الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » محاسن الإسلام » الــوفــــاء

الــوفــــاء

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:

فإن الوفاء خُلقٌ حميدٌ، تفاخر به العرب قديمًا، وأكده الإسلامُ أيما تأكيد، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩١]، ويقول سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء:٣٤]، وفي السنة النبوية وصايا كريمة تحض على الوفاء، وتأمر به، وتعيب من اتصف بضده، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر»( 1). 

وقد قال رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم يقول: «..ولا دينَ لمنْ لا عهدَ له»(2 )؛ ولذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم فيه بالمحل الأفضل، والمقام الأسمى، فوفاؤه، وصلته لأرحامه كان مضرب المثل، وحق له ذلك وهو سيد الأوفياء.

مكانة الوفاء بالوعد في الإسلام:

إن الإسلام جاء ليعلي وليشيد إشادة كريمة بهذا الخلق، وليشن حملة ضارية على نقيضها، ألا وهي إخلاف الوعد؛ وهذه الصفة العالية وهذا الخلق النبوي الكريم امتدح الله بها عباده المؤمنين الذين صدقوا عهودهم مع الله وعهودهم مع الناس، ورعوا الأمانات المختلفة الدينية والدنيوية، وثبتوا على هذه الحال حتى لقوا ربهم عز و جل.

يقول تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون:١-٨]، ويقول سبحانه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣]. 

وجعل الإسلام نقيض هذه الصفة من صفات المنافقين، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ»( 3). وهذا يدل على أن إخلاف الوعد محرم، لأنه من صفات المنافقين.

النصوص الشرعية تأمر بالوفاء:

جاء عدد من نصوص الكتاب والسنة تحض على الوفاء بالعهد، ومن ذلك:

أمر الكتاب بالوفاء:

قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء:٣٤]، فقد أمر الله تعالى في هذه الآية بالوفاء بالعهد، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل:٩١].

وقد أمرنا الله تعالى بالوفاء في كل أمورنا، فقال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة:٤٠]، وقال سبحانه: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام:١٥٢]، وقال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل:٩١]؛ وغير ذلك كثير من الايات في كتاب الله عز و جل.

ودعا الناس إلى الوفاء بالعهود والعقود حتى مع الأعداء، ولم يكونوا كاليهود؛ إنّ اليهود قالوا لا حرج علينا في حبس أموال العرب قد أحلّها اللّه لنا؛ لأنّهم ليسوا على ديننا، وكانوا يستحلّون ظلم من خالفهم في دينهم يقولون لم يجعل اللّه لهم في كتابنا حرمة( 4)، فبلَّغ عن ربه عز و جل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١].

الوفاء بالعهد صفة لأولياء الله سبحانه وتعالى:

فقال في أولي الألباب: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ [الرعد:١٩-٢٠].

حث السنة على الوفاء بالعهد:

قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاثٌ لَيْسَ لأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ فِيهِنَّ رُخْصَةٌ بِرُّ الوَالِدَيِنِ مُسْلِمًا كان أوْ كافِرًا والوَفاءُ بالعَهْدِ لِمُسْلِمٍ كانَ أوْ كافِرٍ وأداءُ الأَمانَةِ إلى مُسْلِمٍ كانَ أوْ كافِرٍ»(5 ). 

الإسلام ينهى عن الخيانة:

وقد كان النهي عن الخيانة من الأحكام التي جاء بها الإسلام، حتى من يُخشى خيانته من الأعداء؛ فلا ينبغي خيانتهم؛ لأن الخيانة خلق ذميم والله لا يحب الخائنين. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال:٥٨]؛ فإذا خاف الرسول صلى الله عليه وسلم أو أتباعه من قوم عاهدوهم خيانةً بإمارة تلوح أو ترشد إلى ذلك، فلا ينبغي للمسلم أن يخون بناء على ما ظهر من إقدام العدو على الخيانة، ولكن عليه أن يبين لهم أن العهد الذي بيننا وبينكم قد ألغي.

