الأربعاء , 16 أغسطس 2017
الرئيسية » توعية إلكترونية » آداب الإنترنت » آداب الإنترنت :الإنصاف
آداب الإنترنت :الإنصاف

آداب الإنترنت :الإنصاف

الإنصاف من أهم ما دعت إليه الشريعة الإسلامية :
إن الإنصاف من أهم ما دعت إليه الشريعة الإسلامية ، والإنصاف هو إعطاء كل ذي حق حقه ، فلا يحل لأي مسلم أن يبخس أحدًا حقه ، والذي يشترك في الحوار عبر المنتديات يجب أن يكون منصفًا ، فيعرف للعالم حقه ، ولطالب العلم حقه ، والمتعلم الذي يبحث عن الحق حقه ، فيعطي كلَّ ذي حق حقه بإنصاف ، فلا يغالي في شخص لحبه إياه ، ولا ينتقص من آخر لخلافه معه ، أو لبغضه إياه ، بل لا بد أن يكون منصفًا ، قال – تعالى -﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾ [سورة الأعراف:الآية 85] ، قال الطبري (1) : « يقول : ولا تظلموا الناس حقوقهم،ولا تنقصوهم إياها».
وقال – سبحانه وتعالى -:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا﴾ [سورة المائدة: الآية8] ، قال الطبري (2): « يعني بذلك جل ثناؤه:يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد،ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم،ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم، فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعداوتهم لكم، ولا تقصِّروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدِّي،واعملوا فيه بأمري.
وأما قوله:﴿ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا﴾،فإنه يقول:ولا يحملنكم عداوةُ قوم على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة ».
حث الأمة على الإنصاف:
وحث النبي – صلى الله عليه وسلم – أمته على الإنصاف ، فقال : « لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه »(3). فمن كمال الإنصاف أن تحب لأخيك ما تحبه لنفسك ، فتعطيه حقه ، كما تحب أن يعطيك حقك ، وتحب له الخير ، كما تحبه لنفسك ، وهذا هو غاية الإنصاف.
لكن أين هذا مما نشاهده في عالمنا المعاصر من اتباع الهوى في الحكم على الناس ، وهو ما يسمى اليوم بازدواجية المعايير ، حيث أورث هذا الأمر في كثير من النفوس حقدًا ومرارة على الظالمين والطغاة الذين لا يعرفون معنى الإنصاف،وكان من آثار ذلك ما نشاهده اليوم من أعمال إجرامية مُتَهَوِّرة،تشمل الناس جميعًا،لا تفرق بين ظالم ومظلوم.
خلاص العالم بالتحلي بروح الإنصاف:
إنه لا خلاص للعالم كله إلا بالتحلي بروح الإنصاف،وإقامة العدل بين الناس جميعًا،بغض النظر عن جنسياتهم،ودياناتهم،وألوانهم ، فإذا تم ذلك جفَّت منابع العنف ، ونكست راية الظلم ، وساد الدنيا الأمن والأمان.
إن الشريعة كلها مبنية على العدل والإنصاف، فكل الناس سواسية ، لا فرق بين غني ، ولا فقير ، ولا أمير ، ولا حقير ، لا يمتاز أحد عن غيره إلا بتقوى الله – تبارك وتعالى – وهذا هو كمال الإنصاف .
قال الأحنف بن قيس : « الإنصاف ينبت المودة، ومع كرم العشرة تطول المودة » .
وقال : « ثلاث خصال تجتلب بهن المحبة:الإنصاف في المعاشرة ، والمواساة في الشدة ، والانطواء على المودة » .
احترام أهل العلم:
ومن الإنصاف عند المحاورة مع أهل العلم أن نعرف لهم قدرهم ، وأن ننزلهم منزلتهم التي يستحقونها ، فلا نُشَغِّب عليهم ، ولا نخوض فيهم بما لا يليق ، قال – سبحانه وتعالى – : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [ سورة فاطر : الآية 28 ] ، قال القرطبي (4): « يعني بالعلماء الذين يخافون قدرته ، فمن علم أنه – عز وجل – قدير أيقن بمعاقبته على المعصية ».
