الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » فقه الخلاف وأثره في القضاء على الإرهاب

فقه الخلاف وأثره في القضاء على الإرهاب

مقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين ، أما بعد :

فإن الله بعث نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالشريعة الغراء ، والملة السمحاء ، والحنيفية البيضاء ، ومن سمات هذه الشريعة أنها شريعة خاتمة لكل الشرائع ، وعامة لكل الناس ، وشاملة لكل نواحي الحياة ، فما تركت شيئًا مما يحتاج إليه الناس إلا وبينت لنا وجه الحق فيه ، ودلتنا على خير ما يصلح لنا ديننا ودنيانا ، وحذرتنا من كل ما تعود عاقبته وبالًا علينا ، يقول تعالى : ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ) ( الأنعام : 38) .

وإن من أهم القضايا التي عالجها الإسلام قضية الإرهاب ، تلك القضية التي أضحت البشرية تعاني منها أشد المعاناة ، وذاقت بسببها الويلات ، فلم تعد تمارس على مستوى الأفراد فحسب ، بل على مستوى الدول والجماعات والمنظمات ، وكان المسلمون هم الضحية الأولى لهذه الظاهرة ، حيث تنتهك حقوقهم ، وتسلب أموالهم ، وتزهق أرواحهم ، في ظل ما يسمى ب ” مكافحة الإرهاب ” .

وقد حذر الإسلام أتباعه من الانزلاق في هذه المزلة الخطيرة ، ووضع السياجات الحصينة التي تحميهم من الوقوع فيها ، فجاءت النصوص الشرعية بالتحذير من الغلو في الدين ، والانحراف في فهم نصوص الشرع الحكيم .

ولعل من أهم أسباب الانحراف في هذا الباب عند المسلمين الجهل بفقه الخلاف وآدابه ، حيث يحل العنف في مسائل اجتهادية محل الحوار ، وتظهر المنابذة في أمور تقتضي الصفح والوئام ، وربما أدى الأمر في بعض الحالات إلى تكفير المخالف واستباحة دمه في مسألة غاية ما فيها أن القائل بها إما مجتهد مخطئ له أجر واحد ، أو مجتهد على حقٍ فله أجران ، ولذا أحببت أن أقدم هذه الدراسة المتواضعة بذكر ما يسمح به المقام من قواعد الخلاف المستنبطة من نصوص الشريعة ، وأقوال أهل العلم ، وقد اقتصرت على إحدى عشرة قاعدة لأن المقام لا يتسع لأكثر من ذلك ، على أن أستوفي الحديث عن بقية القواعد في بحث أطول إن شاء الله تعالى .

ويجدر التنبيه إلى أن المقصود بالإرهاب في هذا البحث الإفساد الذي يقصد منه انتهاك حقوق المعصومين ، في دمائهم أو أعراضهم أو أموالهم أو غير ذلك مما كفلته الشريعة لهم ، أما ما كان دفاعًا مشروعًا ضد معتدٍ ظالم ، فلا يعد ذلك إرهابًا ، بل هو الكفاح المشروع الذي أقرته كل الشرائع السماوية والأنظمة الوضعية .

أسأل الله تبارك وتعالى أن يلهمنا الرشد والصواب وأن يوفقنا للخير والسداد .

تمهيد في معنى الخلاف

الخلاف في اللغة والاختلاف والمخالفة بمعنًى واحد ، قال في المصباح المنير : ” خالفته مخالفة وخلافًا وتخالف القوم واختلفوا إذا ذهب كل واحدٍ إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر ، وهو ضد الاتفاق ” .

ولا يختلف المعنى الشرعي للخلاف عن المعنى اللغوي ، إلا أنه مقصور على الاختلاف في المسائل الشرعية ، فالعلاقة بين المعنيين هي علاقة عموم وخصوص مطلق ، ذلك أن علماء الشريعة يطلقون الخلاف على المسائل الشرعية التي لم يجمع عليها ، فالخلاف ضد الإجماع .

ونعني بالخلاف هنا ما هو أشمل من الخلاف في المسائل الفقهية الاجتهادية ، فيدخل في ذلك المخالفة في المسائل الاعتقادية ، كما في قوله تعالى : ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ) ( آل عمران : 105 ) ، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله .

القاعدة الأولى

الاختلاف منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم النوع الأول : الاختلاف المذموم

ويكون في حالات :

الحال الأولى : الاختلاف في مسائل العقيدة المتفق عليها عند أهل السنة والجماعة :

فهذا اختلاف مذموم لأن العقيدة ثابتة بنصوص قطعية في الكتاب والسنة وقد أجمع عليها الصحابة فلا يصح أن يكون فيها اختلاف بين المسلمين .

الحال الثانية : الاختلاف في الأدلة القطعية :

والمقصود بها المسائل التي تكون قطعية الثبوت وقطعية الدلالة ، مثل وجوب الصلاة والصيام والزكاة ، وقطع يد السارق ، ورجم الزاني ، ووجوب الحجاب وتحريم الخمر ، ونحو ذلك .

فالاختلاف في هذه المسائل غير سائغ لأنه لو قبل الخلاف فيها لما بقي شيء من مسائل الدين إلا وأصبح قابلًا للأخذ والرد .

الحال الثالثة : الاختلاف الناشئ عن تعصبٍ أو هوى لا عن حجةٍ وبرهان :

فقد ذم الله تعالى الذين يجادلون في آياته بغير حجة ولا برهان ، فقال سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ) ( غافر : 56) .

