الأربعاء , 7 ديسمبر 2016

الــــورع

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:

فإن من السهولة بمكانٍ أن يكون المسلم مصليًا أو صوّامًا أو قوّامًا أو داعيةً أو خطيبًا أو معلمًا أو حتى عالمًا، ولكن من الصعوبة بمكان أن يكون وَرِعًا فإن الورع رتبةٌ عزيزة المنال، ومتى ما ارتقى الإنسان إلى مرتبة الورع فقد نال أسمى المراتب، وتحلى بأجمل المناقب التي تؤهله جوار الرحمن، فأكثر الناس اليوم إنما يهمه أن يحقق مآربه في الدنيا وشهواتها وملذاتها دون تريث في الأمر والتفات للشرع وسؤال عن الحكم، وبعضهم قد امتلأ بطنه، وعظم رصيده، وغذي بالحرام جسمه، وما ذلك وما نلاحظه من قلة البركة وانتشار الفساد لهو نتيجة لغياب مفهوم الورع.

تعريف الورع:

الوَرَعَ في الشرع ليس هو الكف عن المحارم والتحرُّج منها فقط، بل هو بمعنى الكف عن كثيرٍ من المباح، والانقباض عن بعض الحلال خشية الوقوع في الحرام.

وقد وردت تعاريفُ كثيرة عند السلف والعلماء للورع، ومنها قولهم: الوَرَعُ: ترك ما يريبُك، ونفي ما يعيبك، والأخذ بالأوثق، وحمل النفس على الأشق.

وقيل: هو تجنب الشبهات، ومراقبة الخطرات.

وقال ابن القيم رحمه الله: هو ترك ما يُخشى ضرره في الآخرة(1).

وقيل: هو عبارة عن ترك التسرع إلى تناول أعراض الدنيا(2 ).

وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: هو ترك كل شبهة(3 ).

وقال يحيى بن معاذ: الورع على وجهين: ورع في الظاهر وورع في الباطن. فورع الظاهر: أن لا يتحرك الإنسان إلا لله، وورع الباطن: هو أن لا تدخل قلبك سوى الله( 4).

وقال يونس بن عبيد رحمه الله: الورع هو الخروج من كل شبهة، ومحاسبة النفس في كل طرفة عين(5 ).

فانظر لهذه التعريفات، ثم لنعرض أنفسنا وأحوالنا وأعمالنا على مفهوم الورع، أظنه في وادٍ ونحن في واد – إلا من رحم الله عز و جل -.

أنواع الورع ودرجاته: 

1- واجب: وهو الإحجام عن المحارم، وذلك للناس كافة. 

2- مندوب: وهو الوقوف عن الشبهات، وذلك للأواسط. 

3- فضيلة: وهو الكف عن كثير من المباحات والاقتصار على أقل الضرورات، وذلك للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يغدو – أحسبه قال – إلى الجبل فيحتطب فيبيع فيأكل ويتصدق خير له من أن يسأل الناس»( 6). 

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم حين قال لها أهل الإفك… الحديث، وفي آخره. «وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: يا زينب، ما علمت؟ ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمتُ عليها إلا خيرًا. قالت: وهي التي كانت تساميني( 7)، فعصمها الله بالورع» ( 8).

فضائل الورع(9 ):

أنه أساس التقوى:

فعن عطية بن عروة السعدي الصحابي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذارًا لما به بأس»( 10).

الورع من أعلى مراتب الإيمان وأفضل درجات الإحسان:

فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «يا أبا هريرة! كن ورعًا تكن أعبد الناس، وكن قنعًا تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنًا، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلمًا، وأقل الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب»(11 ).

وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وخير دينكم الورع»(12 ).

وعن معاوية بن قرة: دخلت على الحسن وهو متكئ على سريره، فقلت: يا أبا سعيد: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: الصلاة في جوف الليل والناس نيام. قلت: فأي الصوم أفضل؟ قال: في يوم صائف. قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال أنفسها عند أهلها وأغلاها ثمنًا. قلت: فما تقول في الورع؟ قال: ذاك رأس الأمر كله. 

