشه»(38 ). 

3- تحقيق شكر المنعم سبحانه وتعالى:

ذلك أن من قنع برزقه شكر الله سبحانه وتعالى عليه، ومن تقالّه قصَّر في الشكر، وربما جزع وتسخط – والعياذ بالله -؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه و سلم: «كن ورعًا تكن أعبد الناس، وكن قنعًا تكن أشكر الناس»( 39). 

4- الفلاح والبُشْرى لمن قنع:

فعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: «طوبى لمن هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافًا، وقنع به»(40 ). وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «قد أفلح من أسلم ورُزق كفافًا، وقنّعه الله بما آتاه»( 41). 

5- الوقاية من الذنوب التي تفتك بالقلب وتذهب الحسنات:

كالحسد، والغيبة، والنميمة، والكذب، وغيرها من الخصال الذميمة والآثام العظيمة؛ ذلك أن الحامل على الوقوع في كثير من تلك الكبائر غالبًا ما يكون استجلاب دنيا، أو دفع نقصها، فمن قنع برزقه لا يحتاج إلى ذلك الإثم، ولا يداخل قلبَه حسدٌ لإخوانه على ما أوتوا؛ لأنه رضي بما قسم له.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: «اليقين ألا ترضي الناس بسخط الله، ولا تحسد أحدًا على رزق الله، ولا تَلُمْ أحدًا على ما لم يؤتك الله؛ فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده كراهة كاره؛ فإن الله – تبارك وتعالى – بقسطه وعلمه وحكمته جعل الرَّوْح والفرح في اليقين والرضى، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط»(42 ). 

وقال بعض الحكماء: «وجدت أطول الناس غمًّا الحسود، وأهنأهم عيشًا القنوع»(43 ). 

6- حقيقة الغنى في القناعة:

ولذا رزقها الله سبحانه وتعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه و سلم وامتن عليه بها فقال – تعالى -: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]، نزّلها بعض العلماء على غنى النفس؛ لأن الآية مكية، ولا يخفى ما كان فيه النبي صلى الله عليه و سلم قبل أن تُفتح عليه خيبر وغيرها من قلة المال (44 ). 

وذهب بعض المفسرين إلى أن الله سبحانه وتعالى جمع له الغنائيْن: غنى القلب، وغنى المال بما يسر له من تجارة خديجة.

وقد بيّن – عليه الصلاة والسلام – أن حقيقة الغنى غنى القلب، فقال صلى الله عليه و سلم: «ليس الغنى عن كثرة العَرَض ولكن الغنى غنى النفس»( 45). 

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «يا أبا ذر، أترى كثرة المال هو الغنى؟» قلت: نعم! يا رسول الله، قال: «فترى قلة المال هو الفقر؟» قلت: نعم! يا رسول الله. قال: «إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب»(46 ). 

وتلك حقيقة لا مرية فيها؛ فكم من غني عنده من المال ما يكفيه وولدَه ولو عُمِّر ألف سنة؛ يخاطر بدينه وصحته ويضحي بوقته يريد المزيد! وكم من فقير يرى أنه أغنى الناس؛ وهو لا يجد قوت غده! فالعلة في القلوب: رضيً وجزعًا، واتساعًا وضيقًا، وليست في الفقر والغنى.

ولأهمية غنى القلب في صلاح العبد قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطيبًا في الناس على المنبر يقول: «إن الطمع فقر، وإن اليأس غنى، وإن الإنسان إذا أيس من الشيء استغنى عنه»(47 ).

وسئل أبو حازم فقيل له: ما مالك؟ قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس (48 ).

وقيل لبعض الحكماء: ما الغنى؟ قال: قلة تمنيك، ورضاك بما يكفيك(49 ). 

7- العز في القناعة، والذل في الطمع:

ذلك أن القانع لا يحتاج إلى الناس فلا يزال عزيزًا بينهم، والطماع يذل نفسه من أجل المزيد؛ ولذا جاء في حديث سهل بن سعد مرفوعًا: «شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس»(50 ). 

وكان محمد بن واسع رحمه الله يبلُّ الخبز اليابس بالماء ويأكله ويقول: «من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد»(51 ). 