قال ابن كثير رحمه الله: «أي: أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم، وهم حرب لك، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء، أي: تستوي أنت وهم في ذلك»( 6).

الوفاء بالعهد خلق نبوي كريم:

وسلوك إسلامي نبيل، جعله الله صفة لأنبيائه، فقال تعالى في إبراهيم: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧]. وفى حين ابتلاه ربه بكلمات وأوامر ونواه؛ فأتمهن، وقام بهن، وفى حين قدم ولده إسماعيل قربانًا تنفيذًا لأمر الله، وفى حين صبر على النار ابتغاء مرضاة الله. 

الوفاء بالوعد في سيرة الأنبياء:

وكما اتصف إبراهيم عليه السلام بالوفاء، كان الوفاء أيضا من صفات غيره من الأنبياء، نذكر منهم ما يلي:

الوفاء في قصة إسماعيل عليه السلام:

قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤]، ونلحظ في هذه الآية ملحظًا جميلاً، ألا وهو أن الله أ قدم صدق الوعد على الرسالة والنبوة وهو يثني على إسماعيل؛، وإن دلَّ ذلك على شيء فإنما يدل على أن هذا الخلق الكريم الغالي إنما هو بمثابة المقدمة الضرورية للرسالة والنبوة.

وفي هذه الآية الكريمة إشارة صريحة إلى شرف وقدر ومكانة صدق الوعد وتوفيَته وعدم الإخلال به.

الوفاء في قصة موسى عليه السلام:

قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص:٢٦-٢٨].

روى البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير رحمه الله قال: جاءني رجل يهودي فسألني: أي الأجلين قضى موسى عليه السلام؟ فقلت له: لا – أي: لا أجيبك – حتى آتي حبر العرب – ابن عباس رضي الله عنه – قال: فجئت ابن عباس فسألته عن أي الأجلين قضى موسى؟ فقال: أفضلهما وأطيبهما، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل (7 ). 

من هديه صلى الله عليه وسلم في الوفاء وترك الغدر:

إن الوفاء بالعهد، وعدم نسيانه أو الإغضاء عن واجبه خلق كريم، ولذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بالمحل الأفضل والمقام الأسمى، والمكان الأشرف، فوفاؤه كان مضرب المثل، وحق له ذلك وهو سيد الأوفياء والأولياء والأوصياء، والأنبياء من بنى آدم. 

وفاء النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة:

وحديث عبد الله بن أبى الحمساء إذ قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يُبعث، وبقيت له بقيةٌ فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت ثم تذكرت بعد ثلاث، فجئت فإذا هو في مكانه، فقال: «يا فتى لقد شققت علىّ (8 ) أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك»( 9). 

قال في عون المعبود: «كان انتظاره صلى الله عليه و سلم لصدق وعده لا لقبض ثمنه؛ قال النووي: أجمعوا على أن من وعد إنسانا شيئا ليس بمنهي عنه فينبغي أن يفي بوعده وهل ذلك واجب أو مستحب فيه خلاف ذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور إلى أنه مستحب فلو تركه فاته الفضل وارتكب المكروه كراهة شديدة ولا يأثم يعني من حيث هو خلف وإن كان يأثم إن قصد به الأذى» (10 ).

دعوته صلى الله عليه وسلم للوفاء في بداية البعثة:

روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، في الحديث الطويل لما حدثت مناظرة بين هرقل و أبي سفيان في أمر النبي صلى الله عليه وسلم: «فقال هرقل لأبي سفيان: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال له: لا. قال: فهل يغدر؟ قال له: لا. قال: فبم يأمركم؟ قال: يأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف ( 11)، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة»(12 ). 

