السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » دور جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في تقنين معالجة الإرهاب وقضاياه

دور جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في تقنين معالجة الإرهاب وقضاياه

المُقدِّمة

إِنَّ الحَمدَ للهِ ، نَحمدهُ ونستعينُهُ ونستغفرهُ ونتُوبُ إليه ، ونَعُوذُ باللهِ مِن شُرورِ أنفسنا وسيِّئاتِ أعمالِنا ، مَن يَهْدِ اللهُ فهوَ المُهْتَدِ ، ومَن يُضلِل فلنْ تجِدَ لهُ وَلِيًّا مُرشِدا . وأشهدُ أنَّ لا إلهَ إلاّ الله ، وأنَّ مُحمّدًا عبدُهُ ورسولُه ، وبعد :

فإنَّ رُؤى العالَمِ وهُمومَهُ باتت تتحلَّقُ حولَ قضيَّةٍ أصبحت – منَ المكانِ- في القِمّة ، و -منَ المصائِبِ- في العِظَم ، و -منَ المُعالَجة والتّحليل- في التّعقُّدِ المُضنِي ؛ لِكَونِها قد سُمِّيَتْ وصُنِّفَ تحتَها قضايًا كثيرة ، تتغيّرُ وتَتداخَل دُونَ وُضوحِ أُسُسِ التّسمية أو مَحاوِر التّصنيف على المُستوى العَالَمِيّ ، ما خَلا استقرار رُؤيتِها ووُضوحها على المُستوى الإسلاميِّ الخاصّ ، ألا وهي قضيّةُ الإرهاب ، وما استَتْبَعهُ من عُنف ، وما قامَ عليهِ من تَطرُّفٍ وغُلُوٍّ لا يتلاقيانِ مع طبيعةِ العقلِ الإنسانيِّ السّليم مهما اتّخَذتْ من مظاهر مُقنعةٍ أو مفهُومةٍ من طَرَفِ المفسرين لِحَتمِيَّتِها .

ذلكَ الإرهاب ، على رغمَ أنَّ تحديدَ مفهومهِ العالميّ أضحى -مُؤخَّرًا- يتآمَرُ على حَصرِهِ في الدِّيْنِ الإسلاميِّ ومَن ينتمُونَ لهُ ولأراضيهِ عامّة ، فإِنَّ المُفَكِّرِينَ المُسلِمينَ الشَّرعِيِّين هُمْ مَن حَسمَ ضَبابيّةَ مفهُومه ؛ اعتِمادًا على مَصداقِ كتابِ اللهِ الكريم الّذي ليسَ بعدَهُ كِتابٌ سَماوِيٌّ يُشَرِّعُ في الأرض بأمرٍ أو نهي ، لِيَتحدَّدَ الإرهاب في أَنَّهُ ” تَجاوُز الحُدودِ الّتي أحلَّها اللهُ سُبحانَهُ وتعالى وشرعها اعتِمادًا على الإتيانِ بآراءٍ فيها تشدُّدٌ ومُغالاةٌ ما أنزلَ اللهُ بهما من سُلطان ، ولم يَقُم عليهما دليل ” .

إِنَّ هذا الالتزامَ بشرعِ الإسلامِ القَوِيم ، والتّوسُّطَ الذي هُوَ حقيقتُه لَمِمّا يَعسُرُ على غيرِ المُسلِمِ الواعي العَارِفِ فَهمُهُ وتَصدِيقُ سَماحتِهِ وضَمانتِهِ لاستقرارِ البَشريّةِ حتّى قِيامِ السَّاعة ؛ إِذ حدثَ العكس -كما سبق- واتُّهِمَ الإسلامُ بِحَضانَةِ الإرهابِ وصُنوفِ الأعمالِ الإجراميّة . لكنِ الحمد للهِ الّذي كانَ قد هَيَّأَ لنا ولِدِيننا وأمننا الفِكريِّ -ضِمنَ ما هَيَّأَ من مُؤسَّساتٍ اجتماعيّةٍ- جامعةَ الإمام محمّد بن سُعود الإسلاميّةَ بِفُروعها داخِلَ المملكةِ العربيّةِ السَّعوديّة وخارِجَها في مُختلِفِ أقطارِ العَالَم ؛ هَيّأَها جامِعةً تحمِلُ هَمَّ أُمَّةٍ كاملةٍ من خِلالِ أبرَزِ قناتَينِ لِتنظيمِ الفِكرِ والحَياة :

1- القَناة الشّرعيّة ، وهي الأساسُ الّذي قامتْ عليهِ في تَدرُّجاتِ نُموِّها ؛ لِتُعِدَّ نُخبَةَ الدُّعاةِ ، والمُفتِينَ ، والأَئِمّة ، ومُعَلِّمي النّاس أُمورَ دِينِهِم الصّحيحة .

2- القناةُ الاجتماعيّةُ ، وهي المَيدانُ الّذي تسعى القناةُ الشّرعيّةُ لتنميتِهِ ، وتَحصينِه ، وإِصلاحِ ما يَنهَدُّ فيهِ من خلالِ نُخبةٍ من المُفكِّرينَ والباحثينَ العِلمِيِّينَ المُؤَسَّسِينَ على أنَّ العِلمَ غَايتُهُ تَنميةُ المُجتمع ، والنُّهوضُ به ، ومُعالجةُ قضاياه .

في هذا السِّياق الّذي تَتوحَّدُ فيه الجامعةُ معَ المُجتمَع وأفرادِهِ (داخلَها وخارِجَها) ، تهتمُّ جامعةُ الإمام بِأَنْ تُؤهِّلَهُم ” لِمُواجَهةِ كُلِّ الاحتِمالاتِ الفِكريّةِ ذاتِ التَّطلُّعِ التّخريبيّ والهَدمِ الفَتّاكِ لِمَعانِي البِنيَةِ الإسلاميّةِ الصّحيحةِ ، والّتي شُيِّدَتْ هذهِ الجامعاتُ والمُؤسَّساتُ العِلميَّةُ والتّعليميّةُ من أجلِها ومِن أجلِ الحِفاظِ عليها” .

هذهِ البِنية المِحوريّة للمُجتَمع تنحصرُ في الكُلّيّات الخَمس المَعروفة : الدِّين ، وَالعِرض ، والنّفس ، والمال ، والعقل وتأتي هذهِ الوَرقةُ لِبَيانِ أَبرزِ الطُّرق العِلميَّة الّتي اتّخذتها جامعةُ الإمام محمّد بن سعود الإسلاميَّة مَنهجًا لها في الحِفاظِ على الأُسس الخمس لميزان الأمان البشري ؛ تَحصينًا من أذى الإرهابِ وأخطاره ، وهي تحت العناوين :

1 – ضبط وظائِف المعرفة .

2- تأصيل المَعرِفة الإسلاميّ .

3- مُرونة إدارة الأزمة .

4- تَفعيل مُشارَكة المرأة .

