الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » رسالة للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ في مسألة التكفير

رسالة للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ في مسألة التكفير

رسالة للعلامة الشيخ

عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ

في مسألة التكفير

من : عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ، إلى عبد العزيز الخطيب السلام على من اتبع الهدى ، وعلى عباده الصالحين .

وبعد : فقرأت رسالتك ، وعرفت مضمونها ، وما قصدته من الاعتذار ، ولكن أسأت في قولك : أن ما أنكره شيخنا الوالد، من تكفيركم أهل الحق ، واعتقاد إصابتكم؛ أنه : لم يصدر منكم ؛ وتذكر أن إخوانك من أهل النقيع ، يجادلونك ، وينازعونك في شأننا، وأنهم ينسبوننا إلى السكوت عن بعض الأمور ، وأنت تعرف : أنهم يذكرون هذا غالباً، على سبيل القدح في العقيدة ، والطعن في الطريقة ، وإن لم يصرحوا بالتكفير ، فقد حاموا حول الحمى ، فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى ، ومن الغي عن سبيل الرشد والعمى .

وقد رأيت سنة أربع وستين ، رجلين من أشباهكم المارقين بالإحساء ، قد اعتزلا الجمعة والجماعة ، وكفّرا مَن في تلك البلاد ، من المسلمين ، وحجـتهم مـن جنس حجتكم ، يقولون : أهل الإحساء يجالسون ابن فيروز ،ويخالطونه هو وأمثاله،ممن لم يَكفُر بالطاغوت ، ولم يصرح بتكفير جده ، الذي ردَّ دعوة الشيخ محمد ، ولم يقبلها، وعاداها.

قالا : ومن لم يصرح بكفره ، فهو كافر بالله ، لم يكفر بالطاغوت ؛ ومن جالسه ، فهو مثله ؛ ورتبوا على هاتين المقدمتين ، الكاذبتين ، الضالتين ، وما يترتب على الردة الصريحة ، من الأحكام ، حتى تركوا رد السلام ، فرفع إليَّ أمرهم ، فأحضرتهم ، وتهددتهم ، وأغلظت لهم القول ؛ فزعموا أولاً : أنهم على عقيدة الشيخ ، محمد بن عبد الوهاب ، وأن رسائله عندهم ، فكشفت شبهتهم ، وأدحضت ضلالتهم ، بما حضرني في المجلس .

وأخبرتهم ببراءة الشيخ ، من هذا المعتقد ، والمذهب ، وأنه لا يُكفِّر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله ، من الشرك الأكبر ، والكفر بآيات الله ورسله ،أو بشيء منها، بعد قيام الحجة ، وبلوغها المعتبر ، كتكفير من عبَدَ الصالحين ، ودعاهم إلى الله ، وجعلهم أنداداً له ، فيما يستحقه على خلقه ، من العبادات ، والإلهية ، وهذا : مجمع عليه أهل العلم والإيمان ، وكل طائفة من أهل المذاهب المقلدة ، يُفردون هذه المسألة ، بباب عظيم ، يذكرون فيه حكمها ، وما يوجب الردة ، ويقتضيها ، وينصون على الشرك ؛ وقد أفرد ابن حجر ، هذه المسألة ، بكتاب سماه : الإعلام بقواطع الإسلام .

وقد أظهر الفارسيان ، المذكوران ، التوبة والندم ، وزعما : أن الحق ظهر لهما ، ثم لحقا بالساحل، وعادا إلى تلك المقالة ، وبلغنا عنهم : تكفير أئمة المسلمين ، بمكاتبة الملوك المصريين ؛ بل كفروا : من خالط من كاتبهم ، من مشايخ المسلمين ، نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى ، والحور بعد الكور.

وقد بلغنا عنكم نحوا من هذا ، وخضتم في مسائل من هذا الباب ،كالكلام في الموالاة، والمعاداة ، والمصالحة ، والمكاتبات ، وبذل الأموال ، والهدايا ، ونحو ذلك ، من مقالة أهل الشرك بالله ، والضلالات ، والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي ، ونحوهم من الجفاة ، لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب ، ومن رزق الفهم عن الله ، وأوتي الحكمة ، وفصل الخطاب .