وفاء النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة:

نظرت خديجة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرأت فيه رجلاً أمينًا صادقًا وفيًا، وكان كثير الثناء عليها بعدما ماتت، حتى قالت عائشة رضي الله عنها: «ما غرت على امرأةٍ قط غيرتي من خديجة لكثرة ما كان يذكرها ويثني عليها، وقد كان عليه الصلاة والسلام يذبح الذبيحة فيقطع الأعضاء، ثم يرسل إلى صديقات خديجة، فقلت له يومًا: كأن ليس في الدنيا امرأةٌ إلا خديجة، فقال لي: «إنها كانت وكانت (13 )، وكان لي منها الولد»( 14). 

وذات يوم استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة -وكان صوتها يشبه صوت خديجة، واستئذانها يشبه استئذان خديجة، وذلك بعد موت خديجة رضي الله عنها بزمان- استأذنت هالة بنت خويلد، فلما سمع صوتها ارتاع لذلك ( 15). فقال: اللهم هالة ( 16)، قالت عائشة: فغرت، فقلت له: وما تفعل بعجوزٍ حمراء الشدقين هلكت في الدهر أبدلك الله خيرًا منها؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «لا والله، ما أبدلني الله خيرًا منها، آمنت بي إذ كذبني الناس، وأعطتني إذ حرمني الناس، وواستني بمالها عندما منعني الناس، ورزقني الله منها الولد إذ حرمني أولاد النساء»( 17). 

من فوائد الوفاء ( 18): 

1- من أوفي بعهد الله من توحيده وإخلاص العبادة له، أوفي الله بعهده من توفيقه إلى الطاعات وأسباب العبادات. 

2- الذين يوفون بعهد الله، هم أولوا الألباب وهم الذينباعوا أنفسهم وأموالهم لله فوعدهم أن لهم الجنة ومن أوفي بعهده من الله. 

3- مدح الله الموفين بعهودهم كثيرًا في القرآن الكريم. 

4- الوفاء صفة أساسية في بنية المجتمع الإسلامى حيث تشمل سائر المعاملات إذ كل المعاملات والعلاقات الاجتماعية والوعود والعهود تتوقف على الوفاء، فإذا انعدم الوفاء انعدمت الثقة وساء التعامل وسادالتنافر. 

5- من أهم الوفاء، الوفاء بالعهود من بيعةٍ وبيع ودين وززر وشرو تتعلق بالمعاملات المالية والاجتماعية. 

6- المسلم المتمسك بالوفاء في كل أحواله يجد في نفسه سعادة عظيمة عندما يوفي حقوق الله عز و جل كاملة وحقوق إخوانه المسلمين ولا ينسى حق أهله ونفسه عليه فيعطى كل ذى حق حقه. 

أنواع العهود باعتبار المعاهدة:

والعهد ينقسم إلى قسمين: عهد بين الله وبين الناس، وعهد بين الناس بعضهم بعضًا.

فأما العهود التي بين الله وبين الناس؛ فهي كثيرة، منها:

الإيمان بالله عز و جل:

فلإيمان بالله سبحانه وتعالى عهد؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢].

الإحسان بالقول والفعل:

والإحسان بالقول والفعل عهد، بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة:٨٣].

والمعروضون هم أولئك الذين نكثوا عهدهم مع الله، وارتكبوا الإساءة، وابتعدوا عن الإحسان، وتهاونوا بشرع الله عز و جل، بل وتركوا الصلوات بعد أن أبرموا عهدًا مع الشيطان.

نشر العلم وبيانه عهد:

قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧]. قال قتادة: هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم؛ فمن تعلم علمًا؛ فليعلمه للناس، وإياكم وكتمان العلم؛ فإن كتمان العلم هلكة، فيا سعادة عالم ناطق ومستمع داع! هذا تعلم علمًا فبلغه، وهذا سمع خيرًا فقبله.

وبيع النفس والمال بالجنة عهد:

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١].