ضَبط وَظائف المعرفة

إنَّ فَتحَ الآفاق العِلميّة والمعرفيّة لأفرادِ المُجتمع أفضلُ الطُّرُق لدعمِ نُموِّهِم المعرفيّ الّذي يتحكّمُ في تَوجيهِ مواقِفهِم وقَراراتِهم . بالتّالي ، فإنَّ هذهِ المعرفةَ مُعَرَّضةٌ لأنْ تتحوَّلَ إلى سُلطةٍ وقُوَّةٍ تَدفعُ مالِكَها إلى السّيطرة والهَيمنَةِ العبثيَّةِ على مَن لا يملِكُها ويَجهلُ حقيقةَ وظيفتِها السّاميةِ عن طريقِ إدارةِ هذا الصِّراعِ الفِكريِّ الخَفِيِّ الّذي يَغزو بِصَمت ويَلبَسُ عِدَّةَ أقنعة ، فيظهر في هيئةِ مُمارساتٍ مادِّيَّةٍ إِرهابيّةٍ لا عَهْدَ لمُجتمعاتنا الإسلاميّةِ البسيطةِ بها ؛ لأنَّ طبيعةَ الإرهابِ وجرائمِهِ الّتي تَكمُنُ خلفَها تنظيماتٌ سِرِّيَّةٌ هي طبيعةُ الخَفاء ، والغُموض ، والإيهام بتفكُّكِ العلاقات بينَ أنواعِ الجرائمِ الّتي تُغذِّيهِ وبينَ مُحرِّكاتِها .

إِذا تَغلَّبتْ نَزعةُ الغُرور على مَن يَمتلِكُ المعرفة ، أَخذهُ الاستعلاءُ والمَيلُ إِلى الاستبداد بما حازَ مِن تَقدُّمٍ وتَميُّزٍ عنِ الآخرين ، كأنَّما هُوَ خالِقُ هذهِ المعرفةِ من عَدم ، مُتناسِيًا أَنَّها نِعمةٌ من نِعَمِ اللهِ على عِبادِه ، إِنْ لمْ يَرعَوا حُرمتَها وشريعةَ الإسلامِ فيها ، فاستغلّوها للشّرّ ، والإرهاب ، والتّدمير -كما هُوَ حاصِلٌ الآن- أَخذَ اللهُ خَيرَها بِعِزَّتِهِ وقَهرِه ، ولم يُبْقِ لهُم سِوى حَسرتِها ونِقمةِ تَضيِيعِها فيما لا يُرضِي الله .

على رَغمَ أَنَّ للمعرفةِ الإنسانيّةِ هذا الوَجهَ المُظلِمَ الّذي قد يكونُ أَداةً للإرهابِ والعُنف ، لا تَرحمُ صغيرًا وَلا كَبيرًا ، إِلاّ أَنَّ لها وَجْهًا آخرَ مُشرِقًا وَآمِنا ، وهو الوَجهُ الّذي تَعملُ جامعةُ الإِمام مُحمّد بن سعود الإسلاميّة على تَأصِيلِهِ اعتمادًا على الاحتكامِ للشّرع ، وضبط الفتاوى الشّرعيّة في أُمور الدّين والدّنيا ، والتّسامُح في إطار المعقول وغير الضّار ، والحِوار المُعتدِل الّذي يُسقط الشّبهات ، ويُعلي الحقائق الواضحات . وكُلّ ذلك تسعى الجامعةُ إلى نَشرِهِ بينَ فِئاتِ النّاس ، وتَدعِيمِهِ مهما اعتراهُ عدمُ فَهمِهم الأوّليِّ له أو عدم أخذهِم به ؛ لأنَّ المعرفةَ الّتي من طُرُقِ اكتِسابِها وإِكسابِها التّعلُّم والتّعليم ، رحمةٌ كَونيّةٌ من اللهِ -جَلَّ وعَلا- أَنزلَها مَع رُسُلِهِ – عليهم أفضلُ الصّلاةِ وَأَتَمُّ التّسلِيم- وَأنزلَ تَشرِيعَها معها ؛ كَيلا تُستَخدَمَ في غَيرِ وَظيفتِها السّامِيةِ الآمِنة ؛ يقولُ -تعالى- سورة النحل الآية 89 وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ .

إِنَّ مَن يَسمعُ الجَلبَةَ المُثارَةَ حولَ انغِلاقِ جامعةِ الإمام على المعرفةِ الشّرعيّةِ المُتشدِّدة ، ورفضِها ، بل مُحاربتِها للمَعارِفِ والعُلوم الحديثةِ المُتطوِّرةِ والنّافعةِ في بعضها حتّى أصبحتْ -وِفْقَ ادِّعائهم الباطل- رَحِمًا لِتَفرِيخِ الإِرهابيِّين ، يُصدِّقُ ذلك ، بل رُبّما يسعى إلى نشره وتأكيده ؛ جهلًا منهُ وخُضوعًا لِضَغْطِ قُوى الشّرّ ؛ ويُصبِحُ الاتّهامُ ، ونَشرُه ، وتَصعيدُهُ مُؤلِمًا حينما يَصدر من بعضِ بَنِي الإسلام ، وهُم لم يَدخُلوا أسوارَها يومًا ، ولم يتعاملوا مع أهلِها قَطّ ، وهم بذلكَ يضربونَ نَموذجًا وَاقِعيًّا للمعرفةِ الضَّارّةِ الّتي لا تنبني على أدلَّةٍ وبراهينَ جازِمة ، ولا تَسعى لِتَعدِيلٍ أو تطوير . إنّما لِمَلْءِ الفَراغِ الفِكريّ ، ومُحاوَلةِ امتِلاكِ سُلطةٍ على وَهمٍ صَنعُوهُ مِن تِلقاءِ أنفسهم ، والجامعةُ -أمامَ هذا وقَبلَه- كانت بقلبها النّابِض بهُمومِ الأُمّةِ الإسلاميّة قد استَشرَفَت التّحدِّيات الإرهابيّة القادمة ، وأدركت أبعادَها ، فما كانَ منها إلاّ ” أنْ تَزِيدَ من درجةِ التّأهُّبِ للحمايةِ والوِقاية من كُلِّ ما يُشكِّلُ مَنفذًا لِخَطرٍ انحِرافِيٍّ على أذهانِ وعُقولِ الطُّلاّب . . . (والمُجتمعِ عامّةً) . . . وأفكارهم . فليسَ في تعليمِ وتَسكِينِ وإعاشَةِ الطُّلاّبِ مِنْ مَرجًى وفائدةٍ ما لَم يَكُونُوا مُحَصَّنِينَ مِنَ العَبثِ الفِكرِيِّ والتَّضلِيلِ الانحِرافيِّ الّذي يَستهدِفُ في المَقامِ الأوَّلِ العقيدةَ والأخلاق ، وهُما أبرَزُ ما يُعنى بهِ الإِنسان ” ” .