وقوله : “سلطان ” أي حجة وبرهان .

الحال الرابعة : مخالفة ما أجمعت عليه الأمة :

ففي هذه الحالات الأربع يكون الاختلاف مذمومًا ، وهو ما يطلق عليه الشارع الافتراق ، كما في حديث الافتراق المشهور الذي رواه عوف بن مالك رضي الله عنه وغيره من الصحابة قال : قال صلى الله عليه وسلم : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وإحدى وسبعون فرقة في النار . والذي نفسي بيده لتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، قيل من هم يا رسول الله ، قال الجماعة ، وفي رواية قال : من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ، وفي رواية قال : هم السواد الأعظم .

والمتأمل في هذا الحديث يلحظ الفارق بين فقه الصحابة وفقه من بعدهم ، فالصحابة رضوان الله عليهم كانت عنايتهم بمعرفة الفرقة الناجية وصفاتها للتشبه بها ، ولهذا سألوا النبي عن صفة تلك الفرقة ، وكان السائل عمر بن الخطاب كما جاء مصرحًا به في رواية جابر ، أما من بعدهم فقد شغلوا بالفرق الهالكة ، والعلم بالفرق المنحرفة أمر مطلوب شرعًا ، ولذلك كان حذيفة – رضي الله عنه – يقول : كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه .

ويقول الشاعر : عــرفت الشـر لا للشـر ولكـن لتوقيـه ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه

إلا أن الواجب على المسلم أن يعرف من طرق أهل الضلال الأصول التي ينطلقون منها والمناهج التي يسلكونها ومعرفة أسباب زيغها وانحرافها والرد عليها وبيان فسادها أما التعمق في أقاويلها وتفصيلاتها والفروق الدقيقة بينها فلم يُكلفنا الله به .

وهنا نأتي إلى مسألة هامة تتعلق بهذا الحديث ، قد اتخذها بعض الضالين متكئًا للتكفير ، وإخراج جميع المخالفين عن الملة ، وهي :

هل هذه الفرق المذكورة في الحديث كافرة أو لا؟ . للإجابة عن هذا السؤال لا بد من بيان عدة أمور :

أولًا : المراد بقوله عليه الصلاة والسلام : وستفترق هذه الأمة هنا أمة الإجابة لا أمة الدعوة ، ففرق اليهود والنصارى لا تدخل في عد هذه الفرق .

ثانيًا : قوله عليه الصلاة والسلام : كلها في النار إلا واحدة ، هذه الجملة دليل على أن هذه الفرق ضالة مجانبة للحق ومستحقة للوعيد بالنار وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم .

ثالثًا : الحديث لا دلالة فيه على التكفير أو أن هذه الفرق مخلدة في النار لأن الوعيد بالنار لا يقتضي الخلود فيها ، فالكلام في البدع كالكلام في الكبائر وقد توعد النبي صلى الله عليه وسلم بالنار على كثير من الذنوب التي لا يختلف أهل الحق على عدم التكفير بمجردها كالقتل وإباق العبد من مواليه المسلم والرغبة عن الآباء .

ومما يؤيد ذلك : أنه عليه الصلاة والسلام جعل هذه الفرق من الأمة حيث قال : ‎ ستفترق أُمتي على ثلاث وسبعين فرقة فجعل الاثنتين وسبعين فرقة من أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، وهذا يعني أنهم مسلمون في الجملة ، والأصل أن المسلم باقٍ على إسلامه فلا يخرج منه إلا بيقين .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ” وكذلك سائر الاثنتين وسبعين فرقة من كان منهم منافقًا فهو كافر في الباطن ، ومن لم يكن منافقًا بل كان مؤمنًا بالله ورسوله في الباطن لم يكن كافرًا في الباطن وإن أخطأ في التأويل كائنًا ما كان خطؤه . وقد يكون في بعضهم شعبة من شُعب النفاق ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار . ومن قال : إن الاثنتين وسبعين فرقة كل واحد منهم يُكفر كفرًا ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم ، بل إجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة فليس منهم من كفر كل واحد من الاثنتين وسبعين فرقة وإنما يكفر بعضهم بعضا ببعض المقالات ” .

النوع الثاني من الاختلاف : الاختلاف المحمود وهو الاختلاف في المسائل الظنية ، مثل الاختلاف في وقوع طلاق الثلاث واحدة ، والقنوت في صلاة الفجر ، ورفع اليدين في الصلاة ، وما يجب تغطيته من المرأة ، ونحو ذلك .

فمثل هذه المسائل يسوغ فيها الخلاف إذا لم يكن عن تعصب وهوى وإنما عن اجتهاد وتحرٍ لقوله عليه الصلاة والسلام : إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة رضوان الله عليهم على اختلافهم في الاجتهاد في صلاة العصر في غزوة بني قريظة .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : “ما تنازعوا فيه مما أقروا عليه وساغ لهم العمل به من اجتهاد العلماء والمشايخ والأمراء والملوك كاجتهاد الصحابة في قطع اللينة وتركها : واجتهادهم في صلاة العصر لما بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة وأمرهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة فصلى قوم في الطريق في الوقت وقالوا : إنما أراد التعجل لا تفويت الصلاة . وأخرها قوم إلى أن وصلوا وصلوها بعد الوقت تمسكا بظاهر لفظ العموم فلم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم واحدة من الطائفتين . . . وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها ; على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم كمسائل في العبادات والمناكح والمواريث والعطاء والسياسة وغير ذلك وحكم عمر أول عام في الفريضة الحمارية بعدم التشريك وفي العام الثاني بالتشريك في واقعة مثل الأولى ولما سئل عن ذلك قال : تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي . وهم الأئمة الذين ثبت بالنصوص أنهم لا يجتمعون على باطل ولا ضلالة ودل الكتاب والسنة على وجوب متابعتهم . وتنازعوا في مسائل علمية اعتقادية كسماع الميت صوت الحي وتعذيب الميت ببكاء أهله ورؤية محمد صلى الله عليه وسلم ربه قبل الموت مع بقاء الجماعة والألفة . . . ومذهب أهل السنة والجماعة أنه لا إثم على من اجتهد وإن أخطأ” .

