الأربعاء , 7 ديسمبر 2016

الإحسان

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، أما بعد: الاحسان في اللغة: ضد الاساءة، وهو مصدر أحسن اذا أتى بما هو حسن، وفي الاصطلاح: الاتيان بالمطلوب شرعا على وجه حسن.

وقد أوضح صلى الله عليه وسلم الاحسان في حديث جبريل عليه السلام المشهور حين سأله عن الاسلام والايمان فأجابه عن كل منهما، وكان جوابه عند ما سأله عن الاحسان ان قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك»، فقد بيّن صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الذي رواه مسلم معنى الاحسان: وهو ان يفعل الانسان ما تعبده الله به كأنه واقف بين يدي الله، وذلك يستلزم تمام الخشية والانابة اليه سبحانه، ويستلزم الاتيان بالعبادة على وفق الخطة التي رسمها رسوله صلى الله عليه وسلم.

وقد ضمّن صلى الله عليه وسلم جوابه عن الاحسان بيان السبب الحافز على الاحسان لمن لم يبلغ هذه الدرجة العالية، والمنزلة الرفيعة، ألا وهو: تذكير فاعل العبادة بأن الله مطلع عليه، لا يخفى عليه شيء من أفعاله، وسيجازيه على ذلك، ان خيرا فخير، وان شرا فشر، ولا شك ان العاقل اذا تذكر ان الله رقيب عليه أحسن عمله، رغبة فيما عند الله من الثواب للمحسنين، وخوفا من العقاب الذي أعده للمسيئين {انَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}.

فضل الإحسان:

ولمزيد عناية الاسلام بالاحسان وعظيم منزلته نوه سبحانه بفضله، وأخبر في كتابه العزيز أنه يحب المحسنين، وأنه معهم، وكفى بذلك فضلا وشرفا، فقال سبحانه: {وَأَحْسِنُوا ان اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وقال: {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وقال: {انَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}، وقال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَانَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.

جزاء المحسنين:

ومن رحمة الله وفضله ان جعل الجزاء من جنس العمل، ومن ذلك أنه جعل ثواب الاحسان احسانا كما قال: {هَلْ جَزَاءُ الاحْسَانِ الا الاحْسَانُ}، فمن أحسن عمله أحسن الله جزاءه، وقد أوضح الله سبحانه في كتابه العزيز جزاء المحسنين، وأنه أعظم جزاء وأكمله، فقال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}، وهذه الآية فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بما رواه مسلم عن صهيب رضي الله عنه بأن الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر الى وجه الله عز وجل، ولا يخفى ما بين هذا الجزاء وذلك العمل الذي هو الاحسان من المناسبة، فالمحسنون الذين عبدوا الله كأنهم يرون جزاءهم على ذلك العمل النظر اليه عيانا في الآخرة، وعلى العكس من ذلك الكفار الذين طبعوا على قلوبهم فلم تكن محلا لخشيته ومراقبته في الدنيا، فعاقبهم الله على ذلك بأن حجبهم عن رؤيته في الآخرة كما قال تعالى: {كَلا انَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}، وكما ان جزاء الذين أحسنوا الحسنى، فان عاقبة الذين أساءوا السوأى كما قال تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى ان كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ}. ومما ذكره الله في جزاء المحسنين قوله: {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}، وقوله: {انَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ انَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ} الآية، وقوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} الآية، وقوله: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى}، وقوله: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِاحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} الآية، وقوله: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}، وقوله: {انَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}، الى غير ذلك من الآيات.

طرق الإحسان:

والاحسان مطلوب في العبادات والمعاملات فأي عبادة افترضها الله على العبد فان عليه ان يأتي بها على الوجه الذي رضيه سبحانه من اخلاصها له وموافقتها لشريعة نبيه صلى الله عليه وسلم، وكما ان الانسان يحب لنفسه ان يعامله غيره معاملة حسنة، فان عليه ان يحسن الى غيره، ويعامله بمثل ما يحب ان يعامل به هو، ذلك بسلوك طرق الاحسان التي نتعرض لبعضها فيما يلي على سبيل الاختصار:

-1 الاحسان بالنفع البدني: وذلك بأن يجود ببذل ما يستطيعه من القوة البدنية في تحصيل المصالح ودفع المفاسد، فيمنع الظالم من الظلم، ويميط الأذى عن الطريق مثلا، وهذه الطريق هي التي عناها صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث المتفق عليه: «كل سلامي من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، تصلح بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته، فتحمله عليها صدقة، أو ترفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها الى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة».

-2 الاحسان بالمال: ومن وسّع الله عليه الرزق، وآتاه المال، فانّ عليه ان يشكر الله على ذلك بصرفه في الطرق التي شرعها، فيقضي الحاجة، ويواسي المنكوب، ويفك الأسير، ويقري الضيف، ويطعم الجائع تحقيقا لقوله سبحانه: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ الَيْكَ}.

-3 الاحسان بالجاه: واذا لم يتمكّن المؤمن من قضاء حاجة أخيه وايصال النفع اليه، فعليه ان يكون عوناً له في سبيل تحصيلها، وذلك بالسعي معه لدى من يستطيع ذلك، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وامتثالا لأمره، فقد شفع صلى الله عليه وسلم لمغيث لدى زوجته بريرة رضي الله عنها، وأمر أصحابه بالشفاعة فقال: «اشفعوا تأجروا» متفق عليه.

-4 الاحسان بالعلم: وهذه الطريق مع التي تليها أعظم الطرق وأتمها نفعا، لأن هذا الاحسان يؤدي الى ما فيه سعادة الدنيا والآخرة، وبه يعبد الله على بصيرة، فمن يسر الله له أسباب تحصيل العلم وظفر بشيء منه كانت مسؤوليته عظيمة، ولزمه القيام بما يجب للعلم من تعليم الجاهل وارشاد الحيران، وافتاء السائل، وغير ذلك من المنافع التي تتعدى الى الغير.

-5 الاحسان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولم تكن أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – خير أمة أخرجت للناس الا بسلوكها تلك الطريق، كما ان بني اسرائيل لم يلعن من لعن منهم على لسان أنبيائهم الا لتخليهم عن ذلك الواجب من عدم اكتراثهم بارتكاب المنكرات، قال الله تعالى في حق هذه الأمة: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}، وقال في حق بني اسرائيل: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي اسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ}، ثم بيّن سبب اللعن بقوله: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} ولا يحصل المطلوب ويتم النفع الا اذا كان الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مؤتمرا بما يأمر به، ومنتهيا عما ينهى عنه، والا كان أمره ونهيه وبالاً عليه لقول الله تعالى: {كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ ان تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}، والاحسان الى الناس بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر لابد ان يكون عن علم، لأن الجاهل قد يأمر بما هو منكر، وقد ينهى عما هو معروف، ولابد ان يجمع الى العلم الحكمة، ويصبر على ما أصابه، ومن الأدلة على هذه الأمور الثلاثة قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو الَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}، وقوله: {ادْعُ الَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}، وقوله: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ}. وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم انكار المنكر على ثلاث مراتب ان لم تحصل المرتبتان الأوليتان فلا أقل من الثالثة التي هي أضعف الايمان، كما روى ذلك مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه حيث قال صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكراً فليُغيِّرهُ بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الايمان».

-- عبدالمحسن العباد البدر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*