إِنَّها جامعةٌ تَتسامَحُ ، وتُحاوِر ، تَعمَلُ ، وتَبنِي ، وتَرفَأُ بِصمتٍ دُونَ الدُّخولِ فِي سَاحةِ المُناقَصاتِ والمُزايداتِ الكَلاميَّةِ الخاسِرة فهيَ جامِعةُ عقيدة ، وقد اختصر أحدُ أبنائِها وَصفَ ماهيّتَها في جُملةٍ جامِعَةٍ مَانِعة ؛ إِذ قال : “وهيَ الجامعةُ العريقةُ في العُلومِ الشّرعيّةِ ” ” فليست جامعةَ حِزبٍ مُتطرِّف ، أَو نظريّةٍ طارِئة ، أو مَعرِفةٍ تَسعى للهَيمَنةِ والتّسلُّطِ القَهريّ الإِرهابيّ . وما هذا المُؤتّمَر الدُّوَلِيُّ الّذي تشرّفتِ الجامعةُ بمُوافقةِ المَقامِ السّامي -أَيَّدهُ اللهُ- على عَقده إلاّ شَاهِد على تِلكَ السّماحةِ ، والتّعارُفِ المَنهجيِّ الهادئ ، والجُرأةِ في الحَقّ ، حيثُ فتحتِ المجالَ ، بالمُساواة ، لكُلِّ مَن يَخالُ نفسَهُ مُسلِمًا مَسؤُولًا وَقادِرًا على المُساهمةِ في الإِفادةِ بِمُعالَجةِ قَضايا الإرهابِ ، والعُنفِ ، والتّطرُّف ؛ لأنَّها قضيّةُ أُمَّةٍ كاملةٍ تُعانِيها وتُعالِجُها معًا ، كَرجُلٍ واحد وامرأةٍ واحدةٍ مُتآزِرَين ، دُونَ أنْ تَحْتَكِرَ خِطاباتِ هذا المُؤتَمر ورُؤاه في طاقمِ المُنتمِينَ لها ، أو في شَرِيحةٍ خاصّة ، أو في الرِّجالِ دُونَ النِّساء ؛ وهذا لا يَخفى أثرُهُ على مَنْ لهُ عَقلٌ يَتدبَّر ، وقلبٌ يشعر ؛ لكي يُؤمِنَ بِنَماذِجِ الخير ، والعَطاء ، والأمل الّتي تَجرِي في عُروقِ هذهِ الجامعةِ ورُعاتِها من القيادةِ العُليا .

تَأْصِيلُ المَعرفةِ الإسلاميّ

يتّضح أنَّ جامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلاميّة تسيرُ على خُطواتٍ عِلميّةٍ مُنظَّمَةٍ في مُعالجةِ قضايا الإرهابِ الّذي استخدمَ المعرفةَ وسيلةً لتحقيقِ غاياتِه التّخريبيّة ، وذلك عن طريق ما اتّضح في المحور السّابق من :

1- الانفتاح المَعرفيّ المُقنَّن ؛ إِيمانًا بأهمِّيّة المعرفة للتّطوُّر البَشريّ .

2- كشف المفهوم الإرهابيّ للمعرفة .

3- تَأصيل المفهوم الإسلاميّ العالميّ للمعرفة ، والمَاثِل في أنَّها رَحمةٌ ومسؤوليّةٌ عَملِيَّةٌ عظيمة .

4- صِياغة منهجٍ عِلميٍّ في تطهير المعرفة وتَنميتِها ؛ لأجلِ تحقيقِ مَقاصِدِ الخَيرِ والأَمان .

ولعلّ المحور الرّابعَ هُو جِماعُ الاهتمام ، والفاعِليَّة ، والأَولوِيَّة لِتَجليتِه ؛ إِذ لا يَكادُ يُفهَمُ للكثيرين ، خاصّةً في ضوءِ شُيُوعِ لَونٍ من السُّخريةِ من توجُّهِ الجامعةِ في هذا المَنهَجِ بِما يُغَطَّى بِأنَّهُ نَقْدٌ موضوعيٌّ بقصْدِ التّطوِير ، وتَعبيرٌ من مُنطَلَقِ حُرّيّةِ الرّأيِ ، يُصدِّرونَهُ باعترافهم بأنَّ هذهِ الحِواراتِ الضّروريّة – وهُم يعنونَ سُخريتَهم من الجامعة- لا يُتَوَقَّعُ لها القَبُول في مُجتمعٍ مُنغلِقٍ على الرأيِ الأُحاديّ بما يجعلهُ يرفض ، ويُصادِر ، ويُهمِّش الرأيَ النّاقِد . . يقولونَ هذا في مقالاتٍ كَثُرَ أنْ تُنشَرَ بِلا مسؤوليّةٍ تِجاهَ آثارِها ، أو أمانةٍ على الكلمةِ في صِدقها وانطباقها على واقِعِ الجامعة التي تُمثِّلُ قلبَ هذا الوطن ، فيمضونَ في السُّخرية من حرصها على المُنطَلَقِ الشَّرعيّ في كلِّ صغيرةٍ وكبيرة ، وخاصّةً دعوتها لِ”أسلَمةِ العُلوم” ، التي كانت أوَّلَ من شرعَ في تنفيذها ، وكان أولئكَ السّاخرونَ أوَّلَ مَن رماها بالعُقم ، والتّخلُّف ، والانغلاق ، والتّسبُّبِ المُباشر في انحسارِ إبداعِ المسلمين وتَعرقُل تواصلهم الثّقافيّ المعرفيّ مع الحضارات المُبدعة المُجاورة ، فلا حاجةَ لهذا التّعقيد ، بادّعاءِ أنَّ المُجتمَع المُسلم المحلِّيّ لم يتأثّر بأيِّ داعٍ أجنبيِّ هدّامٍ يحتم هذهِ الاحتياطات .

أَوَّلُ ما يُمكِن الوُقوفُ عليهِ بعدَ هذهِ الكلمات هوَ التّناقُضُ بينَ تَجاهُلِ الحَقائقِ الماثِلَةِ للعَيان من تَأثُّرِ الهُوِيَّةِ الوَطنيّةِ في شريحةٍ من أبنائها الّذينَ أصبحوا جَسدًا للإرهابِ والخَراب بِفِعلِ الغزوِ المُستَتِرِ وتَنامياتِهِ الكامنة ، وبينَ التَّعالُمِ بادِّعاءِ حقائقَ وَهمِيَّةٍ مُلَفَّقَةٍ تَختزِلُ اتّهامات جامعة الإمام بالعُقم ، والتّخلُّف ، والتّطرُّف المُفضِي للبَطالَة والانتكاس الحَضارِي في مُصطلح “أسلَمة العُلوم” الّذي لَمْ يَكُنْ واضِحًا لدى أيٍّ من أولئكَ السّاخرين بمفهومهِ العِلميِّ الدّقيق الّذي تَعهَّدتْهُ هذهِ الجامعةُ الإسلاميّة -بكُلِّ فخرٍ- تحتَ مُصطلح “التّأصيل” العلميّ ، والتّأصيل يعني -في أبسطِ معانيه- الاستفادة من مُعطياتِ العصر انطلاقًا من كِتابِ اللهِ وسُنَّةِ حبيبِهِ المُصطفى وهذا الكلام يَنفي تُهمةَ الانغِلاق ، كما يَنفي تُهمَةَ التّبعِيَّة وَضَياعَ الهُوِيَّة عن الجامعة الّتي سَنَّتْ قوانينَ عملِها بِوَعيٍ ودِراية ؛ بَحثًا عمَّا يخدم الفِكر الإسلاميَّ ويُعزِّزُ مَكانتَهُ وإنجازاتِه .

