الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » فتاوى العلماء الأكابر فيما أهدر من دماء في الجزائر

فتاوى العلماء الأكابر فيما أهدر من دماء في الجزائر

فتاوى العلاَّمة عبد العزيز بن باز رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

فتوى الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله

مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء ورئيس اللجنة الدائمة للإفتاء

فقد سُئل بـمكة يوم (26) من ذي الحجة (1414هـ) ـ وهو مسجل في التوعية الإسلامية ـ عمّا يأتي :

السؤال الأول:

الجماعة الإسلامية المسلّحة بالجزائر قَوَّلَتْكم أنَّكم تؤيّدون ما تقوم به من اغتيالات للشرطة وحمل السّلاح عمومًا، هل هذا صحيح؟ وما حكم فعلهم مع ذكر ما أمكن من الأدلّة جزاكم الله خيرا؟

الجواب من سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز:

(( بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وصلّى الله وسلّم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:

فقد نصحنا إخواننا جميعًا في كل مكان ـ أعني الدّعاة ـ نصحناهم أن يكونوا على علم وعلى بصيرة وأن ينصحوا الناس بالعبارات الحسنة والأسلوب الحسن والموعظة الحسنة وأن يجادلوا بالتي هي أحسن، عملا بقول الله سبحانه: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) [النحل 125]، وقوله سبحانه: ( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) [العنكبوت 46]، فالله جلّ وعلا أمر العباد بالدعوة إلى الله وأرشدهم إلى الطريقة الحكيمة، وهي الدعوة إلى الله بالحكمة يعني بالعلم: قال الله، قال رسوله، وبالموعظة الحسنة وجدالهم بالتي هي أحسن، عند الشّبهة يحصل الجدال بالتي هي أحسن والأسلوب الحسن حتى تزول الشّبهة.

وإن كان أحد من الدّعاة في الجزائر قال عنّي: قلت لهم: يغتالون الشّرطة أو يستعملون السّلاح في الدعوة إلى الله هذا غلط ليس بصحيح بل هو كذب .

إنَّما تكون الدعوة بالأسلوب الحسن: قال الله، قال رسوله، بالتّذكير والوعظ والتّرغيب والتّرهيب، هكذا الدعوة إلى الله [ص-33] كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكّة المكرمة قبل أن يكون لهم سلطان، ما كانوا يَدْعُون الناس بالسّلاح، يدعون الناس بالآيات القرآنية والكلام الطيّب والأسلوب الحسن؛ لأنَّ هذا أقرب إلى الصّلاح وأقرب إلى قبول الحق.

أمَّا الدعوة بالاغتيالات أو بالقتل أو بالضرب فليس هذا من سنّة النبي صلى الله عليه وسلم ولا من سنّة أصحابه، لكن لَمَّا ولاَّه الله المدينة وانتقل إليها مهاجرًا كان السّلطان له في المدينة وشرع الله الجهاد وإقامة الحدود، جاهد عليه الصلاة والسلام المشركين وأقام الحدود بعد ما أمر الله بذلك.

فالدّعاة إلى الله عليهم أن يَدْعُوا إلى الله بالأسلوب الحسن: بالآيات القرآنية والأحاديث النّبوية، وإذ لم تُجدِ الدعوة رفعوا الأمر للسّلطان ونصحوا للسّلطان حتى ينفّذ، السّلطان هو الذي ينفّذ، يرفعون الأمر إليه فينصحونه بأنّ الواجب كذا والواجب كذا حتى يحصل التّعاون بين العلماء وبين الرؤساء من الملوك والأمراء ورؤساء الجمهوريّات، الدّعاة يرفعون الأمر إليهم في الأشياء التي تحتاج إلى فعل: إلى سجن، إلى قتل، إلى إقامة حدّ، وينصحون ولاة الأمور ويوجّهونهم إلى الخير بالأسلوب الحسن والكلام الطيّب، ولهذا قال جلّ وعلا: ( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) [العنكبوت 46]، فلو ظلم أحد من أهل الكتاب أو غيرهم فعلى وليّ الأمر أن يعامله بما يستحق، أما الدّعاة إلى الله فعليهم بالرّفق والحكمة لقول النبي صلى الله عليه وسلم : إنّ الرّفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا يُنزَع من شيء إلا شانه ، ويقول عليه الصلاة والسلام: مَن يُحْرَم الرّفق يحرم الخير كله .

فعليهم أن يَعِظوا الناس ويذكّروهم بالعذاب والأحاديث ومن كان عنده شبهة يجادلونه بالتي هي أحسن: الآية معناها كذا، الحديث معناه كذا، قال الله كذا، قال رسوله كذا، حتى تزول الشّبهة وحتى يظهر الحق.

هذا هو الواجب على إخواننا في الجزائر وفي غير الجزائر ، فالواجب عليهم أن يسلكوا مسلك الرسول عليه الصلاة [ص-34] والسلام حين كان في مكّة والصّحابة كذلك، بالكلام الطيّب والأسلوب الحسن؛ لأنّ السلطان ليس لهم الآن لغيرهم، وعليهم أن يناصحوا السلطان والمسؤولين بالحكمة والكلام الطيب والزّيارات بالنيّة الطيبة حتى يتعاونوا على إقامة أمر الله في أرض الله، وحتى يتعاون الجميع في ردع المجرم وإقامة الحق.

فالأمراء والرّؤساء عليهم التّنفيذ، والعلماء والدّعاة إلى الله عليهم النصيحة والبلاغ والبيان. نسأل الله للجميع الهداية )).

السؤال الثاني:

قامت الجماعة الإسلامية المسلّحة بتهديد أئمّة وزارة الشّئون الدينيّة بالجزائر، الذين لا يصرّحون بسبّ الحكّام على المنابر؛ إمّا توقيف صلاة الجماعة والجمعة وإمّا القتل بحجّة أنّه موظّف لدى الطّواغيت، وقد نفّذوا القتل في مجموعة من الأئمّة الذين لم يستجيبوا لهم كما تعطّلت صلاة الجماعة في بعض المدن فما حكم هذا الفعل؟

الجواب: (( ما يصلح هذا! هذا أيضا غلط، هذا ما يصلح! الواجب على الدّعاة أن ينصحوا الناس بالكلام الطيب ينصحوا الخطباء وينصحوا الأئمّة حتى يستعملوا ما شرع الله.

أمَّا سبّ الأمراء على المنابر فليس من العلاج، فالعلاج الدّعاء لهم بالهداية والتّوفيق وصلاح النّيّة والعمل وصلاح البطانة، هذا هو العلاج،لأنّ سبّهم لا يزيدهم إلا شرّا، لا يزيدهم خيرًا، سبّهم ليس من المصلحة، ولكن يُدعَى لهم بالهداية والتّوفيق والصّلاح حتى يقيموا أمر الله في أرض الله وأنّ الله يصلح لهم البطانة أو يبدلهم بخير منهم إذا أبوا، أن يصلحهم أو يبدلهم بخير منهم، أما سبّهم ولعنهم أو سب الشّرطة أو لعنهم أو ضربهم أو ضرب الخطباء كل هذا ليس من الإسلام .

الواجب النصيحة والبلاغ والبيان قال الله جلّ وعلا:( هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ ) [إبراهيم 52]، فالقرآن بلاغ والسنة بلاغ، قال جلّ وعلا: ( وأُوحِيَ إليّ هذا القرءانُ لأُنْذِرَكم به ومَن بَلَغ ) [الأنعام 19]، قال جلّ [ص-35] وعلا: ( وَأَنْذِرِ النَّاسَ) [إبراهيم 44]،( إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) [هود 12].

فالعلماء هم خلفاء الرّسل، ينذرون الناس ويحذّرونهم من عقاب الله، ويرشدونهم إلى طاعة الله، ويأمرونهم بتقوى الله، ويحذّرونهم من معاصي الله، وينصحون ولاة الأمور من الأمراء وغيرهم، ينصحونهم، يوجّهونهم إلى الخير ويَدْعُون لهم بالهداية؛ لأنّ هذا أقرب إلى النّجاح وأقرب إلى الخير حتى تنتشر الدعوة، وحتى يتفقّه الناس في الدين، وحتى يعلموا أحكام الله.

أما إذا عُوملوا بالضّرب أو بالوعيد للخطباء وغيرهم كان هذا من أسباب ظهور الشّرّ وكثرة الشّرِّ وقلَّة الخير. لا حول ولا قوّة إلا بالله. نعم؟ )).

 

السؤال الثّالث:

كما قامت هذه الجماعة بقتل بعض النساء اللاّئي أبين ارتداء الحجاب، فهل يسوغ لهم هذا؟

الجواب: (( هذا أيضا غلط، لا يسوغ لهم هذا، الواجب النصيحة، النصيحة للنّساء حتى يحتجبن، والنصيحة لمن ترك الصلاة حتى يصلّي، والنصيحة لمن يأكل الرّبا حتى يدع الرّبا، والنصيحة لِمَن يتعاطى الزّنى حتى يَدَع الزّنى، والنصيحة لمن يتعاطى شرب الخمر حتى يدع شرب الخمر، كلٌّ يُنصح، ينصحون: قال الله وقال رسوله: بالآيات القرآنيّة والأحاديث النبوية، ويحذّرونهم من غضب الله ومن عذاب يوم القيامة.

أما الضّرب أو القتل أو غير ذلك من أنواع الأذى فلا يصلح للدّعاة، هذا ينفّر من الدعوة، ولكن على الدّعاة أن يتحلّوا بالحلم والصبر والتّحمّل والكلام الطيب في المساجد وفي غيرها حتى يكثر أهل الخير ويقلّ أهل الشّرّ، حتى ينتفع الناس بالدعوة ويستجيبوا )).

السؤال الأخير:

يا شيخ! سؤال أخير ـ بارك الله فيكم ـ: لعلّ بعض الإخوة مِمَّن يَميل إلى السلفية ويحبّ العلماء يصغي إلى كلام العلماء، فماذا تنصحون من تورّط في هذه الاغتيالات أو شيء من هذا يا شيخ؟

الجواب: (( أنصحهم بالتوبة إلى الله وأن يلتزموا الطريقة التي سار عليها السّلف الصّالِح بالدعوة إلى الله [ص-36] بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، الله يقول: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا ) [فصلت 33]، فلا يوَرّطون أنفسهم في أعمال تسبّب التّضييق على الدعوة وإيذاء الدّعاة وقلّة العلم، لكن إذا كانت الدعوة بالكلام الطيب والأسلوب الحسن كثر الدّعاة وانتفع الناس بهم، وسمعوا كلامهم واستفادوا منهم وحصل في المساجد وفي غير المساجد الحلقات العلميّة والمواعظ الكثيرة حتى ينتفع النّاس.

الله يهدي الجميع، نسأل الله للجميع الهداية والتّوفيق )) اهـ.

*****

سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله يُجيب على مسائل مهمَّة في الخروج على الولاة س 1: سماحة الشيخ، هناك مَن يرى أنَّ اقترافَ بعض الحُكَّام للمعاصي والكبائر مُوجبٌ للخروج عليهم ومحاولة التغيير وإن ترتَّب عليه ضررٌ للمسلمين في البلد، والأحداثُ التي يُعاني منها عالَمنا الإسلامي كثيرة، فما رأيُ سماحتكم؟

ج 1: (( بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه، أمَّا بعد:

فقد قال الله عزَّ وجلَّ:( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء 59].

فهذه الآيةُ نصٌّ في وجوب طاعة أولي الأمر، وهم الأمراءُ والعلماءُ، وقد جاءت السنةُ الصحيحةُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تُبيِّن أنَّ هذه الطاعةَ لازمةٌ وهي فريضةٌ في المعروف.

والنصوصُ من السنة تُبيِّن المعنى، وتُفيد بأنَّ المرادَ طاعتُهم بالمعروف، فيجب على المسلمين طاعة وُلاة الأمور في المعروف لا في المعاصي، فإذا أمروا بالمعصيةِ فلا يُطاعون في المعصية، لكن لا يجوز الخروجُ عليهم بأسبابها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : أَلا مَن وَلِيَ عليه والٍ فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنَّ [ص-37] يدًا من طاعة ، ومَن خرج من الطاعة وفارق الجماعةَ فمات، مات ميتةً جاهلية ، وقال صلى الله عليه وسلم : على المرءِ السمعُ والطاعة فيما أحبَّ وكرِه، إلاَّ أن يؤمَر بمعصيةٍ، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة .

وسأله الصحابيُّ ـ لَمَّا ذكر أنَّه سيكون أمراء تعرفون منهم وتُنكرون ـ قالوا: فما تأمرنا؟ قال: أَدُّوا إليهم حقَّهم وسَلوا اللهَ حقَّكم .

قال عُبادة بن الصامت رضي الله عنه: بايَعْنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في مَنْشَطنا ومَكرَهنا، وعُسرِنا ويُسرِنا، وأَثرة علينا، وأن لا نُنازع الأمرَ أهلَه ، وقال: إلاَّ أن تَرَوْا كُفرًا بَواحًا عندكم من الله فيه بُرهان .

فهذا يدلُّ على أنَّهم لا يجوز لهم منازعة وُلاة الأمور ولا الخروج عليهم إلاَّ أن يَرَوْا كُفرًا بواحًا عندهم من الله فيه بُرهان، وما ذاك إلاَّ لأنَّ الخروجَ على وُلاة الأمور يُسبِّبُ فسادًا كبيرًا وشرًّا عظيمًا فيختلُّ به الأمنُ، وتضيعُ الحقوقُ ولا يَتَيَسَّر رَدْعُ الظالِم ولا نَصْرُ المظلوم، وتختلُّ السُّبُلُ ولا تأمَن، فيترتَّبُ على الخروج على وُلاة الأمور فسادٌ عظيمٌ وشرٌّ كبيرٌ، إلاَّ إذا رأى المسلمون كفرًا بواحًا عندهم من الله فيه برهان، فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالتِه إذا كان عندهم قدرة، أمَّا إذا لَم يكن عندهم قُدرةٌ فلا يخرجوا، أو كان الخروجُ يُسبِّبُ شرًّا أكثر فليس لهم الخروجُ؛ رعايةً للمصالح العامة، والقاعدة الشرعية المجمع عليها (أنَّه لا يجوز إزالةُ الشرِّ بما هو أشرُّ منه، بل يجب دَرءُ الشرِّ بما يُزيلُه أو يُخفِّفُه) .

[ص-38] وأمَّا دَرْءُ الشرِّ بشرٍّ أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين، فإذا كانت هذه الطائفةُ التي تُريد إزالةَ هذا السلطان الذي فعل كفرًا بواحًا وعندهم قدرة تُزيله بها وتضع إمامًا صالِحًا طيِّبًا من دون أن يترتَّب على هذا فسادٌ كبير على المسلمين وشرٌّ أعظم من شرِّ هذا السلطان فلا بأس.