يحقق للمؤمن راحة البال، وطمأنينة النفس:

فالورع يطهر دنس القلب ونجاسته كما يطهر الماء دنس الثوب ونجاسته وهو صون النفس وحفظها وحمايتها عما يشينها ويعيبها ويزري بها عند الله عز و جل وملائكته وعباده المؤمنين وسائر خلقه، فإن من كرمت عليه نفسه وكبرت عنده صانها وحماها، وزكّاها وعلاها، ومن هانت عليه نفسه وصغرت عنده، ألقاها في الرذائل، وأطلق عنانها وحل زمامها.

أن من حصله فلا خسارة عليه:

فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمه»(13 ).

التعويض بالخير:

وهذه بشارة جِدّ عظيمة، يعقلها من كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد، فعن أبي قتادة وأبي الدهماء رضي الله عنهما قالا: أتينا على رجلٍ من أهل البادية، فقلنا: هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه و سلم شيئًا؟ قال: نعم، سمعته يقول: «إنك لن تدع شيئًا لله عز و جل. إلا أبدلك الله به ما هو خير لك منه»( 14).

وفي رواية: أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه و سلم فجعل يعلمني مما علمه الله تبارك وتعالى، وقال: «إنك لن تدع شيئًا اتقاء لله عز و جل، إلا أعطاك الله خيرًا منه»(15 ).

الكف عن الحرام والبعد عما لا ينبغي:

وهذا من تمام التقوى، أن يتقِي العبدُ ربه عز و جل حتى يتقيه من مثقال ذرة، وقال الحسن رحمه الله: مازالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام، وقال ابن عمر رضي الله عنهما: إني لأحب أن أدعَ بيني وبين الحرام سترةٌ من الحلال لا أخرقها.

الورِع يستجاب دعاؤه:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾(16 ). وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾(17 ). ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام و ملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟»(18 )، أي كيف يستجاب له. فتأمل العقوبة العظيمة لمن ترك الورع، فرغم أن كل هيئة الرجل وعمله غاية في القوة والتعبد إلا أن عدم تورعه عن الحرام رد كل هذه العبادات، وضيع دعاءه سدىً. 

اتقاء عذاب الله عز و جل، والفوز برضوانه يوم القيامة:

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «سيأتي أناس من أمتي يوم القيامة نورهم كضوء الشمس»، قلنا من أولئك يا رسول الله؟ فقال: «فقراء المهاجرين، والذين تتقى بهم المكاره، يموت أحدهم وحاجته في صدره، يحشرون من أقطار الأرض»(19 ).

من قصص أهل الورع:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه و سلم: «اشترى رجل من رجل عقارًا له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرةً فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريتُ منك الأرضَ ولم ابتع منك الذهب، وقال الذي له الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولدٌ؟ قال أحدهما: لي غلامٌ، وقال الآخر: لي جاريةٌ. قال: أنكحوا الغلامَ الجاريةَ، وأنفقوا على أنفسهكا منه وتصدقا»(20 ).

كان هذا في أهل الأمم ممن كانوا قبلنا، وإليك نماذج أخرى سريعة تطبيقية من حال سيد الورعين صلى الله عليه و سلم ومن حياة صاحبيه رضي الله عنهم.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الحسن بن علي رضي الله عنهما أخذ تمرةً من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال له النبي صلى الله عليه و سلم بالفارسية: «كخ كخ، أما تعرف أنا لا نأكل الصدقة»( 21).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: «إني لأنقلب على أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي ثم أرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها»( 22).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان لأبي بكر غلامٌ يخرج به الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنتُ تكهّنت لإنسان في الجاهليةِ وما أُحسِن الكهانةَ إلا أنني خدعتُه فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلتَ منه. فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه»( 23).

وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان فرض للمهاجرين الأولين أربعةَ آلاف في أربعة، وفرضَ لابن عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة. فقيل له: هو من المهاجرين، فلم نقصتَه من أربعة آلاف؟ فقال: إنما هاجرَ به أبواه، يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه(24 ).