التّأصيلُ /الأسلَمة مَنهجٌ تطبيقيٌّ ، وليس عمليّةَ حشْوِ مضمونٍ ورَفضِ آخر بِلا قوانين ؛ فَمِنْ غيرِ المُتَخيَّلِ أنْ تُعبِّئَ الجامعةُ جُهودَها للحَجْرِ على المُجتَمَعِ بألاّ يَقرأَ هذا أو ذاك ؛ لأنَّ هذا ضَرْبٌ من المُحال والتّعسُّف ، تَجِلُّ أهدافُ الجامعة عنه ؛ لأنَّ السِّلاحَ الحقيقيَّ الذي لا يُهزَم هو أنْ تُعلِّمَهُ كيفَ يقرأ ، ولِماذا يَقرأ ؛ أي أنْ تَهْدِيَهُ للمنهجِ الأمثَلِ والآمنِ لاكتِسابِ المعرفة . ولعلّ مفهومَ “المنهج” نفسهَ قد وَجدَ تأصيلَهُ الحقيقيَّ الفاعلَ والمُنتِجَ المُبدِعَ في مُمارسةِ جامعة الإمام حينما تَمثَّلَتْ فيهِ الأُسُسَ العِلميَّةَ لِقِيامِ المَنهجِ الإسلاميِّ الفِكريّ ، وهي :

1- الوعي بمصادر التنظير المنهجي الإسلامي .

2- الوعي بالإمكانات المنهاجية الغربيّة المُتاحة ومراجعتها .

3- الوعي بالتطبيق المنهجي والتعامل مع مصادر التنظير الإسلامية .

4- الوعي بصعوبات التطبيق المنهجي وكيفيّة تجاوزها .

5- انتقال الوعي بالمنهج عند أولئكَ الذين يكتبون عنه إلى الممارسة العملية للمنهج في مجالات تخصّصهم العلمي أو الفكري أو الدّعويّ ” .

لقد تعاملَ توجُّهُ جامعةِ الإمام مع “المنهج” بحقيقتهِ الّتي هيَ “خطّةٌ مُنظّمةٌ لِعِدّةِ عمليّاتٍ ذهنيّةٍ أو حِسِّيّةٍ بُغيةَ الوُصولِ إلى كشفِ حقيقةٍ أو البَرهنةِ عليها” بما يُناسِبُ بينَ جوانب المنهج الثّلاثة : الأُسس النّظريّة ، والأدوات الإجرائيّة ، والفكرة المطروحة ؛ وإذا تطوّرتِ الفِكرةُ أو القضيّة ، كان من الملحوظ أنَّ الجامعةَ تُطوِّرُ الأُسس والأدوات معها ، ممّا حمى جامعة الإمام من أنْ تسقطَ بينَ منهجيَّتَينِ قاتِلتَينِ لِسَلامَةِ الفِكر ، وهما : ” منهجيّةٌ غربيّةٌ عِلمانيّةٌ غير قادرةٍ على إِحياءِ الأُمَّةِ وإصلاحها ، ومنهجيّةٌ إسلاميّةٌ تقليديّةٌ لا تَقِلُّ عَجْزًا هيَ الأُخرى عن إصلاحِ واقعِ الأُمّة ” ‎ ؛ فالتّأصيلُ تطويرٌ وتجديدٌ من قلبِ التُّراث ، خاصّةً قواعده الإسلاميّة الّتي هي مُنطلَقُ العلوم جميعها ، وليس قطيعةً معه كما أَنَّهُ ليسَ انحِباسًا فيهِ وَحدَه ؛ إذ تَفِيضُ إشكاليّاتُ عصرنا المعرفيّة عنِ الماضي كثيرًا ، وهذا هو سببُ الفَراغِ الّذي أثارَ شَهِيَّةَ السُّخريةِ والاتّهامِ بالإجرامِ مِن قِبَلِ مَن لم يَفهمُوا أبعادَ ، وأُسُسَ ، وصُعوباتِ هذا التّأصِيل /الأسلَمة ، ولا سيّما أنَّ مَن تَتعهَّدُ هذهِ المهمَّة جامعةٌ إسلاميّةٌ مسؤولةٌ منَ الجِهةِ الشّرعيّة ، ومنَ الجِهةِ العِلميّةِ في الضَّبطِ المَنهجِيِّ الإجرائيّ ، بِقَصْدِ ضَبْطِ أمانِ النّاسِ وسَلامَتِهِم .

مُرونَة إِدارة الأَزمَة

بِقَدرِ الحَزمِ والدِّقَّةِ المَطلُوبَينِ لإدارةِ الأزمةِ هذه ، كانت المُرونةُ واضحةً في حركةِ منهجيَّةِ جامعةِ الإمام محمّد بن سُعود الإسلاميّة ، لِتَجمَعَ ، بأريحيّةٍ غَيرِ مُتَكلَّفَةٍ أو مُدَّعاة ، بينَ التّسديدِ والمُقارَبة ، بينَ التّرغيبِ والتّرهيب وِفقَ السّنُن الشّرعيّة ، ويتّضحُ ذلكَ من خلال الخُطواتِ الّتي استشرفتْها في إدارةِ المعرفةِ الإنسانيّةِ لِمَا هُوَ وِجْهَةُ السَّلام ، والنّفع ، والإعمار ، وهي :

“أ- تحديد توقيتِ التّراجُعِ أو التّحوُّلِ عن التّمسُّكِ بقضِيّةٍ أو موضوعٍ ما قد يُؤدِّي التّمسُّكُ بهِ إلى نتائج سلبيّة .

ب- الاستعداد للقُبول بالحُلول الوَسط بَدلًا من الحُلولِ المُثلَى إذا دَعَتِ الحاجةُ إلى ذلك ، أو إذا كانت الحُلول المُثلى مَصحُوبَةً بِمُعاناةٍ غيرِ مَحسُوبَة .

ج- تَجنُّبُ المواقِف والظُّروف الّتي قد تُؤدِّي إلى الاستفزاز والخُروج عن جادَّةِ الصّواب .

د- الاستعانة بالاجتهاد في الرّأي لاحتواءِ الآثار السّلبيّة عندَ تناوُلِ بعضِ القَضايا أو الموضوعاتِ الّتي قد تَحتاج إلى تَراجُعٍ أو تُؤدِّي إلى استفزاز ” .