أمَّا إذا كان الخروجُ يترتَّب عليه فسادٌ كبيرٌ واختلالُ الأمن وظلمُ الناس واغتيالُ من لا يستحقُّ الاغتيال، إلى غير هذا من الفسادِ العظيم، فهذا لا يجوز، بل يجب الصبرُ والسمعُ والطاعةُ في المعروف ومناصحة ولاة الأمور والدعوة لهم بالخير، والاجتهاد في تخفيف الشرِّ وتقليلِه وتكثيرِ الخير، هذا هو الطريقُ السويُّ الذي يجب أن يُسلك؛ لأنَّ في ذلك مصالح للمسلمين عامة، ولأنَّ في ذلك تقليل الشرِّ وتكثير الخير، ولأنَّ في ذلك حفظ الأمن وسلامة المسلمين من شرٍّ أكثر ، نسأل اللهَ للجميع التوفيق والهداية )).

 

س 2: سماحة الوالد: نَعلمُ أنَّ هذا الكلامَ أصلٌ من أصول أهل السنَّة والجماعة، ولكن هناك للأسفِ من أبناء أهل السنَّة والجماعة مَن يرى هذا فِكرًا انهزاميًّا، وفيه شيءٌ من التخاذل، وقد قيل هذا الكلام … لذلك يَدْعُون الشبابَ إلى تَبنِّي العنفَ في التغيير؟ .

ج 2: (( هذا غلَطٌ من قائله وقلَّة فَهْم؛ لأنَّهم ما فهِموا السنَّةَ ولا عرَفوها كما ينبغي، وإنَّما تحملهم الحماسةُ والغيرةُ لإزالةِ المنكر على أن يقعوا فيما يُخالفُ الشرعَ كما وقعت الخوارجُ والمعتزلة، حملهم حبُّ نصرِ الحقِّ أو الغيرة للحقِّ، حملهم ذلك على أن وقعوا في الباطل حتَّى كفَّروا المسلمين بالمعاصي، أو خلَّدوهم في النار بالمعاصي كما تفعل المعتزلة.

فالخوارجُ كفَّروا بالمعاصي وخلَّدوا العصاةَ في النار، والمعتزلةُ وافقوهم في العاقبة وأنَّهم في النار مُخلَّدون فيها، ولكن قالوا: إنَّهم في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، وكلُّه ضلالٌ، والذي عليه أهل السُنَّةِ هو الحقُّ أنَّ العاصيَ لا يكفُر بِمعصيتِه [ص-39] ما لَم يستحلَّها.

فإذا زنا لا يكفر، وإذا سرق لا يكفر، وإذا شرب الخمرَ لا يكفر، ولكن يكون عاصيًا ضعيفَ الإيمان، فاسقًا تُقام عليه الحدود، ولا يكفر بذلك إلاَّ إذا استحلَّ المعصيةَ وقال: إنَّها حلالٌ، وما قاله الخوارج في هذا باطلٌ، وتكفيرُهم للناسِ باطلٌ، ولهذا قال فيهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إنَّهم يَمرقون من الإسلام ثمَّ لا يعودون فيه ، يُقاتِلون أهلَ الإسلامِ ويَدَعون أهل الأوثان ، هذه حال الخوارج بسبب غُلُوِّهم وجهلهم وضلالِهم.

فلا يليقُ بالشباب ولا غير الشباب أن يُقلِّدوا الخوارج والمعتزلة، بل يجب أن يسيروا على مذهب أهل السنَّة والجماعة على مقتضى الأدلَّة الشرعية، فيقفون مع النصوص كما جاءت، وليس لهم الخروج على السلطان من أجل معصية أو معاصٍ وقعت منه، بل عليهم المناصحة بالمكاتبة والمشافهة، بالطرق الطيِّبة الحكيمة، بالجدال بالتي هي أحسن حتى ينجحوا وحتى يقلَّ الشرُّ أو يزول ويكثر الخيرُ.

هكذا جاءت النصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله عزَّ وجلَّ يقول: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران 159].

فالواجب على الغيورين لله وعلى دعاة الهُدى أن يلتزِموا بحدود الشرعِ، وأن يُناصحوا مَن ولاَّهم الله الأمور بالكلام الطيِّب والحكمة والأسلوب الحسن، حتى يكثر الخير ويقلَّ الشرُّ، وحتى يكثر الدعاة إلى الله وحتى ينشطوا في دعوتهم بالتي هي أحسن لا بالعنف والشدَّة، ويُناصحوا من ولاَّهم الله بشتَّى الطرق الطيِّبة السليمة مع الدعاء لهم في ظهر الغيب أنَّ الله يهديهم ويوفِّقهم ويعينهم على الخير وأنَّ الله يعينهم على ترك المعاصي التي يفعلونها وعلى إقامة الحقِّ، هكذا يدعو الله ويَضرَع إليه أن يهدي اللهُ ولاةَ الأمور وأن يُعينهم على ترك الباطل وعلى إقامة الحقِّ بالأسلوب الحسن بالتي هي أحسن، وهكذا مع إخوانه الغيورين ينصحهم ويَعِظُهم ويذكِّرهم حتى ينشطوا في الدعوة بالتي هي أحسن لا بالعنف والشدَّة، وبهذا يكثر الخيرُ ويقلَّ الشرُّ، ويهدي الله ولاةَ الأمور للخير والاستقامة عليه، وتكون العاقبةُ حميدةً للجميع )).

س 3: لو افترضنا أنَّ هناك خروجًا شرعيًّا لدى جماعة من الجماعات، هل هذا يُبرِّرُ قتل أعوان هذا [ص-40] الحاكم وكلِّ مَن يعمل في حكومته مثل الشرطة والأمن وغيرهم؟

ج 3: (( سبق أن أخبرتُك أنَّه لا يجوز الخروجُ على السلطان إلاَّ بشرطين:

أحدهما: وجودُ كفرٍ بواحٍ عندهم فيه من الله برهان.

والشرط الثاني: القدرةُ على إزالة الحاكم إزالةً لا يترتَّبُ عليها شرٌّ أكبر، وبدون ذلك لا يجوز )).

س 4: يظنُّ البعضُ من الشباب أنَّ مجافاةَ الكفار مِمَّن هم مستوطنون في البلاد الإسلامية أو من الوافدين من الشرع، ولذلك البعض يستحلُّ قتلهم وسلبَهم إذا رأوا منهم ما يُنكرون؟

ج 4: (( لا يجوز قتل الكافر المستأمَن الذي أدخلته الدولةُ آمنًا ولا قتل العصاة ولا التعدِّي عليهم، بل يُحالون للحكم الشرعي، هذه مسائلُ يُحكم فيها بالحكم الشرعي )) .

س 5: وإذا لَم توجد محاكم شرعية؟

ج 5: (( إذا لَم توجد محاكم شرعية فالنصيحة فقط، النصيحة لولاة الأمور وتوجيههم للخير والتعاون معهم حتى يُحكِّموا شرعَ الله، أمَّا أنَّ الآمرَ والناهي يَمدُّ يدَه أو يقتل أو يضرب فلا يجوز، لكن يتعاون مع ولاة الأمور بالتي هي أحسن حتى يُحكِّموا شرع الله في عباد الله، وإلاَّ فواجبه النصحُ وواجبه التوجيه إلى الخير، وواجبه إنكارُ المنكر بالتي هي أحسن، هذا هو واجبه، قال الله تعالى: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن 16]، ولأنَّ إنكارَه باليد بالقتل أو الضرب يترتَّبُ عليه شرٌّ أكثر وفسادٌ أعظم بلا شكٍّ ولا ريبٍ لكلِّ مَن سَبَر هذه الأمور وعرَفها )) .

فتوى الشيخ ابن باز في المظاهرات

سُئل رحمه الله في شعبان (1412هـ) بمدينة جدة من شريط سمعي:

هل المظاهرات الرجالية والنسائية ضدَّ الحُكَّام والولاة تُعتبر وسيلة من وسائل الدعوة؟

وهل مَن يموت فيها يُعتبر شهيدًا أو في سبيل الله؟

فأجاب رحمه الله: (( لا أرى المظاهرات النسائية والرجالية من العلاج، ولكن أنا أرى أنَّها من أسباب الفتن ومن أسباب الشرور، ومن أسباب ظلم بعض الناس، والتعدِّي على بعض الناس بغير حقٍّ، ولكن الأسباب الشرعية: المكاتبة [ص-41] والنصيحة والدعوة إلى الخير بالطرق الشرعية، شرحها أهل العلم، وشرحها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه بإحسانٍ: بالمكاتبة والمشافهة مع … ، ومع الأمير ومع السلطان، والاتصال به، ومناصحته والمكاتبة له، دون التشهير على المنابر بأنَّه فعل كذا، وصار منه كذا، والله المستعان )).

فتاوى العلاَّمة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله

سُئل فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني محدِّث الديار الشامية وعلاَّمة عصره يوم 29 ـ جمادى الأولى ـ 1416 هـ الموافق لـ 23ـ 10 ـ 1995 عمَّا يأتي:

في هذه الفترة الأخيرة يا شيخ! خاصة ممَّا يحدث من كوارث وفتن، وحيث صار الأمر إلى استخدام المتفجرات التي تودي بحياة العشرات من الناس، أكثرهم من الأبرياء، وفيهم النساء والأطفال ومَن تعلمون، وحيث سمعنا بعض الناس الكبار أنَّهم يندِّدون عن سكوت أهل العلم والمفتين من المشايخ الكبار عن سكوتهم وعدم التكلُّم بالإنكار لمثل هذه التصرفات الغير إسلامية قطعًا، ونحن أخبرناهم برأي أهل العلم ورأيكم في المسألة، لكنَّهم ردُّوا بالجهل مما يقولونه أو مما تقولونه، وعدم وجود الأشرطة المنتشرة لبيان الحق في المسألة، ولهذا نحن طرحنا السؤال بهذا الأسلوب الصريح حتى يكون الناس على بيِّنة برأيكم ورأي من تنقلون عنهم، فبيِّنوا الحق في القضية، وكيف يعرف الحق فيها عند كلِّ مسلم؟ لعل الشيخ يسمع ما يحدث الآن أو نشرح له شيئًا ممَّا يحدث؟

قال الشيخ: ما فيه داعٍ.

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله.

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران 102].

( يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) [النساء 1].

( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا *يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب 70 ، 71].

أمَّا بعد: فإنَّ خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

[ص-43] أنت ـ جزاك الله خيرًا ـ أشرتَ بأننا تكلَّمنا في هذه المسألة، وذكرت أنَّهم (يهدون) بجهل أو بغير علم، إذا كان الكلام ممَّن يُظنُّ فيه العلم، ثم يقابَل ممن لا علم عندهم بالرفض والردِّ فما الفائدة من الكلام حينئذ؟ لكن نحن نجيب لمن قد يكون عنده شبهة (بأنَّ هذا الذي يفعلونه هو أمر جائزٌ شرعًا) ، وليس لإقناع ذوي الأهواء وأهل الجهل، وإنَّما لإقناع الذين قد يتردَّدون في قبول أنَّ هذا الذي يفعله هؤلاء المعتدون هو أمر غير مشروع.

لا بدَّ لي قبل الدخول في شيء من التفصيل بأن أُذكِّر ـ والذكرى تنفع المؤمنين ـ بقول أهل العلم: (( ما بُني على فاسد فهو فاسد ))، فالصلاة التي تُبنى على غير طهارة مثلًا فهي ليست بصلاة، لماذا؟ لأنَّها لم تقم على أساس الشرط الذي نصَّ عليه الشارع الحكيم في مثل قوله صلى الله عليه وسلَّم: لا صلاة لمن لا وضوء له ، فمهما صلى المصلي بدون وضوء فما بُني على فاسد فهو فاسد، والأمثلة في الشريعة من هذا القبيل شيء كثير وكثير جداًّ.

فنحن ذكرنا دائمًا وأبدًا بأنّ الخروج على الحكام لو كانوا من المقطوع بكفرهم، لو كانوا من المقطوع بكفرهم، أنَّ الخروج عليهم ليس مشروعًا إطلاقًا؛ ذلك لأنَّ هذا الخروج إذا كان ولا بدَّ ينبغي أن يكون خروجًا قائمًا على الشرع، كالصلاة التي قلنا آنفًا إنَّها ينبغي أن تكون قائمة على الطهارة، وهي الوضوء، ونحن نحتجُّ في مثل هذه المسألة بِمثل قوله تبارك وتعالى:( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) [الأحزاب 21].

إنَّ الدورَ الذي يَمرُّ به المسلمون اليوم من تحكّم بعض الحكام ـ وعلى افتراض أنَّهم أو أنَّ كفرهم كفر جلي واضح ككفر المشركين تمامًا ـ إذا افترضنا هذه الفرضية فنقول: إنَّ الوضع الذي يعيشه المسلمون بأن يكونوا محكومين من هؤلاء الحكام ـ ولْنَقُل الكفار مجاراةً لجماعة التكفير لفظًا لا معنى؛ لأنَّ لنا في ذلك التفصيل المعروف ـ فنقول: إنَّ الحياة التي يحياها المسلمون اليوم تحت حكم هؤلاء الحكام لا يخرج عن الحياة التي حييها رسول الله عليه الصلاة وعلى آله وسلَّم، وأصحابُه الكرام فيما يُسمى في عرف أهل العلم: بالعصر المكي.

لقد عاش عليه السلام تحت حكم الطواغيت الكافرة المشركة، والتي كانت تأبى صراحةً أن تستجيب لدعوة الرسول عليه السلام، وأن يقولوا كلمة الحق (( لا إله إلاَّ الله )) حتى إنّ عمَّه أبا طالب ـ وفي آخر رمق من حياته ـ قال له: لولا أن يُعيِّرني بها قومي لأقررتُ بها عينَك.

[ص-44] أولئك الكفار المصرِّحين بكفرهم المعاندين لدعوة نبيِّهم، كان الرسول عليه السلام يعيش تحت حكمهم ونظامهم، ولا يتكلَّم معهم إلاَّ: أن اعبدوا الله وحده لا شريك له.

ثم جاء العهد المدني، ثم تتابعت الأحكام الشرعية، وبدأ القتال بين المسلمين وبين المشركين، كما هو معروف في السيرة النبوية.

أما في العهد الأول ـ العهد المكي ـ لم يكن هنالك خروج كما يفعل اليوم كثيرٌ من المسلمين في غير ما بلد إسلامي.