وهذا ما أكد عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – حيث قال : « ليس منا من لم يُجِلَّ كبيرنا ، ويرحم صغيرنا ، ويعرف لعالمنا حقه » (5).
فاحترام أهل العلم ، وإكرامهم من أهم مبادئ الإسلام.
احترام ذي السلطان المقسط :
ومن هذا الباب أيضًا احترام ولاة أمور المسلمين ، وعدم الخوض في أعراضهم ، وتتبع ذلاتهم ، وذكرها في كل مكان ، كما يفعل في كثير من المنتديات ، فهناك كثير من الناس لا يستحسن إلا الكلام على ولاة الأمور ، والانتقاص منهم ، ببينة ، وبغير بينة ، والناس مولعون بحب استماع مثالب المشهورين في كل المجالات ، إلا من رحم الله ، وهذه مسألة تنبه لها كثير من المغرضين ، ومثيري الفتن ، فتراهم دائما يتحدثون عن أخطاء ولاة الأمور ، ويطيرون بها كل مطار ، دون تَأَنٍّ ، أو تثبت ، وهذا فيه كثير من المفاسد التي لا يعلم مداها إلا الله .
يجب على كل مسلم أن يتثبت قبل نقل أي خبر عن أي شخص ، لا سيما أهل الوجاهة ، والمتصدرين للناس ، لأن غالب الناس يشتهون الحديث في ذلك ، وهؤلاء لهم حرمة كحرمة جميع المسلمين ، فإذا ما وجدنا خطأ واستطعنا أن نبينه بطريق مباشر ، أو عن طريق من عنده القدرة للإنكار ، وإيصال الأمر إلى ولي الأمر بما لا يوقع فتنة ، فهذا ما نرجوه ، وإلا كان علينا أن نصبر ، وألا نجهر بإبداء معايبه ، ومساوئه على عوام الناس ، فتحدث بذلك فتنة ، والأمر له ضوابط شرعية مبسوطة في كتب الفقه والعقيدة.
ويوضح هذا قول النبي – صلى الله عليه وسلم – : « مَن رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه ، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا فيموت إلا مات ميتة جاهلية » (6) . قال الحافظ ابن حجر (7): « يعنى من الظلم والجور ، فأمّا من رأى شيئًا من معارضة الله ببدعة ، أو قلب شريعة ، فليخرج من تلك الأرض ويهاجر منها ، وإن أمكنه إمام عدل ، واتفق عليه جمهور الناس ، فلا بأس بخلع الأول ، فإن لم يكن معه إلا قطعة من الناس ، أو ما يوجب الفرقة فلا يحل له الخروج » .
قال أبو بكر بن الطيب : أجمعت الأمة أنه يوجب خلعَ الإمام ، وسقوطَ فرض طاعته كفرُه بعد الإيمان ، وتركُه إقامة الصلاة ، والدعاء إليها ، واختلفوا إذا كان فاسقًا ظالمًا غاصبًا للأموال ، يضرب الأبشار ، ويتناول النفوس المحرمة ، ويُضيع الحدود ، ويعطل الحقوق ، فقال كثير من الناس : يجب خلعه لذلك . وقال الجمهور من الأمة وأهل الحديث : لا يُخلع بهذه الأمور ، ولا يجب الخروج عليه ، بل يجب وعظه ، وتخويفه ، وترك طاعته فيما يدعو إليه من معاصي الله .
عدم الاحتكام وردّ الأمر إلى غير أهله:
ومن الإنصاف أن نرد الأمر إلى أهله العالمين به ، فإذا كان الأمر فقهيًّا رددناه إلى الفقهاء ، وإذا كان حديثيًّا رددناه إلى أهل الحديث ، وإذا كان طبيًّا رددناه إلى الأطباء ، وهكذا ، يجب رد كل أمر إلى أهل الفن المختصين به .