كُلُّ هذا في إِطار الحِفاظِ على الثّوابِتِ الإسلاميّةِ الشّرعيّةِ الّتي تُعزِّزُ المُرونة ، والحَيويّة ، والمُواكَبة الواعِية لِمُستجدّاتِ العصر ، ممّا هُو ناتِجُ التّوسُّطِ والاعتدال الّذي يُحاوِلُ سَدَّ ذَرائعِ التّطرُّف والجُنوح بما لا يُغرِي أحدًا بإثارةِ الفِتن ، والادِّعاءاتِ الباطِلة ، والشُّبُهاتِ المَقِيتَة ، وإنْ حدثَ وأُثِيْرَت ، فإنَّ جامعةَ الإمام تَنحُو نحوَ الرَّدِّ على الإِساءةِ بالإِحسان ، وعلى القَذْفِ بِالحُجَّةِ المُبَرِّئةِ المُوَضِّحَةِ والهَادِيةِ لِمَن أرادَ الإيضاحَ والهُدى ، مِصداقًا للمنهجيّةِ الّتي أكرمنا -سُبحانهُ وتعالى- بها في قوله : سورة الممتحنة الآية 5 رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ؛ إِذ ما تُعانِيهِ البِلادُ الإسلاميّةُ الآن ، ومِن ضِمنهِ ما يُدارُ دُخانُهُ وشَرَرُهُ حولَ جامعةِ الإمامِ بوصفِها سَفِيرةً للمملكةِ العربيّةِ السّعوديّة في بُلدانِ العالَم ، نَاتِجُ افتِتانِ أعداءِ الإسلامِ بها ، والفِتنةُ تَتضمَّنُ معنى الانجِذابِ للشّيء ، وهي هُنا انجِذابٌ بِقَصْدِ التّخريبِ والهَدمِ بآلَةِ الإرهابِ المادِّيِّ والمَعنويّ ، ولا سَبِيلَ سِوى سبيلِ الحِكمةِ الّتي تُجلِّلُها عِزَّةُ الشّريعةِ الإسلاميّة .

هذا المُؤتَمَر لا يَهْدِفُ إلى الانحِصارِ في لَوْمِ غَربٍ أو شَرق ، ولا البُكاء والنَّدب . إنّما يَسعى لأَنْ يُحسِنَ فَهمَ ظاهرةِ الإرهاب الّتي تُحرِّكها أشكالُ التّطرُّف وتنظيماتُه ؛ كَي تُحسِنَ التّشرِيحَ ، والتّصنِيفَ ، وتَركِيباتِ الدّواء ؛ لأنَّ ” العمليّاتِ الإرهابيّة الّتي وقعتْ في البُلدانِ الإسلاميّة ، وبأيدي مَن يَدّعون الإسلام ، أسهمتْ -إلى حدٍّ بعيد- في رسمِ صورةٍ قاتمةٍ عنِ الإسلامِ والمُسلِمين أَمامَ غيرِ المُسلِمين ، وفي تَشوِيهِ صُورةِ كُلِّ مُسلِم ، وإيجادِ علاقةٍ شَكليَّةٍ بينَ الإرهابِ والإسلام لَمْ يَسلَمْ قَلِيلُو الضَّبْط المَعرِفِيّ من تَصدِيقِها ، أو تردادِها على سبيلِ التّفكُّهِ ، أو التّشفِّي ، أو مُواكَبَةِ حديثِ السّاعة .

لعلَّ من الأُسس الّتي تُديرُ بها جامعةُ الإمام مُعالجةَ قضايا الإرهاب عَدمُ تعظيمِ الإرهابيِّين حتّى لا يَكبر خوفُ المُجتمع الوَهميِّ منهم ؛ إذ التّضخيم الذي يُقارِبُ الاحتفاء بهم في وسائل الإعلام الإسلاميّة وغير الإسلاميّة . . جعل النّاس يتصوّرونهم مُحيطين بهم من كلّ جانب ، وقادرينَ على الوصول إليهم بلا أيِّ ضمان حماية ، مع ما بدا في بعض القنوات الإعلاميّة -قصدًا أو دونَ قصد- من إضفاءِ بُطولةٍ رمزيّةٍ خارقةٍ على الإرهابيّين ، وتجميد صُورهم الذّهنيّة في القناع الّذي اختاروهُ ؛ هدمًا لركيزة المُجتمع ، وهو قِناع الرّجلِ المُلتزِم المُتديِّن دِينَ اللهِ الحَقّ ؛ لكي يكره الناسُ الدّين الإسلاميّ ومؤسّساته ، التي منها هذهِ الجامعة ، ويتّجهونَ إلى نَفيِهِ عنهُم : ظاهرًا وباطنا ، قولًا وعملا ، وتنسحب ثقتهم منه ومن أهله ، وبالتالي تسنح الفُرصة لهيمنة العلمانيّة ، والإلحاد ، والعَبثيّة ، والقِيم الحيوانيّة التي يسعى أهلُ الشّرّ والفساد إلى استبدال القيم الإنسانية الشّريفة بها .

إنّ جامعة الإمام قد تعاملتْ مع الإرهابيّين بالطّريقةِ الشّرعيّةِ العلميّة الّتي تُحجِّمُهم وتُحجِّمُ مَكانتَهم ، حيثُ هُم مُجرّدُ ضحايًا لأعمالِهم الإجراميّة ، ضحايًا غَلبها الشّيطانُ على أنْ تَصمد أمامَ نزعاتِهِ وينتصرَ الخير فيها ، وهذه هيَ الحقيقة ؛ لأنَّ السّعيَ بالفسادِ في الأرض انهِزامٌ وليسَ بُطولةً وشَرفا كما لا تَنظر إلى الإرهابيِّين على أنهم شريحة أو مخلُوقاتٌ أُوجِدَتْ فجأة ، مُنعزِلةً عن المجتمع وما يتخلَّله من مُؤثِّراتٍ عَلَنِيَّةٍ وسِرِّيّة . إنّما تنظر إليهم بواقعيّةٍ وشُموليّةٍ تُغذِّي فاعليّةَ الدِّراساتِ الاجتماعيّة ؛ حيثُ هُم نِتاجُ عواملَ مُعيّنةٍ تَضمّنتْها بِنيةُ المُجتمع الّذي يَنتمونَ إليه وهيَ ، في هذا كُلِّه ، تَسعى إلى حماية الفَرد البريء ، وكذلك تُحاول إنقاذَ المُجرم ، والّذي يُزمِعُ الانخِراطَ في عالَمِ الإجرام ، من نَزعاتِ نفسهِ الشّيطانيّة الّتي تَقودُهُ إلى الهَلاك ، وهو لا يَشعر ولا يرى أبعدَ ممّا يُغلِّفُ بَصِيرَتَهُ من ظُلمةِ الشّرّ .