فهذا الخروج ليس على هدي الرسول عليه السلام الذي أُمرنا بالاقتداء به، وبخاصة في الآية السابقة: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب 21].

الآن كما نسمع في الجزائر، هناك طائفتان، وأنا أهتبلها فرصة إذا كنت أنت أو أحد الحاضرين على بيِّنة من الإجابة عن السؤال التالي: أقول أنا أسمع وأقرأ بأنَّ هناك طائفتين أو أكثر من المسلمين الذين يُعادون الحكام هنالك، جماعة مثلًا جبهة الإنقاذ، وأظن فيه جماعة التكفير.

(فقيل له: جيش الإنقاذ هذا هو المسلَّح غير الجبهة).

وقال الشيخ: لكن أليس له علاقة بالجبهة؟

قيل له: انفصلَ عنها، يعني: قسم متشدِّد.

قال الشيخ: إذًا هذه مصيبة أكبر! أنا أردتُ أن أستوثق من وجود أكثر من جماعة مسلمة، ولكلٍّ منها سبيلها ومنهجها في الخروج على الحاكم، تُرى! لو قضي على هذا الحاكم وانتصرت طائفة من هذه الطوائف التي تُعلن إسلامها ومحاربتها للحاكم الكافر بزَعمهم، تُرى! هل ستَتَّفقُ هاتان الطائفتان ـ فضلًا عمَّا إذا كان هناك طائفة أخرى ـ ويقيمون حكم الإسلام الذي يقاتلون من أجله؟

سيقع الخلاف بينهم! الشاهد الآن موجود مع الأسف الشديد في أفغانستان، يوم قامت الحرب في أفغانستان كانت تُعلن في سبيل الإسلام والقضاء على الشيوعية!! فما كادوا يقضون على الشيوعية ـ وهذه الأحزاب كانت قائمة وموجودة في أثناء القتال ـ وإذا بهم ينقلب بعضُهم عدوًّا لبعض.

فإذًا كلُّ مَن خالف هدي الرسول عليه السلام فهو سوف لا يكون عاقبة أمره إلاَّ خُسرًا، وهدي الرسول صلى الله [ص-45] عليه وسلَّم إذًا في إقامة الحكم الإسلامي وتأسيس الأرض الإسلامية الصالحة لإقامة حكم الإسلام عليها، إنَّما يكون بالدعوة.

أولًا: دعوة التوحيد، ثم تربية المسلمين على أساس الكتاب والسنة.

وحينما نقول نحن إشارة إلى هذا الأصل الهام بكلمتين مختصرَتين، إنَّه لا بدَّ من التصفية والتربية، بطبيعة الحال لا نعني بهما أنَّ هذه الملايين المملينة من هؤلاء المسلمين أن يصيروا أمة واحدة، وإنَّما نريد أن نقول: إنَّ مَن يريد أن يعمل بالإسلام حقًّا وأن يتَّخذ الوسائل التي تمهد له إقامة حكم الله في الأرض، لا بدَّ أن يقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم حكمًا وأسلوبًا. 9

بهذا نحن نقول إنَّ ما يقع سواءً في الجزائر أو في مصر، هذا خلاف الإسلام؛ لأنَّ الإسلام يأمر بالتصفية والتربية، أقول التصفية والتربية؛ لسبب يعرفه أهل العلم.

نحن اليوم في القرن الخامس عشر، ورثنا هذا الإسلام كما جاءنا طيلة هذه القرون الطويلة، لم نرث الإسلام كما أنزله الله على قلب محمد عليه الصلاة والسلام، لذلك الإسلام الذي أتى أُكلَه وثمارَه في أول أمره هو الذي سيؤتي أيضًا أُكُلَه وثمارَه في آخر أمره، كما قال عليه الصلاة والسلام: أمَّتي كالمطر لا يُدرى الخير في أوله أم في آخره .

فإذا أرادت الأمة المسلمة أن تكون حياتها على هذا الخير الذي أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، والحديث الآخر الذي هو منه أشهر: لا تزال طائفةٌ مِن أمَّتِي ظاهرين على الحقِّ لا يضرُّهم مَن خالَفَهم حتى يأتي أمرُ الله .

أقول: لا نريد بهاتين الكلمتين أن يصبح الملايين المملينة من المسلمين قد تبنَّوا الإسلامَ مصفًّى وربَّوْا أنفسهم على هذا الإسلام المصفَّى، لكنَّنا نريد لهؤلاء الذين يهتمُّون حقًّا أولًا بتربية نفوسهم ثم بتربية من يلوذ بهم، ثم، ثم، حتى يصل الأمر إلى هذا الحاكم الذي لا يمكن تعديله أو إصلاحه أو القضاء عليه إلاَّ بهذا التسلسل الشرعي المنطقي.

بهذا نحن كنَّا نجيب بأنَّ هذه الثورات وهذه الانقلابات التي تُقام، حتى الجهاد الأفغاني، كنَّا نحن غير مؤيِّدين له أو غير [ص-46] مستبشرين بعواقب أمره حينما وجدناهم خمسة أحزاب، والآن الذي يحكم والذي قاموا ضدَّه معروف بأنَّه من رجال الصوفية مثلًا.

القصد أنَّ مِن أدلَّة القرآن أن الاختلاف ضعف حيث أنَّ الله عزَّ وجلَّ ذكر من أسباب القتل هو التنازع والاختلاف (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) [الروم 31 ـ 32]، إِذَن إذا كان المسلمون أنفسهم شيعًا لا يمكن أن ينتصروا؛ لأنَّ هذا التشيع وهذا التفرُّق إنَّما هو دليل الضعف.

إذًا على الطائفة المنصورة التي تريد أن تقيم دولة الإسلام بحق أن تمثَّل بكلمة أعتبرها من حِكم العصر الحاضر، قالها أحد الدعاة، لكن أتباعه لا يُتابعونه ألا وهي قوله: (( أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تُقم لكم على أرضكم )).

فنحن نشاهد أنَّ … لا أقول الجماعات التي تقوم بهذه الثورات، بل أستطيع أن أقول بأنَّ كثيرًا من رؤوس هذه الجماعات لم يُطبِّقوا هذه الحكمة التي هي تعني ما نقوله نحن بتلك اللفظتين (( التصفية والتربية ))، لم يقوموا بعد بتصفية الإسلام ممَّا دخل فيه ممَّا لا يجوز أن يُنسب إلى الإسلام في العقيدة أو في العبادة أو في السلوك، لم يُحققوا هذه ـ أي تصفية في نفوسهم ـ فضلًا عن أن يُحقِّقوا التربية في ذويهم، فمِن أين لهم أن يُحقِّقوا التصفية والتربية في الجماعة التي هم يقودونها ويثورون معها على هؤلاء الحكام؟! .

أقول: إذا عرفنا ـ بشيء من التفصيل ـ تلك الكلمة (( ما بُني على فاسد فهو فاسد ))، فجوابنا واضح جدًّا أنَّ ما يقع في الجزائر وفي مصر وغيرها هو سابقٌ لأوانه أوَّلًا، ومخالفٌ لأحكام الشريعة غايةً وأسلوبًا ثانيًا، لكن لا بدَّ من شيء من التفصيل فيما جاء في السؤال.

نحن نعلم أنَّ الشارعَ الحكيم ـ بٍما فيه من عدالة وحكمة ـ نهى الغزاة المسلمين الأولين أن يتعرَّضوا في غزوهم [ص-47] للنساء، فنهى عن قتل النساء وعن قتل الصبيان والأطفال ، بل ونهى عن قتل الرهبان المنطوين على أنفسهم لعبادة ربِّهم ـ زعموا ـ فهم على شرك وعلى ضلال، نهى الشارع الحكيم قُوَّاد المسلمين أن يتعرَّضوا لهؤلاء ؛ لتطبيق أصل من أصول الإسلام، ألا وهو قوله تبارك وتعالى في القرآن: ( أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ) [النجم 36 ـ 39]، فهؤلاء الأطفال وهذه النسوة والرجال الذين ليسوا لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، فقتلهم لا يجوز إسلاميًّا، قد جاء في بعض الأحاديث: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله سلَّم رأى ناسًا مجتمعين على شيء فسأل؟ فقالوا: هذه امرأة قتيلة، قال عليه السلام: ما كانت هذه لتقاتِل .

وهنا نأخذ حكمين متقابلين، أحدها: سبق الإشارة إليه، ألا وهو أنَّه لا يجوز قتل النساء؛ لأنَّها لا تُقاتل، ولكن الحكم الآخر أنَّنا إذا وجدنا بعض النسوة يُقاتلن في جيش المحاربين أو الخارجين، فحينئذ يجوز للمسلمين أن يُقاتلوا أو أن [ص-48] يقتلوا هذه المرأة التي شاركت الرجال في تعاطي القتال.

فإذا كان السؤال إذًا بأنَّ هؤلاء حينما يفخِّخون ـ كما يقولون ـ بعض السيارات ويفجِّرونها تصيب بشظاياها مَن ليس عليه مسؤولية إطلاقًا في أحكام الشرع، فما يكون هذا من الإسلام إطلاقًا، لكن أقول: إنَّ هذه جزئية من الكُليَّة، أخطرها هو هذا الخروج الذي مضى عليه بضع سنين ، ولا يزداد الأمر إلاَّ سوءًا، لهذا نحن نقول إنَّما الأعمال بالخواتيم، والخاتمة لا تكون حسنةً إلاَّ إذا قامت على الإسلام، وما بُني على خلاف الإسلام فسوف لا يُثمر إلاَّ الخراب والدمَّار )) .

* * *

جماعة التبليغ في العالم، يُعدُّون بالملايين فعلًا ـ يعني ـ لكن ما عندهم علماء، لا يوجد عندهم علماء!

الفرق بين إخواننا في الجزائر وبين إخواننا في .. وبين جماعة التبليغ أنَّ إخواننا في الجزائر ملتزمون بالعمل بالكتاب والسنة، وفيهم الدعاة، ولكن هؤلاء الدعاة ـ الذين هم طبعًا حرَّكوا هذه الملايين ـ ينقصهم العلم الذي ينبغي أن يكون في العلماء، مثل ما تفضَّل به شيخنا وقال: الأطباء، الذين يُقدِّمون لِهؤلاء الدعاة، يقدِّمون لهم العلاج الذي [ص-72] يحملونه عندما يخرجون لدعوة هؤلاء الألوف أو الملايين الموجودة.

فيه مسألة أخرى ينبغي أن يتنبَّهوا لها ـ يا إخوان ـ أنَّه أحيانًا يأتيكم من الخارج ـ يعني ـ تستضيفونهم عندكم، وقد يَغُرُّكم كلامُه أو شكلُه أو صورتُه أو حديثُه أو دعواه؛ لأنَّ كثيرًا مِمَّن يأتون إلى الجزائر وغيرها، ربَّما يَدَّعون دعاوى باطلة، ويُلبِسون أنفسهم ثيابًا ليست لهم على الإطلاق، ثياب لا تصلح لهم ولا يصلحون لها أبدًا، فهؤلاء الحقيقة ـ ربما يُدخِلون بعض الأفكار لبعض الإخوان الموجودين في الجزائر، فيُؤّثِّرون فيهم تأثيرًا مباشرًا، ويتركون آثارًا يُحدِثون بها فيما بعد فتنةً في داخل صفوف الإخوان هناك.

ولذلك هؤلاء يُحذَرون أشدَّ الحَذر، ولا يُلتَفتُ لهم!

والذي أرجوه ـ طبعًا ـ لو كان الأخ علي ـ جزاه الله خيرًا ـ الأخ علي بن حاج لو أنَّه عندما جاء إلى هنا ـ يعني ـ مكث عندنا أيامًا وليالي نتشاور معه في بعض الموضوعات لكان ربما ـ يعني ـ أخذ بعض الأشياء التي تفيد الدعوة هناك في الجزائر، ـ يعني مثلا ـ خلِّيني أقول لكم شيئًا:

الأخ علي جاء إلى هنا، وجلس مع بعض الناس الذين لا يَمُتُّون إلى الدعوة الإسلامية الصحيحة بصلة بالإطلاق، ولا يعرفون من الكتاب والسنة إلاَّ اسميهما فقط.

أما العمل بالكتاب والسنة فأَمْر هذا شيءٌ بعيدٌ عنهم، فربَّما لقي بعضَهم، وهؤلاء يَتَحدَّثون عن موضوع الجهاد في وسط الجماهير الغفيرة، ويَدْعونهم إلى الجهاد في سبيل الله وإلى غير ذلك.

الأخ علي بن حاج، نحن حريصون كلَّ الحرص، وبِحُبِّنا له في الله، وبرغبتنا أن يستقيم الأمرُ في الجزائر على نحو ما نرجو من الله سبحانه وتعالى أن يكون، لو أنَّه التقى بالشيخ وجلسنا معه بعضَ الوقت وتحدَّثنا لكان ربَّما أفاد بعض الأشياء التي منعت أو حالت دون مجيئكم أنتم ـ يعني لا مؤاخذة ـ أنا الذي أقول أنا الآن يعني ـ مجيئكم كان ارتجالًا، لم يكن ـ يعني ـ مؤسَّسًا على أساس من النظر الدقيق؛ لأنَّ النَّظرَ الدقيق يقتضي أن نعرِف الأحوال التي حملتنا ـ يعني حفَّزتنا ـ على المجيء من الجزائر إلى هنا.

الآن ـ يعني ـ هذه مسألة يجب أن تكون موضع تجربة ونظر في حياتكم أنتم، وتنقلونها أيضًا للأخ، يعني تنقلون نقلًا [ص-73] أمينًا، وتعرِّفونه حقيقة ما رأيتم، وربَّما لَم يرَ شيئًا مِمَّا رأيتم .

قال الشيخ الألباني: على كلِّ حال، أنا أُذكِّرُك بأنَّ الشيخ عليًّا وَعَدنا بأن يعود، ما أدري كنتَ حاضرًا وإلاَّ بعدما ذهبتَ؟ أليس كذلك؟

وَعَدنا بأن يعود إلينا؛ لنَّه ـ مع الأسف ـ ما أُتيحت لنا فرصة جلوس طويل، ونتباحث ـ فيما بعضنا البعض ـ في كثير من المسائل التي يحتاجها مثل هذه الكتلة المباركة من إخواننا السلفيِّين الجزائريِّين .

قال الشيخ شقرة: والله! إخواننا ـ يا شيخنا يعني ـ لا بأس أيضًا حتى لو دعا الأمرُ إلى ـ يعني ـ إذا استطعنا أن نذهب إلى الجزائر ونَلقَى إخواننا هناك، هذا يكون فيه خير إن شاء الله.