صور من قناعة الصحابة والسلف الصالح:

قناعة أهل الصفة:

وسار على منهج رسول الله صلى الله عليه و سلم صحابتُه الكرا رضي الله عنهم، والتابعون لهم بإحسان؛ فقد عاشوا أول الأمر على الفقر والقلة، ثم لما فُتحت الفتوح واغتنى المسلمون بقوا على قناعتهم وزهدهم، وأنفقوا الأموال الطائلة في سبيل الله سبحانه وتعالى، وهذه نماذج من عيشهم وقناعتهم.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن تُرى عورته»(52 ). 

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله قوله: «لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة» يشعر بأنهم كانوا أكثر من سبعين (53 ). 

قناعة عائشة رضي الله عنها:

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «من حدثكم أنا كنا نشبع من التمر فقد كذبكم، فلما افتتح صلى الله عليه و سلم قريظة أصبنا شيئًا من التمر والوَدَك»( 54). 

ثم فتح الله سبحانه وتعالى على المسلمين، وأصبح المال العظيم يرسل إلى عائشة رضي الله عنها فبقيت على قناعتها وزهدها، وأخذت تفرق المال على محتاجيه؛ فقد بعث إليها معاوية رضي الله عنه بمئة ألف درهم. قال عروة بن الزبير: «فوالله ما أمستْ حتى فرَّقتْها، فقالت لها مولاتها: لو اشتريت لنا منها بدرهم لحمًا! فقالت: ألا قلتِ لي؟»(55 ). لقد نسيت نفسها رضي الله عنها، وفرقت مالها، واستمرت على قناعتها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم.

وعن أم ذرة قالت: بعث ابن الزبير إلى عائشة بمال في غرارتين يكون مائة ألف، فدعت بطبق، فجعلت تقسم في الناس، فلما أمست قالت: هاتي يا جارية فُطوري، فقالت أم ذرة: يا أم المؤمنين! أما استطعت أن تشتري لنا لحمًا بدرهم؟ قالت: لا تعنفيني، لو أذكرتني لفعلت ( 56).

فهل تقتدي نساء المسلمين بعائشة رضي الله عنها بدلاً من سَرَف الإنفاق على النفس وحظوظها واللباس والزينة؟!

قناعة سلمان الفارسي:

وعن عامر بن عبد الله أن سلمان الخير حين حضره الموت عرفوا منه بعض الجزع، قالوا: ما يجزعك يا أبا عبد الله، وقد كانت لك سابقة في الخير؟ شهدتَ مع رسول الله صلى الله عليه و سلم مغازي حسنة وفتوحًا عظامًا! قال: يجزعني أن حبيبنا صلى الله عليه و سلم، حين فارقنا عهد إلينا قال: «ليَكْفِ اليوم منكم كزاد الراكب»، فهذا الذي أجزعني، فجُمع مال سلمان فكان قيمته خمسة عشر دينارًا، وفي رواية: خمسة عشر درهمًا ( 57). 

أسباب تحول دون القناعة:

ذكر الماوردي رحمه الله الأسباب التي تمنع القناعة بالكفاية، وتدعو إلى طلب الزيادة، وهي – على سبيل الاختصار-:

1- منازعة الشهوات:

التي لا تُنال إلا بزيادة المال وكثرة المادة، فإذا نازعته الشهوة طلب من المال ما يوصله إليها، وليس للشهوات حدٌّ مُتناهٍ، فيصير ذلك ذريعةً إلى أن ما يطلبه من الزيادة غير متناهٍ، ومن لم يَتَنَاهَ طلبه استدام كدَّه وتعبه، فلم يفِ الْتذاذُه بنيل شهواته بما يعانيه من استدامة كده وأتعابه، مع ما قد لزمه من ذم الانقياد لمغالبة الشهوات، والتعرض لاكتساب التبعات، حتى يصير كالبهيمة التي قد انصرف طلبها إلى ما تدعو إليه شهوتها، فلا تنزجر عنه بعقل، ولا تنكفُّ عنه بقناعة.