من هذا المُنطَلَق ، تبرزُ أهمّيّةُ وُجودِ سُلطةٍ ترتكِزُ على الشّريعةِ السّمحاء ، سِلاحُها الحقيقيُّ هو المعرفة ؛ لأنَّ الإرهابَ يُوظِّفُ المعرفةَ لِتَحقيقِ أهدافه ، ويتخفَّى خلفَها ؛ حذرًا من المُواجَهة المُباشِرة ؛ لأنَّ قوّتَهُ في خَفائهِ كما سبق ، بالإضافة إلى أنّ المعرفةَ الّتي تُحرّكهُ ويتحرّكُ بها معرفةٌ ذاتُ تَنوُّعٍ ضخمٍ يَصعب حصرهُ والتّفرِيقُ بين أنواعه ، وكذلك تَبيُّن العلاقات الحقيقيّة بينها والمَعرفة الشّرّيرة لا يَهزِمها ويُقوِّضُ قُواها سوى المعرفة الخَيِّرة راسخةِ الدّعائم ، خاصّةً أنَّ المعرفةَ ممّا يُمكن للنّاس تَعلُّمه وتشكيله وِفقَ أهدافهم وإراداتهم .

هُنا ، يبدو الدّور القِياديّ الّذي حملَتْ جامعةُ الإمام محمّد بن سعود الإسلاميّة أعباءَهُ ، وما زالت ، وليس في هذه القِيادة أيُّ مظهرٍ للعُنف ، أو التّسلُّط القَهرِيّ ، أو الإرهاب ؛ لأنَّ المُجتمعات -في حالِ الأزماتِ وفي غيرها- لا يَستقيمُ أمرُها إلاّ بِسُلطةٍ قائدة ، فَ “السُّلطة -في حدِّ ذاتها- ليستْ بالشّيءِ الحَسن ولا السّيئ . إنّها جانِبٌ لا بُدَّ منهُ في أيِّ علاقةٍ إنسانيّة . وهي تُؤثِّر في كُلِّ شيء ، بَدءًا من علاقاتنا الزّوجيّة وانتهاءً بالوظائف الّتي نَشغلها . . . والآمالِ الّتي نسعى لتحقيقها ” نفسه ، 15 . وقد عَدَّ ابنُ تيمية (ت728ه) -رَحِمَهُ الله- وِلايةَ أمرِ النّاس ونِظامَ حياتِهم (“من أعظمِ واجباتِ الدِّين ، بل لا قِيامَ للدِّينِ إلاّ بها ، فإنَّ بَنِي آدمَ لا تَتِمّ مصلحتهم إلاّ بالاجتماعِ لحاجةِ بعضهم إلى بعض ، ولا بُدَّ لهم عندَ الاجتماع من الحاجة إلى رأسٍ “) يُوجِّههم للخير والمصلحة العامّة والخاصّة .

إذا كانت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية رأسَ المُجتمع ، فإنَّها لم تُهمِلْ جسدَها ورُوحَها الّتي تنبِضُ بها ، فقد احتوت آلافَ الأفراد ممّن أعدَّتهم لإثراءِ مجالاتِ البلاد بعطائهم ، وأعمالهم ، وإبداعاتهم الّتي سدَّتْ نَقصًا حادًّا كانت تُعاني منه وما زالتْ تُعنى بِ “تحسينِ كِفايةِ الفرد وقُدراته وإثراءِ حياته الوظيفيّة درجةَ استحداثِها – في الأيّامِ القَلائِلِ الماضية- عددًا من الدّبلومات والدّورات التّأهيليّة ؛ حِمايةً للشّباب من مَخاطر الفَراغ ، وضَعف التّحصين المَعرفيّ والمادِّيّ ، وتنميةً لطاقاتهم في سُوق العمل الشّريف النّافع الّذي هو واحدةٌ من أشكالِ التّصدِّي للإرهابِ من خِلال تَسخِيرِ المَعرِفةِ الإنسانيّةِ لخدمةِ المُجتمع وأفراده من خِلال منهجٍ عِلميٍّ في فهمِ الأُمور وقِياسها . ومنَ المُطمئِن لاستمرارِ ذلكَ المنهج البنّاء الحصين ” أَنَّ جامعةَ الإمام تَحرِصُ -من مبدأ رسالتها في خدمة المُجتمع- على تقويمِ التّجربةِ بعدَ تلكَ المرحلة الّتي قطعتها ، والكشف عن خصائصها ، وتحليلِ أبعادها ، وتَعرِيةِ ما قد يَعتوِرُها من بعضِ الجوانبِ السّلبيّة الّتي رُبّما تحتاجُ إلى إعادةِ النّظر وتَحسينها نحوَ الأفضل .

تفعيل مُشاركة المرأة

في ثَنايا الحديثِ السَّابِق عن نشاطات دورِ جامعةِ الإمام محمّد بن سعود الإسلاميّة في مُعالجة قضايا الإرهاب ، والعُنف ، والتّطرُّف . . كانَ الكلامُ شامِلًا للنِّساءِ والرِّجال ؛ ولكَونِ المرأةِ أحدَ المحاور الّتي يسعى التّطرُّف والعُنف للاتّكاءِ عليها بِطُرُقٍ مُلتوِية ؛ ليسوغ إِرهابَهُ تحتَ مُصطلحاتِ “التَّحرُّر” ، و”الحُرّيّة” ، و”الحُقوق” الّتي يجبُ أَنْ تُنالَ من أيدي الذُّكور طَوعًا أو قَهرًا بإراقةِ الأمان والوِحدة الأُسْرِيّة ، فإنَّ لجامعةِ الإمام اهتمامَها وتوجيهَها الأكاديميّ لِمُشارَكةِ المرأةِ انطلاقًا مِن :

1- أَنَّ المرأةَ شقيقةُ الرّجل ، لها حُقوقها الّتي لا تُفرِّطُ في كرامتِها وفاعليّتِها ، وعليها مسؤوليّاتها الّتي قسمها اللهُ بينَها وبينَ الرّجل قِسمةً عادِلةً لا ظُلمَ فيها لَو فُهِمَتْ ، وعُرِفَتْ ، وطُبِّقَتْ كما هيَ على حقيقتِها الشّرعيّة وهذا على جميع المُستويات وفي الأقطار كُلِّها .

2- تنظيم اكتسابِها للمعرفة ومُشاركتِها في إنتاجها ، ونَقدها ، وتَوجيهها ؛ لأنّها لها مكانتها الخَيِّرة الّتي تَسعى بِلادُنا الإسلاميّة وجامعاتنا إلى تجويدِ تشكيلها وتَحصينِه ؛ لكي يعمَلَ بأفضلِ وسيلةٍ تُحقِّقُ الأمانَ الفِكريَّ الّذي نسعى إليه ، وهو (” انضباط عمليّة التّفكيرِ لدى الأفراد والباحثين في إطار الثّوابت الأساسيّة في الإسلام ، وبما يخدمُ هذا التّفكير ويَبنيهِ ولا يهدِمه “) .