والكلام في هذا : يتوقف على معرفة ما قدمناه ، ومعرفة أصول عامة ، كلية ، لا يجوز الكلام في هذا الباب ، وفي غيره ، لمن جهلها ، وأعرض عنها ، وعن تفاصيلها ؛ فإن : الإجمال ، والإطلاق ، وعدم العلم ، بمعرفة مواقع الخطاب ، وتفاصيله ، يحصل به من اللبس، والخطأ ، وعدم الفقه عن الله ، ما يفسد الأديان ، ويشتت الأذهان ، ويحول بينها ، وبين فهم السنة والقرآن ؛ قال : ابن القيم ، في كافيته ، رحمه الله تعالى : فعليك بالتفصيل والتبيين فالـ إطلاق والإجـمال دون بيـان قد أفسدا هذا الوجود وخبطا الـ أذهان والآراء كل زمان وأما : التكفير بهذه الأمور ، التي ظننتموها ، من مكفرات أهل الإسلام فهذا مذهب الحرورية ، المارقين ، الخارجين على علي بن أبي طالب ، أمير المؤمنين ، ومن معه من الصحابة ، فإنهم : أنكروا عليه ، تحكيم أبي موسى الأشعري ، وعمرو بن العاص ، في الفتنة التي وقعت ، بينه وبين معاوية ، وأهل الشام ؛ فأنكرت الخوارج عليه ذلك ، وهم في الأصل من أصحابه ، من قراء الكوفة ، والبصرة ؛ وقالوا : حكّمت الرجال في دين الله ، وواليت معاوية ، وعَمْراً ، وتوليتهما ، وقد قال الله تعالى: سورة يوسف الآية 40 إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ وضربت المدة بينك وبينهم ، وقد قطع الله هذه الموادعة والمهادنة ، منذ أنزلت : براءة .

وطال بينهما النـزاع والخصام ، حتى أغاروا على سرح المسلمين ، وقتلوا من ظفروا به من أصحاب علي، فحينئذ شمر رضي الله عنه لقتالهم، وقتلهم دون النهروان ، بعد الإعذار والإنذار، والتمس: المخدج المنعوت في الحديث الصحيح ، الذي رواه مسلم ، وغيره من أهل السنن ، فوجده علي ، فَسُّرَ بذلك ، وسجد لله شكراً على توفيقه ، وقال : لو يعلم الذين يقاتلونهم ، ماذا لهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، لنكلوا عن العمل ، هذا : وهم أكثر الناس عبادة، وصلاة ، وصوماً.

فصل ولفظ : الظلم ، والمعصية ، والفسوق ، والفجور ، والموالاة ، والمعاداة ، والركون، والشرك ، ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة ، قد يراد بها مسماها المطلق ، وحقيقتها المطلقة ، وقد يراد بها مطلق الحقيقة ؛ والأول : هو الأصل عند الأصوليين ؛ والثاني : لا يحمل الكلام عليه ، إلا بقرينة لفظية ، أو معنوية ، وإنما يعرف ذلك بالبيان النبوي ، وتفسير السنة ، قال تعالى :( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)( سورة إبراهيم الآية 4) الآية وقال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(سورة النحل الآية 43 -44) .

وكذلك : اسم المؤمن ، والبر ، والتقى ، يراد بها عند الإطلاق والثناء ، غير المعنى المراد ، في مقام الأمر والنهي ؛ ألا ترى : أن الزاني ، والسارق ، والشارب ، ونحوهم ، يدخلون في عموم قوله تعالى: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ )(سورة المائدة الآية 6) الآية وقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا)(سورة الأحزاب الآية 69 ) الآية [ص-33] وقوله تعالى :( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ)( سورة المائدة الآية 106) ولا يدخلون في مثل قوله تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)(سورة الأنفال الآية 2) وقوله : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا)(سورة الحجرات الآية 15) وقوله :( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ)0 سورة الحديد الآية 19) الآية .

وهذا : هو الذي أوجب للسلف ، ترك تسمية الفاسق ، باسم الإيمان، والبر؛ وفي الحديث: “لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر، حين يشربها، وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم فيها، وهو مؤمن” وقوله: لا يؤمن، من لا يأمن جاره بوائقه ، لكن نفي الإيمان هنا لا يدل على كفره، بل يطلق عليه اسم الإسلام، ولا يكون كمن كفر بالله ورسله، وهذا هو الذي فهمه السلف ، وقرروه في باب الرد على الخوارج، والمرجئة، ونحوهم، من أهل الأهواء؛ فافهم هذا فإنه مضلة الأفهام ومزلة الأقدام .