2- أن يطلب الزيادة ويلتمس الكثرة ليصرفها في وجوه الخير:

ويتقرب بها في جهات البِرّ، ويصطنع بها المعروف، ويغيث بها الملهوف؛ فهذا أعذر، وبالحمد أحرى وأجدر متى ما اتقى الحرام والشبهات، وأنفق في وجوه البر؛ لأن المال آلة المكارم، وعون على الدِّين، ومتألَّفٌ للإخوان. قال قيس بن سعد: اللهم ارزقني حمدًا ومجدًا؛ فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال. وقيل لأبي الزناد: لِمَ تُحبُّ الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ فقال: هي وإن أدنتني منها فقد صانتني عنها. وقال بعض الحكماء: من أصلح ماله فقد صان الأكرميْن: الدِّين والعِرض.

3- أن يطلب الزيادة ويقتني الأموال ليدّخرها لولده:

ويخلِّفها لورثته، مع شدة ضنه على نفسه، وكفه عن صرف ذلك في حقه، إشفاقًا عليهم من كدح الطلب وسوء المنقلب، وهذا شقي بجمعها مأخوذ بوزرها، قد استحق اللوم من وجوه لا تخفى على ذي لب، منها:

أ- سوء ظنه بخالقه: أنه لا يرزقهم إلا من جهته.

ب- الثقة ببقاء ذلك: على ولده مع نوائب الزمان ومصائبه.

ج- ما حُرِم من منافع ماله وسُلِب من وفور حاله: وقد قيل: إنما مالك لك أو للوارث أو للجائحة؛ فلا تكن أشقى الثلاثة.

د- ما لحقه من شقاء جمعه: وناله من عناء كده، حتى صار ساعيًا محرومًا، وجاهدًا مذمومًا.

هـ- ما يؤاخذ به من وزره وآثامه: ويحاسب عليه من تبعاته وإجرامه.

وقد حُكي أن هشام بن عبد الملك لما ثَقُلَ بكى ولده عليه، فقال لهم: جاد لكم هشام بالدنيا، وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما كسب، وتركتم عليه ما اكتسب، ما أسوأ حال هشام إن لم يغفر الله له!

وقال رجل للحسن رحمه الله: إني أخاف الموت وأكرهه، فقال: «إنك خلَّفت مالك، ولو قدَّمتَه لسرَّك اللحاق به»(58 ). 

4- أن يجمع المال ويطلب المكاثرة:

استحلاءً لجمعه، وشغفًا باحتجانه؛ فهذا أسوأ الناس حالاً فيه، وأشدهم حرمانًا له، قد توجهت إليه سائر الملاوم. وفي مثله قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤].

السبل إلى القناعة:

1- تقوية الإيمان بالله سبحانه وتعالى:

وترويض القلب على القناعة والغنى؛ فإن حقيقة الفقر والغنى تكون في القلب؛ فمن كان غني القلب نَعِم بالسعادة وتحلى بالرضى، وإن كان لا يجد قوت يومه، ومن كان فقير القلب؛ فإنه لو ملك الأرض ومن عليها إلا درهمًا واحدًا لرأى غناه في ذلك الدرهم؛ فلا يزال فقيرًا حتى يناله.

2- اليقين بأن الرزق مكتوب:

فالرزق مكتوب للإنسان وهو في رحم أمه، كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه وفيه: «ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد..»(59 ). فالعبد مأمور بالسعي والاكتساب، مع اليقين بأن الله هو الرازق، وأن رزقه مكتوب.

3- تدبر آيات القرآن العظيم:

ولا سيما الآيات التي تتحدث عن قضية الرزق والاكتساب. يقول عامر بن عبد قيس: أربع آيات من كتاب الله إذا قرأتُهن مساءً لم أبال على ما أُمسي، وإذا تلوتُهن صباحًا لم أبال على ما أُصبح: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]، وقوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧].

4- معرفة حكمة الله سبحانه وتعالى في تفاوت الأرزاق والمراتب بين العباد:

فالله عز و جل خلق الناس متفاوتين في الأرزاق والمراتب حتى تحصل عمارة الأرض، ويتبادل الناس المنافع والتجارات، ويخدم بعضهم بعضًا قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥].

5- الإكثار من سؤال الله سبحانه القناعة:

والإلحاح بالدعاء في ذلك؛ فنبينا محمد صلى الله عليه و سلم، وهو أكثر الناس قناعة وزهدًا ورضىً وأقواهم إيمانًا ويقينًا، كان يسأل ربه القناعة؛ فعن ابن عباس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم، كان يدعو: «اللهم قنِّعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف على كل غائبة لي بخير»(60 ). ولأجل قناعته صلى الله عليه و سلم فإنه ما كان يسأل ربه إلا الكفاف من العيش والقليل من الدنيا؛ كما قال صلى الله عليه و سلم: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا»( 61). 

