الجمعة , 9 ديسمبر 2016

الرحمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلامضل ومن يضلل فلاهادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) 

أما بعد

فإن من الإخلاق الكريمة والخصال الحميدة خلقاً دل الكتاب والسنة على فضله وعظيم أثره في الدنيا والآخره.

إنه خلق الرحمة الذي جعل الله الاتصاف به سبباً لرحمته فهو سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم سبقت رحمته غضبه فهو يحب الرحمة والرحماء.

عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ: لَا يرحمه الله” متفق عليه.

يدل هذا الحديث  على أن مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ، و على أن من يرحم الناس يرحمه الله، كما قال صلّى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: “الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض؛ يرحمكم من في السماء”

فرحمة العبد للخلق من أكبر الأسباب التي تنال بها رحمة الله، التي من آثارها خيرات الدنيا، وخيرات الآخرة، وفقدها من أكبر القواطع والموانع لرحمة الله، والعبد في غاية الضرورة والافتقار إلى رحمة الله، لا يستغني عنها طرفة عين، وكل ما هو فيه من النعم واندفاع النقم، من رحمة الله.

فمتى أراد أن يستبقيها ويستزيد منها، فليعمل جميع الأسباب التي تنال بها رحمته، وتجتمع كلها في قوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}  , وهم المحسنون في عبادة الله، المحسنون إلى عباد الله. والإحسان إلى الخلق أثر من آثار رحمة العبد بهم.

عباد الله إن من صفات المؤمنين التراحم فيمابينهم قال تعالى ﴿  مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ﴾

وقال تعالى : ترى المؤمنينَ  في تراحُمِهم ، وتوادِّهم ، وتعاطُفِهم ، كمثلِ الجسدِ ، إذا اشتَكى عضوًا ، تداعى لَه سائرُ جسدِه بالسَّهرِ والحمَّى. رواه البخاري

ورحمة الضعفاء والمساكين سبب من أسباب الرزق والنصر قال صلى الله عليه وسلم : هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم. رواه البخاري

فيرزق الله العبد بسبب إحسانه إليهم ودعائهم له.

ثم اعلموا رحمكم الله أن الرحمة التي يتصف بها العبد نوعان:

النوع الأول: رحمة غريزية، قد جبل الله بعض العباد عليها، وجعل في قلوبهم الرأفة والرحمة والحنان على الخلق، ففعلوا بمقتضى هذه الرحمة جميع ما يقدرون عليه من نفعهم،بحسب استطاعتهم. 

فهم محمودون مثابون على ما قاموا به، معذورون على ما عجزوا عنه، وربما كتب الله لهم بنياتهم الصادقة ما عجزت عنه قواهم.

والنوع الثاني: رحمة يكتسبها العبد بسلوكه كل طريق ووسيلة، تجعل قلبه على هذا الوصف، فيعلم العبد أن هذا الوصف من أجلِّ مكارم الأخلاق وأكملها، فيجاهد نفسه على الاتصاف به، ويعلم ما رتب الله عليه من الثواب، وما في فواته من حرمان الثواب؛ فيرغب في فضل ربه، ويسعى بالسبب الذي ينال به ذلك. ويعلم أن الجزاء من جنس العمل. ويعلم أن الأخوة الدينية والمحبة الإيمانية، قد عقدها الله وربطها بين المؤمنين، وأمرهم أن يكونوا إخواناً متحابين، وأن ينبذوا كل ما ينافي ذلك: من البغضاء، والعداوات، والتدابر.

فلا يزال العبد يتعرف الأسباب التي يدرك بها هذا الوصف الجليل ويجتهد في التحقق به، حتى يمتلئ قلبه من الرحمة، والحنان على الخلق. ويا حبذا هذا الخلق الفاضل، والوصف الجليل الكامل.

وهذه الرحمة التي في القلوب، تظهر آثارها على الجوارح واللسان، في السعي في إيصال البر والخير والمنافع إلى الناس، وإزالة الأضرار والمكاره عنهم.

وعلامة الرحمة الموجودة في قلب العبد: أن يكون محباً لوصول الخير لكافة الخلق عموماً، وللمؤمنين خصوصاً، كارهاً حصول الشر والضرر عليهم. فبقدر هذه المحبة والكراهة تكون رحمته.

اللهم اجعلنا من أهل رحمتك يارحمن يارحيم

أقول ماتسمعون وأستغفر لله لي ولكم من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الحمدلله الملك الحق المبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد فمن  أصيب  في حبيب له بموت  أو غيره من المصائب، فإن كان حزنه عليه لرحمة، فهو محمود، ولا ينافي الصبر والرضى؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم لما بكى لموت ولد ابنته، قال له سعد: “ما هذا يا رسول الله؟ ” فأتبع ذلك بعبرة أخرى، وقال: “هذه رحمة يجعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء”متفق عليه وقال عند موت ابنه إبراهيم: “القلب يحزن، والعين تدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. وإنَّا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون”متفق عليه.

وكذلك رحمة الأطفال الصغار والرقة عليهم، وإدخال السرور عليهم : من الرحمة، وأما

عدم المبالاة بهم، وعدم الرقة عليهم، فمن الجفاء والغلظة والقسوة، كما قال ذلك الرجل حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقبلون أولادهم الصغار، فقال : إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أو أملك لك شيئا أن نزع الله من قلبك الرحمة؟ ” رواه البخاري ومسلم.

وهذا رجل  حملته شفقته على الخلق ورحمته بهم أن أزال غصناً كان على الطريق لئلا يؤذي الناس فكان جزاء ذلك الجنة قال صلى الله عليه وسلم: لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة ، في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس.

رواه مسلم

ومن الرحمة: رحمة المرأة البغي حين سقت الكلب، الذي كان يأكل الثرى من العطش. فغفر الله لها بسبب تلك الرحمة.

وضدها: تعذيب المرأة التي ربطت الهرة ، لا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت.

ومن ذلك ما هو مشاهد مجرب، أن من أحسن إلى بهائمه بالإطعام والسقي والملاحظة النافعة، أن الله يبارك له فيها. ومن أساء إليها: عوقب في الدنيا قبل الآخرة.

وقال تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}, وذلك لما في قلب الأول من القسوة والغلظة والشر، وما في قلب الآخر من الرحمة والرقة والرأفة؛ إذ هو بصدد إحياء كل من له قدرة على إحيائه من الناس، كما أن ما في قلب الأول من القسوة، مستعد لقتل النفوس كلها.

فنسأل الله أن يجعل في قلوبنا رحمة توجب لنا سلوك كل باب من أبواب رحمة الله، ونحنوا بها على جميع خلق الله، وأن يجعلها موصلة لنا إلى رحمته وكرامته، إنه جواد كريم.

 

-- عبدالرحمن السعدي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*