الخميس , 30 مارس 2017
الرئيسية » توعية إلكترونية » آداب الإنترنت » توصيات شرعية وأخلاقية في استخدام شبكات التواصل
توصيات شرعية وأخلاقية في استخدام شبكات التواصل

توصيات شرعية وأخلاقية في استخدام شبكات التواصل

لقد أصبحَت الكلمةُ تخرجُ من فَمِ صاحبِها والحرفُ يخُطُّه بَنانُه، فيبلُغُ الآفاق وهو مُتَّكِئٌ لم يجلِس بعدُ، فلا يحتاجُ في معرفةِ ذلكم كلِّه إلى الخروجِ من بيتِه، ولا التَّطوَافِ بأندِيةِ الناس ودُورِهم ومجالسِ الرواياتِ والأخبار لديهم.
إنها لنِعمةُ وسائل التواصُل الاجتماعيِّ منها وغير الاجتماعيِّ، التي أذهَلَت العقول، وأدهَشَت الأسماعَ، وخطَفَت الأبصارَ بسُرعتها ودقَّتها وتكامُلِها.
إنها لنِعمةٌ عُظمَى أكرَمَ الله بها عبادَه؛ ليبلُوهم أيشكُرون أم يكفُرون، أيمتَطُونَها فيما يُرضِي اللهَ وفيما أباحَ لهم، أم يمتَطُونَها في تعدِّي حُدودِ الله، أو الحَوم حولَ حِماها يُوشِكُون أن يرتَعُوا فيه؟! والله يقولُ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13].
إنها لقَفزةٌ هائِلةٌ في التواصُل، جعلَت من سَكرةِ حداثَتها وهيَجانها تغييبًا لوَعيِ كثيرٍ من الناس عن تمييز خيرِها من شرِّها، فلم يستحضِروا إبَّانَ غَمرتِهم أنها في الحقيقةِ كغيرها من الوسائلِ فيها خيرٌ وشرٌّ، وإثمٌ كبيرٌ ومنافِعُ للناس، وأنَّ حسَنَها حسَنٌ، وقبيحَها قبيحٌ.
غيرَ أنَّ طبيعتَها وجِدَّتَها أفرزَتَا مُمارساتٍ غريبةً من اللامُبالاة بالآدابِ والأعراف، وخَلط الزَّين بالشَّين، ورفعِ الكُلفَة المحمُودة؛ حتى أصبحَت أنامِلُ المرء هي صُورةَ فِكرِه أكثرَ من عقلِه ولسانِه؛ لأن الذي يُباشِرُ هذه الوسائِل إنما يُباشِرُها في مُعظَم أحوالِه في خلَوَاته مُنفرِدًا لا كِفاحًا أمامَ الناس.
ومِثلُ ذلكم حرِيٌّ بأن يعزِلَ صاحبَه عن عِظَم مآلاتِ الكلمة وما يتبَعُ ذلك من مغبَّاتٍ خطِرَة.
نعم، عِظَمُ الكلمة التي كان يستحضِرُها مثلُ عبد الملِك بن مروان، حين سألَه بعضُ جُلسائِه قائِلِين له: نراك قد شِبتَ. فقال: “شيَّبَتْني المنابِر”.
فيا للهِ العجَب! كيف تُشيِّبُه المنابِر وهو إمامُ المُسلمين وخليفتُهم؟! وهو العربيُّ الفَصِيحُ الفقيهُ لا سُلطةَ لأحدٍ عليه.
ذلكم هو ابنُ مروان الذي قال عنه الأصمَعيُّ: “إنه لم يلْحَن في كلامِه في جِدٍّ ولا هَزْلٍ”.
وقد ذكرَ الأعمشُ عن أبي الزِّناد أنَّ عبدَ الملِك بن مروان “أحدُ فُقهاء المدينة الأربعة”.
كلُّ هذه الصفاتِ التي يحمِلُها بجدارةٍ لم تكُن حاجِزًا له عن إدراك مسؤوليَّة الكلِمة وخُطورتِها، واختِلاف أفهام الناس وتفاوُت عقولِهم في تلقِّيها، ما يجعلُه يحتاطُ لتبِعَة مآلاتها.