وكذلك قصة الصحابة رضي الله عنهم الذين لم يشيروا إلى الصيد وهم حُرُمٌ، فيقول أبو قتادة رضي الله عنه: كنا مع النبي صلى الله عليه و سلم في القاحة ومنا المحرم ومنا غير المحرم، فرأيت أصحابي يتراءون شيئًا فنظرت – وفي رواية: أنهم ضحكوا، ولكن لم يشيروا، ولم يعينوا – فإذا حمارُ وحش فوقع سوطه، فقالوا: لا نعينك عليه بشيء إنا محرمون، فتناولتُه فأخذتُه ثم أتيتُ الحمار من وراء أكمة فعقرتُه، فأتيتُ به أصحابي، فقال بعضهم: كلوا. وقال بعضهم: لا تأكلوا، فأتيت النبي صلى الله عليه و سلم وهو أمامنا، فسألته، فقال: «كلوه فهو حلال»(25 )، فانظر كيف تورعوا عن الإشارة والمعاونة وعن الأكل منه.

وكذلك كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما سمع صوت زمارة راعٍ، والإنسان غير مكلّف بما يسمع، ولكن بما يستمع إليه، فلا يجوز تقصّد السماع والتلذُّذ به، فمشى في الطريق بسرعة ووضع إصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع! أتسمع؟ فيقول: نعم، فيمضي على حاله واضعًا إصبعيه في أذنيه، حتى قلت: لا، فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق(26 ). 

وعن ابن شهاب: قال ثعلبة بن أبي مالك: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسم مروطًا بين نساءٍ من نساء المدينة، فبقي مرطٌ جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين! أعطِ هذا ابنة رسول الله صلى الله عليه و سلم التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت علي، لأن عمر تزوجها فتكون حفيدة النبي صلى الله عليه و سلم، فقال عمر: أم سليط أحقّ، و أمُّ سليط هي من نساء الأنصار، ممن بايع رسول الله صلى الله عليه و سلم، قال عمر رضي الله عنه: فإنها كانت تزفر – تخيط – لنا القرب يوم أحد(27 ).

وصية النبي صلى الله عليه و سلم بالورع في مجالات عدة:

جاءت وصايا النبي صلى الله عليه و سلم بمعنى الورع دون لفظه، وهي كثيرة في كتاب الله عز و جل، وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم، ومما جاءت به السنة:

النهي عن المتشابهات:

حيث قَالَ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه و سلم: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ»(28 ).

فسّر الإمام أحمد رحمه الله الشبهة بأنها منزلةٌ بين الحلال والحرام، وقال: من اتقاها فقد استبرأ لدينه، وفسرها تارة باختلاط الحلال والحرام( 29).

وكذلك فإن الاستبراء للدين مهم جدًا في حياة الدين المسلم، والإنسان قد لا يشبع من الشبهة وقال الثوري رحمه الله في الرجل يجد في بيته الأفلس والدراهم: أحب إليّ أن يتنزّه عنها إذا لم يدري من أين هي.

ترك ما لا تطمئن له نفس المؤمن:

كقوله صلى الله عليه و سلم عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»( 30).

وحين جاء وابصةُ بن معبد إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال له صلى الله عليه و سلم: «جِئْتَ تَسْأَلُ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ… اسْتَفْتِ نَفْسَكَ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ يَا وَابِصَةُ ثَلَاثًا الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ»( 31). وذلك التوجيه للإنسان المؤمن، أما الفاسق والفاجر فإن الإثم لا يحوك في صدره، بل ربما يتلذذ بالمعاصي، ويستمتع بالآثام، وهي متع ظاهرة، وتلذذ مغشوش، ولكن المسلم يجد لصدره انفساحًا، ولفؤاده انشراحًا مع البر ودروبه، ويجد في صدره ضيقًا، وفي قلبه حرجًا حين التلبس بالإثم ودواعيه.

ومن ذلك قوله صلى الله عليه و سلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»( 32). 