ومن البلايا التي ابتلي بها أهل هذه الأزمان أن أي شخص يتكلم في أي شيء ، فنرى ونسمع العجب العُجاب ، حتى وصل بنا الأمر إلى أن أهل الفسق والفجور من الفنانين والفنانات ، ومن على شاكلتهم يتكلمون في أدق القضايا الدينية ، فيتصدرون للكلام بغير علم فيضلون الناس بآرائهم المتهافته ، التي لا يمكن أن تخرج إلا من رأس إنسان بات فيه الشيطان فأفرخ ، فصار لسانا له ، يدعو إلى كل بَلِيَّة ، وصدق الرسول – صلى الله عليه وسلم – إذ يقول : « سيأتي على الناس سنوات خداعات ، يُصَدَّق فيها الكاذب ، ويكذب فيها الصادق ، ويؤتمن فيها الخائن،ويخون فيها الأمين ، وينطق فيها الرُّوَيْبِضَة (8) » . قيل : وما الرويبضة ؟ قال : « الرجل التافه يتكلم في أمر العامة » (9) .
كيف يكون المرء منصفًا؟
إن الوصول لهذه الصفة من أجمل الأهداف وأنبلها ، إذ بها يستجلب المرء مودة الناس واحترامهم وثقتهم فيما يقول ، وفيما يفعل ، لأنهم يعلمون جيدًا أنه منصف ، يتحرى العدل والأمانة في كل ما يقول ، وكل ما يفعل.
إن التحلِّي بصفة الإنصاف سلوك درج عليه علماء الأمة من لدن عصر البعثة الأول إلى يوم الناس هذا، فكانوا منصفين مع خصومهم ، ومن يختلفون معهم ، يعرفون لكل شخص قدرَه ، فلا يضعون شخصًا في غير موضعه ، لذلك ملكوا هذه الدنيا قرونًا ، ولكي نحقق هذه الصفة يجب أن نفعل ما يلي :
1-يجب أن نبتعد عن الهوى عند الكلام على المخالفين :
وذلك بأن يكون المرء أمينًا فيما يقول ، أو يكتب ، وخصوصًا إذا كان من أهل العلم ، فلا يغالي في أي شخص ، ولا ينتقصه حقَّه ، بقصد حُب الظهور ، أو الانتقام ، أو الانتصار للنَّفْس ، أو للطائفة التي ينتمي إليها ، بل لا بد أن يعرف قدر الشخص الذي يتحاور معه ، وذلك عملا بقول النبي – صلى الله عليه وسلم – : « إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم ، وحامل القرآن غير الغالي فيه ، ولا الجافي عنه ، وإكرام ذي السلطان المقسط » (10) . قال شمس الحق آبادي (11) : « أي تعظيم الشيخ الكبير في الإسلام بتوقيره في المجالس ، والرفق به ، والشفقة عليه ، ونحو ذلك ، كل هذا من كمال تعظيم الله لحرمته عند الله » .
2-يجب أن نتثبت قبل إصدار الأحكام :
وذلك امتثالا لقول الله – سبحانه وتعالى – : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [ سورة الحجرات : الآية 6 ] ، قال ابن كثير (12) : « يأمر – تعالى – بالتثبت في خبر الفاسق ليُحتَاطَ له ، لئلا يحكم بقوله ، فيكون في نفس الأمر كاذبًا ، أو مخطئًا ، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه ، وقد نهى الله عن اتباع سبيل المفسدين » .
فالتروي والتأني قبل الحكم على الناس من الصفات التي يحبها الله – جل وعلا – كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – لأشج عبد القيس : « إن فيك خَصْلتين يحبهما الله : الحِلم والأناة » (13) . فمن الظلم المجازفة في إطلاق الأحكام على الناس بغير بينة ، واتهامهم بالظن .
3-يجب حمل الكلام على أحسن الوجوه ، وإحسان الظن بالمسلمين :
فالواجب على المسلم أن يحسن الظن بكلام أخيه المسلم ، وأن يحمل العبارة المحتملة محملا حسنًا ، عملا بقول النبي – صلى الله عليه وسلم – : « إياكم والظن ، فإن الظن أكذب » (14) .