قال شمر بن عطية: «ما من مسلم؛ إلا ولله عز و جل في عنقه بيعة؛ وفى بها، أو مات عليها»، ثم تلا هذه الآية (19 ). 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: «تكفل( 20) الله لمن جاهد في سبيله؛ لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلماته؛ بأن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، مع ما نال من أجر وغنيمة»( 21). 

والمعنى: أن الله تقدَّست أسماؤه يخبرنا أن من خرج من عباده مجاهدًا في سبيله، قاصدًا بذلك مرضاة الله عز و جل ورضاه، لا أمرًا آخر، يضمن له إن رجع وعاش أن يرجعه إلى وطنه بما؛ أي: بالذي أصاب من أجر أو غنيمة، وإن لم يرجع بأن قبضه الله تعالى وتوفاه شهيدًا في ميدان القتال، أو حتف أنفه، أن يغفر له جل ذكره ذنوبه -إن كانت له ذنوب- ويرحمه، ويدخله جنته؛ لجوده بنفسه، وبذله إياها في رضا الذي خلقه، وهذا غاية ما يرجوه العبد، ففيه الحَثُّ على الجهاد بأقسامه كلها، وأن تكون نيته خالصة لإعلاء كلمة الله جل ذكره، وانتشار الإسلام، وهدم الكفر وأهله. والله أعلم (22 ). 

وأما العهود التي بين الناس بعضهم بعضًا:

والعقود والعهود التي يجب الوفاء بها كثيرة متنوعة، من أهمها:

عقد الزوجية:

فهو العقد الذي يجمع الزوجين في بيت واحد، ويبيح لهما ما كان حرامًا قبل عقد النكاح، فللعقد حرمته ومكانته، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ ( 23)»( 24).

وعن سليمان بن عمرو بن الأحوص قال: حدثني أبي أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله، وأثنى عليه، وذكر ووعظ فقال: «ألا واستوصوا بالنساء خيرًا فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً، ألا إن لكم على نسائكم حقًا ولنسائكم عليكم حقًا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن»( 25). 

فعقد الزواج عهد؛ ولابد للمسلم أن يؤدي ما التزم من الشروط على عقد الزواج؛ لأنه استحل بها الفرج؛ فأيما رجل تزوج امرأة على ما قل من المهر أو كثر، ليس في نفسه أن يؤديها حقها؛ فقد خدعها، ووقع تحت طائلة العقاب.

وتربية الأولاد عهد:

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]. فمن أهملهم؛ لم يوف بما عهد إليه.

ومن العهود حقوق الجار:

فإنها حقوق يلتزم بها الجار لجاره، فطرةً ودينًا وخلقًا؛ يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾ [النساء:٣٦].

قبح الغدر والخيانة:

كما حض الإسلام على الوفاء، نهى عن الغدر والخيانة، على مستوى الأفراد والجماعات، ويتضح خطر الغدر والخيانة مما يلي:

النهي عن نقض العهد مع الله:

وهذا أعظم أنواع الغدر والخيانة، أن ينقض الإنسان العهد الذي بينه وبين خالقه، فهو الذي أوجده من العدم، وَأَدَرَّ عليه الخيراتِ والنعم، ثم هو في كل مرةٍ لا يفي بما وعد، ولا يُتِم ما به التزم وتعهد.

ومن اتصف بذلك فإنه على حالٍ خطيرة، وفي موقف قد يؤدّي به إلى السعير، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة:٧٥-٧٧].

إن الغدر صفة ذميمة وممقوتة:

ولا أدلّ على ذلك من أن الخالق جل وعلا هو خصمه يوم يبعث الخلائق، فعن أبي هريرة عز و جل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر(26)، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه العمل ولم يوفه أجره»( 27)؛ ومن كان الله تعالى خصمه فقد وقع في أحقر موقف وأذل صورة وأخزى حال، إذ هو أمام رب العالمين وأحكم الحاكمين.