ترك المؤمن ما لا يعنيه:

قال ابن القيم رحمه الله ( 33): «وقد جمع النبي صلى الله عليه و سلم الورع كله في كلمة واحدة، فقال: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»( 34). فهذا يعم الترك لما لايعني من الكلام، والنظر، والاستماع، والبطش، والمشي، والفكر، وسائر الحركات الظاهرة والباطنة، فهذه الكلمة كافية شافية في الورع.

التعفف عن الحرام:

فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «أيها الناس: اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل، ودعوا ما حرم»(35 ). 

الورع درجات حسب الناس:

وهناك مسائل من الورع الدقيق لا تليق بكل الأشخاص، قال ابن رجب رحمه الله: «وهاهنا أمر ينبغي التفطّن له، وهو أن التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها، وتشابهت أعماله في التقوى والورع، – فهذا لو دقق يقبل منه التدقيق -، أما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة، ثم يريد أن يتورّع عن شيء من دقائق الشبه، فإنه لا يحتمل له ذلك بل ينكر عليه»( 36).

كما قال ابن عمر لأهل العراق لما جاءوا يسألونه عن دم البعوض، وفيهم ممن قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، قالوا: المحرم إذا قتل بعوضة يجوز أم عليه فدية؟ فقال رضي الله عنه: «يسألوني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين، وقد قال صلى الله عليه و سلم: «هما ريحانتاي من الجنة»(37 )؟!»( 38).

وسُئِل الإمام أحمد عن رجل يشتري بقلاً ويشترط الخوصة، فقال الإمام أحمد: ما هذه المسائل؟ قالوا: إنه إبراهيم بن أبي نعيم. فقال: إن كان إبراهيم بن أبي نعيم فنعم، هذا يشبه ذاك (هو من كبار الزهاد العابدين)( 39).

ولذلك لما جاء رجل إلى الإمام أحمد يقول إن أمه تأمره بطلاق زوجته، قال: إن كان برّ أمه في كل شيء ولم يبق من برها إلا طلاق زوجته فليفعل..!( 40)

فالخلاصة أن الورع منه دقائق لا تليق بأي أحد، بل ينكر على من تورّع فيها إذا كان من أولئك الفسقة أو المتساهلين، وعلى أية حال فإن الورع هو من العبادات العظيمة، وملاك الدين الورع، والفقيه الورع الزاهد المقيم على سنة النبي صلى الله عليه و سلم له أجره العظيم يوم الدين، والإنسان ينبغي أن يضع نفسه في الموضع الصحيح في مسألة الورع، كما قال الأوزاعي: «كنا نمزح ونضحك فلما صرنا يُقتدى بنا خشيت أن لا يسعنا التبسُّم»(41 ).

أمور ليست من الورع:

إن طلب الحلال فرض على كل مسلم، وقد ادعى بعض الجهّال أن الحلال في الأرض انتهى، وبعضهم قال: لم يبق إلا الحشيش والكلأ في البر والأراضي التي ليس لها أحد ونهر الفرات؛ وهذا تضييقٌ على عباد الله، ومن الجهل، وقلة العلم، فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال هذه القاعدة المهمة جدًا: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات»( 42)، والحلال كله طيب، ولكن بعضه أطيب من بعض، والحرامُ كله خبيث، ولكن بعضه أخبث من بعض، والإنسان المسلم قد يكون عنده الحلال معلومًا من قبل، ثم يقع في شك، فلا يلتفت لهذه الوسوسة إذا لم يكن لها دليلٌ ولا قرينةٌ، وكذلك قد يكون يعرف الحرام من قبل، فيأتي في نفسه وسوسة أن هذا ليس حرامًا بدون علم، ولا خبر ثقة أفتاه به أهل العلم، فلا يلتفت إليه. و قد يعرف الإنسان الحِلَّ ويشك في المحرم، فيكون الأصل الحِل كما تقدم.