القاعدة الثانية

الافتراق سنة كونية ودفعه فريضة شرعية فمما كتبه الله – تعالى – على الأمة الإسلامية أنها ستفترق وتختلف كما اختلفت الأمم من قبلها ، وهذا الافتراق هو حكم كوني يقول تعالى : ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) ( هود : 118- 119 )

وقد اختلف المفسرون إلى أي شيء يعود اسم الإشارة في قوله :( وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) فمنهم من قال : إنه يعود إلى الاختلاف أي : خلقهم ليختلفوا وذهب إلى هذا الحسن البصري ، وذهب بعض المفسرين ومنهم عطاء إلى أن اسم الإشارة يعود إلى الرحمة أي خلقهم ليرحمهم ، وبعضهم قال : اسم الإشارة يعود إلى الاثنين معًا ، أي خلقهم ليختلفوا وليرحم من سلك الصراط المستقيم وممن ذهب إلى هذا القول ابن جرير الطبري وابن كثير والشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله .

يقول ابن سعدي : ” يُخبر الله – تعالى – أنه لو شاء لجعل الناس أُمة واحدة على الدين الإسلامي فإن مشيئته غير قاصرة ولا يمتنع عليه شيء ولكنه اقتضت حكمته ألا يزالوا مختلفين مخالفين للصراط المستقيم متّبعين للسبل الموصلة إلى النار كلٌّ يرى الحق فيما قاله والضلالة في قول غيره ، وقوله سبحانه : (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) فهداهم إلى العلم بالحق والعمل به والاتفاق عليه ، فهؤلاء سبقت لهم سابقة السعادة وتداركتهم العناية الربانية والتوفيق الإلهي ، وأما من عداهم فهم مخذولون موْكولون إلى أنفسهم ، وقوله سبحانه : ( وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) قال : أي اقتضت حكمته أنه خلقهم ليكون منهم السعداء والأشقياء والمتفقون والمختلفون والفريق الذي هدى الله والفريق الذي حقت عليهم الضلالة ليتبين للعباد عدله وحكمته وليظهر ما كمن من الطباع البشرية من الخير والشر ولتقوم سوق الجهاد والعبادات التي لا تتم ولا تستقيم إلا بالامتحان والابتلاء ” .

وبعضهم يتكئ على هذه السنة الكونية لرد أي محاولة لجمع الكلمة وتوحيد صف المسلمين ، بحجة أن الاختلاف سنة كونية لا يمكن ردها ، وهذا من الخطأ في فهم النصوص فإنه لا تعارض بين حكم الله الكوني وحكمه الشرعي ، فهو قد قدر الاختلاف بحكمه الكوني ، وذمه ونهى عنه بحكمه الشرعي ، يقول تعالى : ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ( آل عمران : 105 ) .

القاعدة الثالثة

الحق يقبل من أي جهة جاء الحق يقبل لكونه موافقًا للدليل ، فلا أثر للمتكلم به في قبوله أو رفضه ؛ ولهذا كان أهل السنة يقبلون ما عند جميع الطوائف من الحق ، ويردون ما عندها من الباطل ، بغض النظر عن الموالي منها أو المعادي .

قال تعالى : ( فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (البقرة 213) .

وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : ” . . . اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم .

قال ابن القيم رحمه الله : فمن هداه الله – سبحانه – إلى الأخذ بالحق حيث كان ومع من كان ، ولو كان مع من يبغضه ويعاديه ، ورد الباطل مع من كان ولو كان مع من يحبه ويواليه ، فهو ممن هدى الله لما اختُلف فيه من الحق .

وقال تعالى :( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) (المائدة 8) ، ومن العدل فيهم قبول ما عندهم من الحق .

وهكذا أدبنا القرآن الكريم حين ساق كلام بلقيس- وقت كفرها – ثم وافقها عليه ؛ قال تعالى-حكاية عنها- :( قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ) قال الله تعالى : ( وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) (النمل 34) .

ولما دلّ الشيطان أبا هريرة – رضي الله عنه – إلى آية الكرسي لتكون له حرزًا من الشيطان ، وذلك مقابل فكه من الأسر ، قال له النبي صلى الله عليه وسلم : أما إنه قد صدقك وهو كذوب .

وقد قبل عليه الصلاة والسلام الحق من بعض اليهود ففي سنن النسائي عن قتيلة – امرأة من جهينة – أن يهوديا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إنكم تنددون وإنكم تشركون تقولون : ما شاء الله وشئت ، وتقولون : والكعبة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا ورب الكعبة ويقولون ما شاء الله ثم شئت .