الشيخ: فهو بلا شك، لكن بيقولوا عندنا في الشام: (( ما بقي في الكَرْن إلاَّ الحطب )).

قال الشيخ: فيه عندك شيءٌ غيره؟

ثمَّ كان الكلام حول الاختلاط في الدراسة.

ثمَّ بعده قال السائل: ما زال سؤالين، أولًا: فيه سؤال أصول أو سؤال …:

ما هي نصيحتكم للجبهة الإسلامية للإنقاذ وتصل إليهم إن شاء الله وإلى رجالها، وإلى الشباب المسلم في الجزائر، وبارك الله فيكم؟

الشيخ: وفيكم بارك، على ضوء ما سبق من الكلام والبيان ما أظنُّ عندي شيءٌ جديد أُقدِّمه جوابًا على هذا السؤال، لكني أُلخِّص، فأقول: أنا أنصح إخواننا في الجزائر وفي كلِّ البلاد الإسلامية الذين قيَّض الله لهم منزلة ومكانًا بين إخوانهم المسلمين أن يُعنَوا بالعلم، بدراسة العلم، وأن ـ مع الزمن ـ يُخرجون علماء، يتولَّون تعليم الشعب المسلم، وبالتالي ننصح هذا الشعب المسلم … )).

وهنا انقطع الشريط، وانتهت مادته.

قال جامعه غفر الله له ولوالديه: هذا محتوى الشريط من أوَّله إلى آخره فيما يخُصُّ مسألة الجزائر، فأين مُدَّعى مَن ادَّعى أنَّه ـ في حمله للسلاح ـ تابعٌ لفتوى الشيخ الألباني؟! أين هي التقوى التي بها النصر على الأعداء؟ وأين هو الصدق [ص-74] الذي به النجاة بين يدي رب الأرض والسماء؟ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) [التوبة 119].

فتاوى العلاَّمة محمد بن صالح بن عثيمين

حفظه الله

فتوى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين

بقية السلف حفظه الله

عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

وإمام وخطيب بالمسجد الكبير بعنيزة وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فرع القصيم

سألتُ فضيلة الشيخ ابن عثيمين عن مسألة الخروج على الحكام فقال:‎

أوَّلًا: لا يجوزُ الخروجُ على الأئِمَّة ومنابذتُهم إلا حين يكفرون كفرًا صريحًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم : إلا أن تروا كفرًا بواحًا … الحديث متفق عليه .

ثانيًا: العلم بكفرهم، والعلماء هم الذين يقدّرونه، وأنا لا أَقْدر على أن أحكم على حكوماتكم؛ لأنَّنِي لا أعرفها، وفي الحديث السابق: عندكم فيه من الله برهان .

ثالثًا: تحقّق المصلحة في ذلك وانتفاء المفسدة ، وتقديرها لأهل العلم أيضًا.

رابعًا: القدرة لدى المسلمين على إزاحة الحاكم الكافر.

ثم قدّم نصيحة ذهبيّة ـ حفظه الله ـ فقال ما معناه: (( وعلى كل حال، فهذا الكلام نظريّ؛ لأنّ الغالب أنّ الشّوكة [ص-76] والقوّة لهذه الحكومات، وأنا أنصح بالرويّة والدعوة بالحكمة وترك الدّخول في هذه المواجهات … إلخ )) .

* * *

قيد خامس مهمّ الغالب على مُحْدِثي الثورات أن يَدخلوها من باب التصعيد السياسي، فما تكاد تقوم فتنةُ إراقة الدِّماء إلاَّ على أنقاض السياسة، ولَمَّا كان الغالبُ على الحُدثاء في أسنانهم وعلمِهم وُلوجَ هذا الباب من غير تهيُّب ولا تورُّع فإنَّ الشيخَ اشترط فيمن يُمارس السياسة أن يكون من أهل العلم الذين بلغوا درجة الاستنباط؛ بدليل قوله: (( السياسة لها قوم، والدين له قوم؛ وقد أشار الله إلى هذا في قوله تعالى: (3 وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ )… [النساء 83].

وليس قولي هذا فصل السياسة عن الدين أبدًا! الدينُ نفسُه سياسة )) .

* * *

هل أَمَر ابنُ عثيمين بِمُواجهة النِّظام الجزائري؟ * وسُئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين في شوال (1414هـ) عمَّا يأتي :

وهل كذلك أنكم قلتم باستمرار المواجهة ضد النظام بالجزائر؟

فأجاب: (( ما قلنا بشيء من ذلك! )).

قال السائل: في اشتداد هذه المضايقات هل تُشرَع الهجرة إلى بلاد الكفر؟

قال: (( الواجبُ الصبر؛ لأن البلاد بلاد إسلام، يُنادَى بها للصلوات وتقام فيها الجمعة والجماعات، فالواجب الصبر حتى يأتي الله بأمره )) .

* *

فتواه في المظاهرات * سُئل أيضًا في محرّم (1416هـ) عمَّا يأتي:

ما مدى شرعية ما يسمّونه بالاعتصام في المسـاجــد وهم ـ كما يزعمون ـ يعتمدون على فتوى لكم في أحوال الجزائر سابقًا أنَّها تجوز إن لم يكن فيها شغب ولا معارضة بسلاح أو شِبهِه، فما الحكم في نظركم؟ وما توجيهكم لنا؟

فأجاب:

(( أمَّا أنا، فما أكثر ما يُكْذَب عليَّ! وأسأل الله أن يهدي من كذب عليَّ وألاّ يعود لمثلها.

والعجبُ من قوم يفعلون هذا ولم يتفطَّنوا لما حصل في البلاد الأخرى التي سار شبابها على مثل هذا المنوال! ماذا حصل؟ هل أنتجوا شيئًا؟

بالأمس تقول إذاعة لندن: إن الذين قُتلوا من الجزائريين في خلال ثلاث سنوات بلغوا أربعين ألفًا! أربعون ألفًا!! [ص-78] عدد كبير خسرهم المسلمون من أجل إحداث مثل هذه الفوضى!

والنار ـ كما تعلمون ـ أوّلها شرارة ثم تكون جحيمًا؛ لأن الناس إذا كره بعضُهم بعضًا وكرهوا ولاة أمورهم حملوا السلاح ـ ما الذي يمنعهم؟ـ فيحصل الشرّ والفوضى …

وقد أمر النبيّ عليه الصلاة والسلام من رأى من أميره شيئا يكرهه أن يصبر ، وقال: من مات على غير إمام مات ميتة جاهلية .

الواجب علينا أن ننصح بقدر المستطاع، أما أن نُظْهر المبارزة والاحتجاجات عَلَنًا فهذا خلاف هَدي السلف، وقد علمتم الآن أن هذه الأمور لا تَمُتّ إلى الشريعة بصلة ولا إلى الإصلاح بصلة، ما هي إلا مضرّة …

الخليفة المأمون قَتل مِن العلماء الذين لم يقولوا بقوله في خَلْق القرآن ، قتل جمعًا من العلماء وأجبر الناسَ على أن يقولوا بهذا القول الباطل، ما سمعنا عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة أن أحدًا منهم اعتصم في أي مسجد أبدًا، ولا سمعنا أنهم كانوا ينشرون معايبه من أجل أن يَحمل الناسُ عليه الحقد والبغضاء والكراهية … .

[ص-79] ولا نؤيِّد المظاهرات أو الاعتصامات أو ما أشبه ذلك، لا نؤيِّدها إطلاقًا، ويمكن الإصلاح بدونها، لكن لا بدّ أن هناك أصابع خفيّة داخلية أو خارجية تحاول بثّ مثل هذه الأمور )) .

* * *

* وهذه أسئلةٌ وَجَّهتُ بها إلى فضيلة الشيخ محمد بن عُثيمين، وقد قُرئت عليه عصر يوم الجمعة بتاريخ (13 من صفر 1420 هـ)، الموافق لـ (28 ـ 5 ـ 1999 م)، في بيته بمدينة عنيزة، فكان منها ما يأتي:

سؤال: (( ما حكمُ ما يُنسبُ إليكم ـ حفظكم الله ـ من تأييد الجماعات المسلَّحة الخارجة على الحكومة الجزائرية، وأنَّكم معهم إلاَّ أنَّكم عاجزون عن التصريح بذلك؛ لأسباب أمنية وسياسية؟

الجواب: هذا ليس بصحيح! ولا يُمكن أن نؤلِّب أحدًا على الحكومة؛ لأنَّ هذا تحصل به فتنة كبيرة، إذ أنَّ هؤلاء الذين يريدون أن يُقابلوا الحكومة ليس عندهم من القدرة ما يمكن أن يغلبوا الحكومةَ به، فما يبقى إلاَّ القتل وإراقة الدِّماء والفتنة، كما هو الواقع.

وما أكثر ما يُنسب إلينا هنا في السعودية أو خارج السعودية، وليس له أصلٌ عنَّا!

والحامل لذلك ـ والله أعلم ـ أنَّ الناس لهم أهواء، فإذا هَوَوْا شيئًا نسبوه إلى عالم من العلماء، من أجل أن يكون له قبول، وهذه مسألة خطيرة.

وليس الكذب عليَّ وعلى غيري من العلماء بغريب إذا كان الكذب وقع على الله عزَّ وجلَّ، قال الله تعالى: ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ ) [الزمر 32] .

فأرجو من إخواننا في الجزائر وفي غير الجزائر إذا سمعوا منَّا شيئًا تنكره أفئِدتُهم أن يتَّصلوا بنا، ويستفهموا، فرُبَّما نُسب إلينا ما لم نَقُله.

سؤال: تنطلق بعض الجماعات في محاربتها لأنظمتها من قاعدة تقول: (( إنَّ محاربة الدول الإسلامية أَوْلَى من محاربة الدول الكافرة كفرًا أصليًّا؛ لأنَّ الدول الإسلامية مرتدَّةٌ، والمرتدُّ مقدَّمٌ في المحاربة على الكافر، فما مدى صحة هذه القاعدة؟

فأجاب الشيخ بقوله: هذه القاعدة هي قاعدة الخوارج الذين يقتلون المسلمين ويَدَعون الكافرين، وهي باطلة .

والواجب أن تلتمس العذر لكلِّ من أخطأ من المسلمين، ما دام يمكن أن يكون معذورًا، حتى تبقى الألفة والمودَّة والصفاء، وتتمُّ الأمور على ما ينبغي.

فهذا القول لا أساس له من الصِّحة .

سؤال: بدأ الوضع في الجزائر يتحسَّن، ونعرف جماعات غفيرة من الشباب يريد وضع السِّلاح، والرجوع إلى حياته الطبيعية، لكنه لا يدري: هل يُسلِّم نفسه أو يبقى معتصمًا بالجبال، علمًا بأنَّ الحكومةَ قد أمَّنت التائبين من حملة [ص-80] السِّلاح؟ نرجو النصيحة لهذه الجماعات للعودة بالأمة إلى أمنِها وتديُّنها، ودُمتم ذخرًا للمسلمين.

الجواب: نصيحتي لإخواني الذين حملوا السلاح ويحملونه الآن أن يضعوا السِّلاح، وأن يدخلوا من هذا الباب الذي فتحته الحكومة.

ونصيحتي للحكومة ألاَّ تؤذي هؤلاء الذين وضعوا السلاح، وألاَّ تمسَّهم بعذاب، وألاَّ تحرمهم من حقوقهم الوظيفية والاجتماعية ما داموا أهلًا لذلك، بمعنى أنَّها تعفو عن كلِّ ما سلف، وكأن شيئًا لم يكن، حتى تطيب النفوس، وتهدأ الأمور، فما من قلب من قلوب بني آدم إلاَّ وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، يُصرِّفه تعالى كيف يشاء، فلا ييأس هؤلاء المقاتِلون، والحكومة يجب أن ترحمهم، وأن تعفو عنهم ما سلف، حتى تهدأ الأمور وتستقرَّ إن شاء الله )) .

* * *

مكالمة مباشرة من ثوار الجزائر برؤوس الجبال مع العلاَّمة ابن عثيمين

بتاريخ: 1 رمضان 1420هـ

بعد أن اتَّصل أحدُهم بالشيخ بادره الشيخُ بهذا السؤال:

(( الإخوان الذين عندك عددهم كبير أو قليل؟

قال السائل مُعرِضًا عن الجواب: نحن ـ يعني ـ أوَّلًا: نُعلمكم أنَّ الذي يُخاطبكم الآن هم إخوانك المقاتلون، وبالضبط المقاتلون من (الجماعة السلفية للدعوة والقتال)، ونحن طبعًا سننقل كلامَكم ـ إن شاء الله عزَّ وجلَّ ـ إلى جميع إخواننا المقاتلين في هذه الجماعة وغيرها أيضًا.

وذلك بعد أن بلغنا نداؤكم ونصيحتكم المؤرَّخة بتاريخ 13 من شهر صفر من العام الحالي .

والجدير بالذِّكر أنَّ نداءَكم ذلك لم يصل إلينا إلاَّ منذ شهر ونصف، وهناك من الإخوة من لم يصلهم حتى الآن، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، فإنَّ الكثير من الإخوة مِمَّن بلغَتْهم نصيحتكم وقعت لهم شبهةٌ حالت دون الاستجابة لِما دعوتم إليه، فكان لابدَّ إذًا من إجراء هذا الحوار الجديد مع فضيلتكم؛ أملًا أن نتمكَّن من خلاله من الإجابة على جميع [ص-81] التساؤلات المطروحة، وإزاحة جميع الشُّبه، وبيان الحقِّ البواح؛ حتى نصبح على مثل المحجَّة البيضاء، لا يزيغ عنها إلاَّ هالك.

وعلى هذا الأساس، فإنَّنا نلتمس من سماحتكم ـ حفظكم الله ـ إعطاءنا أكبر قدر من وقتكم، وأن تُسهِبوا في الشرح والبيان؛ لأنَّه لا يخفى عليكم ـ يا شيخنا! ـ أنَّ الإخوة عندنا قد رسَّخَتْ فيهم سنواتُ القتال أفكارًا وعقائد ليس من السهل ـ يا شيخ! ـ ولا من البسيط التخلِّي عنها واعتقاد بطلانها، إلاَّ ببيان شافٍ منكم، وذلك لِمَا لكم في قلوب الإخوة عندنا من عظيم المنزلة، ووافر التقدير والإجلال والاحترام؛ لأنَّنا نعتقد أنَّكم من أعلام أهل السنة والجماعة في هذا العصر.

وإليكم الآن الشبه المطروحة ـ يعني ـ عندنا.

