الجمعة , 28 يوليو 2017
الرئيسية » محاسن الإسلام » تقويم الأخلاق بالنهي عن التكّلف والتفاخر المذموم
تقويم الأخلاق بالنهي عن التكّلف والتفاخر المذموم

تقويم الأخلاق بالنهي عن التكّلف والتفاخر المذموم

حينَ نتأملُ هديَ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – وسيرتَه، نجِدُ أنها كانت بعيدةً عن التكلُّفِ في الأقوالِ والأفعالِ والمعيشةِ، وعلَّمَنا الإسلامُ أنه مهما عزَّت الأعمالُ وشَرُفَت، فإنه لا يستقيمُ الافتخارُ بها، إن خَلَت من قيمةِ الإيمانِ، قالَ الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 19].
الافتخارُ بالنّفسِ، وإظهارُ المكارم والجاهِ والحسَبِ والنَّسَبِ، والتباهي بمدحِ الخِصال، والإعجابُ بالنَّفس، وإظهارُ النِّعَم تعاظُمًا صفاتٌ مذمُومة، ونوعٌ من الضَّعف، ودليلُ هشاشَةِ الشخصيَّة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18].
أخطرُ صور التفاخر التي تُهدِّدُ عقيدةَ المسلم: الرِياءُ الذي وصفَهُ الرسولُ – صلى الله عليه وسلم – بالشركِ الأصغَر، وهو أن يقومَ الرجلُ يُصلِّي، فيُزيِّنُ صلاتَه، لما يرَى من نظرِ رُجلٍ.
ومن صُورِ التّفاخُر: المجاهرةُ بالمعاصي، ويترتَّبُ عليه الوعيدُ بسُوءِ خاتمةِ صاحبِه.
التباهي والتفاخُرُ شوَّه المعانِيَ السامِيةَ للكرَم، بتكلُّف الإسرافِ والتبذيرِ، حتى بلَغَت المُبالغاتُ السَّفَهَ والجُحودَ والكفرَ بالنِّعمة، والتبذير الذي نهى الإسلامُ عنه.
يشملُ التفاخُرُ والتباهي: التطاوُلَ والتكاثُرَ المبنيَّ على العُجْب والرِياءِ والكبرياء، قال الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: 1، 2].
يتشبَّثُ المتفاخِرُون بالمظاهر بسببِ انتِكاسِ الموازين، وتوهُّم القوة في موارِدِ الحياة الزائِلَة، ولا يخفَى على عاقلٍ أن المالَ والصحةَ والجمالَ والمنصِبَ هبةٌ من الله – عز وجل -، وهي مُتقلِّبةٌ زائِلَة، وعلى المرءِ أن يُقابِلَها بالتواضُعِ وليس بالتباهِي والتفاخُر.
جلَّى القرآنُ الكريم حالَ الذين يُفاخِرُون بأموالهَم وأبنائهم؛ حيث قالوا: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: 35]، فردَّ اللهُ – عز وجل – عليهم: ﴿لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 10].
الشهرةُ داءٌ وبَيِلٌ، يطلُبُ وُدَّها الراكِضُون خلفَ السراب، ولو على حسابِ مُخالفةِ الدينِ والأخلاقِ، ويعيشُ طالبُ الشُّهرةِ حياتَه أسيرًا لنظَرَاتِ المُعجَبين، قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ لبِسَ ثوبَ شُهرةٍ ألبَسَه اللهُ يومَ القيامةِ ثوبَ مَذَلَّةٍ».
من أخطرِ آثارِ التفاخرِ والتباهي: أنه يُفسِدُ على المسلمِ دينَه؛ فإن الدينَ يفسُدُ بالحرصِ على الشرفِ في الدنيا، خاصةً إذا قصَدَ الرياءَ والسُّمعةَ، فهذا السلوك يُورِثُ الذُّلَّ والصغَارَ والهَوانَ، قال – صلى الله عليه وسلم -: «مَن سمَّع سمَّعَ اللهُ به، ومَن يُرائِي يُرائِي اللهُ به».
كما أن المُفاخَرَة في العبادات تُذهِبُ بركةَ الأعمال، بل وتُحبِطُها، قال تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: 266].