6- العلم بأن الرزق لا يخضع لمقاييس البشر:

فالرزق لا يتقيد بمقاييس البشر من قوة الذكاء وكثرة الحركة وسعة المعارف، وإن كان بعضُها أسبابًا؛ إلا أن الرزق ليس معلقًا بها بالضرورة، وهذا يجعل العبد أكثر قناعةً، خاصةً عندما يرى من هو أقل منه خبرة أو ذكاءً أو غير ذلك، وأكثر منه رزقًا فلا يحسده ولا يتبرم من رزقه.

7- النظر إلى حال من هو أقل منك في أمور الدنيا:

فيحسن بالإنسان أن ينظر لمن هو أقل منه في أمور الدنيا، وألا ينظر إلى من هو فوقه فيها؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه و سلم: «انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله»(62 ). وفي لفظ آخر قال صلى الله عليه و سلم: «إذا رأى أحدكم مَنْ فوقه في المال والحسب فلينظر إلى من هو دونه في المال والحسب»( 63). 

وليس في الدنيا أحد لا يجد من هو أفضل منه في شيء، ومن هو أقل منه في أشياء؛ فإن كنت فقيرًا ففي الناس من هو أفقر منك، وإن كنت مريضًا أو معذبًا ففيهم من هو أشد منك مرضًا وأكثر تعذيبًا، فلماذا ترفع رأسك لتنظر من هو فوقك، ولا تخفضه لتبصر من هو تحتك؟ إن كنت تعرف من نال من المال والجاه ما لم تنله أنت وهو دونك ذكاءً ومعرفة وخلقًا، فلِمَ لا تذكر من أنت دونه أو مثله في ذلك كله، وهو لم ينل بعض ما نلت؟!

8- قراءة سِيَر السلف الصالح:

ومن أقوى أسباب اكتساب القناعة: قراءة سير السلف وأحوالهم مع الدنيا والزهد فيها والقناعة بالقليل منها، وهم قد أدركوا الكثير منها فرفضوه إيثارًا للباقية على العاجلة، وعلى رأسهم محمد صلى الله عليه و سلم، وإخوانه من الأنبياء عليهم السلام، ثم الصحابة الكرام رضي الله عنهم، والتابعون لهم بإحسان؛ فإن معرفة أحوالهم، وكيف كانت حياتهم ومعيشتهم تحفز العبد إلى التأسي بهم، وترغِّبه في الآخرة، وتقلل عنده زخرف الحياة الدنيا ومتعها الزائلة.

9- العلم بأن عاقبة الغنى شر ووبال على صاحبه:

فالغنى إذا لم يكن اكتسابه وصرفه منه بالطرق المشروعة فهو وبال وشر، وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم: «لا تزول قدما عبد حتى يُسأل: عن عمره فيمَ أفناه، وعن علمه فيمَ فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن جسمه فيمَ أبلاه»( 64).

فمشكلة المال أن الحساب عليه من جهتين: جهة الاكتساب، ثم جهة الإنفاق، وهذا ما يجعل تبعته عظيمة، وعاقبته وخيمة، إلا من اتقى الله فيه وراعى حرماته اكتسابًا وإنفاقًا.

ثم ليتفكر في أنه كلما تخفف من هذا المال وكان أقل كان حسابه أيسر وأسرع؛ وذلك كمن سافر في الطائرة وحمل متاعًا كثيرًا؛ فإنه إذا بلغ مقصده احتاج وقتًا طويلاً لاستلامه وتفتيشه، بخلاف من كان خفيفًا ليس معه شيء، وحساب الآخرة أعسر، والوقوف فيها أطول.

ولينظر أيضًا إلى من كان المال والجاه سبب شقائه وأمراضه وهمومه وغمومه؛ فهو يشقى ويتعب في جمع المال ونيل المناصب، ثم يحمل همَّ الحفاظ على المال والمنصب، فيقضي عمره مهتمًّا مغتمًّا، ثم انظر ماذا يحدث له إذا خسر ماله أو أُقيل من منصبه، وكم من شخص كان ذلك سببًا في هلاكه وعطبه! نسأل الله العافية.