الشيخ: دعنِي أتكلَّم قليلًا، ثمَّ قال:

الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

أما بعد، فإنَّني من عنيزة القصيم ـ المملكة العربية السعودية ـ وفي أول يوم من رمضان عام عشرين وأربعمائة وألف، أتحدَّث إلى إخواني في الجزائر، وأنا [محبُّهم] : محمد بن صالح آل عثيمين.

أقول لهم: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قرَّر في حجَّة الوداع تحريمَ دمائنا وأموالنا وأعراضنا تقريرًا واضحًا جليًّا بعد أن سأل أصحابه عن هذا اليوم، والشهر، والبلد، وقال: إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ .

[ص-82] فهذا أمرٌ مجمعٌ عليه، لا يختلف فيه اثنان، والإخوة الذين قاتلوا في الجزائر منذ سنوات قد يكون لهم شبهة ففي أوَّل الأمر، حينما اتَّجه الشعب الجزائري إلى جبهة الإنقاذ، وعَلَت أصواتهم لصالح الجبهة، ولكن … هذه الجبهة حتى سيطر غيرُها، ولا شكَّ أنَّ هذا مؤسفٌ، وأنَّ الواجب اتِّباع الأكثر الذي وافق ما ينبغي أن تكون عليه الأمة الجزائرية، من قول الحقِّ واتِّباع الحقِّ.

ولكن هذا لا يقتضي ولا يسوِّغ حمل الإخوة السلاحَ بعضُهم على بعض، وكان الواجب عليهم من أول الأمر أن يمشوا ويُكثِّفوا الدعوة إلى تحكيم الكتاب والسنة، وفي الجولة الأخرى، تكون أصواتهم …، ويكون وزنُهم في الشعب الجزائري أكبر، ولكن نقول: قَدَر الله وما شاء فعل؛ لو أراد الله أن يكون ما ذكرتُ لكان.

والآن، أرى أنَّه يجب على الإخوة أن يَدَعوا هذا القتال، لا سيما وأنَّ الحكومة الجزائرية عرضت هذا، وأمَّنت من يَضَع السلاح، فلم يبق عذرٌ.

والجزائر الآن تحمل الويلات بعد الويلات مِمَّا كانت عليه، وكنَّا قد تفاءلنا خيرًا، حينما تولَّى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وهدأت الأمور بعض الشيء.

لكنَّنا ـ مع الأسف ـ سمعنا أنَّه حصل بعضُ العنف في هذه الأيام القريبة، وهو مِمَّا يُؤسف له أن يعود العنفُ إلى الجزائر المسلمة … شهر رمضان المبارك.

والذي يجب على المسلمين أن يجمعوا كلمتَهم على الحقِّ، في رمضان وفي غيره، لكن في رمضان أوكد.

فنصيحتي لإخوتنا المقاتلين ..

ثم قاطعه السائل قائلًا: … أحيطكم به علمًا ـ يعني ـ حتى يخرج جوابكم موافقًا أو نافعًا للإخوة، يعني كأنَّكم تعتقدون أو تظنون أنَّ الذي يخاطبكم الآن هم أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ؟ يا شيخ! الآن الساحة القتالية الجزائرية تضمُّ ثلاث فصائل:

أتباع (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) الذين خرجوا من أجل الانتخابات، وهلمَّ جرًّا تلك الأمور.

وهناك (الجماعة السلفية للدعوة والقتال)، التي نكلِّمكم باسمها، ونحن من أعضائها، هذه ـ يا شيخ ـ ليس لها [ص-83] علاقة بالجبهة الإسلامية للإنقاذ، وليس لها علاقة بالتحزُّب، وليس لها علاقة بالانتخاب، إنَّما خرجت بناء على اعتقادها كفر هذا الحاكم، وجواز الخروج عليه.

وهناك طائفة ثالثة ـ يا شيخ ـ (الهجرة والتكفير)، هذه التي لا زالت تمارس العنف، ولا تستمع إلى العلماء، أمَّا نحن المقاتلون في (الجماعة السلفية للدعوة والقتال) فكما أسلفتُ لك منذ قليل نحبُّ العلماء ونجلُّهم، خصوصًا علماء أهل السنة والجماعة كأمثالكم، ونأخذ بأقوالهم غير أنَّه ـ كما ذكرتُ لك ـ هناك بعض التساؤلات والشُّبَه حالت دون أن يُتلقَّى كلامُكم بالقبول التامِّ.

الشيخ: فهمتُ من كلامِك الآن أنَّكم ثلاثة أقسام: جبهة الإنقاذ، الجماعة السلفية، والجماعة التكفيرية، هكذا؟

السائل: أي نعم، جيِّد يا شيخ!

الشيخ: أمَّا جبهة الإنقاذ، فأظنُّها أنَّها وافقت المصالحة؟

السائل: أي نعم، هم الآن في هُدنة يا شيخ!

الشيخ: أما الجماعة السلفية فأرى أن يُوافقوا؛ لأنَّه مهما كان الأمر، الخروج على الحاكم ـ ولو كان كفرُه صريحًا مثل الشمس ـ له شروط، فمِن الشروط: ألاَّ يترتَّب على ذلك ضررٌ أكبر، بأن يكون مع الذين خرجوا عليه قدرة على إزالته بدون سفك دماء، أما إذا كان لا يمكن بدون سفك دماء، فلا يجوز؛ لأنَّ هذا الحاكمَ ـ الذي يحكم بما يقتضي كفره ـ له أنصار وأعوان لن يَدَعوه.

ثمَّ ما هو ميزان الكفر؟ هل هو الميزان المزاجي ـ يعني ـ الذي يوافق مزاج الإنسان لا يكفر، والذي لا يوافقه يكفر؟! من قال هذا؟!

الكفر لا يكون إلاَّ من عند الله ومن عند رسوله، ثمَّ إنَّ له شروطًا، ولهذا قال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلَّم لَمَّا تحدَّث عن أئمَّة الجَوْر ـ وقيل له: أفلا ننابذهم ـ قال: لا، إلاَّ أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان ، وأين هذا؟

كثيرٌ من الإخوة ولا سيما الشباب، الكفر عندهم عاطفي، مزاجي، ليس مبنيًّا على شريعة، ولا صدر عن معرفة بشروط التكفير، لهذا نشير إلى إخواننا في الجزائر أن يضعوا السِّلاحَ، وأن يدخلوا في الأمان، وأن يُصلحوا بقدر [ص-84] المستطاع بدون إراقة دماء، هذا هو الذي يجب علينا أن نناصحهم به، ومن وُجِّهت إليه النصيحة، فالواجب عليه على الأقل أن يتأنَّى وينظر في هذه النصيحة، لا أن يردَّها بانزعاج واستكبار وعناد، نسأل الله تعالى أن يُطفئ الفتنة، وأن يزيل الغُمَّة عن إخواننا في الجزائر.

السائل: هم الإخوة عندنا يعتمدون في الحكم بكفر حاكمهم على فتوى للشيخ ناصر الدِّين الألباني قديمة بُنيت ـ والله أعلم ـ على واقع غير صحيح ، يعتمدون على هذا ـ يعني في تكفير حاكمهم ـ وبالتالي، وكذلك هناك بعض طلبة العلم أيضًا يعتمدون عليهم في هذه المسألة، وعلى هذا الأساس فعندما ناديتموهم بوضع السلاح ـ مع اعتقادهم كفر حاكمهم ـ شقَّ ذلك عليهم كثيرًا ـ يعني ـ وكبُر عليهم كثيرًا ـ يعني ـ وضع السلاح والعودة تحت حكم من يعتقدون كفرَه ـ يعني ـ هذه معضلة كيف حلُّها يا شيخ؟

الشيخ: والله ليست معضلة؛ أوَّلًا: ننظر هل هناك دليل على كفر هذا الحاكم، والنظر هنا من وجهين:

الوجه الأول: الدليل على أنَّ هذا الشيءَ كفرٌ.

الثاني: تحقق الكفر في حقِّ هذا الفاعل؛ لأنَّ الكلمة قد تكون كفرًا صريحًا، ولكن لا يكفر القائل، ولا يخفى علينا جميعًا قول الله عزَّ وجلَّ: ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النحل 106]، رفع الله عزَّ وجلَّ حكم الكفر عن المكره وإن نطق به.

ولقد أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ الربَّ عزَّ وجلَّ أشدُّ فرحًا بتوبة عبده من رجل فَقَدَ راحلتَه، وعليها طعامه وشرابُه، فلمَّا أَيِس منها اضطجع تحت شجرة، فبينما هو كذلك إذا بناقته حضرت،فأخذ بزمامها وقال: اللَّهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : أخطأ من شدَّة الفرح .

وكذلك الرجل الذي كان … وقال: لئن قدر الله عليَّ ليعذِّبنِّي عذابًا ما يعذِّبه أحدًا من العالمين، فأمر أهله إذا مات أن يحرقوه ويسحقوه في اليمِّ، فجمعه الله وسأله؟ فقال: فعلتُ ذلك خوفًا منك يا ربِّ ، ولم يكفر.

الحاكم قد يكون عنده حاشية خبيثة، تُرقِّقُ له الأمور العظيمة وتسهِّلها عليه، وتُزيِّنها في نفسه، فيمضي فيما يعتقد أنَّه [ص-85] حلال، [ولكنه] ليس بكفر، ولا أظنُّ أحدًا من الجزائريِّين يقول: نعم! أنا أعلم أنَّ هذا حكم الله ولكنِّي أخالفه، ما أظنُّ أحدًا يقول ذلك عن عقيدة، فإن كان قد يقوله في باب المناظرة، لكن عن عقيدة لا يمكن فيما أظن؛ لأنَّ شعبَ الجزائر شعبٌ مسلم، وهو الذي أخرج الفرنسيِّين عن إكراه من أرضه، فالواجب على هؤلاء أن ينظروا في أمرهم، وأن يُلقوا السلاح، وأن يصطلحوا مع أمَّتهم، وأن يبثوا الدعوة إلى الله بتيسير … لا بعنف، نعم!

السائل: شيخنا ـ حفظكم الله ـ هل يستلزم ـ يعني لو فرضنا كفر الحاكم ـ هل يستلزم الخروج عليه بدون شروط يعني؟

الشيخ: لا! لا بدَّ من شروط، ذكرتها آنفًا.

السائل: أي نعم!

الشيخ: لو فُرض أنَّه كافر مثل الشمس في رابعة النهار، فلا يجوز الخروجُ عليه إذا كان يستلزم إراقة الدِّماء، واستحلال الأموال.

السائل: الآن ـ يعني ـ بعض الإخوة عندنا مثلًا يقولون إنَّهم ما داموا خرجوا وحملوا السلاح وخاضوا هذه الحرب مع هذا النظام، هم اليوم وإن اعتقدوا أنَّ ما هم فيه ليس بجهاد؛ لأنَّهم كما ذكرتم لم يَستَوفوا الشروط، لكن رغم ذلك يسألون: هل يمكنهم رغم ذلك المواصلة وإن أيقنوا الفناءَ والهلاك، أم يُهاجرون، أم ماذا؟

الشيخ: والله! لا يجوز لهم، والله! لا يجوز لهم المضيُّ فيما هم عليه من الحرب الآن؛ إذ أنَّها حرب عقيم ليس لها فائدة ولا تولِّد إلاَّ الشرَّ والشَّرَر.

السائل: أي نعم، شيخنا هم ـ يعني ـ إذًا أنتم لا تعتقدون كفر حاكم الجزائر يعني، فترون ذلك؟

الشيخ: لا نرى أنَّ أحدًا كافر إلاَّ مَن كفَّره الله ورسوله وصدقت عليه شروط التكفير، من أي بلد، ومن أي إنسان، الكفر ليس بأيدينا، وليس إلينا، بل هو إلى الله ورسوله، إنَّ الرَّجلَ إذا كفَّر أخاه وليس بكافر عاد الأمر إليه: المكفِّر، وكفر إلاَّ أن يتوب.

السائل: شيخنا! بعض الإخوة عندنا ـ بعد أن سلَّموا بأنَّ هذا ليس بجهاد على وفق ما ذكرتم يعني ـ لم يثقوا في الحكومة ـ يعني ـ نسبيًّا، فيسألون هل يجوز لهم المكث في الجبال دون الرجوع إلى الحياة المدنية بدون قتال ـ يعني ـ يبقون بأسلحتهم في الجبال ويتوقَّفون عن القتال، لكن لا يرجعون إلى الحياة المدنية؟

[ص-86] الشيخ: أقول: إنَّهم لن يبقوا على هذه الحال، مهما كان الحال، ولا بدَّ أن تحرِّكهم نفوسُهم في يوم من الأيام حتى ينقضُّوا على أهل القرى والمدن؛ فالإنسانُ مدنيٌّ بالطبع.

يبقى في رؤوس الجبال وفي تلالها وشعابها، ومعه السلاح؟!

في يوم من الأيام لا بدَّ أن تُهيِّجهم النفوسُ حتى يكونوا قطَّاعَ طرق!

السائل: إذًا لا يجوز لهم المكث على هذه الحال؟

الشيخ: هذا ما أراه، أرى أن ينزلوا للمدن والقرى ولأهليهم وذويهم وأصحابهم.

السائل: يعني الآن ما يجب على كلِّ ـ في حالةِ إذا لم تستجب القيادة لندائكم هذا، إذا لم تستجب يعني ـ إذا لم يستجب رؤوس المقاتلين لندائكم هذا، ما واجب كل مقاتل في حقِّ نفسه؟

الشيخ: الواجب وضع السلاح، وأن لا يطيعوا أمراءَهم إذا أمروهم بمعصية؛ لأنَّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

السائل: شيخنا! هل يجوز أو هل يمكن ـ يعني ـ هل يجوز مخالفة ندائكم هذا من أجل فتاوى لبعض الدعاة؟

الشيخ: هذا يرجع إلى الإنسان نفسه، إن اعتقد أنَّ ما يقوله أولئك القوم الذين يَدْعون إلى الاستمرار، هو الحق لا يلزمهم الرجوع، ولكن يجب أن يتأمَّل الإنسان ويتدبَّر وينظر ما النتيجة في الاستمرار، كم للشعب الجزائري من سَنَةٍ، وهو يرقب الويلات بعد الويلات ولم يستفد شيئًا؟!

السائل: الملاحظة أنَّ هؤلاء الدعاة الذين ذكرتهم ـ يعني ـ دعاة غير معروفون ـ يعني ـ من أمثالهم أبو قتادة الفلسطيني الماكث في بريطانيا، هل تعرفونه يا شيخنا؟

الشيخ: لا نعرفه.

السائل: تعرفونه؟!

الشيخ: لا!