بل يقبل الحق وإن جاء على لسان البهائم ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها التفتت إليه البقرة فقالت : إني لم أخلق لهذا ولكني إنما خلقت للحرث فقال الناس : سبحان الله تعجبا وفزعا أبقرة تكلم ؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإني أومن به وأبو بكر وعمر قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بينا راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة فطلبه الراعي حتى استنقذها منه فالتفت إليه الذئب فقال له من لها يوم السبع يوم ليس لها راع غيري فقال الناس سبحان الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أومن بذلك أنا وأبو بكر وعمر .

وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول : اقبلوا الحق من كل من جاء به ، وإن كان كافرًا-أو قال فاجرًا- واحذروا زيغة الحكيم ، قالوا : كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق؟ قال : إن على الحق نورًا .

ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ” ولكنّ الحق يقبل من كل من تكلم به ” .

ولا شك أن رسوخ مثل هذه المعاني في أذهان المسلمين من أكبر الدوافع إلى الإذعان للحق والرضوخ له مهما كان قائله ، ويجعل المسلم مستسلمًا للحق دومًا ، قابلًا له ، وهذا من شأنه أن يقضي على التعصب المقيت الذي يحمل صاحبه إلى المنابذة والإصرار على الباطل ، لا لشيءٍ إلا لأن القائل بالحق ليس من جماعته أو حزبه أو لربما بلده ، وهذا هو عين الإرهاب الفكري حيث يصبح المرء أحادي النظرة ، نابذًا لآراء جميع مخالفيه ، غير مستعدٍ لأن يتمعن في مقولتهم فضلًا عن أن يقبلها .

إن من شأن التربية القرآنية أن تزيل كل الحواجز التي تقف بين المسلم وقبول الحق ، فإن قبول الحق متى بان خير من التمادي في الباطل ، ولا غضاضة ولا منقصة عليه في ذلك ، فإذا كان سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه قد قبل ذلك الحق من اليهودي ، فكيف بآحاد المسلمين ممن يلوح له الحق على لسان من هو خير من ذلك اليهودي .

القاعدة الرابعة

وجوب عرض أقوال الناس على الشرع ما يقوله سائر الناس من الكلام في المطالب الشرعية لا بد من عرضه على الكتاب والسنة ، فإن وافق الكتاب والسنة فهو حق يقبل ، وإن خالفها فهو باطل يرد .

ولهذا كان الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم ينهون أتباعهم عن تقليدهم في كل شيء ، يقول أبو حنيفة : إذا خالف الحديث قولي فاضرب بقولي عرض الحائط ، ويقول مالك : كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر ، يقصد النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقول الشافعي : إذا صح الحديث فهو مذهبي ، ويقول أحمد : لا تقلدني ولا تقلدن أبا حنيفة ولا مالكًا ولا الشافعي وخذ من حيث أخذوا .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ” ذم الله – تعالى – في القرآن من عدل عن اتباع الرسل إلى ما نشأ عليه من دين آبائه وهذا هو التقليد الذي حرمه الله ورسوله وهو : أن يتبع غير الرسول فيما خالف فيه الرسول وهذا حرام باتفاق المسلمين على كل أحد ; فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق والرسول طاعته فرض على كل أحد من الخاصة والعامة في كل وقت وكل مكان ; في سره وعلانيته وفي جميع أحواله ، وهذا من الإيمان قال الله تعالى :( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) ( النساء : 65 )

وقال : ( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ) ( النور : 51 )

وقال :( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) ( الأحزاب : 36 )

وقال : ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ( النور : 63 ) .

وقال : ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) ( آل عمران : 31 ) .

وقد أوجب الله طاعة الرسول على جميع الناس في قريب من أربعين موضعا من القرآن وطاعته طاعة لله : وهي : عبادة الله وحده لا شريك له وذلك هو دين الله وهو الإسلام وكل من أمر الله بطاعته من عالم وأمير ووالد وزوج ; فلأن طاعته طاعة لله ، وإلا فإذا أمر بخلاف طاعة الله فإنه لا طاعة له وقد يأمر الوالد والزوج بمباح فيطاع وكذلك الأمير إذا أمر عالما يعلم أنه معصية لله والعالم إذا أفتى المستفتي بما لم يعلم المستفتي أنه مخالف لأمر الله فلا يكون المطيع لهؤلاء عاصيا وأما إذا علم أنه مخالف لأمر الله فطاعته في ذلك معصية لله”ا هـ .

وهذه القاعدة ذات أثر كبير في حماية المجتمع من الغلو في المتبوعين ، ورفعهم فوق منزلتهم التي جعلهم الله عليها ، فإن العصمة ليست لأحد من البشر إلا لأنبياء الله ورسله ، وبعضهم قد يجعل لمتبوعه قداسة من حيث لا يشعر ، فيذعن لقوله ، ويسلم لأمره ، حتى وإن تبين له أنه على خلاف الحق ، وبهذا تظهر الآراء الشاذة والأفكار المنحرفة التي قد تجر ويلات على الأمة الإسلامية برمتها ، وما ذاك إلا بسبب التقليد الأعمى ، والغلو المذموم في القادة والمتبوعين ، وشأن المسلم أن يدور مع الحق حيث دار ، وأن يتحرى وجه الصواب في كل مسألة يقدم عليها ، ولا سيما في المسائل التي تعم فيها البلوى ، وتأخذ طابعًا عموميًا للأمة المسلمة ، فينبغي أن يكون صدور الفتوى فيها من هيئات شرعية تأخذ بالاجتهاد الجماعي ، كالمجامع الفقهية ولجان الفتوى التي يكون على رأسها علماء ثقات ، لأن الرأي الجماعي أحرى بإصابة الحق بإذن الله من الرأي الفردي .