أما : إلحاق الوعيد المرتب، على بعض الذنوب، والكبائر، فقد يمنع منه مانع، في حق المعين، كحب الله ورسوله، والجهاد في سبيله، ورجحان الحسنات، ومغفرة الله ورحمته، وشفاعة المؤمنين، والمصائب المكفرة، في الدور الثلاثة، ولذلك لا يشهدون لمعين من أهل القبلة، بجنة ولا نار ، وإن أطلقوا الوعيد، كما أطلقه القرآن والسنة، فهم يُفرِّقون بين العام المطلق، والخاص المقيد؛ وكان عبد الله حمار ، يشرب الخمر، فأُتِيَ به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعنه رجل ، وقال : ما أكثر ما يُؤتَى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله مع : أنه لعن الخمر، وشاربها ، وبائعها ، وعاصرها ، ومعتصرها ، وحاملها، والمحمولة إليه.

[ص-34] وتأمل: قصة حاطب بن أبي بلتعة، وما فيها من الفوائد، فإنه هاجر إلى الله ورسوله، وجاهد في سبيله، لكن حدث منه: أنه كتب بِسِرِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين من أهل مكة، يخبرهم بشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسيره لجهادهم، ليتخذ بذلك يداً عندهم، تحمي أهله، وماله بمكة، فنزل الوحي بخبره، وكان قد أعطى الكتاب: ظعينة، جعلته في شعرها، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً، والزبير، في طلب الظعينة، وأخبرهما، أنهما يجدانها في روضة خاخ، فكان ذلك، وتهدداها، حتى أخرجت الكتاب من ضفائرها، فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فدعا حاطب بن أبي بلتعة، فقال له: ما هذا؟ فقال: يا رسول الله، إني لم أكفر بعد إيماني، ولم أفعل هذا رغبة عن الإسلام، وإنما أردت أن تكون لي عند القوم يداً ، أحمي بها أهلي، ومالي، فقال صلى الله عليه وسلم : صدقكم، خلوا سبيله واستأذن عمر، في قتله، فقال دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: وما يدريك، أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم وأنزل الله في ذلك صدر سورة الممتحنة، فقال: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)(سورة الممتحنة الآية 1 ) الآيات.

فدخل حاطب في المخاطبة، باسم الإيمان، ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه، وله خصوصية السبب، الدال على إرادته، مع أن في الآية الكريمة ما يشعر أن فعل حاطب نوع موالاة، وأنه أبلغ إليهم بالمودة، وأن فاعل ذلك، قد ضل سواء السبيل، لكن قوله: صدقكم، خلوا سبيله ظاهر في أنه لا يكفر بذلك، إذا كان مؤمناً بالله ورسوله، غير شاك، ولا مرتاب؛ وإنما فعل ذلك، لغرض دنيوي، ولو كفر، لما قال: خلوا سبيله.

ولا يقال، قوله صلى الله عليه وسلم لعمر : ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم هو المانع من تكفيره، لأنا نقول: لو كفر لما بقي من حسناته، ما يمنع من لحاق الكفر وأحكامه؛ فإن الكفر يهدم ما قبله، لقوله تعالى: ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ)(سورة المائدة الآية 5) وقوله : ( وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(سورة الأنعام الآية 88) والكفر، محبط للحسنات والإيمان ، بالإجماع ؛ فلا يظن هذا.

وأما قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ )(سورة المائدة الآية 51 ) وقوله:( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)( سورة المجادلة الآية 22) وقوله : (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(سورة المائدة الآية 57 ) فقد فسرته السنة، وقيدته، وخصته بالموالاة المطلقة العامة.

وأصل: الموالاة، هو الحب، والنصرة، والصداقة، ودون ذلك: مراتب متعددة؛ ولكل ذنب : حظه وقسطه، من الوعيد والذم؛ وهذا عند السلف، الراسخين في العلم، من الصحابة، والتابعين، معروف في هذا الباب، وفي غيره؛ وإنما أشكل الأمر، وخفيت المعاني، والتبست الأحكام على خلوف من العجم، والمولدين، الذين لا دراية لهم بهذا الشأن، ولا ممارسة لهم بمعاني السنة، والقرآن.

ولهذا : قال الحسن – رحمه الله – من العجمة أتوا ؛ وقال أبو عمرو بن العلاء ، لعمرو بن عبيد، لما ناظره في مسألة: خلود أهل الكبائر في النار، واحتج ابن عبيد: أن هذا وعد والله لا يخلف وعده؛ يشير إلى ما في القرآن، من الوعيد على بعض الكبائر والذنوب، بالنار، والخلود ؛ فقال لـه ابن العلاء :من العجمة أتيت ؛ هذا وعيد لا وعد ، وأنشد قول الشاعر:

وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

وقال بعض الأئمة ، فيما نقل البخاري أو غيره : إن من سعادة الأعجمي والعربي، إذا أسلما أن يوفقا لصاحب سنة؛ وإن من شقاوتهما أن يمتحنا وييسرا لصاحب هوى وبدعة.