السائل: أبو مصعب السوري، ما تعرفونه؟

الشيخ: كلٌّ لا نعرفه، لكني أقول لك، إنَّ بعضَ الناس ولا أخصُّ هذا ولا هذا؛ إذا رأى الشباب اجتمعوا حوله، انفرد بما يُذكرُ به، كما يقول القائل: خالِف تُذكر، نعم!

السائل: شيخنا! هناك أحدهم يُسمى أبا حنيفة الأريتيري، يدَّعي أنَّه تلميذكم، ويَدَّعي أنَّ الاتصالَ بكم أمرٌ صعب، [ص-87] وأنَّكم محاطون بالمخابرات ـ يعني ـ وغير ذلك، والإخوة ههنا، الإخوة المقاتلين يعتقدون أنَّ الاتصال بكم بين الاستحالة والصعوبة، بناءً على كلام هذا الإنسان، هل هذا صحيح؟

الشيخ: غير صحيح، أبدًا كلُّ الناس يأتون ويتصلون بنا، ونحن نمشي ـ والحمد لله ـ من المسجد إلى البيت، في خلال عشر دقائق في الطريق، وكل يأتي … ويمشي، والدروس ـ والحمد لله ـ مستمرة، ونقول ما شئنا مِمَّا نعتقده أنَّه الحق.

السائل: هذا أبو حنيفة هل تعرفونه، أبو حنيفة الأريتيري هذا؟

الشيخ: والله! أنا لا أعرفه الآن، لكن ربَّما لو رأيته لعرفته، لكن كلامه الذي قاله كذب، لا أساس له من الصحة …

وبعد حوار بينهم وبين الشيخ حول الذين قُتلوا، وحول تأجيل هذه المكالمة.

قال الشيخ: والله! لو أجَّلتمونا إلى ما بعد رمضان إذا أمكن؟

السائل: يا شيخ! مستحيل؛ القضية جِدُّ شائكة كما ترى، وقضية دماء، وقضية أمة يا شيخ!

الشيخ: إذًا غدًا …

ثمَّ تقدَّم سائلٌ آخر فقال: يا شيخ! لو تعطينا الآن خمس دقائق لسؤال أخير؟

الشيخ: طيِّب!

السائل: إخواننا من الجماعة السلفية للدعوة والقتال يُحبُّونكم، وينظرون إليكم على أنَّكم من علمائنا الذين يَجب أن نسير وراءكم، لكن ..

الشيخ: جزاهم الله خيرًا.

السائل: لكن هناك أسئلة تدور في رؤوسهم، ومن بين هذه الأسئلة يقولون: أنَّنا إذا نقلنا إلى الشيخ عن طريق أشرطة مصورة ـ يعني ـ وبيَّنا له فيها قتالنا أنَّنا لا نقتل الصبيان، ولا نقتل الشيوخ، ولا نفجِّر في المدن، بل نقتل من يُقاتلنا من هؤلاء الذين لا يُحكِّمون كتاب الله عزَّ وجلَّ فينا، فإنَّ الشيخ ـ يعني ـ بعد أن يعرف بأنَّ عقيدتنا سليمة، وأنَّ منهجنا سليمًا وأنَّ قتالنا سليم، فإنَّ فتواه ستتغيَّر، ما قولكم في هذا بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرًا؟

الشيخ: لا! قولي: إنَّ الفتوى لا تتغيَّر ـ مهما كانت نيَّة المقاتل ـ فإنَّها لا تتغيَّر؛ لأنَّه يترتَّب على هذا أمور عظيمة، قتل نفوس بريئة، استحلال أموال، فوضى!

[ص-88] السائل: شيخنا! حفظك الله، إذا كان في صعودنا إلى الجبال اعتمدنا على فتاوى، وإن كانت كما قال الأخ ـ يعني ـ ظهر خطؤها، ولو كانت من عند أهل العلم، وبعض فتاوى بعض الدعاة ظنًّا منَّا أنَّ ذلك حجة في القتال، فصعدنا إلى الجبال وقاتلنا سنين، يعني فما دور المجتمع الآن في معاملتنا؟ هل يعاملنا كمجرمين، أم أنَّنا كمجاهدين أخطأنا في هذه الطريق؟

الشيخ: أنت تعرف أنَّ جميع المجتمعات لا تتفق على رأي واحد، فيكون الناس نحوكم على ثلاثة أقسام:

قسم يكره هؤلاء ويقول: إنَّهم جلبوا الدَّمار وأزهقوا الأرواح وأتلفوا الأموال، ولن يرضى إلاَّ بعد مدَّة طويلة.

وقسم آخر راضٍ يُشجِّع، وربَّما يلومهم إذا وضعوا السلاح!

القسم الثالث: ساكت، يقول: هؤلاء تأوَّلوا وأخطأوا، وإذا رجعوا فالرجوع إلى الحقِّ فضيلة.

السائل: شيخنا! حفظك الله، نريد كلمة توجيهية إلى الطرفين، أقصد إلى الإخوة الذين سينزلون إلى الحياة المدنية وإلى المجتمع، يعني: كيف نتعامل الآن؟ وأن ينسوا الأحقاد، نريد نصيحة في هذا الباب حفظكم الله؟

الشيخ: بارك الله فيكم، أقول: إنَّ الواجب أن يكون المؤمنون إخوة، وأنَّه إذا زالت أسباب الخلاف وأسباب العداوة والبغضاء فلنترك الكراهية، ولنرجع إلى ما يجب أن نكون عليه من المحبة والائتلاف، كما قال الله عزَّ وجلَّ: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ) [الحجرات 10].

نسأل الله التوفيق والسداد، وهل أنتم على عزم أن تتصلوا غدًا أم لا؟ أما الآن فنقطع، وما يمكن أن نزيد …

وعند الموعد قال السائل: المهم ـ يعني ـ أنا أركِّز على أهم ما يمكن أن يؤثِّر على الإخوة عندنا ـ يعني ـ المقاتلين حتى يرجعوا إلى الحقِّ.

الشيخ: طيِّب! توكَّل على الله.

السائل: إن شاء الله، أهمّ قضية ـ يا شيخ ـ ادعاؤهم أنَّكم لا تعلمون واقعنا في الجزائر، وأنَّ العلماء لا يعرفون الواقع في الجزائر، وأنَّكم لو عرفتم أنَّنا [سلفيِّين] أنَّ هذا سيغيِّر فتواكم، فهل هذا صحيح؟

الشيخ: هذا غير صحيح، وقد أجبنا عنه بالأمس، وقلنا مهما كانت المبالغات فإراقة الدِّماء صعب، فالواجب الكفّ الآن والدخول في السِّلم.

السائل: شيخنا! ما رأيكم فيمن يعتقد أنَّ الرجوع إلى الحياة المدنية يُعتبر رِدَّة؟

[ص-89] الشيخ: رأينا أنَّ من قال هذا فقد جاء في الحديث الصحيح أنَّ من كفَّر مسلمًا أو دعا رجلًا بالكفر وليس كذلك عاد إليه .

السائل: شيخنا! ما رأيكم في قولهم أنَّه لا هدنة ولا صلح ولا حوار مع المرتدِّين؟

الشيخ: رأينا أنَّ هؤلاء ليسوا بمرتدِّين، ولا يجوز أن نقول إنَّهم مرتدُّون حتى يثبُت ذلك شرعًا.

السائل: بناءً على ماذا شيخنا؟

الشيخ: بناء على أنَّهم يُصلُّون ويصومون ويحجُّون ويعتمرون ويشهدون أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمدًا رسول الله.

السائل: نعم! نعم يا شيخنا!

الشيخ: فكيف نقول إنَّهم كفار على هذه الحال؟! إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لأسامة بن زيد لَمَّا قتل الرَّجل الذي … بالسيف، فشهد أن لا إله إلاَّ الله، أنكر الرسول صلى الله عليه وسلم على أسامة، مع أنَّ الرَّجل قال ذلك تعوُّذًا كما ظنَّه أسامة، والقصة مشهورة .

السائل: شيخنا! سؤال عقائدي ـ يعني ـ قضية الفرق بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله؟

الشيخ: يعني مثلًا من ترك الصلاة فهو كافر، من سجد لصنم فهو كافر، من قال إنَّ مع الله خالقًا فهو كافر، وهذا كفر عملي، وأمَّا الكفر الاعتقادي ففي القلب.

السائل: شيخنا! الكفر العملي هل يُخرج من الملة؟

الشيخ: بعضه مخرجٌ وبعضه غير مخرج، كقتال المؤمن، فقد قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم: قتاله كُفْرٌ ، ومع ذلك لا يخرج من المِلَّة مَن قاتل أخاه المؤمن بدليل آية الحجرات: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ) قال:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ) [الحجرات 9 ـ 10].

السائل: متى يُصبح الكفر العملي كفرًا اعتقاديًّا شيخنا؟

الشيخ: إذا سجد لصنم، فهو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، إلاَّ أن يكون مكرهًا.

[ص-90] السائل: وفي قضية الحكم بغير ما أنزل الله؟

الشيخ: هذا باب واسع، هذا باب واسع، قد يحكم بغير ما أنزل الله عدوانًا وظلمًا، مع اعترافه بأنَّ حكم الله هو الحق، فهذا لا يكفر كفرًا مخرجًا عن الملة، وقد يحكم بغير ما أنزل الله تشهيًّا ومحاباة لنفسه، أو لقريبه، لا لقصد ظلم المحكوم عليه … ولا لكراهة حكم الله، فهذا لا يخرج عن الملة، إنَّما هو فاسق، وقد يحكم بغير ما أنزل الله كارهًا لِحُكم الله، فهذا كافرٌ كفرًا مُخرجًا عن الملَّة، وقد يحكم بغير ما أنزل الله طالبًا موافقة حكم الله، لكنَّه أخطأ في فهمه، فهذا لا يكفر، بل ولا يأثم؛ لقول النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إذا حكم الحاكمُ فاجتهدَ فأخطأ فله أجرٌ واحد، وإن أصاب فله أجران .

السائل: شيخنا! مثلًا عندنا للأسف الشديد مسجد حُوِّل إلى ثكنة عسكرية، تشرب فيها الخمور، وتسمع فيها الموسيقى، وتُعطل فيها الصلاة ويسبُّ فيها الله ورسوله ـ يعني ـ هذا ما حكمه؟

الشيخ: هذا فسوق، فلا يَحلُّ تحويل المسجد إلى ثكنة عسكريَّة؛ لأنَّه تحويل للوقف عن جهته وتعطيل للصلاة فيه.

السائل: شيخنا! كلامكم واضح والحمد لله، وبهذه الصيغة يزيح ـ إن شاء الله ـ الشبهَ التي تحول دون أن يعملَ الحقُّ عملَه إن شاء الله.

الشيخ: نسأل الله أن يهديهم، وأن يرزقهم البصيرة في دينه، ويحقن دماء المسلمين.

السائل: هلاَّ شرحتم لنا قوله صلى الله عليه وسلم : مَن رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده .. ، الحديث؟

الشيخ: لا يتَّسع المجال؛ لأنَّه ما بقي إلاَّ دقيقة واحدة.

السائل: أعطِنا تاريخ المكالمة واسمك.

الشيخ: هذه المكالمة يوم الجمعة في شهر رمضان، أجراها مع إخوانه محمد بن صالح العثيمين من عنيزة بالمملكة العربية السعودية (1420هـ)، نسأل الله أن ينفع بهذا )) .

تنبيه:

ما كان في فتاوى الشيخ هذه من زيادة أو نقصٍ فمِن تهذيب الشيخ نفسِه، كما سبق ذكرُه في أول الكتاب.

* * *

نصيحة الشيخ ابن عثيمين إلى الجماعات المسلحة بالجزائر

بسم الله الرحمن الرحيم من محمد الصالح العثيمين إلى إخواني في الجزائر الذين ما زالوا يحملون السلاح في الجبال والرِّمال وفَّقهم الله لِما فيه الخير والصلاح.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

وبعد: فإنَّ الواجب عليَّ أن أُبدي النصيحة لكم؛ لأنَّ ذلك من الدِّين كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم أنَّ: الدِّين النصيحة: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمَّة المسلمين وعامَّتهم .

فنصيحتي لكم أن تُلقوا السِّلاحَ وتحملوا السلام، وتُجيبوا ما دعت إليه الحكومة من المصالحة والسلام، ثمَّ يجري بين الجميع التفاهم وتحكيم الكتاب والسنة، وهذا سيكون فيه خيرٌ كثيرٌ، والخلاص من الفتن والقتال.

وهذا ـ أعني ـ وضع السلاح وحمل السلام واجب على الجميع.

فالله الله أيُّها الإخوة بالمبادرة إلى المصالحة والتفاهم!

وأسأل الله لنا ولكم التوفيق وأن يجعلنا من دعاة الخير وأنصار الحقِّ، إنَّه جوادٌ كريم، وصلى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

كتبه الفقير إلى الله تعالى محمد بن صالح العثيمين .

في مكة المكرمة يوم الأربعاء السادس عشر من ذي الحجة عام (1420هـ).

[ص-93]

صورة من النصيحة التي وجَّهها الشيخ ابن عثيمين إلى الجماعات المسلحة بخط يده

لقاء الجزائريين مع الشيخ ابن عثيمين

يوم (17 من ذي الحجَّة 1420هـ)

السائل: (( فضيلة الشيخ حفظك الله! ما هي نصيحتُكم وتوجيهُكم لأولئك الذين غُرِّرَ بهم ثمَّ تابوا وأَلقَوا السِّلاحَ، ورجعوا إلى حظيرَة المسلمين، وهم الآن يُصلُّون في مساجدهم، ويعيشون مع النَّاسِ، وقد يَجدون بعضَ الحرَج أو الإحراجَ من طرَف الغير، فما هي نصيحتُكم للناسِ في معاملتِهم لهم، ونصيحتكم لهم؟ كيف يُعاملون الناسَ؟ وكيف يُستَقبَلون؟ وكيف يعيشون في هذا الجوِّ الجديد بالنِّسبة إليهم؟ جزاكم الله خيرًا.

الشيخ: الحمد لله ربِّ العالَمين، نصيحتي للإخوان الذين مَنَّ اللهُ عليهم بإلقاءِ السِّلاحِ، ورجعوا إلى مُدُنهم وديارِهم أن يَشكروا اللهَ عزَّ وجلَّ على هذه النِّعمَةِ قبل كلِّ شيءٍ؛ لأنَّ هذه نعمةٌ من الله عليهم وعلى الجزائريِّين الآخرين.

ثانيًا: أن يَنسوا ما سبق، وألاَّ يعيشوا في أفكارهم السابقة، يمحضونها محضًا تامًّا من أفكارهم، ولا يتذاكروها، حتى إذا تذاكروها فليقولوا: أعوذ بالله من الشيطان الرَّجيم.