وكما قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – : « لا تظُنَّن بكلمة خرجت من أخيك المسلم إلا خيرًا ، وأنت تجد لها في الخير محملا » .
فمن الإنصاف أن تلتمس لأخيك العذر ، ولا تتبع ذلاته ، ولا تحمل كلامه إلا على أحسن الوجوه ، فهذا مما يساعد على تحقيق هذه الصفة .
4-ألا ننشر أخطاء المخالفين مع غض الطرف عن صوابهم :
فهذا هو الإنصاف ، فليس من العدل أن ترخي الحبل للسانك ليخوض في أخطاء من خالفك ، مع ترك ما أصاب فيه وأجاد ، بل عليك أن تذكر ما أصاب فيه ، وكان الحق معه ، فبهذا يكون الإنصاف.
5-يجب أن يكون النقد للرأي ، لا للشخص :
فالنقد الموضوعي الصحيح هو الذي يتجه إلى الموضوع ذاته ، لا إلى صاحبه ، وهذا كان منهج النبي – صلى الله عليه وسلم – في معالجة القضايا إذا حدث خطأ من أحد أصحابه ، أو من بعضهم ، فإنه – صلى الله عليه وسلم – لم يكن يُسمّيهم في الغالب ، وإنما كان يقول : « ما بالُ أقوام » (15) . قال النووي (16) : « هو موافق للمعروف من خُطَبه – صلى الله عليه وسلم – في مثل هذا أنه إذا كره شيئًا فخطب له ، ذكر كراهيته ، ولا يُعَيِّن فاعله ، وهذا من عظيم خُلقه – صلى الله عليه وسلم – فإن المقصود من ذلك الشخص ، وجميع الحاضرين ، وغيرهم ممن يبلغه ذلك ، ولا يحصل توبيخ صاحبه في الملإ » .
6-الامتناع عن الجدال الذي يؤدي إلى النزاع :
فإذا تبين أن المناقشة ستؤدي إلى الجدال الذي لا جدوى منه ، مما قد يوقع الطرفين في منازعة ، فحينئذ يجب الكف عن المناقشة حفاظا على أُخُوَّة الإسلام .
وحتى لا يصل النقاش إلى هذه الدرجة ، يجب أن يكون المتحاور هيِّنا سهلا سمحًا كريمًا ، لا يستعمل العبارات التي توغر الصدور ، وتوقع العداوة والبغضاء بين المتحاورين ، وذلك عملا بقول النبي – صلى الله عليه وسلم – : « ألا أخبركم بمن يحرم على النار – أو بمن تحرم عليه النار – على كل قريب هَيِّن سهل » (17).
وقد حذّر النبي – صلى الله عليه وسلم – من الجدل المفضي إلى الخصومة فقال : « إن أبغض الرجال إلى الله الألَدُّ (18) الخَصِم » (19) . قال النووي (20) : « لأنه كلما احتج عليه بحُجة أخذ في جانب آخر ، وأما الخصِم فهو الحاذِق بالخصومة ، والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع حق ، أو إثبات باطل » .
وقال الأوْزاعي : « عليك بآثار من سلف ، وإن رفضك الناس ، وإياك وآراء الرجال ، وإن زخرفوا لك القول ، فليحذر كل مسئول ومناظر من الدخول فيما ينكره عليه غيره ، وليجتهد في اتباع السنة ، واجتناب المحدثات كما أمر » .
وقال أيضا : « إذا أراد الله – عز وجل – بقوم شرًّا فتح عليهم الجدال ، ومنعهم العمل » .
وقال مالك : « ليس هذا الجدل من الدين بشيء » .
وقال الشافعي – رضي الله عنه – : « المراء في العلم يُقَسِّي القلوب ، ويورث الضغائن » .