إذا كان هذا هو ما جرَى له في زمنٍ لا يسمَعُ خُطبتَه فيه إلا عدَدٌ يسيرٌ، لا يبلُغُ ما تبلُغُه الكلمةُ في هذا الزمَن عبر وسائلِ التواصُل، فكيف بمن يقرَأُ له ألوفٌ أو ملايينُ من الناس على اختِلاف أفهامهم وعقولِهم وغاياتهم؟!
ولقد صدَقَ ابنُ مسعودٍ – رضي الله تعالى عنه -؛ إذ قال: “ما أنت بمُحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلُغُه عقولُهم إلا كان لبعضِهم فتنة”.
إن سهولةَ الوصولِ إلى هذه الوسائِل – عباد الله -، وسهولةَ استِعمالها قد أفرزَت غيابًا لهَيبَة الكلِمة، وعدمَ استِشعار عِظَمها وخُطورتها؛ حتى إنها أصبحَت لدَى كثيرٍ من الناسِ في مقامِ حديثِ النفسِ لا زِمامَ له ولا خِطام.
فلقد أزالَت هذه القَفزةُ العجيبةُ كثيرًا من التحفُّظات والحواجِز التي لا يجرُؤُ أحدٌ أن ينطِقَ بها بشفَتَيه في مجلسٍ ما، لكن يُمكن أن تجرُؤ عليها أنامِلُه من خلال لمسِهِ لوحةَ المفاتيحِ الرقميَّة؛ لتُصبِح تلك اللَّمسَة أسرعَ من إعمال الفِكر، وأكثرَ شَغلاً لصاحبِها من مُحادثَة مَن هو بجانبِهِ يُحِسُّ بأنفاسِهِ.
حتى إنكم لترَون القومَ في المجلسِ الواحِدِ كتِف أحدِهم بحِذاءِ كتِفِ جارِه، وقد تقارَبَت أجسادُهم لكن قلوبَهم وأبصارَهم شتَّى، كلٌّ يُناجِي ويُحادِي عبرَ تلكُم الوسائِل.
وإذا كان النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – قد كرِهَ لأمَّته قِيلَ وقالَ، فماذا عسانَا أن نرَى في وسائلِ التواصُلِ بين ظهرانِينَا من كثرَة القِيلِ والقالِ، وسَفسافِ الكلام، والهَمز واللَّمز، والسُّخرية والشَّماتَة إلا مَن رحِمَ ربي.
لقد كنَّا قبل وسائلِ التواصُلِ الحديثة نسمَعُ بحديثِ النبي – صلى الله عليه وسلم -، الذي يقولُ فيه: «إنَّ العبدَ ليتكلَّمُ بالكلِمةِ ما يتبيَّنُ فيها، يزِلُّ بها إلى النار أبعَدَ مما بين المشرِقِ والمغرِبِ»؛ متفق عليه.
لقد كنَّا نسمعُ بهذا الحديث فيَضِيقُ تصوُّرُنا لتلك الآفاق التي يبلُغُها، ونحسِرُها في مُستوى إدراكِ واقعِنا آنَذاك، لكنه بوسائلِ التواصُلِ الحديثةِ يتجلَّى هذا المعنى بوُضوحٍ أعمَّ وأوسَعَ مما كنَّا نتصوَّرُه قبلَها.
إن بعضَ الناس ليتوهَّمُ أن وسائلَ التواصُل الاجتماعيِّ تُمثِّلُ طريقًا مُعبَّدًا للثقافة، لا ترَى فيها عِوَجًا ولا أَمْتًا، في حين إن الأمر خلاف ذلكم تمامًا؛ لأننا نُكابِدُ في زمننا هذا واقِعًا مُتسارِعَ الخُطَا، تتدفَّقُ إلينا معلُوماتُه تدفُّقًا شديدًا عبرَ هذه الوسائلِ.
ما يُؤكِّدُ اليقَظَةَ والحذَرَ لِما يُمكن أخْذُه من بين سُطورِها، وما يجِبُ رفضُهُ؛ حتى لا نقعَ في شَرَكٍ كنَّا نفِرُّ منه، فنكون صيدًا ثمينًا لمآرِبِ للاعبين بالمُجتمعات، المُتربِّصِين بها الدوائِر، ليضرِبُوا وعيَها في مقتَل، أو على أقلِّ تقديرٍ لينجَحُوا في تأجِيجِ إرهابٍ فكريٍّ يتنازعُهُ طرَفُ الغلُوُّ وطرَفُ الجفاء، فتكون ثمرةُ التنازُع تبدُّلاً في الهوِيَّة، أو مَسخًا في أصول الفِكر والثقافة.