ثالثًا: أن يعيشوا مع النَّاسِ وكأنَّهم لَم يفعلوا شيئًا؛ لأنَّهم إذا عاشوا وهم يشعرون بأنَّهم فعلوا ما فعلوا بقُوا في نفْرَةٍ من الناس وبُعدٍ منهم، وهذا يَضُرُّ بالمصلحةِ العامة.

رابعًا: أن يُقبِلوا على علم الكتاب والسُّنَّة، وعلى معاملة السَّلَف لحُكَّامهم، فها هو أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ إمام أهل السنة يقول للمأمون: (يا أمير المؤمنين)! وهو الذي آذاه في القول بخلق القرآن، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مخاطبتِه لِمَن حبَسَه، تَجد خطابًا ليِّنًا، قال الله لموسى وهارون: ( اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه 43 ـ 44].

خامسًا: بالنسبة للآخرين: أن يتلقَّوا هؤلاءِ بوجهٍ طلْقٍ وصدرٍ مُنشرِحٍ، وأن يفرحوا بهم، وأن يُكرموهم، وألاَّ يروهم جفاءً أو كراهيةً أو عبوسًا في وجوههم؛ لأنَّ الحالَ بعد وضع السِّلاح ليس كالحال قبل وضع السِّلاح، وأن يتناسَوا كلَّ ما جرى.

سادسًا: بالنسبة للدُّعاة أيضًا: يَحثُّون الناسَ على أن يتآلفوا ويتقاربوا، ويتعاونوا على البرِّ والتقوى، ويتناسَوا ما سبق، وتبدأ الحياة من جديد.

[ص-94] أمَّا ما سمعناه ـ والحمد لله ـ عن رجوع الكثير منهم إلى الصواب وإلقاء السِّلاح، وما سمعنا كذلك عن العفوِ العامِّ من قِبَل الدولة، فقد سرَّنا هذا كثيرًا، والحمد لله ربِّ العالَمين، نرجو اللهَ عزَّ وجلَّ أن يُتَمِّمَ في الباقي، هذا رأيي في المسألة.

السائل: يا شيخ! البقيَّةُ الباقية التي بقيت في الجبال، يعني الحكومة ـ كما قلتَ الآن يا شيخ ـ أعطت العفوَ، والكثير منهم بقوا في الجبال على أساس أنَّهم لا يُعطون الأمان للحكومة.

الشيخ: لا يأمنونها؟

السائل: إي! لا يأمنونها، لكن الحكومة وعدت أنَّها لن تُصيبَهم بأذى، وقد نفَّذت هذا في الذين نزلوا، يعني: لَم تُصبهم بأذى، وهي فقط تقول: سلِّموا السِّلاحَ، وعودوا إلى حياتكم الطبيعيَّة، فالكثيرُ منهم يتردَّد ويقول: نحتاجُ إلى فتوى من مشايخِنا؛ حتى إمَّا ننزل، وإمَّا نجلس.

وبعضُهم نزل ـ والحمد لله ـ خاصَّة بعدما أُذيعت فتوى الشيخ ابن باز ـ رحمه الله ـ في التلفاز، وفتوى الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ بعدَم جواز هذا الأمر، والبعضُ لا زال شاكًّا في هذا الأمر، فماذا تقولون في هذا؟

الشيخ: نرى أنَّه يجبُ عليهم وضعُ السِّلاح وإلقاءُ السَّلام، وإلاَّ فكلُّ ما يترتَّب على بقائهم من قتلٍ ونهب أموالٍ واغتصابِ نساءٍ فإنَّهم مسئولون عنه أمام الله عزَّ وجلَّ، والواجب عليهم الرجوع، وقد سمعنا ـ والحمد لله ـ أنَّ الكثيرَ منهم رجع، وهذا هو الواجب.

ونحن نشكرُ الدولةَ على العفوِ العام، ونشكرُ مَن ألقى السِّلاحَ على استجابتِه.

ولا يتشكَّكون في هذا أبدًا، وليرجِعوا إلى حياتهم الطبيعية.

السائل: فيما يَخُصُّ الذين تورَّطوا ورجعوا، وقد قضوا مدَّة طويلةً في الأودية والجبال، فما هي أنفعُ السُّبُل لتعليمهم وإرشادِهم حتى يعودوا إلى حياتهم الطبيعيَّة؛ لأنَّه ليس من السَّهل أن يَقضيَ رجلٌ منهم مدَّةً مديدةً في الجبال ثمَّ يعود كأن لم يكن شيء؟! فما هي أنفع السبل لتعليمهم وإرشادهم وتوجيههم؟

الشيخ: هذا يرجع إلى الحكومة والمجتمع، فينشأ لهم مدارس لتعليمهم حسب حالهم.

السائل: من الفساد الذي حدث في هذه الفتنة: هو أنَّ بعضَ النساء أو الفتيات تعرَّضْنَ للاغتصاب من طرف هؤلاء [ص-95] الذين يصعدون الجبال!

الشيخ: نسأل الله العافية!

السائل: فكثيرٌ منهنَّ حوامل، وبعضُهم أصدر فتوى … بجواز الإجهاض في مثل هذه الحالة … أنَّ هؤلاء الفتيات اغتُصبن، والآن وقعنَ في هذه المشكلة، فكثيرٌ منهنَّ يسأل؟

الشيخ: إفتاؤهنَّ هؤلاء المغتصَبات بإجهاضِ الحمل صحيحٌ، ما لَم يبلغ الحملُ أربعةَ أشهر، فإذا بلغ أربعةَ أشهرٍ نُفخت فيه الرُّوح ولا يُمكن إسقاطه، أمَّا قبل ذلك فإسقاطُه أولى من إبقائه.

السائل: مِن الذين تابوا بقيَ في أيديهم أموالٌ قد اغتصبوها وسلبوها أيامَ الفتنة، حُكمُ هذه الأموال بعد ما تابوا وقد جُهل أصحابها؟

الشيخ: الأموال التي انتهبوها من المواطنين لا شكَّ أنَّها حرامٌ عليهم، فالمواطنُ مسلمٌ، والمسلمُ حرامٌ دمُه ومالُه وعِرضُه، فعليهم أن يَردُّوها إلى أصحابها إن عَلِموهم، أو إلى وَرثَتهم إن كانوا قد ماتوا، فإن لم يمكن فإمَّا أن تُجعلَ في بيت المال، وإمَّا أن يُتصَدَّق بها عن أصحابها.

السائل: لعلَّه هذا المتيسِّر؛ لأنَّه لا يُمكن إرجاعُها إلى بيت المال.

الشيخ: يُتصَدَّقُ بها عن أصحابها، والله يعلَم بهم عزَّ وجلَّ.

السائل: بالنسبة للحاكم الجزائري يا شيخ! الآن الشباب الذين طلعوا من السجون أكثرُهم لا زال فيهم بعض الدَّخَن، حتى وإن طلعوا من السجون وعُفي عنهم، لكن لا زالوا يتكلَّمون في مسألة التكفير، ومسألة تكفير الحاكم بالعين، وأن هذا الحاكم الذي في الجزائر حاكمٌ كافرٌ، ولا بيعة له، ولا سمع ولا طاعة لا في معروفٍ ولا في منكرٍ؛ لأنَّهم يُكفِّرونهم، ويجعلون الجزائر ـ يا شيخ! ـ أرض ـ يعني ـ أرض كفر.

الشيخ: دار كفر؟

السائل: إي، دار كفر، نعم يا شيخ! لأنَّهم يقولون: إنَّ القوانينَ التي فيها قوانين غربية، ليست بقوانين إسلامية، فما نصيحتُكم أولًا لهؤلاء الشباب؟ وهل للحاكم الجزائري بَيْعَة، علمًا ـ يا شيخ! ـ بأنَّه يأتي يعتمِر ويُظهرُ شعائرَ الإسلام؟

الشيخ: يُصلِّي أو لا يُصلِّي؟

[ص-96] السائل: يُصلِّي يا شيخ!

الشيخ: إذن هو مسلمٌ.

السائل: وأتى واعتمر هنا من حوالي عشرين يومًا أو شهر، كان هنا في المملكة.

الشيخ: ما دام يُصلِّي فهو مسلمٌ، ولا يجوز تكفيرُه، ولهذا لَمَّا سُئل النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عن الخروج على الحُكَّام قال: لا ما صلَّوا ، فلا يجوز الخروجُ عليه، ولا يجوزُ تكفيرُه، من كفَّره فهذا … بتكفيره يُريد أن تعودَ المسألة جَذَعًا ، فله بيعة، وهو حاكمٌ شرعيٌّ.

أما موضوعُ القوانين، فالقوانينُ يجب قبول الحقِّ الذي فيها؛ لأنَّ قبول الحقِّ واجبٌ على كلِّ إنسانٍ، حتى لو جاء بها أكفرُ الناس، فقد قال الله عزَّ وجلَّ: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا )(سورة الأعراف الآية 28 ) فقال الله تعالى: ( قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ) [الأعراف 28]. وسكت عن قولهم: ( وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا ) ؛ لأنَّها حقٌّ، فإذا كان تعالى قبِل كلمةَ الحقِّ من المشركين فهذا دليلٌ على أنَّ كلمةَ الحقِّ تُقبلُ من كلِّ واحد، وكذلك في قصة الشيطان لَمَّا قال لأبي هريرة: إنَّك إذا قرأتَ آيةَ الكرسي لَم يزل عليك من الله حافظ ولا يَقرَبْك الشيطان حتى تُصبح )) قبِل ذلك النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم ، وكذلك اليهودي الذي قال: إنَّا نجد في التوراة أنَّ الله جعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع ـ وذكر الحديث ـ فضحك النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى بَدَت أنيابُه أو نواجِذُه؛ تصديقًا لقوله، وقرأ: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) [الزمر 67] )) .

فالحقُّ الذي في القوانين ـ وإن كـان مِن وَضعِ البشرِ ـ مقبولٌ، لا لأنَّه قول فلان وفلان أو وضْعُ فلان وفلان، ولكن لأنَّه حقٌّ.

وأمَّا ما فيه من خطأ، فهذا يُمكنُ تعديلُه باجتماع أهل الحلِّ العقدِ والعلماء والوُجهاء، ودراسة القوانين، فيُرفَضُ ما خالف الحقَّ، ويُقبلُ ما يُوافِقُ الحقَّ.

[ص-97] أمَّا أن يُكفَّرَ الحاكم لأجل هذا؟!

مع أنَّ الجزائر كم بقيت مستعمَرة للفرنسيين؟

السائل: 130 سنة.

الشيخ: 130سنة! طيِّب! هل يُمكن أن يُغيَّر هذا القانون الذي دوَّنه الفرنسيَّون بين عشيَّة وضحاها؟! لا يُمكن.

أهمُّ شيء: عليكم بإطفاء هذه الفتنة بما تستطيعون، بكلِّ ما تستطيعون، نسأل الله أن يقيَ المسلمين شرَّ الفتن.

السائل: فتكمِلة لمسألة الشباب الآن ـ يا شيخ! ـ مثلًا في مناطق كثيرة، ليست كل المناطق، لكن في مناطق كثيرة لا زالوا يخوضون في مسألة هي كبيرة عليهم، يعني مسائل ـ مثلًا يا شيخ! ـ التكفير، التشريع العام، والتكفير العيني، هذه المسائل ـ يا شيخ! ـ قد يأخذون الفتوى منكم، ثمَّ يُطبِّقونها على الحاكم، هكذا تطبيقًا يعني …

الشيخ: عملهم هذا غير صحيح.

السائل: نعم! ثمَّ لَمَّا نقول له: يا أخي ما قالها الشيخ ابن عثيمين، يقول لك: لكن الشيخ ابن عثيمين ـ مثلًا ـ في كتبِه قال: التشريع العام: مَن حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر بدون تفصيل، والآن عندنا هذا الحاكم لا يحكم بما أنزل الله، فهو كافر، فهِمتَ المسألة يا شيخ؟

الشيخ: فهِمنا، أقول ـ بارك الله فيكم ـ: الحكم على المسألة بالحكم الذي ينطبق عليها غيرُ الحكم على شخصٍ معيَّن.

فالمهمُّ يجب على طلبة العلم أن يعرفوا الفرقَ بين الحكم على المسألة من حيث هي مسألة، وبين الحكم على الحاكم بها؛ لأنَّ الحاكمَ المعيَّن قد يكون عنده من علماء السوء مَن يُلبِّس عليه الأمورَ، وغالبُ حُكام المسلمين اليوم ليس عندهم علمٌ بالشرع، فيأتيهم فلانٌ يُموِّه عليهم، وفلانٌ يُموِّه عليهم، ألَم ترَ إلى أنَّ بعضَ علماء المسلمين المعتبرين قال: جميع مسائل الحياة ليس للشرع فيها تدخُّل! واشتبه عليهم الأمر بقوله صلى الله عليه وسلم : أنتم أعلم بأمور دنياكم ! قال هذا رجالٌ نشهدُ لهم بالصلاح، ولكن تلبَّس عليهم، وهم لو تأمَّلوا الأمرَ لوجدوا أنَّ هذه بالنسبةِ للمصانع والصنعة وما أشبه ذلك؛ لأنَّ الرسولَ تكلَّم عن تأبير النخل، وهم أعلم به؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أتى من مكَّة، ما فيها نخل ولا شيء، ولا يعرفه، فلمَّا رأى هؤلاء يصعدون إلى [النخل] ويأتون بلقاحه، ثمَّ يُؤبِّرون [ص-98] النخلةَ ويلقِّحونها، فيكون فيه تعب وعمل، قال: ما أظنُّ ذلك يُغني شيئًا ، فتركوه سنة، ففسدت النخلة، فأتوا إليه، فقالوا: يا رسول الله! فسد التمر! قال: أنتم أعلم بأمور دنياكم ، ليس بأحكام دنياكم، لكن بأمور دنياكم، ثم الناس يُلبِّسون الآن، ألَم تروا بعض العلماء في بلاد ما أباحوا الرِّبا الاستثماريِّ؟ وقالوا: المُحرَّم الربا الاستغلالي، وشبهتُه قوله تعالى: (فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) ! [البقرة 279].

الحاكم إذا كان جاهلًا بأحكام الشريعة، وجاءه مثلُ هذا العالِم، أليس يُضلُّه؟

السائل: يُضِلُّه.

الشيخ: فلذلك لا نحكم على الحُكَّام بالكفر إذا فعلوا ما يَكفُر به الإنسانُ حتى نُقيم عليه الحُجَّة.