10- النظر في التفاوت البسيط بين الغني والفقير:

فالتفاوت بين الغني والفقير مهما كان شاسعًا بمقاييس المادة، فهو على سبيل الحقيقة تفاوت بسيط وظاهري، فالغني لا ينتفع إلا بالقليل من ماله، وهو ما يسد حاجته، وما فضل عن ذلك فليس له، وإن كان يملكه، فلو نظرنا إلى أغنى رجل في العالم لا نجد أنه يستطيع أن يأكل من الطعام أكثر مما يأكل متوسط الحال أو الفقير، بل ربما كان الفقير أكثر أكلاً منه، وبعبارة أخرى: هل يستطيع الغني أن يشتري مائة وجبة فيأكلها في آن واحد، أو مائة ثوب فليبسها في آن واحد؛ أو ألف مركبة فيركبها في آن واحد؛ أو مائة دار فيسكنها في وقت واحد؟! لا؛ بل له من الطعام في اليوم ثلاث وجبات تزيد قليلاً أو تنقص، وللمستور كذلك مثله، وله من اللباس ثلاث قطع تزيد قليلاً أو تنقص، ولا يستهلك من الأرض في وقت واحد إلا مترًا في مترين، سواء كان قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا.

فعلام يُحسد وهو سيُحاسب على كل ما يملك؟! وقد فهم هذا المعنى حكيم هذه الأمة أبو الدرداء رضي الله عنه حينما قال: «أهل الأموال يأكلون ونأكل، ويشربون ونشرب، ويلبسون ونلبس، ويركبون ونركب، ولهم فضول أموال ينظرون إليها وننظر إليها معهم، وحسابهم عليها ونحن منها برآء»( 65). وقال أيضًا: «الحمد لله الذي جعل الأغنياء يتمنون أنهم مثلنا عند الموت، ولا نتمنى أننا مثلهم حينئذ، ما أنصَفَنا إخوانُنا الأغنياء: يحبوننا على الدِّين، ويعادوننا على الدنيا»(66 ). 

بل جاء هذا المعنى في السنة النبوية، قال عبد الله بن الشخير رضي الله عنه: أتيت النبي صلى الله عليه و سلم، وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]، يقول: «يَقُولُ ابْنَ آدَمَ: مَالِي مَالِي مَا لَكَ مِنْ مَالٍ إِلا مَا أَكَلَتْ فَأَفْنَيْتَ( 67)، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ(68 )، أَوْ تَصَدَّقَتْ فَأَمْضَيْتَ( 69)»(70 ).

قال فضيلة الشيخ العثيمين رحمه الله: «هكذا قال النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو كذلك؛ فالإنسان ما له من ماله إلا هذه الأشياء إما أن يأكل طعاما وشرابا وإما أن يلبس من أنواع اللباس وإما أن يتصدق والباقي له هو ما يتصدق به، أما ما يأكله وما يلبسه فإن كان يستعين به على طاعة الله كان خيرا له، وإن كان يستعين به على معصية الله وعلى الأشر والبطر كان محنة عليه والعياذ بالله»(71 ). 

* * *

(1 ) لسان العرب، مادة (قنع) (11/321)

(2 ) معجم مقاييس اللغة مادة (قنع) (5/33)

(3 ) من أدب الدنيا والدين (328-329)، باختصار. 

(4 ) أخرجه مسلم (2/730، رقم 1054).

(5 ) التيسير بشرح الجامع الصغير – للمناوى – (ج 2 / ص 379). 

(6 ) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين – (ج 4 / ص 404).

(7 ) أخرجه البخارى (5/2368، رقم 6081)، ومسلم (2/726، رقم 1051).

(8 ) شرح صحيح البخارى – لابن بطال – (ج 10 / ص 165). 

(9 ) طاويا: خالي البطن جائعا.

(10 ) لطائف المعارف (307).

(11 ) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين – (ج 1 / ص 259). 