7-حمل كلام المخالف على ظاهره ، مع عدم التعرض للنوايا :
فمما ابتلي به كثيرٌ من الناس في هذه الأيام التعرّض لما في النوايا ، والتعامل مع غيرهم على ما يعتقدونه في الضمائر ، ويزداد الأمر سوءًا إذا كان هذا الشخص سيئ الظن بالناس ، فهو لا يثق في أحد ، ومن خطورة هذا الأمر أنه قد ينصرف إلى أهل العلم والفضل والخير ، فإن هذا مما يُحْزنهم ، إذ كل امرئ صالح يكره أن يظن به الناس شرًّا .
يجب أن نعلم أن ما في النوايا والضمائر لا يعلمه إلا الله – جل وعلا – ومن خلال الواقع المشاهد وجدنا أن غالب هذه الظنون المبنية على اعتقاد معرفة ما في الضمائر تكون غير صحيحة ، وهذا مما يؤدي إلى فساد كبير في العلاقات الإنسانية .
وهذا ما بينه النبي – صلى الله عليه وسلم – بقوله : « إني لم أومر أن أنَقِّب قلوب الناس ، ولا أشُقَّ بطونهم » (21) . فكم من العلاقات قد فسدت بسبب زعم معرفة ما في النوايا ، ثم القول بأسوإ الافتراضات ، والاحتمالات ، فكانت سببًا في القطيعة بين الناس ، وإلى الله المشتكى .
ثمرات الإنصاف :
اعلم – رحمك الله – أن الإنصاف ركنٌ ركين ، وأساسٌ متين ، لحياة آمنة مستقرة ، إذ لا تستقيم الحياة بدونه ، لذا يجب أن نعلم فوائده ، وثماره ، حتى يكون ذلك حافزًا لتحقيقة بين الناس ، فمن هذه الثمرات :
1- أنه يعمل على استقرار المجتمعات ، وشيوع المحبة بين الناس ، فالمجتمع الذي يسود فيه جو الإنصاف مجتمع مستقر هادئ ، لأن جميع الناس يشعرون بالعدل .
2- أنه يقضي على صفة من أقبح الصفات ، وهي صفة الأنانية وحب الذات ، فلا مانع من أن يعترف الشخص بخطئه إذا تبين له ذلك ، فيكون بذلك قد أنصف أخاه ، وهذا مما يشجع على مزيد من المحاورات الهادفة .
3- أنه يعمل على نشر روح المحبة والطمأنينة بين الناس ، إذ به يأمن كل فرد على نفسه ، وماله ، وعرضه ، فهو آمنٌ من أن يُظلم ، فسيأخذ حقه ، ومكانته دون مُشَادَّة ، أو مُغَالبة .
4- أنه سبب في إعطاء كل ذي حق حقه ، فبالإنصاف تعود الحقوق إلى أصحابها وتَعُمّ روح العدالة ، ويشعر الإنسان بأن حقَّه لا يمكن أن يضيع .
5- أنه يعمل على نزع صفات الحقد والكراهيّة والحسد لتحلّ محلّها صفات الاحترام والحب والتنافس في الخيرات ، لأن الشخص الذي لا ينصف الناس لا ينصفونه ، فيشعر كلا الطرفين بأنه لم يأخذ حقَّه ، فيشعر بالظلم ، فربما يؤدي هذا الإحساس إلى كثير من الأمراض النفسية ، من حسد ، ونقمة على المجتمع كله ، فتفسد حياة الناس جميعًا .
6- أنه يجعل جميعَ الناس آمنين على مستقبلهم ،فبالإنصاف يشعر الفقير ،والضعيف ،واليتيم بما يطمئنه على مستقبله ، دون خوف من ظلم ، أو انتقاص حق .
7- بالإنصاف تشعر كل طوائف المجتمع بالأمان ، فليس هناك ميزة لفرقة ، أو طائفة ، لقرابة ، أو وساطة ، أو ما شابه ذلك ، بل كل الناس يشعرون بأنهم متساوون ، مما يدفع كل طائفة إلى عملها ، دون خوف ، أو وجل ، أو شعور بالظلم ، فيصبح المجتمع متجانسًا ، مُتّسقًا ، متكاملا ، تسود فيه روح الإخاء والتسامح .