ونضرب لك مثلاً : هو أن رجلين تنازعا في آيات من كتاب الله، أحدهما خارجي، والآخر مرجئ .قال الخارجي : إن قولـه:(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)( سورة المائدة الآية 27 ) دليل على حبوط أعمال العصاة والفجار وبطلانها؛ إذ لا قائل: إنهم من عباد الله المتقين .

[ص-36] قال المرجئ : هي في الشرك، فكل من اتقى الشرك، يقبل منه عمله، لقوله تعالى:( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)( سورة الأنعام الآية 160) .

قال الخارجي : قولـه تعالى: ( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا)(سورة الجن الآية 23) يرد ما ذهبت إليه.

قال المرجئ : المعصية هنا: الشرك بالله، واتخاذ الأنداد معه، لقوله: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)(سورة النساء الآية 48) .

قال الخارجي : قوله: ( أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ)(سورة السجدة الآية 18) دليل على أن الفساق من 90سورة محمد الآية 26)أهل النار الخالدين فيها.

قال له المرجئ : قوله في آخر الآية :(وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ )( سورة السجدة الآية 20 ) دليل على أن المراد من كذب الله ورسوله، والفاسق من أهل القبلة مؤمن كامل الإيمان.

ومن وقف: على هذه المناظرة، من جُهّال الطلبة، والأعاجم، ظن أنها الغاية المقصودة، وعض عليها بالنواجذ، مع أن كلا القولين لا يُرْتَضَى، ولا يحكم بإصابته أهل العلم والهدى، وما عند السلف والراسخين في العلم خلاف هذا كله، لأن الرجوع إلى السنة، المبينة للناس ما نزل إليهم – واجب، وأما أهل البدع، والأهواء، فيستغنون عنها بآرائهم، وأهوائهم، وأذواقهم.

وقد بلغني: أنكم تأولتم، قوله تعالى في سورة محمد: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ)(سورة محمد الآية 26) على بعض ما يجري من أمراء الوقت، من مكاتبة، أو مصالحة، أو هدنة، لبعض الرؤساء الضالين، والملوك المشركين، ولم تنظروا لأول الآية، وهي قوله:( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى )( سورة محمد الآية 25) ولم تَفْقَهُوا المراد من هذه الطاعة، ولا المراد من الأمر بالمعروف المذكور في هذه الآية الكريمة. وفي قصة صلح الحديبية ، وما طلبه المشركون، واشترطوه، وأجابهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم – ما يكفي في رد مفهومكم، ودحض أباطيلكم .

فصل

وهنا أصول؛ أحدها:

أن السنة والأحاديث النبوية ، هي المبينة للأحكام القرآنية، وما يراد من النصوص، الواردة في كتاب الله، في: باب معرفة حدود ما أنزل الله، كمعرفة المؤمن، والكافر، والمشرك، والموحد، والفاجر، والبر، والظالم، والتقي؛ وما يراد بالموالاة، والتولي، ونحو ذلك من الحدود، كما أنها المبينة لما يراد من الأمر بالصلاة، على الوجه المراد، في عددها، وأركانها، وشروطها، وواجباتها؛ وكذلك: الزكاة، فإنه لم يظهر المراد من الآيات الموجبة، ومعرفة النصاب، والأجناس التي تجب فيها، من الأنعام، والثمار، والنقود، ووقت الوجوب، واشتراط الحول في بعضها، ومقدار ما يجب في النصاب، وصفته، إلا ببيان السنة، وتفسيرها.

وكذلك : الصوم، والحج، جاءت السنة ببيانهما، وحدودهما، وشروطهما، ومفسداتهما، ونحو ذلك، مما توقف بيانه على السنة؛ وكذلك: أبواب الربا، وجنسه، ونوعه، وما يجري فيه، وما لا يجري، والفرق بينه، وبين البيع الشرعي؛ وكل هذا البيان: أخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم برواية الثقات العدول، عن مثلهم، إلى أن تنتهي السنة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمن : أهمل هذا وأضاعه، فقد سد على نفسه، باب العلم والإيمان، ومعرفة معاني : التنـزيل، والقرآن .

-- العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*