ولهذا كان علماء الأمة يحذرون من زلة العالم ، فإن العالِم إذا زل ، زل بزلته عالَم ، وفي حديث ثوبان رضي الله عنه مرفوعًا : وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين .

والأئمة المضلون : هم علماء وقادة السوء الذين يحلون ويحرمون على خلاف حكم الله ، وقد سمى الله طاعتهم في ذلك عبادة ، فقال تعالى : ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ) ( التوبة : 31 ) .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ” وكثير من المتفقهة وأجناد الملوك وأتباع القضاة والعامة المتبعة لهؤلاء يشركون شرك الطاعة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم لما قرأ : ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) فقال : يا رسول الله ، ” ما عبدوهم فقال ما عبدوهم ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم فتجد أحد المنحرفين يجعل الواجب ما أوجبه متبوعه والحرام ما حرمه والحلال ما حلله والدين ما شرعه إما دينا وإما دنيا وإما دنيا ودينا ، ثم يخوف من امتنع من هذا الشرك وهو لا يخاف أنه أشرك به شيئا في طاعته بغير سلطان من الله وبهذا يخرج من أوجب الله طاعته من رسول وأمير وعالم ووالد وشيخ وغير ذلك ” .

وإذا تتبعنا أسباب انحراف الفرق الضالة نجد أن من أهم تلك الأسباب الغلو في المتبوعين حتى أصبح كلامهم مقدمًا على كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، فأصبح الولاء والبراء معقودًا على الانقياد لذلك المتبوع من عدمه ، فمن قبل أقوال ذلك المتبوع فهو المسلم الذي تجب موالاته ، ومن ردها فهو الضال الذي تجب معاداته ، وهذا بلا شك هو الوقود الذي يشعل نار الفتنة بين الأحزاب والطوائف ، ويذكي روح التعصب والتطرف بين الأفراد والجماعات .

القاعدة الخامسة

الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف رجاله هذا الكلام مما ينقل عن علي رضي الله عنه ، والحق ما وافق الدليل من غير التفات إلى كثرة المقبلين ، أو قلتهم ، فالحق لا يوزن بالرجال ، وإنما يوزن الرجال بالحق ، ومجرد نفور النافرين ، أو محبة الموافقين لا يدلّ على صحة قول أو فساده ، بل كل قول يحتج له ، خلا قول النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يحتج به .

وكثرة الأتباع ليست دليلًا على صدق الدعوى ، كما أن قلة الأتباع ليست دليلًا على ضعفها أو فسادها ، ففي الصحيحين عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط ، والنبي ومعه الرجل والرجلان ، والنبي ليس معه أحد الحديث .

ولهذا قال بعض السلف : عليك بالحق ولا تستوحش من قلة السالكين ، وإياك والباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين .

ولهذا فإنه من غير المستساغ لمسلمٍ أن يحتج على عمله بكثرة الفاعلين له ، فانتشار التطرف والإرهاب المذموم ، واستخدام العنف من قبل الطوائف المختلفة لنشر مذاهبها وآرائها ، كل ذلك ليس دليلًا على مشروعيتها ، لأن العبرة بموافقة الدليل لا بالكثرة ، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسلك في دعوته سبيل الحكمة والبصيرة ، وهما بمعنى موافقة الحق ، وألا يهتم بتجميع سواد الناس إذا كان في ذلك مجانبة الحق ، ولننظر إلى ذلك التوجيه الرباني لمحمد صلى الله عليه وسلم ، ففي آخر سورة يوسف بين الله له أنه ليس مكلفًا بأن يدخل الناس كلهم في دين الله فقال سبحانه : (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ )(سورة يوسف الآية 103 ) ثم بعدها ببضع آيات يبين الله له ما هو مكلف به وهو أن يسلك مسلك البصيرة ، فقال تعالى :( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي )( سورة يوسف الآية 108) ، وفي سورة النحل يقول سبحانه : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)(سورة النحل الآية 125 ) ، فالمؤمن ليس مأمورًا بأن يُدخل الناس في دين الله بالقوة ، وأجره عند الله ليس مبنيًا على ذلك ، بل هو مأمور بتبليغ الرسالة ويؤجر على قدر موافقته للهدي الرباني ، حتى وإن لم يستجب له أحد ، ولهذا كان الرسل أفضل البشر مع أن بعضهم يأتي يوم القيامة ولم يؤمن معه أحد .

وعلى المؤمن ألا يستعجل النتائج في دعوته لأن ذلك يتعارض مع منهج الحكمة الذي أمره الله به ، هذا فضلًا عما تؤدي إليه العجلة من الإضرار بالدعوة ، وتضييق الخناق عليها وعلى أهلها .

القاعدة السادسة

الفرق بين الحكم المطلق والحكم المعين وهذه من أهم قواعد الخلاف ، والتي نشأ بسبب الجهل بها خلط ولبس كبير ، جعل من بعض الجهلة يكفرون المخالف لهم ، أو يبدعونه بمجرد ارتكابه للبدعة أو وقوعه فيما يعده أهل السنة كفرًا ، وإن من سمات أهل السنة أتباع الفرقة الناجية العدل في الحكم على المخالفين ، فهم وسط بين الوعيدية الذين يكفرون بارتكاب الكبيرة ، والمرجئة الذين يقولون : لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة .

فيفرق أهل السنة بين الحكم المطلق على المخالفين بالمعصية أو الفسق أو الكفر ، وبين الحكم على شخص معين ، ممن ثبت إسلامه بيقين ، ثم صدرت منه هذه البدع فلا يحكمون عليه بأنه فاسق أو عاص أو كافر حتى تقوم عليه الحجة ، وتزول عنه الشبهة ، كما يفرقون بين نصوص الوعيد المطلقة وبين استحقاق شخص بعينه لهذا الوعيد في أحكام الآخرة .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ” نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله : ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ) الآية ( النساء : 10 ) وكذلك سائر ما ورد من فعل كذا فله كذا فإن هذه مطلقة عامة وهي بمنزلة قول من قال من السلف : من قال كذا فهو كذا ثم الشخص المعين ينتفي حكم الوعيد فيه بتوبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة مقبولة والتكفير هو من الوعيد فانه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها .

وفي الحديث الذي في الصحيحين : في الرجل الذي قال : إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم فوالله لإن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين ففعلوا به ذلك فقال الله له : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : خشيتك ، فغفر له .

فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذرى ، بل اعتقد أنه لا يعاد وهذا كفر باتفاق المسلمين لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك .

والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا ” ا هـ .

القاعدة السابعة

لا تجوز معارضة القرآن والسنة برأي أو عقل أو قياس وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : “من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن لا برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم ، فكان القرآن هو الإمام الذي يقتدى به ، ولهذا لا يوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس ولا بذوق ووجد ومكاشفة ولا قال قط قد تعارض في هذا العقل والنقل ولا فيهم من يقول إن له ذوقا أو وجدا أو مخاطبة أو مكاشفة تخالف القرآن والحديث فضلا عن أن يدعي أحدهم أنه يأخذ من حيث يأخذ الملك الذي يأتي الرسول ، وأنه يأخذ من ذلك المعدن علم التوحيد والأنبياء كلهم يأخذون عن مشكاته ” ا هـ .

ولا شك أن الاعتماد على نصوص الكتاب والسنة التي تدعو إلى الحكمة والحوار والمجادلة بالحسنى خير وسيلة للقضاء على ظاهرة الإرهاب والتطرف ، فينبغي أن يكون التحاكم مع المخالفين من المسلمين إلى قاعدة متفقٍ عليها ، وأرضية مشتركة بين الطرفين ، إذ إن من قواعد الجدل والمناظرة : ” أن الاستدلال على المسألة المتنازع عليها إنما يكون من الدليل المتفق عليه ” ، ولا يمكن أن تتفق الأطراف إلا على الكتاب والسنة ، لأن الآراء تختلف ، والعقول تتفاوت ، والأهواء تتباين ، فكان لزامًا أن تزال الشبهة عن الخارجين قبل أن تستخدم معهم العقوبات كما نص على ذلك أهل العلم في أبواب قتال أهل البغي من المسلمين .

ومن مآثر الخليفة عمر بن عبد العزيز – رحمه الله – أنه يروى أنه فور توليه الخلافة كتب إلى قائد الخوارج – تلك الفرقة التي دوخت الخلفاء من قبله ، ولم تنفع معها لغة السيف – ويقال له : بسطام ، يقول له : ” ما أخرجك علي؟ فإن كنت خرجت غضبًا لله فأنا أحق بذلك منك ، ولست أولى بذلك مني ، وبيني وبينك كتاب الله ، فهلم أناظرك ، فإن رأيت حقًا اتبعته ، وإن أبديت حقًا نظرنا فيه ، فما كان من قائدهم بعد أن بغته الخليفة بتلك الحجة ، وهو أمر لم يعتد عليه إلا أن أذعن لمقولته ، وعقدت المناظرات بين أهل السنة والخوارج ، ولذا لم تقم لهم قائمة في خلافته .

القاعدة الثامنة

المخالفون لأهل السنة ليسوا على درجة واحدة فمنهم المجتهد المخطئ ، والجاهل المعذور ، والمتعدي الظالم ، والكافر الضال . وفيما يأتي تفصيل كل منهم : 1 – المجتهد المخطئ :

يقول ابن تيمية : مجموع الفتاوى ج : 3 ص : 179 : ” ليس كل من خالف في شيء من اعتقاد الفرقة الناجية يجب أن يكون هالكا ؛ فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئا يغفر الله خطأه وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة ، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك فهذا أولى ، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيا وقد لا يكون ناجيا كما يقال من صمت نجا .

واستدل – رحمه الله – على أن المجتهد المخطئ في المسائل الاعتقادية معفو عنه بعدة أدلة :

الدليل الأول : أنه ثبت بالكتاب المفسر بالسنة أن الله قد غفر لهذه الأمة الخطأ والنسيان فهذا عام عموما محفوظا وليس في الدلالة الشرعية ما يوجب أن الله يعذب من هذه الأمة مخطئا على خطئه .

الدليل الثاني : ما ثبت في الصحيح من حديث أبى هريرة أن رسول الله قال : إن رجلا لم يعمل خيرا قط فقال لأهله إذا مات فأحرقوه ثم أذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فلما مات الرجل فعلوا به كما أمرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه فإذا هو قائم بين يديه ثم قال لم فعلت هذا قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر الله له وقد تقدم تخريجه .

فهذا الرجل كان قد وقع له الشك والجهل في قدرة الله – تعالى – على إعادة ابن آدم بعد ما أحرق وذري وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك وهذان أصلان عظيمان :

أحدهما : متعلق بالله تعالى ، وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير .

والثاني : متعلق باليوم الآخر وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت ويجزيه على أعماله .

ومع هذا فلما كان مؤمنا بالله في الجملة ومؤمنا باليوم الآخر في الجملة وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت وقد عمل عملا صالحا وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح .

الدليل الثالث : أن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل واتفقوا على عدم التكفير بذلك مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي ، وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة ، وأنكر بعضهم رؤية محمد ربه ، ولبعضهم في الخلافة والتفضيل كلام معروف ، وكذلك لبعضهم في قتال بعض ولعن بعض وإطلاق تكفير بعض أقوال معروفة ، وكان القاضي شريح ينكر قراءة من قرأ ” بل عجبتُ – بضم التاء – “ويقول : إن الله لا يعجب ، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي ، فقال : إنما شريح شاعر يعجبه علمه ، كان عبد الله أفقه منه فكان يقول : بل عجبتُ ، فهذا قد أنكر قراءة ثابتة وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة ، وكذلك بعض السلف أنكر بعضهم حروف القرآن مثل إنكار بعضهم قوله : سورة الرعد الآية 31 أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا وقال : إنما هي أولم يتبين الذين آمنوا ، وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر ومع هذا فلما لم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا وإن كان يكفر بذلك من قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر .

ثانيًا – الجاهل المعذور :

فهذا يعذر لجهله ، حيث لم تقم عليه الحجة .

يقول ابن تيمية : ” لا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العلمية ، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة ، وإذا كان الله يغفر لمن جهل تحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل مع كونه لم يطلب العلم فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاداته ولا يؤاخذه بما أخطأ تحقيقا لقوله ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ” .

ثالثًا – المتعدي الظالم :

وهو من يأثم ببدعته ، ولا يصل به الأمر إلى الكفر .

وضابط هؤلاء كما يقول ابن تيمية : “أن من كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلا أو لتعديه حدود الله بسلوك السبل التي نهى عنها أو لاتباع هواه بغير هدى من الله فهو الظالم لنفسه وهو من أهل الوعيد بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطنا وظاهرا الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله فهذا مغفور له خطؤه ” .

رابعًا – الكافر الضال :

كحال كثير من الغلاة الذين يغلون في مشايخهم ويرفعونهم فوق مقام النبوة ، أو يضفون عليهم خصائص الألوهية ، أو الذين يقولون بوحدة الوجود أو بالحلول والاتحاد ، فكل هؤلاء مشركون كفار .

القاعدة التاسعة

موافقة الجماعة في المسائل الاجتهادية الظاهرة فيما يراه المجتهد

مرجوحًا خير من مفارقتهم إلى ما يراه راجحًا ذلك أن من أهم المقاصد الشرعية الاتفاق وعدم المنازعة ، كما قال تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ( آل عمران : 103 ) ، فكل ما يقوي وحدة الصف المسلم ، ولا يترتب عليه محظور شرعي فهو مطلوب ، وهكذا كان هدي السلف رضوان الله عليهم :

فقد صح عن ابن مسعود (رضي الله عنه) أنه عاب على عثمان (رضي الله عنه) صلاته بمنى أربعا وصلى معه ، فقيل له في ذلك فقال : الخلاف شر .

وفي المدونة : ” قلت لمالك : إنه يلينا قوم يرون خلاف ما ترى في السهو ، يرون أن ذلك عليهم بعد السلام فيسهو أحدهم سهوا يكون عندنا سجود ذلك السهو قبل السلام ، ويراه الإمام بعد السلام فيسجد بنا بعد السلام ؟ قال : اتبعوه فإن الخلاف أشر .

وقال ابن تيمية رحمه الله : “ويسوغ أيضا أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب ، واجتماع الكلمة خوفا من التنفير ، عما يصلح كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء البيت على قواعد إبراهيم ; لكون قريش كانوا حديثي عهد بالجاهلية , وخشي تنفيرهم بذلك . ورأى أن مصلحة الاجتماع والائتلاف مقدمة على مصلحة البناء على قواعد إبراهيم . وقال ابن مسعود لما أكمل الصلاة خلف عثمان ، وأنكر عليه فقيل له في ذلك ، فقال : الخلاف شر ; ولهذا نص الأئمة كأحمد وغيره على ذلك بالبسملة ، وفي وصل الوتر ، وغير ذلك مما فيه العدول عن الأفضل إلى الجائز المفضول ، مراعاة ائتلاف المأمومين , أو لتعريفهم السنة ، وأمثال ذلك ” .

القاعدة العاشرة

اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية المفترض في كل متناظرين أنهما طالبا حق ، لكن قد يخفى الحق عليهما أو على أحدهما ، والخفاء قد يكون سببه خفاء الدليل أو الدلالة ، فيختلفان فتقع بينهما المناظرة ، وقد تنكشف المناظرة ولا يتفقان على قول واحد ، لكنهما مستصحبان للنية الأولى وهي طلب الحق . فهذا الاختلاف لا يقطع حبل المودة بينهما ، ولا يعكر على القلوب صفاءها ، فضلًا عن التنابذ والتدابر ونحو ذلك .

ولقد ضرب لنا سلفنا أمثلة شامخة في هذا الباب ، من ذلك :

1 -ما قاله يونس الصدفي (264ه) قال : ما رأيت أعقل من الشافعي ؛ ناظرته يومًا في مسألة ثم افترقنا ، ولقيني فأخذ بيدي ، ثم قال : ( يا أبا موسى ، ألا يستقيم أن نكون إخوانًا ، وإن لم نتفق في مسألة) ؟!