وقد يدخل الشك على بعض الناس في قضايا لا يشرع لهم أبدًا السؤال فيها، فهل يجوز لإنسان دخل على بيت مسلمٍ مستورٍ ما يعرف عنه أي ريبة، وُضِع له الطعام، أن يقول له: المال الذي اشتريت به هذا العشاء من أين أتيت به؟ فهل هذا من الورع..؟!، وفي ذلك إيذاءٌ للمسلم لأن سؤالك هذا اتهام له، واتهام المسلم ووضعه في موضع الشك بدون قرينة ولا دليل ولا بينة لا يجوز، فهو من سوء الظن المنهي عنه، وإيذاء للمسلم، فهو حرامٌ.

أحيانًا تأتي أشياء تستدعي التورع مثل أن يدخل حلال قليل في حرام كثير، فعند ذلك تكون هذه القضية مما يدفع الإنسان إلى الورع فعلاً، وكأن يكون هناك امرأة ثقة وجئتَ لتخطب فتاةً فقالت المرأة أنا أرضعتك وأرضعتها أو أرضعت أختها، أنا متأكدة أني أرضعت إحدى الأختين، ولكن لا أدري أيهما، فالورع أن تترك الزواج من كلتيهما، وكمثل أن يكون اثنان ذبحا ذبيحتين، إحداها ذبحها هندوسي والأخرى ذبحها مسلم، وجئت لتشتري وأنت تعلم ذلك، ولكن لا تدري أيتهما التي ذبحها هذا؟ وأيتهما التي ذبحها الآخر؟ فلا تشتري. 

فمسألة اللحوم والأبضاع شديدة في الشرع ولذلك يحتاط فيها في أشياء أكثر من غيرها، ولكن بشرط أن لا يصل إلى الوسوسة أيضًا، فلو أن هذه ذبيحة مسلم لا يجوز لك أن تشك فيها، إذًا هناك وسوسة في هذه القضايا لا يجوز الالتفات إليها، ومن ينشغل به فإنما فعله هو ورع الموسوسين.

قال ابن حجر رحمه الله: «ورع الموسوسين كمن يمتنع من أكل الصيد خشية أن يكون الصيد كان لإنسان ثم أفلت منه، وكمن يترك شراء ما يحتاج إليه من مجهول لا يدري أمالُه حلالٌ أم حرامٌ؟ وليست هناك علامة تدل على الثاني»( 43).

فمن القواعد في الورع ما نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال: «الواجبات والمستحبات لا يصلح فيها زهدٌ ولا ورع، وأما المحرمات والمكروهات فيصلح فيها الزهد والورع»(44 ).

وقال رحمه الله أيضًا: «أما الورع فإنه الإمساك عما يضر- عن المحرمات – أو قد يضر- الشبهات -، فتدخل فيه المحرمات والشبهات، لأنها قد تضر، فإنه من اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، وأما الورع عما لا مضرة فيه أو فيه مضرة مرجوحة لما تقترن به من جلب منفعة راجحة أو دفع مضرة أخرى راجحة فجهلٌ وظلمٌ، وذلك يتضمن ثلاثة أقسام لا يُتَورَّع عنها: المنافع المكافئة والراجحة والخالصة، كالمباح المحض، أو المستحب، أو الواجب، فإن الورع عنها ضلالة»( 45).

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في الورع: 

قال الحسن البصري رحمه الله( 46): أفضل العلم الورع والتوكل. 

وقال( 47): مثقال ذرة من الورع خيرٌ من ألف مثقال من الصوم و الصلاة. 

قال سفيان الثوري رحمه الله(48 ): عليك بالورع يخفف الله حساب، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وادفع الشك باليقين يسلم لك دينك. 

قال الشافعي رحمه الله( 49): زينة العلم الورع والحلم. 

وقال إسحاق بن خلف رحمه الله( 50): الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضة.

وقال أبو هريرة رضي الله عنه( 51): جلساء الله غدًا أهل الورع والزهد.

وقال بعض الصحابة رضي الله عنهم( 52): كنا ندع سبعين بابًا من الحلال مخافة أن نقع في باب الحرام.