(12 ) تهذيب الكمال (2/608)، تهذيب التهذيب (4/424)، تقريب التهذيب (1/367)، خلاصة تهذيب الكمال (1/469)، الكاشف (2/29)، الثقات (3/191)، تاريخ البخاري الكبير (4/304)، الجرح والتعديل (4/1846)، أسد الغابة (3/23)، تجريد أسماء الصحابة (1/266)، الإصابة (3/43)، (468)، الاستيعاب (2/718)، سير الأعلام (2/562)، الوافي بالوفيات (16/313)، نقعة الصديان (ت300)، أسماء الصحابة الرواة (ت160).

( 13) البغض: عكس الحب وهو الكُرْهُ والمقت.

( 14) أخرجه مسلم (4/1806، رقم 2313).

( 15) أخرجه مسلم (4/1806، رقم 2312).

( 16) المنائح: جمع منيحة وهى الشاة أو الناقة يعطيها صاحبها رجلا يشرب لبنها.

( 17) أخرجه البخاري (5/2372، رقم 6094).

( 18) أخرجه مسلم (4/2283، رقم 2974).

( 19) أخرجه البخاري (5/2372، رقم 6092).

( 20) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين – (ج 4 / ص 312). 

( 21) الأدم: الجلد المدبوغ. عون المعبود 11/203.

( 22) الليف: قشر النخل الذي يجاور السَّعَف.

( 23) أخرجه البخاري (8/121، رقم 6456 )، ومسلم (3/1650، رقم 2082).

( 24) أخرجه أحمد (1/391، رقم 3709)، وهناد (2/382، رقم 744)، والترمذى (4/588، رقم 2377) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (2/1376، رقم 4109)، وابن سعد (1/467)، والطبرانى (10/162، رقم 10327)، والحاكم (4/345، رقم 7859)، والبيهقى فى شعب الإيمان (7/311، رقم 10415).

( 25) أخرجه ابن حبان (2/478، رقم 704).

( 26) أخرجه البخاري (5/2371، رقم 6090).

( 27) أخرجه البخاري (7/97، رقم 5416 )، ومسلم (8/217، رقم 2970 ). 

( 28) أخرجه أبو نعيم فى الحلية (2/41).

( 29) أخرجه أحمد (5/254، رقم 22244)، والترمذى (4/575، رقم 2347) وقال: حسن. وابن سعد (1/381)، والطبرانى (8/207، رقم 7835)، والبيهقى فى شعب الإيمان (2/172، رقم 1467). وأخرجه أيضًا: ابن المبارك (1/54، رقم 196).

( 30) الزهد لابن السري ج 1 ص 277، والقناعة ج 1 ص 51.

( 31) حلية الأولياء ج 3 ص 237، وإحياء علوم الدين ج 3 ص 239، وتاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 32.

( 32) نضرة النعيم، ج 8، 3167، مختصرا.

( 33) صفة الصفوة ج 2 ص 345، وجامع العلوم والحكم ج 1 ص 290.

( 34) عيون الأخبار ج 1 ص 273، والزهد ج 1 ص 123، والعقد الفريد ج 3 ص 129، وتاريخ مدينة دمشق ج 48 ص 399.

( 35) الزهد لابن أبي الدنيا ج 1 ص 281، وكتاب الزهد الكبير للبيهقي ج 1 ص 80.

( 36) اليقين لابن أبي الدنيا ج 1 ص 34، والبداية والنهاية ج 9 ص 270، وجامع العلوم والحكم ج 1 ص 290.

( 37) تفسير الطبري ج 14 ص 171، ومعاني القرآن الكريم للنحاس ج 4 ص 104.

( 38) سير أعلام النبلاء ج 21 ص 372، وتذكرة الحفاظ ج 4 ص 1345، وتاريخ الإسلام ج 42 ص 294.

( 39) أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (5/53، رقم 5750). وأخرجه أيضًا: ابن ماجه (2/1410، رقم 4217)، قال البوصيرى (4/240): هذا إسناد حسن. وأبو يعلى (10/260، رقم 5865)، والقضاعى (1/215، رقم 385).

( 40) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (1/194، رقم 552)، والترمذى (4/576، رقم 2349) وقال: حسن صحيح. والطبرانى (18/305، رقم 786)، والحاكم (1/90، رقم 98) وقال: صحيح على شرط مسلم. وابن حبان (2/480، رقم 705)، وأخرجه أيضًا: أحمد (6/19، رقم 23989).