عقوبة النبي صلى الله عليه وسلم لمن غدر وخان:

ولقد عاقب رسول الله صلى الله عليه وسلم الغادرين بعقوبة قاسية أليمة، فعن أنس ابن مالك أن أناسًا قدموا على رسول الله المدينة فاجتووها ـ أي: استوخموها فلم تناسبهم واعتلت صحتهم ـ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها»، ففعلوا وانطلقوا إليها، فشربوا من أبوالها وألبانها، حتى صحوا وسمنوا قتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فبلغ ذلك النبيَّ فبعث في آثارهم وأتى بهم، فأمر أن تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ثم أمر بمسامير فأحميت فكحل بِها أعينهم، وطرحهم في الحرة يستسقون فما يسقون حتى ماتوا (28 ). 

وهكذا أنزل بهؤلاء هذه العقوبة الصارمة جزاء غدرهم ومقابلتهم الإحسان بالإساءة والمعروف بالنكران، ولعذاب الآخرة أخزى وأشد.

الغدر والخيانة من صفات المنافقين:

ولو لم يكن في الغدر والخيانة وعدم الوفاء بالعهد إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدّ ذلك من صفات المنافقين لكفى، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَ فِيهِ خَصْلَةٌ (29 ) مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذا خَاصَمَ فَجَرَ(30)»( 31). 

شؤم الغدر وسوء عاقبته:

فالله سبحانه وتعالى يفضح صاحبه على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يُرفع لكل غادر لواء( 32)، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان»(33 ).

قال ابن دقيق العيد: «وفيه تعظيم الغدرة وذلك في الحروب كل اغتيال ممنوع شرعا: إما لتقدم أمان أو ما يشبهه أو لوجوب تقدم الدعوة حيث تجب أو يقال بوجوبها. وقد يراد بهذا الغدر ما هو أعم من أمر الحروب وهو ظاهر اللفظ وإن كان بين المشهور بين جماعة من المصنفين وضعه في معنى الحرب وقد عوقب الغادر بالفضيحة العظمى وقد يكون ذلك من باب مقابلة الذنب بما يناسب ضده في العقوبة فإن الغادر أخفى جهة غدره ومكره فعوقب بنقيضه وهو شهرته على رؤوس الاشهاد. وفي اللفظ المروي ههنا ما يدل على شهرة الناس والتعريف بهم في القيامة بالنسبة إلى آبائهم خلاف ما حكي أن الناس يدعون في القيامة بالنسبة إلى أمهاتهم»(34 ). 

خطر انتشار الغدر والخيانة:

وكلما انتشر الغدر بين الناس وشاع بينهم نقضُ العهد، وعَدَمُ الوفاء به أدى ذلك إلى تفكك المجتمع واضطرابه، وفقدان الثقة بين أفراده، وعدم اطمئنانهم لبعضهم، وبعدهم عن تقوية روابط الألفة والتماسك فيما بينهم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إِلاَّ كَانَ الْقَتْلُ بَيْنَهُمْ، وَلاَ ظَهَرَتْ فَاحِشَةٌ( 35) فِي قَوْمٍ إِلاَّ سُلِّطَ عَلَيْهِمُ الْمَوْتُ، وَلاَ مَنَعَ قَوْمٌ الزَّكَاةَ إِلاَّ حَبَسَ الله عَنْهُمُ الْقَطْرَ»( 36).

* * *

( 1) أخرجه البخارى (1/21، رقم 34)، ومسلم (1/78، رقم 58). 

( 2) أخرجه أحمد (3/135، رقم 12406)، وعبد بن حميد (ص 361، رقم 1198)، وأبو يعلى (5/246، رقم 2863)، وابن حبان (1/422، رقم 194)، والطبرانى فى الأوسط (3/98، رقم 2606)، والبيهقى (6/288، رقم 12470)، والضياء (5/73، رقم 1699). والقضاعى (2/43، رقم 848)، والبيهقى فى شعب الإيمان (4/78، رقم 4354). قال الهيثمى (1/96): رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبرانى فى الأوسط، وفيه أبو هلال، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه النسائى.