قال حبيب رحمه الله (يعني ابن أبي ثابت رحمه الله)(53 ): لا يعجبكم كثرة صلاة امرئ ولا صيامه، ولكن انظروا إلى ورعه، فإن كان ورعًا مع ما رزقه الله من العبادة فهو عبد لله حقًا.

وعن طاووس رحمه الله أنه قال(54 ): مثل الإسلام كمثل شجرة، فأصلها الشهادة، وساقها كذا وكذا، وورقها كذا – (شيء سماه) وثمرها الورع، لا خير في شجرة لا ثمر لها، ولا خير في إنسان لا ورع له.

إضاءة:

إن الورع مما يُتَعَلَّم، كما قال الضحّاك بن عثمان رحمه الله( 55): «أدركت الناس وهم يتعلمون الورع وهم اليوم يتعلمون الكلام».

* * *

( 1) الفوائد ج 1 ص 118.
( 2) مرقاة المفاتيح ج 9 ص 369.
( 3) حلية الأولياء ج 10 ص 84، الرسالة القشيرية ج 1 ص 146.
( 4) الزهد الكبير ج 1 ص 318، ومدارج السالكين ج 2 ص 22.
( 5) الزهد الكبير ج 1 ص 316، مدارج السالكين ج 2 ص 22.
( 6) أخرجه البخاري (2/538، رقم 1410)، والنسائي (5/96، رقم 2589).
( 7) تسامينى: تقترب منى في المنزلة.
( 8) أخرجه مسلم (4/ 1892، رقم: 2442).
( 9) وانظر نضرة النعيم، ج 8، 3616.
( 10) أخرجه الترمذى (4/634، رقم 2451) وقال: حسن غريب. وابن ماجه (2/1409، رقم 4215)، والطبرانى (17/168، رقم 446)، والحاكم (4/355، رقم 7899) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقى (5/335، رقم 10602).
( 11) أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (5/53، رقم 5750). وأخرجه أيضًا: ابن ماجه (2/1410، رقم 4217)، قال البوصيرى (4/240): هذا إسناد حسن.
( 12) أخرجه الشاشى (1/137، رقم 75)، والحاكم (1/170، رقم 314)، والضياء (3/264، رقم 1068). وأخرجه أيضًا: أبو الشيخ فى طبقات المحدثين بأصبهان (3/276، رقم 357).
( 13) أخرجه أحمد (2/177، رقم 6652)، والطبراني (13/57، رقم 141)، وحسن إسنادهما المنذري (2/345)، والهيثمي (4/145، 10/295). وأخرجه الخرائطى فى مكارم الأخلاق (ص 70، رقم 165)، والبيهقي في شعب الإيمان (4/321، رقم 5258)، وقال: هذا الإسناد أتم وأصح. وحديث عبد الله بن عباس: أخرجه ابن عدى (1/167).
( 14) أخرجه أيضًا: ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (2/425، رقم 1217)، والقضاعى (2/179، رقم 1138).
( 15) أخرجه أحمد (5/78، رقم 20758)، قال الهيثمي (10/296): رواه أحمد بأسانيد ورجالها رجال الصحيح. والبيهقي (5/335، رقم 10603).
( 16) سورة المؤمنون: ٥١.
( 17) سورة البقرة: ١٧٢.
( 18) أخرجه ومسلم (2/703، رقم 1015).
( 19) أخرجه أحمد (2/168، رقم6570)، وأبو نعيم فى الحلية (1/347). وأخرجه أيضًا: ابن حبان (16/438، رقم 7421)، وعبد بن حميد (ص 138، رقم 352)، والبزار (6/426، رقم 2457) قال الهيثمى (10/259): رواه أحمد والبزار والطبرانى، ورجالهم ثقات. أخرجه أحمد (2/177، رقم 6650) قال الهيثمى (10/259): رواه أحمد والطبرانى فى الأوسط والكبير وله فى الكبير أسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح. وأخرجه أيضًا: ابن المبارك (1/267، رقم 775).