( 41) سبق تخريجه.

( 42) الزهد لابن السري ج 1 ص 304، وشعب الإيمان ج 1 ص 222، وتاريخ مدينة دمشق ج 33 ص 175، وصفة الصفوة ج 1 ص 415.

( 43) إحياء علوم الدين ج 3 ص 239.

( 44)

( 45) سبق تخريجه.

( 46) أخرجه الحاكم (4/363، رقم 7929)، و قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.

( 47) الزهد لابن المبارك ج 1 ص 223، والزهد لوكيع ج 1 ص 203، وتاريخ الطبري ج 2 ص 573، وحلية الأولياء ج 1 ص 50.

( 48) الطبقات الكبرى (القسم المتمم) ج 1 ص 332، والبيان والتبيين ج 1 ص 455، والمجالسة وجواهر العلم ج 1 ص 309، وشعب الإيمان ج 2 ص 106.

( 49) نثر الدر في المحاضرات ج 2 ص 71، وإحياء علوم الدين ج 3 ص 239، وفوائد أبي بكر الشاشي ج 1 ص 107، وفيض القدير ج 4 ص 282.

( 50) أخرجه الحاكم (4/360، رقم 7921)، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى. والبيهقى فى شعب الإيمان (7/349، رقم 10541)، والخطيب (4/10)، وابن عساكر (23/216).

( 51) إحياء علوم الدين ج 3 ص 239.

( 52) أخرجه البخاري (1/170، رقم 431).

( 53) فتح الباري ج 1 ص 536.

( 54) أخرجه ابن حبان (2/460، رقم 684)، و قال شعيب الأرنؤوط: إسناده قوي.

( 55) أخرجه أبو نعيم في ” الحلية ” 2 / 47، والحاكم في ” المستدرك ” 4 / 13.

( 56) أخرجه ابن سعد 8 / 67، وأبو نعيم في ” الحلية ” 2 / 47 ورجاله ثقات.

( 57) أخرجه ابن ماجه (2/1374، رقم 4104)، قال البوصيرى (4/211): هذا إسناد فيه مقال فيه جعفر بن سليمان الضبعى، وباقى رجال الإسناد ثقات. وابن حبان (2/481، رقم 706)، والطبرانى (6/268، رقم 6182).

( 58) أدب الدنيا والدين ج 1 ص 276.

( 59) أخرجه البخارى (3/1174، رقم 3036)، ومسلم (4/2036، رقم 2643).

( 60) أخرجه ابن خزيمة (4/218، رقم 2728)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (1/626، رقم 1674)، وابن أبي شيبة في المصنف (6/82، رقم 29633).

( 61) أخرجه البخارى (5/2372، رقم 6095)، ومسلم (4/2281، رقم 1055).

( 62) أخرجه مسلم (4/2275، رقم 2963).

( 63) أخرجه ابن حبان (2/490، رقم 714)، و قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.

( 64) أخرجه الترمذى (4/612، رقم 2416) وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسين بن قيس وحسين بن قيس يضعف فى الحديث من قبل حفظه. وأبو يعلى (9/178، رقم 5271)، والطبرانى (10/8، رقم 9772)، وابن عدى (2/353، ترجمة 482 الحسين بن قيس أبو على الرحبى)، وقال: هو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق. والبيهقى فى شعب الإيمان (2/286، رقم 1784). وأخرجه أيضًا: الخطيب (12/440).

( 65) الزهد لابن المبارك ج 1 ص 210، وإحياء علوم الدين ج 2 ص 146، وتاريخ مدينة دمشق ج 47 ص 174، وتهذيب الكمال ج 22 ص 474.

( 66) المتمنين لابن أبي الدنيا ج 1 ص 91، وتاريخ مدينة دمشق ج 47 ص 174.

( 67) أفنى الشيء: أنهى وجوده أو أهلكه.

( 68) بَلِيَ الثوب: قَدُمَ ورثَّ وتلف.

( 69) أمضيت: أنفذت فيه عطاءك ولم تتوقف فيه، أو تصدقت فقدمت لآخرتك.

( 70) أخرجه مسلم (4/2273، رقم 2958).

( 71) شرح رياض الصالحين – (ج 1 / ص 541). 

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*