8- بالإنصاف مع المخالفين في الرأي ، أو المذهب ، أو الدين ، تسلم المجتمعات من المكائد ، والمؤامرات التي لا يلجأ إليها – في العادة – سوى المقهورين الذين يخشون على أنفسهم أن يعملوا في النّور ، فيلجئون إلى المكائد والدسائس التي يصعب على أي مجتمع أن يتلافاها .
9- بالإنصاف بين الدُّوَل ، والجماعات تجفُّ أهم منابع الإرهاب الدّولي ، وتفسد على شياطين الإنس والجنّ مخططاتهم الخسيسة لزعزعة الاستقرار في المجتمعات الآمنة ، فغالب هؤلاء الذين يلجئون إلى هذه الأعمال التخريبية يعتمدون بشكل كبير على هذه المعايير ، والموازين الفاسدة التي تعتمد عليها الدول الكبرى ، فهي تَزِنُ بمكيالين ، وهي دائما ما تكون مع الأقوياء ، ضد الضعفاء ، مما ينبت هذه النابتة التي تلجأ إلى هذا المنهج بسبب ما يلاقونه من ظلم واضطهاد في كل مكان .
فعلى كل من يتحاور من خلال المنتديات الحوارية عبر شبكة الإنترنت أن يكون منصفًا في قوله ، أمينًا في نقله ، معطيًا كلَّ ذي حقٍّ حقَّه ، متحريًا الدقة في مناقشاته ، طالبًا من وراء ذلك الوصول للحق ، فبذا يثمر الحوار .
——————–
المراجع:
(1) التفسير 12/555 .
(2) التفسير 10/95 .
(3) أخرجه البخاري (1/14 ، رقم 13) ، ومسلم (1/67 ، رقم 45) .
(4) التفسير 14/343 .
(5) أخرجه أحمد (5/323 ،رقم 22807) ، قال المنذري (1/64):إسناده حسن . وحسنه الألباني في الصحيحة 2196 .
(6) أخرجه البخاري (6/2588 ، رقم 6646) ، ومسلم (3/1477 ، رقم 1849) .
(7) فتح الباري 8/215 .
(8) الرُّوَيبضة : تصغير الرَّابِضة ، وهو العاجز الذي رَبَضَ عن معالي الأمور ، وقعد عن طلبها ، وزيادة التَّاء للمبالغَة ، والتَّافه الخَسِيس الحقِير . النهاية : ربض .
(9) أخرجه أحمد (2/291 ، رقم 7899) ، وابن ماجه (2/1339 ، رقم 4036) . وحسنه الألباني في الصحيحة 1887 .
(10) أخرجه أبو داود (4/261 ، رقم 4843) . وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 98 .
(11) عون المعبود 13/132 .
(12) التفسير 7/370 .
(13) أخرجه مسلم (1/48 ، رقم 17) .
(14) أخرجه البخاري (5/1976 ، رقم 4849) ، ومسلم (4/1985 ، رقم 2563) .
(15) أخرجه البخاري (2/903 ، رقم 2421) ، ومسلم (2/1143، رقم 1504) .
(16) شرح مسلم 9/176 .
(17) أخرجه الترمذي (4/654 ، رقم 2488) وقال : حسن غريب . والطبراني (10/231 ، رقم 10562) ، وابن حبان (2/216 ، رقم 470) . وصححه الألباني في الصحيحة 938 .
(18) أي الشديد الخُصومة . النهاية : لدد .
(19) أخرجه البخاري (2/867 ، رقم 2325) ، ومسلم (4/2054 ، رقم 2668) .
(20) شرح مسلم 16/219 .
(21) أخرجه البخاري (4/1581 ، رقم 4094) . ومسلم (2/742 ، رقم 1064) .
——————–
خاص بالسكينة:الشيخ محمد الطايع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*