( 3) أخرجه البخارى (1/21، رقم 33)، ومسلم (1/78، رقم 59).

( 4) تفسير الثعلبي ج 3 ص 96، وتفسير البغوي ج 1 ص 317.

( 5) أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (4/82، رقم 4363)، وابن عساكر (4/54).

( 6) تفسير ابن كثير ج 2 ص 321.

( 7) أخرجه البخاري: (2/953، رقم 2538).

( 8) شق عليه: صعَّب عليه.

( 9) أخرجه أبو داود (4/299، رقم 4996)، وابن سعد (7/59). وأخرجه أيضًا: الضياء (9/260، رقم 226)، والبيهقى (10/198، رقم 20624).

( 10) عون المعبود (13 / 232). 

( 11) العفاف: الكف عن المحارم وخوارم المروءة. والصلة: صلة الأرحام. دليل الفالحين 1/257.

( 12) أخرجه البخاري (1/5، رقم 7)، ومسلم (5/163 – 166، رقم 1773).

( 13) كانت وكانت: أي يذكر صفاتها وفضائلها.

( 14) أخرجه البخاري (3/1389، رقم 3607).

( 15) ارتاع أي: فزع، وهذا فزع الشوق واللهفة، وفي رواية أخرى: ارتاح لذلك.

( 16) يعني: اللهم اجعلها هالة.

( 17) أخرجه الطبرانى (23/13، رقم 21) قال الهيثمى (9/224): رواه الطبرانى وأسانيده حسنة. والخطيب (12/137).

( 18) نضرة النعيم ج 8، 3638.

( 19) تفسير الطبري (11/35)، وتفسير ابن كثير (2/392)، والدر المنثور (4/296).

( 20) تكفل: ضمن.

( 21) أخرجه البخارى (6/2715، رقم 7025)، ومسلم (3/1496، رقم 1876).

( 22) الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية (ج 1 / ص 107). 

( 23) إن أحق الشرط الخ: أي أليق الشروط بالإيفاء شروط النكاح. والظاهر أن المراد به كل ما شرطه الزوج ترغيبا للمرأة في النكاح مالم يكن محظورا.(تعليقات الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي، سنن ابن ماجه: ج 1 / ص 628).

( 24) أخرجه البخاري (2/970، رقم 2572).

( 25) أخرجه البخارى (2/970، رقم 2572)، ومسلم (2/1035، رقم 1418).

( 26) أعطى بي: أي أعطى الأمان باسمي أو بما شرعته، كأن يقول: عليك عهد الله وذمته.

( 27) أخرجه البخارى (2/776، رقم 2114).

( 28) أخرجه البخاري (6/2496، رقم 6420)، ومسلم (3/1297، رقم 1671).

( 29) الخصلة: خلق في الإنسان يكون فضيلة أو رزيلة.

( 30) فجر: مال عن الحق وقال الباطل والكذب.

( 31) أخرجه البخارى (1/21، رقم 34)، ومسلم (1/78، رقم 58).

( 32) لواء: المراد علامة يشهر بها في الناس؛ لأن موضوع اللواء شهرة مكان الرئيس.

( 33) أخرجه البخارى (5/2285، رقم 5823)، ومسلم (3/1359، رقم 1735).

( 34) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (ج 1 / ص 496).

( 35) الفاحشة: القبيح الشنيع من الأقوال والأفعال.

( 36) أخرجه الحاكم (2/136، رقم 2577) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقى (3/346، رقم 6190). وله شاهد أخرجه الطبرانى (11/45، رقم 10992) قال المنذرى (1/310): سنده قريب من الحسن وله شواهد. قال الهيثمى (3/65): فيه إسحاق بن عبد الله بن كيسان المروزى لينه الحاكم، وبقية رجاله موثقون وفيهم كلام. وأخرجه أيضًا: الديلمى (2/197، رقم 2978). قال الشيخ الألباني: «حسن» انظر حديث رقم: 3240 في صحيح الجامع.

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*