ولا عجَبَ في ذلكم – عباد الله -؛ فإن استِسهال لمسَةٍ واحدةٍ للوسيلَةِ بتفضيلِ عبارةٍ، أو إعادة تدويرِها، او التَّثنِيَة عليها، كلُّ ذلك جديرٌ في إرباك الفِكر، وتشويشِ المفاهِيم، وإثَارَة الاحتِقان سبَهلَلاً دون خِطامٍ ولا زِمامٍ، ولا ترَوٍّ في صحَّةِ المعلُومة أو عدَمِها، فتُصبِحُ القُدرةُ على بَثِّ الإشاعَةِ حينئذٍ أقوَى بمراحِلَ من القُدرة على تمحيصِها، ويُصبِحُ الاستِعدادُ لقَبُولها أقوَى كذلك من القُدرة على نفيِها، أو الردِّ عليها.
كلُّ ذلك يُمكن أن يكون ما دامَ أن كُلاًّ يرَى أن بمقدُورِه أن يكتُبَ فيها ما يرُوقُ له دون قيُود، ولا وازِعٍ، ولا مواثِيقَ تُواكِبُ هذا الحدَثَ، ولاسيَّما أن كثيرًا من الناس يستطيعُ أن يكون رَمزًا يُشارُ إليه بالبَنَان وسط تلك الساحاتِ إذا تهيَّأَ له جُمهورٌ قد وطَّنَ نفسَه بأن يكون مُتلقِّيًا لا فاحِصًا، مُقلِّدًا لا مُجتهِدًا، رَجعَ صَدى لا صوتًا مُستقِلاًّ، وبخاصَّة في هذا الزمن الذي تغلَّبَت فيه العاطِفةُ على العقلِ، فجعلَتْه مُهيَّأً لمَن أرادَ احتِلالَه دون جُهدٍ أو مُدافَعَةٍ تُذكَر؛ حتى يُصبِحَ عقلاً يقولُ ما يُقَوَّل، ويُمِرُّ ما جاءَه، معصُوبَ العينَين لا يُجادِلُ في شيءٍ من ذلكم ولا يُمارِي.
كلُّ ذلك في فترةِ تحوُّلٍ ذهنِيٍّ تقُودُه عاطِفةٌ شكَّلَها سَيلُ وسائلِ التواصُلِ الجارِفِ على أن تكون قابِلةً للانتِقال من النَّقيضِ إلى النَّقيضِ، والضِّدِّ إلى الضِّدِّ، أو الجَمع بين المُتضادَّات، والتفريق بين المُتماثِلات.
ولا يبعُدُ ذلكم على من خالَفَ وصيَّةَ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – وهو الصادِقُ المصدُوقُ – إذ قال: «إنَّه مَن يعِشْ مِنكم فسيَرَى اختِلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشِدين المهديِّين، عضُّوا عليها بالنواجِذ ..» الحديث؛ رواه أبو داود والترمذي.
إن أكبرَ خطأٍ تقعُ فيه المُجتمعات حين تتجاوَزُ نظرتَها إلى تلك الوسائِلِ من كَونِها مُجرَّد وسائِل، إلى جَعلِها أصولاً أو غاياتٍ، ولا تسألُوا حينئذٍ عن نُشوءِ أجيالٍ مُشوَّشةَ التفكير، هشَّةَ التأصيلِ، بِضاعتُها في الرُّسُوخِ مُزجاةً، يسهُلُ اختِراقُها والتسلُّلُ إليها لِواذًا بغسيلٍ فِكريٍّ، وتَوطِينِ مَن ينشُدُ الثقافةَ على أن يكون إِمَّعةً إن فسَدَ الناسُ فسَدَ، وإن ظلَمُوا ظَلَمَ، والله – جلَّ شأنُه – يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 105].
ثم إن وسائلَ التواصُلِ الحديثة واقِعٌ لا مفَرَّ منه، ولا إنكارَ لِما تحمِلُه من أوجُهِ الخَير وأوجُهِ الشرِّ، ما يُوجِبُ على العُقلاء وذوِي العلمِ والفهمِ السليمِ أن يُزاحِمُوا أهلَ الشرِّ والطَّيشِ، والغفلَةِ والتهوُّر، وإنه لا مناصَ من ذلكم – عباد الله – لإطفاءِ حرِّ الطَّيشِ واللامُبالاة ببَرْد الأناة، واستِحضار المسؤوليَّة.