3- توجيه المرأة لِخَلْقِ الصّورة الّتي ترى أنَّها حَفِيَّةٌ بها من خِلالِ الدّورِ الكَونِيِّ المُخصَّصِ لها مُنذُ الأزل ، ومن خلال الأدوارِ الّتي بدأت تجدُ الفُرصةَ الشّرعيّةَ للعملِ فيها والمُشاركة في تأسيسها . وهذا من مبدأِ الإكرام ، والصِّدق ، والحَزمِ والرّحمةِ معًا ، وفوقَ هذا المنهجيّة الفِكريّة الخاصّة لإدارةِ المسؤوليّة الذّاتيّة والوطنيّة الكُبرى ؛ لأنَّ المرأةَ “الّتي تتربَّى على العقيدةِ السّليمةِ وتأكيدِ هُويَّتِها الحضاريّة واعتزازها بها لن تكونَ . . . (طُعمًا سهلًا) . . . لأيِّ غزوٍ” ولا لأيِّ دعواتٍ إرهابيّةٍ تُحاوِلُ خَلخَلَةَ ثِقتِها في دِينِها ، ومُؤسَّساتِ مُجتمعِها ، وفي طهارةِ نفسِها ، وسُموِّ هِمَّتِها المُبدِعة .

إِنَّ المرأةَ -بلا شكّ- أحدُ القُطبَينِ اللَّذَينِ يتجاذبانِ السُّلطةَ المُوجَّهةَ لِحمايَةِ المُجتَمعِ : تأثيرًا وتأثُّرًا ، والأساس هو المعرفة ، العقلُ الواعي الجريء في الحقّ ، والتّنظيم عن بصيرةٍ حاذقة ، والتزامٍ بثوابتِ الشّريعةِ المَنهجيّة .

إنَّ جامعةَ الإمام – والحديثُ من واقِعٍ مُعيش- تَتبنَّى -في أُولى خُطواتها- نَزعَ الخوفِ الّذي يُحاول الإرهابُ زَرعَهُ في ذِهنِها وفي رؤيتها المُظلِمةِ للعالم والمُستقبل من أنّها مُتفرِّجَةٌ ، ومَحكُومةٌ ، ومَسلُوبَةٌ فقط ، دَورُها في الحياة أنْ تَطفُوَ فوقَ التّيّار ؛ والواقع أنَّهُ مهما قِيلَ عن مَظاهِر تَوعيةِ المرأةِ وتَحفيزِها على تَغيير وتَطويرِ صُورتِها الفِعليّةِ عبرَ التّاريخ ، فإِنَّهُ يبقى كلامًا تَنظيريًّا لا يَمسّ جَوهرَ المرأة وَحاجتَها للأمانِ الفِكريّ والنّفسيّ الّذي لا يستغني عن الضّبطِ الشّرعيّ ، فإذا أُكرِمتْ حقّ الإكرام وأكرمتْ نفسَها ، ونالتْ التّوجيهَ الشّريفَ الذّي ينبني على عطائها الخاصّ في تأمينِ جبهاتِ وطنها الّذي هيَ جزءٌ منه ، وتوجّهتْ بهُداه . . أحبَّتْ دورَها التّنمويّ ، وكانتْ أبعدَ ما تكونُ عن النُّزولِ بنفسِها إلى الانخراطِ في تنظيماتِ العاجزينَ والعَاطِلينَ فِكرًا واعتقادا .

قبلَ خمسٍ وعشرينَ سنةً ، وجّهَ سُموُّ وزيرِ الدّاخليّة -حَفِظهُ الله- من مبنى كُلّيّةِ الشّريعةِ بجامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلاميّة تَنبِيهَهُ ووصِيَّتَهُ الآتية : (” إذا لمْ نتسلَّح بِالوَعيِ الصّحيحِ الّذي نتمكَّنُ بواسطتهِ من فَرزِ الغَثِّ من السَّمين ، فإنّنا سنكونُ مُعرَّضِينَ لسلبيّاتِ الفِكر ، ولذلكَ وَجبَ علينا جميعًا أن نُحسّ بالمسؤوليّة ، فالمسؤوليّة لا تَقعُ على رِجالِ الأمنِ فقط ، بل على رِجال الفِكر . . . (ونِسائِه) . . . أيضا . نحنُ أُمَّةٌ ذاتُ عقيدة ، والحربُ الآنَ هيَ حربُ الفِكر “) .

المرأةُ جُنديٌّ وحَامٍ من حُماةِ الوطنِ والأُمَّة ، تَسعى جامعةُ الإمام -ما وَسِعَها- إلى احتِوائها في قالبِ المجدِ ، والخير ، والتّطوير ، والمسؤوليّة ؛ مُنطَلِقَةً من توفير القَواعد الأساسيّة للأمنِ النّفسيّ ، وهي الأعمالُ الوظيفيّة باختلافها ، وفَتح أبواب الدّراسات العُليا الدّاخليّة بما يتّسقُ مع جديدِ ضَروراتِ العصر ، ولعلّ آخرَها هذا الفصل الدّراسيّ هو بَدءُ دراسة الماجستير للّغة الإنجليزيّة ؛ رحمةً لها من حِرمان ِعَوائقِ السّفر للخارج ، ولأجلِ تحقيقِ المُراد والطّموح ، وحرصًا على أنْ تبقى قريبةً من واقعِ الحدث وحقيقتِه ، وبعيدةً عن استِنزافِ أيِّ طاقةٍ ثمينةٍ في مُغالبَةِ تَحدِّياتٍ يُمكِنُ إبعادها ؛ وإنْ لم يَكُنْ إبعادها مُمكِنًا ، فإنَّ الحَلَّ يكونُ بالتّحصينِ بِفُنونِ الدّبلوماسيّةِ في حَلِّ الإشكالات ، ونَقضِ العقبات بِطُرُقٍ بعيدةٍ عنِ الصِّدامِ ، والعُنفِ ، وتَقاتُلِ القُوى . . ولا تخفى طاقاتُ المرأةِ الكامنة في الإبداع في تحقيق معاني السّكينة ، والسَّكن ، والأمان ، والإصلاح ، والاحتواء بما هُوَ فِطرةٌ ربَّانِيَّةٌ فيها ، جعلتْ جامعةَ الإمام تتعهّدُ بأنْ تُصعِّدَ دَورَها القِيادِيّ في ضَبْطِ مسار الحياة ، وفي إدارةِ الأزمةِ الكُبرى معَ الإرهاب ، والتّطرُّف ، والعُنف ، مُفتَخِرةً بِمُشاركاتِها ، بل سَبقِها إلى بعضِ الرّؤى والخُطوات العمليّة .

الخاتمة

وبعدُ : فإنَّ الحديثَ المُختصَرَ عن دور جامعةِ الإمام مُحمَّد بن سعود الإسلاميّة في تَقنِينِ مُعالَجَةِ الإرهابِ وقضاياه ، لا يكادُ يتوقَّفُ عندَ ما قِيل ؛ لأنَّهُ نَظراتٌ مُنتَقاةٌ تُنبِّهُ إلى دورٍ مُميَّزٍ ورائدٍ في مسؤوليّتِهِ الأكاديميّةِ والشّرعيّةِ على النِّطاقِ العالميِّ الإسلاميّ وغير الإسلاميّ ؛ ويُمكنِ -خِتامًا لهذه الورقة- توجيهُ التّوصياتِ الآتية :

1- السّعي إلى تَجاوز أزمةِ الإحساس بالدُّونيّة في إقرار المُسلِم بالهُوِيَّة الإسلاميّة وسطَ هذهِ الأحداث الّتي تتّهمهُ بالإرهابيّةِ المُطلَقة والتّخلُّف المُطلَق .