( 20) أخرجه أحمد (2/316، رقم 8175)، والبخارى (3/1281، رقم 3285)، ومسلم (3/1345، رقم 1721)، وابن ماجه (2/839، رقم 2511).
( 21) أخرجه البخارى (2/542، رقم 1420)، ومسلم (2/751، رقم 1069).
( 22) أخرجه البخارى (2/857، رقم 2300).
( 23) أخرجه البخاري (3/1395، رقم 3629).
( 24) أخرجه البخاري (3/1424، رقم 3700).
( 25) القصة أخرجها مسلم (2/851، رقم 1194)، والطبراني في الأوسط (2/362، رقم 2234). 
( 26) أخرجه ابن عساكر (26/169).
( 27) أخرجه البخارى (4/1494، رقم 3843).
( 28) أخرجه البخاري (1/28، رقم 52)، ومسلم (3/1219، رقم 1599)، وغيرهما.
( 29) مسائل الإمام أحمد رواية ابنه أبي الفضل صالح ج 1 ص 305، وبدائع الفوائد ج 4 ص 874.
( 30) أخرجه مسلم (4/1980، رقم 2553).
( 31) أخرجه أحمد (4/228، رقم 18030) واللفظ له، وأبو يعلى (3/160، رقم 1586)، قال الهيثمي (1/175): فيه أيوب بن عبد الله بن مكرز، قال ابن عدى: لا يتابع على حديثه، ووثقه ابن حبان. 
( 32) أخرجه أحمد (3/153، رقم 12572) قال الهيثمي (10/152): فيه أبو عبد الله الأسدي لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح، وأخرجه النسائى (8/327، رقم 5711)، وغيرهم. 
( 33) مدارج السالكين ج 2 ص 21.
( 34) أخرجه الترمذي (4/558، رقم 2317) وقال: غريب، وابن ماجه (2/1315، رقم 3976)، والبيهقي في شعب الإيمان (4/255، رقم 4987)، وابن حبان (1/466، رقم 229)،وأحمد (1/201، رقم 1737)، والطبراني (3/128، رقم 2886) قال الهيثمي (8/18): رجالهما ثقات. 
( 35) أخرجه ابن الجارود (ص 144، رقم 556)، والحاكم (2/5، رقم 2135).
( 36) جامع العلوم والحكم ج 1 ص 111.
( 37) أخرجه الترمذى (5/657، رقم 3770) وقال: صحيح. والحديث أصله عند البخاري (5/2234، رقم 5648). 
( 38) أخرجه ابن أبى شيبة (6/379، رقم 32190)، وأحمد (2/114، رقم 5940)، والبخاري (5/2234، رقم 5648).
( 39) جامع العلوم والحكم ج 1 ص 111
( 40) المصدر السابق.
( 41) حلية الأولياء ج 6 ص 143، ومختصر تاريخ دمشق ج 5 ص 2.
( 42) سبق تخريجه.
( 43) فتح الباري ج 4 ص 295. 
( 44) مجموع الفتاوى (ش0/619).
( 45) الزهد والورع والعبادة ج 1 ص 50.
( 46) كتاب العلم ج 1 ص 29، والزهد لابن حنبل ج 1 ص 265.
( 47) مدارج السالكين ج 2 ص 22.
( 48) الورع لابن أبي الدنيا ج 1 ص 112، وحلية الأولياء ج 7 ص 20.
( 49) المدخل إلى السنن الكبرى ج 1 ص 325، وتهذيب الأسماء 1م75.
( 50) الزهد الكبير ج 1 ص 319.
( 51) مدارج السالكين ج 2 ص 22.
( 52) الرسالة القشيرية ج 1 ص 146، وإحياء علوم الدين ج 3 ص 268.
( 53) الورع لابن أبي الدنيا ج 1 ص 60، ونثر الدرر ج 1 ص 138، وغريب الحديث لابن الجوزي ج 1 ص 552.
( 54) الجامع ج 11 ص 161، ومصنف عبد الرزاق ج 11 ص 161، والزهد الكبير ج 1 ص 311.
( 55) الزهد لابن المبارك ج 2 ص 11، والرقائق ج 1 ص 11، وذم الكلام وأهله ج 1 ص 129.

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*