كما أن علينا جميعًا أن نعلَمَ بأن وسائلَ التواصُلِ غِيبتُها غِيبَة، ونَميمَتُها نَميمَة، وبُهتانُها بُهتانٌ، وقَذفُها قَذفٌ، وسِبابُها سِبابٌ، والإثارةُ إثارةٌ، فمن ظنَّ أن هذه الوسائِلَ تُغيِّرُ المعانِي والمقاصِدَ والحقوقَ فهو يعيشُ تصوُّرًا ذهنيًّا نشأَ من ضِيقِ فِكرِه وعدمِ اكتِراثِه بالحقوقِ والواجِباتِ.
وقُولوا مثلَ ذلكم في كل خلَلٍ أخلاقيٍّ، وإثمٍ شرعيٍّ؛ فإن امتِلاكَ المرء أيَّ حسابٍ له في تلك الوسائِل لا يمنَحُه الأمانَ من المُحاسبَةِ الدنيويَّة، ولا السلامةَ من الإثمِ في الآخرة، بل إن عِظَمَ الإثمِ والمُحاسَبَة بقَدر كثرةِ المُطَّلِعين عليه والمُتأثِّرين به.
وستظلُّ الأخلاقُ وضوابِطُها ثابتةً لا تتغيَّر، فهي لِسانٌ مقروءٌ كاللِّسانِ المسمُوع، والآداب لا عُمر لها فهي لا تَشيخُ ولا تهرَمُ.
إن وسائلَ التواصُلِ على ما فيها من خيرٍ ونفعٍ للأمَّةِ في مجالاتٍ شتَّى، إلا أن فيها شرًّا كثيرًا، وضررًا ضارِبًا بأوتادِه على عقولٍ خلِيَّةٍ لا سِياجَ لها ولا حِمَى، ومع كثرة ذلكم الشرِّ إلا أن جِماعَه في ثلاث شُرورٍ:
الأولُ: بَثُّ ما يُذكِي الفُرقةَ والتباغُضَ والتدابُرَ بين أبناء المِلَّة الواحِدة، والمُجتمع المُسلم الواحِدِ.
وثانِيها: نقلُ الأخبار والإشاعات المُرجِفة أو المُخذِّلة التي تُثمِرُ التشويشَ والتهويشَ، وبناءَ فروعٍ على أصولٍ لا صحَّةَ لها.
وثالِثُها: الحديثُ في الأعراض وتتبُّع العورَات، والوِصايةِ على الخلق بالأهواء لا بالشرعِ، وبالتعيِير لا بالنصيحة.
ألا إن تلكُم القوادِح لهِيَ من أكثر ما ينقُضُ عُرَى الإيمان بالله واليوم الآخِر، كيف لا والنبيُّ – صلى الله عليه وسلم – يقول: «مَن كان يُؤمِنُ بالله واليوم الآخِر فليقُلْ خيرًا أو ليصمُتْ»؛ رواه البخاري ومسلم.
ألا فاتَّقُوا الله – عباد الله -، واعلَمُوا أن تلكُم الوسائِلَ حقائِبُ سفَرِكم، فانظُروا ماذا تحمِلُون فيها، وهي لكم وِرْدٌ وصَدَرٌ، فانظُروا ماذا ترِدُون منها وماذا تنهَلُون.
إنها أعمالُكم بين أيدِيكم في دار المُهلَة، وستُلاقِيكم في دار البقاء، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ، ﴿قد أفلح .. دساها﴾.
فرحِمَ الله امرأً أدركَ ضعفَ حالِه، وقِلَّةَ حيلَتِه، وأن عليه من الكِرامِ الكاتِبِين من هو رَقيبٌ عَتِيدٌ. فلله ما أكثرَ المفالِيس بسببِ تلكُم الوسائِل! نعم، إنه الإفلاسُ من أوسَعِ أبوابِه، وإن أعظمَ شهُودٍ على إفلاسِ المُفلِسِ هم القُرَّاء والمُشاهِدُون، فهم المعنِيُّون بها، والنبيُّ – صلى الله عليه وسلم – قد قال: «أنتُم شُهداءُ الله في أرضِه».
——————–
فضيلة الشيخ الدكتور / سعود بن إبراهيم الشريم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*