2- التّشجيع على التِزام الحُدود الشّرعيّة المَعرفيّة الصّحيحة على النِّطاق الفرديّ الخاصّ قبل العامّ ، وأنَّها شجاعةٌ وتَحرُّرٌ من قُيود الهوى ووساوِس الشّيطان .

3- تَعاوُن المُؤسَّسات الإعلاميّة الإسلاميّة على تحصين السُّلوك والفِكر الإعلاميَّين من الأخلاقيّات المرفوضة من استخدام المعرفة وسيلةً للهدم ، أو السّخرية ، والتّهجُّم على الأفراد ، والمُؤسّسات ، والدُّول بغيرِ علمٍ أو دليل .

4- تَعاوُن الجهات الرّسميّة المُتنوِّعة في مُشاركة الجامعة تفعيلَها المُميَّزَ المنضبط لدور المرأة القِياديّ المُنظَّم في إدارة الأزمة مع الإرهاب ، والعُنف ، والتّطرُّف .

5- الاهتمام بنقل توصيات ونَظرات هذا المؤتمر إلى ساحةِ التّطبيق العَمليّ .

6- صياغة تجربة جامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلاميّة في الارتقاء بالمعرفة الإنسانيّة في سبيل الخير في مُؤلَّفٍ يُترجم للُغات العالَم الحيّة ؛ استفادةً منها ، وتشجيعًا على الاقتداء بها .

هذا ، والحمدُ للهِ على كريمِ نِعمِهِ وعَظيمِ مِنَنِه ، وصلّى اللهُ على نبيِّنا محمّدٍ وعلى آلهِ وصحبهِ وسلّم .

المصادر والمراجع

* الإرهاب : الفَهم المَفروض للإرهاب المَرفوض ، العميد د . علي بن فايز الجحنيّ ، ط ، ( الرِّياض : أكاديميّة نايف العربيّة للعُلوم الأمنيّة ، 1421هـ ) .

* “استمرار القبول والتّسجيل : جامعة الإمام تستحدث دبلومات لإعداد الشّباب لِسُوق العمل ” ، رياض العسّافيّ ، جريدة الرّياض ، السّنة (40) ، العدد (12853) ، الثّلاثاء 5رجب 1424هـ ، ص 15 .

* تحوُّل السُّلطة بينَ العُنف والثّروة والمعرفة ، ألفن توفلر ، تعريب ومُراجعة : د . فتحي بن شتوان وَنبيل عثمان ، ط1 ، ( مصراتة-ليبيا : الدّار الجماهيريّة للنّشر ، والتّوزيع ، والإعلان ، 1992م ) .

* تعميق الوعي الأمنيّ لدى المواطن العربيّ : النّدوة العلميّة الثّالثة والأربعون ، (ندوةٌ بمقرّ أكاديميّة نايف العربيّة للعُلوم الأمنيّة من 17-19شوّال1417ه) ، ( الرّياض : أكاديميّة نايف العربيّة للعُلوم الأمنيّة ، 1419ه) .

* “التّفكير المنهجيّ وضرورته ” ، فتحي حسن ملكاويّ ، إسلاميّة المعرفة ، السّنة (7) ، العدد (28) ، ربيع 1423هـ ، ص 15-53 .

* “حتّى يعرفَ النّاس موقفَ الإسلامِ من الإرهاب” ، د . عبد الله بن ناصر الحمود ، مِرآة الجامعة ، السّنة (22) ، العدد (337) ، السّبت 30ذو الحِجّة 1424هـ ، ص 16 .

* دور التّربية الإسلاميّة في مُواجهةِ الإرهاب (رسالة دُكتوراه) ، د . خالد بن صالح بن ناهض الظّاهريّ ، ط1 ، ( الرِّياض : دار عالَم الكُتب للطّباعة ، والنّشر ، والتّوزيع ، 1423هـ ) .

* “دور الجامعات من خلال العمادات ” ، جريدة الجزيرة ، محمّد بن سعود الزّويِّد ، السّنة (45) ، العدد (11468) ، السّبت 1مُحرَّم 1425هـ ، ص39 .

* ضحايا الجريمة ، (أبحاث النّدوة العلميّة الحادية والعشرين الّتي عُقدت بمقرّ المركز العربيّ للدّراسات الأمنيّة والتّدريب في الفترة من 27-29جمادى الآخرة 1408ه) (الرّياض : المركز العربيّ للدّراسات الأمنيّة والتّدريب ، 1410هـ ) .

* ظاهرة الإرهاب في الوطن العربي ، د . أحمد فارس عبد المنعم ، (كُرّاسات استراتيجيّة خليجيّة-العدد9) ، ( لندن : مركز الخليج للدّراسات الاستراتيجيّة ، د . ت . ) .

* الظّواهر الإجراميّة المُستَحدَثة وسُبُل مُواجهتِها ، تنظيم : مركز الدِّراسات والبُحوث بأكاديميّة نايف العربيّة للعُلوم الأمنيّة ، (ندوةٌ علميّةٌ عُقدت في تونس من 14- 6-1420ه) ، ( الرّياض : أكاديميّة نايف العربيّة للعُلوم الأمنيّة ، 1420هـ ) .

* غدرًا سرقوا وُجوهًا للإرهاب ” ، الجوهرة آل جهجاه ، جريدة الجزيرة ، السّنة (45) العدد (11430)) ، الأربعاء 22ذو القعدة 1424هـ ، ص 33 .

* معجم مصطلحات الأدب ، مجدي وهبة ، ( بيروت : مكتبة لُبنان ، 1974م) .

* مِن وحي الجامعة : بُحوثٌ ومُحاضرات وأوراق عملٍ ومقالات مُتنوِّعةٌ عن جامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلاميّة ونشاطاتها العِلميّة المُختلِفة ، د . محمّد بن عبد الرّحمن الرّبيِّع ، ط1 ، ( الرِّياض : عمادة البحث العلميّ بجامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلاميّة ، 1423هـ ) .

* واقع خدمة المجتمع والتّعليم المُستمرّ في جامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلاميّة ، أ . د . سالم بن محمّد السّالم ، ( الرّياض : عمادة المركز الجامعيّ لخدمة المجتمع والتّعليم المُستمرّ بجامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلاميّة ، 1419ه) .

* وَجهٌ آخر . . لجامعة الإمام ” ، جريدة الجزيرة ، عبد الرّحمن بن سعد السّمّاري ، السّنة (45) ، العدد (11435) ، الاثنين 27ذو القِعدة 1424هـ ، ص 6 .

-- أ . الجوهرة آل جهجاه

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*