2 -ما رواه ابن عبد البر عن العباس بن عبد العظيم العنبري قال : كنت عند أحمد بن حنبل وجاءه علي بن المديني راكبًا على دابة ، قال : فتناظرا في الشهادة ، وارتفعت أصواتهما حتى خفت أن يقع بينهما جفاء ، وكان أحمد يرى الشهادة ، وعلي يأبى ويدفع ، فلما أراد علي الانصراف ، قام أحمد فأخذ بركابه .

3 -وقال الإمام أحمد بن حنبل عن إسحاق بن راهويه : (لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق ، وإن كان يخالفنا في أشياء ، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضًا) .

القاعدة الحادية عشرة

الاختلاف قد يكون اختلاف تنوع أو اختلاف تضاد فحتى نحصر الخلاف في دائرته الضيقة ، ينبغي أن يفرق بين اختلاف التنوع ، واختلاف التضاد ، ففي كثير من الأحيان ينصب الخلاف بين العالمين أو الفرقتين أو المذهبين ، وعند التأمل نجد أن الاختلاف بينهم إنما هو اختلاف صوري ، لا حقيقة له ، وإنما اختلفت عبارة كل منهما عن الآخر ، فظُن هذا الاختلاف نزاعًا .

ويقول أهل العلم : إن اختلاف التنوع سببه أحد أمرين :

الأول : أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى ، ومن ذلك : اختلاف المفسرين في معنى الصراط المستقيم ، فقيل : هو القرآن ، وقيل الإسلام وقيل : السنة ، وكل هذه المعاني صحيحة إذ لا تعارض بينها فهي من اختلاف التنوع .

والثاني : أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل ، ومن أمثلة ذلك : الاختلاف في صيغ الأذان والتشهد وأدعية الاستفتاح ونحو ذلك ، فمثل هذه المسائل لا ينبغي أن تكون سببًا للنزاع والفرقة والمنابذة ، لأن السنة قد جاءت بها جميعًا ، فلا تثريب على المسلم فيما لو أخذ بأي صفة وردت.

[ص-21] ومن العجب ما نشاهده في بعض البلدان الإسلامية من وقوع المنازعات وفي بعض الأحيان يتطور الأمر إلى المصادمات والمشادات الكلامية والتراشق بالاتهامات والتبديع والتكفير بسبب مسائل فرعية لا ينبغي أن تكون مثارًا للنزاع ، ومنبعًا للفتنة ، كرفع اليدين في الصلاة ، والجهر بالتأمين ، والقنوت في صلاة الفجر ، ونحو ذلك من المسائل ، ومرد ذلك والله أعلم هو الجهل بفقه الخلاف ، وما ينبغي على المسلم عمله تجاه من يخالفه في الرأي ، وها قد عدنا إلى حيث ما بدأنا به ، وهو التأكيد على أهمية هذا الموضوع الذي تسبب إغفاله وإهماله من قبل المربين إلى الحالة التي لا تحسد عليها أمتنا الإسلامية من الضعف والتمزق والافتراق .

ولعلي أختم بحثي هذا بعددٍ من التوصيات :

1 – ضرورة تدريس موضوع فقه الخلاف في المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي ، حتى يتحلى المسلم بهذه الضوابط مع من يخالفه الرأي .

2 – على المصلحين والمربين والعلماء والدعاة أن يكونوا قدوة في هذا الباب حتى ينعكس أثر ذلك في من يقلدونهم .

3 – ينبغي طرح هذه الموضوعات عبر وسائل الإعلام المختلفة ، ولا سيما القنوات الفضائية ، حيث أصبح المشاهد – بعد انتشار هذه القنوات – في حيرة من أمره ، إذ كان معتادًا على سماع فتوى واحدة من شيخ بلدته ، وأصبح الآن يستمع إلى عشرات الفتاوى في الموضوع الواحد من علماء من أقطارٍ شتى .

4 – ينبغي تعريف الناس بمؤسسات الاجتهاد الجماعي ، وأن تكون قراراتها بمتناول أيدي الناس .

5 – إن الجهل بفقه الخلاف هو الحوض الذي تنمو فيه بذرة التعصب ، تلك البذرة التي تخرج منها نبتة الإرهاب الخبيثة ، فلن يقضى على الإرهاب ما لم يقض أولًا على التعصب للرأي ، ولن يقضى على التعصب ما لم يفقه الناس بآداب الاختلاف وضوابطه .

والحمد لله أولًا وآخرًا ، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .

أهم المراجع

* تيسير اللطيف المنان في تفسير كلام الرحمن / لابن سعدي .

* مجموع فتاوى ابن تيمية .

* البداية والنهاية / لابن كثير .

* أصول الفقه الإسلامي / لوهبه الزحيلي .

* القاموس المحيط / للفيروزابادي .

[ص-22] * المصباح المنير / للفيومي .

* الفتاوى الكبرى / لابن تيمية .

* مفردات ألفاظ القرآن / للراغب الأصفهاني .

* الأم / للشافعي .

* المدونة / لسحنون .

* الجامع الصحيح / للبخاري .

* الجامع الصحيح / لمسلم .

* المسند / للإمام أحمد .

* سنن أبي داود .

* سنن الترمذي .

-- د . يوسف بن عبد الله الشبيلي

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*