هذا العملُ الصالحُ أصلهُ كالبستانِ العظيم، كثيرُ الثمار، وإظهارُ الأعمال بهدف المُفاخَرَة والرياء كالإعصار على البُستان يمحَقُها مَحقًا، فيُذهِبُ بركَتَها ويُبطِلُها.
وقد ينزِلُقُ المرءُ في بيتِه ومُحيطِ أسرته بشيءٍ من التفاخُرِ والتباهي، بمظاهر الاستعراضات الاجتماعية، والإسرافِ في الفَرشِ والأثاثِ أو التماثيل، ويشملُ ذلك المبالغَةَ في المهورِ وحفَلات الزواج.
التفاخُرُ يهوِي بالإنسانِ إلى مَزالِقِ نسيانِ شُكر المُنعِمِ وحَمدِ فَضلِه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ [الزمر: 8]، أي: أنه اختالَ وافتخَرَ بالنعمةِ فنسِيَ ربَّه الذي كان يدعُوه ويتضرَّعُ إليه.
التفاخرُ دافعٌ إلى احتِقارِ الآخرين، وقد ظَهرَ هذا في حالِ إبْليس في قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 12]، فنَسَبَ الجَورَ إلى ربه، في زعمهِ أنه هو الأفضلُ.
تَكلُّفُ التفاخُرِ والتباهي يعُطِّلُ فكرَ المسلم عن رسالةِ التنميةِ والإعمار، فالركضُ وراء الدِّعايات الفارِغة، والمظاهِرِ الخادِعةِ، يُؤدِّي إلى ارتماءِ المُسلمِ في أحضانِ الغرائزِ الشهوانية، والانغِماسِ في فُضولِ الأعمال.
ومن آثارِ التباهي والتفاخُرِ: أنه سببٌ في هزيمةِ الأمة، قال – صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما ينصُرُ اللَّهُ هذِهِ الأُمَّةَ بضعيفِها، بدعوتِهِم وصلاتِهِم وإخلاصِهِم». وهذا يُبَيِّنُ أن الرياءَ والحرصَ على المظاهر سَببٌ في هزيمةِ الأمة.
في التفاخُر والتباهي استِفزَازٌ لمشاعرِ المسلمين، ممن ضاقَت أرزاقُهُم، وصعُبَت حياتُهم لقلَّةِ ذاتِ اليد. ومن آثارِ التباهي: انتشارُ الحسَد، حين يتحدَّثُ الإنسانُ عن نِعَمِ الله بخُيَلاءَ وفخرٍ وغُرورٍ، أو بطريقةٍ تستجلِبُ حَسَدَ الحُسَّاد.
ولهذا وغيره – عباد الله – رتَّب الإسلامُ الوعيدَ الشديدَ على التباهي والتفاخُرِ، بكل صُوره وأشكالِه، حتى في المِشيَة، قال – صلى الله عليه وسلم -: «بينما رجُلٌ يتبختَرُ، يمشِي في بُرْدَيْهِ، قد أعجَبَتْهُ نفسُهُ، فخَسَفَ اللهُ بهِ الأرضَ، فهو يتجَلجَلُ فيها إلى يومِ القيامةِ».
وإذا ظَهَرَت على الإنسان النِّعَمُ دون أن يقصِدَ إظهارَها أو استعلاءَه على الآخرين، فهذا لا بأسَ به، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32].
والمسلمُ مأمورٌ بالتحدُّثِ بنِعَمِ الله، كما يُحبُّ ربُّنا أن يرَى أثرَ نِعمَتِه على عبدهِ، شُكرًا له – تبارك وتعالى – وحمدًا، لا على سبيلِ التفاخُرِ، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11].
ولا مانِعَ شرعًا من إخفاءِ النِّعمةِ؛ خاصة إذا كان صاحِبُها يخشَى من الحسَدِ والعَين، قال الله تعالى حِكايةً عن نبيِّ الله يعقوب – عليه السلام -: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [يوسف: 5]، وقال – صلى الله عليه وسلم -: «استَعِينُوا على إنجَاحِ الحوَائِجِ بالكِتمانِ؛ فإنَّ كلَّ ذي نِعمةٍ محسُودٌ».
————————–
فضيلة الشيخ الدكتور/عبدالباري الثبيتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*