السائل: مَن الذي يُقيم الحُجَّة يا شيخ؟

الشيخ: ما دُمنا ما أقمنا عليهم الحُجَّة لا نحكم بكفرهم.

السائل: سمعتُكَ ـ يا شيخ! ـ تقول في رمضان قلتَ: إلاَّ أن ترَوا .. ، يعني: الرؤية العينية، قلتَ ـ يا شيخ! فيما أذكر ـ قلتَ: مثل رؤية العين.

الشيخ: نعم! هذا هو، أي: أن نعلمَ علمَ اليقين ـ مثل ما نرى الشمس ـ كفرًا بواحًا، صريحًا ما فيه احتمال )) .

رسالة الشيخ ابن عثيمين إلى أمير الجماعة المسلحة

بسم الله الرحمن الرحيم من محمد الصالح العُثيمين إلى الأخ المكرم: حسان حطاب، أمير الجماعة المسلحة في منطقة الجزائر حفظه الله تعالى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد، فإنَّ الله تعالى قال: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [الأنفال 1]، وقال عزَّ وجلَّ: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ) [آل عمران 103]، وقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : كونوا عباد الله إخوانًا، المسلمُ أخو المسلم ، ولقد منَّ الله تعالى على كثير من إخواننا في الجزائر فألقوا السِّلاحَ وأطفأوا الفتنة، وحصل لهم وللشعب الجزائري خيرٌ كثيرٌ، وإنَّا لنرجو الله عزَّ وجلَّ أن تكونوا ـ أيُّها الأمير ـ مثلهم عن [ص-99] قريب، والأمور التي فيها اختلاف بينكم يُمكن حلُّها بالطرق السلميَّة والتفاهم وسيتمُّ ذلك إن شاء الله مع نيَّة الإصلاح وسلوك الطريق الموصل إلى ذلك، قال الله تعالى في الحَكَمين في شقاق الزوجين: ( إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) [النساء 35].

آملُ منكم أيُّها الأمير أن تُبادروا بالإصلاح ووضع السِّلاح، وفَّقكم الله للخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجمعة 14 ربيع الأول سنة 1421هـ

عنيزة الجامع الكبير

صورة الرسالة السابقة

فتوى العلاَّمة ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله

رئيس قسم السنة سابقًا بالجامعة الإسلامية بالمدينة

مكالمة مباشرة من ثوار الجزائر برؤوس الجبال مع العلاَّمة ربيع بن هادي المدخلي

بتاريخ 2 رمضان 1420هـ قال السائل: (( لقد أدرك الإخوة عندنا هنا أنَّه لا سبيل للهدى وللحق إلاّ بالرجوع إلى العلماء ـ علماء أهل السنة ـ في هذا العصر وسؤالهم، والتزام أقوالهم بعد ذلك، وها نحن الآن نعرض عليكم أخطر قضيّة تجري اليوم على الساحة الجزائرية، ألا وهي القتال القائم بيننا وبين النظام الحاكم منذ ثمان سنوات، نريد أن نعرف رأيكم فيه مع أكبر تفصيل ممكن.

عندنا تساؤلات نحتاج جداًّ أن تبيِّنوا لنا وجهَ الحق فيها، فنطمع منكم ـ يا شيخنا ـ في شرحٍ وافٍ وشافٍ، وأن تشرحوا لنا صدوركم؛ عسى الله أن يردَّ على أيديكم من شرد عن الحق ليعود إليه والله المستعان.

أوّل سؤال: ما رأيكم في هذا القتال القائم في الجزائر؟ وعلى أيِّ أساسٍ تبنون قولكم وموقفكم ـ يا شيخنا ـ عِلْمًا بأنّنا ننتهج المنهج السلفي، ونرفع راية أهل السنة والجماعة، ونبرأ إلى الله من الهجرة والتكفير الذين يرتكبون المجازر والمذابح ، ونبرأ إلى الله من الحزبيين الذين يُدَنْدِنون حول الانتخابات والتحزب وغير ذلك؟

[ص-100] قال الشيخ: جزاكم الله خيرًا، أنا أولًا الآن أتهيّأ للذهاب للصلاة في المسجد الحرام.

أذَكِّركم بما قد سمعتموه من فتاوى علماء وأئمّة السنة في هذا العصر مثل الشيخ الألباني والشيخ ابن باز وابن عثيمين، فهل سمعتم وقرأتم فتاواهم؟

السائل: إي نعم بلغتنا، ولكن حال دون الانتفاع بها بعضُ الشُبَه التي نحتاج إلى جوابها منكم يا شيخنا.

الشيخ: إذًا تُؤَجَّل الإجابة عن الأسئلة هذه إلى أن أعود من الصلاة من المسجد الحرام.

ثم ضرب لهم الشيخ موعدًا آخر من اليوم نفسه.

ثم قبل انتهاء المكالمة قال الشيخ: أقول: بل أسألك سؤالًا سريعًا:

كم نسبة السلفيين في هؤلاء؟

السائل: هي أمّة كثيرة ـ يا شيخنا ـ أمة كثيرة!

الشيخ: طيّب إذا كانوا سلفيّين لماذا لم يرجعوا إلى العلماء قبل أن يدخلوا في هذه المشكلة؟

السائل: هم أصلًا كانوا يعتمدون في خروجهم على فتوى للشيخ ناصر الدين الألباني ـ يعني ـ فتوى قديمة، ثم ظهر الآن أنَّها لَم تكن ـ يعنِي ـ بتلك القوة وبتلك السلامة، والله تعالى أعلم.

الشيخ: خير إن شاء الله على كلِّ حال البحث يجري بعدين إن شاء الله.

وعند الموعد اتّصل الثوارُ بالشيخ.

قال السائل: نحن نحيطكم علمًا أنَّ الذي يكلِّمك الآن هم إخوانك المقاتلون من الجزائر، وبالضبط المقاتلون: (الجماعة السلفية للدعوة والقتال)، ونحن في إحدى كتائبها: (كتيبة الغرباء) بالبويرة .

نعود طبعًا بعد أن بلغنا من كلام أهل العلم ما بلغنا أن نطرح عليكم بعض التساؤلات، وكنا قد أعطيناك بدايتها في الصباح، وها نحن نعطيك تفاصيلها إن شاء الله عزّ وجلّ .

عمومًا أودُّ أن نعطيك ـ يا شيخنا ـ نظرةً لمجريات الأحداث منذ أن بدأت إلى يومنا هذا؛ حتى تكون عندك صورة متكاملة عمّا جرى إن شاء الله عزَّ وجلَّ.

[ص-101] كما تعلمون ـ شيخنا ـ القضية بدأت بظهور الجبهة الإسلامية للإنقاذ على الساحة، التحزب ـ يعني ـ المفهوم ذاك والانتخابات، ثم تَوقَّفت الانتخابات وجرى ما جرى في تلك الفترة، في 92 بدأ جماعة من التكفيريّين عمليّات القتل والجبهة الإسلامية للإنقاذ في إبّان تلك الفترة كانت تدعم القتال بشكل إعلامي فقط، وتحمِّس الشباب لذلك.

بعد ذلك شيخنا انتشر عند الإخوة أنَّ الشيخ ناصر الدين الألباني قد أفتى بهذا القتال، وقال: (( عجِّلوا! عجِّلوا! ))، وهناك شريط مسموعٌ في هذه الفترة مع هذه الظروف الإعلامية ومع الظروف المتقلبة ـ يعني ـ … أصبح الشباب يلتحق أفواجًا أفواجًا بهؤلاء المقاتلين.

قال الشيخ: أَسمعني شريط الألباني.

السائل: ماذا شيخنا؟

الشيخ: أسمعني كلام الشيخ الألباني هذا الذي يقول: (( عجِّلوا! عجِّلوا! )).

السائل: ماذا يا شيخ ماذا؟

الشيخ: أقول: أَسمعوني صوت الشيخ الألباني هذا الذي اعتمدتم على فتواه.

السائل: الشريط موجود، لكنَّ الشريط بُني على واقعٍ غير واقع الذي سأل الشيخ، لم يعطه الواقع الصحيح؛ أوهمه أنَّ ثَمَّة عُدّة، وثَمَّة (7) ملايين و(3) ملايين وهكذا، فالشيخ قال: (( عجِّلوا! عجِّلوا! )) كأنّه أوهمه غير الواقع، فكان هذا الذي كان .

قلتُ: مرّت سنوات والشباب السلفي يلتحق بالمقاتلين بناء على أنّ هذا القتال مشروع ومأذونٌ فيه شرعًا، ولم تصلنا ولم يصلنا كلامُ أهل العلم ـ يعني ـ الذي يمنع ذلك إلاَّ في السنوات الأخيرة، وكان كلامهم يدور دائمًا حول أناس، حول خوارج، وأنَّ الذين يقاتلون خوارج وأنّهم يقتلون النساء والأطفال وهلمَّ جرّا.

[ص-102] لهذا كان الشباب السلفي لا يتأثّر بهذه الفتاوى؛ لأنَّه يقول دائمًا لا تعنيه؛ لأنَّ الشباب السلفي قط لم يقتلوا النساء ولم يقتلوا الأطفال، وليس على منهج الخوارج، بل يتبرّأون من ذلك تبرُّؤًا كاملًا‍!

وإثر ذلك في عام 96م انقسمت الساحة القتالية إلى ثلاث طوائف:

الطائفة الأولى: الجيش الإسلامي للإنقاذ، وهذا تابعٌ للجبهة الإسلامية للإنقاذ، ومنهجهم هو التحزب والدعوة إلى رجوع الحزب والانتخابات.

والطائفة الثانية: جماعة التكفير: جماعة عنتر زوابري، هذه التي قد سمعتم عنها في الإعلام مجازرَها وفظائعَها وسبيَها للنساء، وحكمَها بالكفر الجماعي للشعب الجزائري.

طائفة ثالثة: الجماعة السلفية للدعوة والقتال، هذه من جهة تتبرّأ من المجازر والمذابح والتكفير العام، ومن جهةٍ تتبرّأ من الحزبية، ولا تطالب بانتخابات، إنَّها خرجت ظناًّ منها أنَّ هذا جهادٌ مشروعٌ مبنِيٌّ على فتاوى العلماء، وأنَّ هذا عملٌ صالحٌ، إلى أن بلغها مؤخّرًا كلام كثيرٍ من أهل العلم العثيمين والفوزان وغيرهم من أهل العلم، مِمَّا جعلنا في حيرة من أمرنا، فها نحن الآن نعود إليكم، و[نستشهد] إن شاء الله عزَّ وجلَّ، ونبحث عن الحقِّ حتى نعود إليه يا شيخنا فما رأيكم في هذا القتال وفق هذه المعطيات؟

الشيخ: أقول بارك الله فيكم:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه، أمّا بعد، فأرى أنّك تفرِّق بين السلفيين وبين جماعة التكفير؟

السائل: إي نعم!

الشيخ: وفهمتُ من خلال كلامك أنَّكم تتبرَّؤون مِمَّن يكفِّر التكفير العام الشامل للشعب، فهذا يعطيني على أنكم أيضا تكفرون؟

السائل: إي نعم! إي نعم!

نحن ليس على هذه الصورة وإنما على صورة أخرى.

الشيخ: كيف تكفيركم؟

[ص-103] السائل: الجماعة يكفِّرون الحاكم، لهذا خرجوا عليه.

الشيخ: الحاكم والجيش والوزراء ومن حولهم؟

السائل: إي نعم! كلُّ من دخل في طائفة الحاكم قاتلوه معه!

الشيخ: قاتلوه على أساس أنَّه كافر؟

السائل: إي مش كفر عيني، أي على أساس ليس كفر تعيين ـ يا شيخنا ـ ليس كلّ واحد من أفراد الطائفة يكفر كفر عيني!

الشيخ: الحاكم الآن تكفِّرونه؟

السائل: أي نعم!

الشيخ: لماذا تُكفِّرونه؟

السائل: بناءً على أنَّه نَحَّى الشريعة الإسلامية وعوَّضها بقوانين وضعية ، وحارب المسلمين وأنَّه أفتى فيه الشيخ ناصر الدِّين الألباني كما أسلفتُ لك سابقًا.

الشيخ: لا! الآن، الآن على فتوى الألباني الجديدة؟

السائل: الجديدة؟ ها هنا وقع استغرابنا وحيرتُنا يا شيخَنا!

الشيخ: الألباني يُكفِّر حُكَّام الجزائر …، أو العثيمين أو الفوزان ـ يعنِي ـ قالوا بأنَّ الحُكَّام كفار؟ لا حول ولا قوة إلاَّ بالله!

السائل: لم يقولوا ذلك يا شيخنا.

الشيخ: طيِّب، وأنتم عندكم بأنَّ كفرَهم بواح وفيه من الله برهان كأن قالوا بأنَّ الإسلام هذا لا يصلح، بأنَّه رجعية، وأنَّ القوانين هذه أفضل من الإسلام، قالوا هذا؟

السائل: هذا ما سمعناه منهم يا شيخنا.

الشيخ: إذًا ما عندكم دليلٌ واضح على أنَّهم كفَّار الكفر البواح هذا يُعامل بما جاء في الأحاديث عن الرسول عليه [ص-104] الصلاة والسلام في موقف المسلم من الحاكم المنحرف .

الحكَّام الذين تعرفون وتنكرون وقال فيهم: يهتدون بغير هديي ويستنُّون بغير سنَّتي ، وأحاديث كثيرة جدًّا، حتى إنَّ الرسول لَمَّا قالوا له: أنقاتلهم؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة ، يعني أنَّهم يُغيِّرون في الإسلام إلى آخر شيء. إذا بقوا يُصلُّون ويدَّعون الإسلام لا يقاتَلون ولا يُخرج عليهم، هل عرفتم هذه الأشياء؟

السائل: نحن نسمع من فضيلتكم ـ يا شيخنا ـ نتعلَّم منكم الآن.

الشيخ: إي ـ بارك الله فيكم ـ ادرسوا هذه الأحاديث وادرسوا كلام العلماء وادرسوا كلام الألباني، وعليكم بطلب العلم …

ثم أنا أسألك: هذه ثمان سنوات ما هي ثمار هذا القتال؟ ما استفاده المسلمون من هذا الجهاد؟

السائل: لحدِّ الآن لا شيء يا شيخ!

الشيخ: كم قُتل، وكم من المال، وكم من الأعراض انتُهكت، وكم، وكم …؟

السائل: الكثير! الكثير!

الشيخ: الكثير! الكثير! أنتم أيَّدتم هذا الوضع، أيَّدتم التكفيريِّين الذين يسفكون الدِّماء، وتشجَّعوا بكم، وعاضدتموهم، وإن قلتم إنَّكم سلفيُّون، وإنَّكم تخالفونهم في الرأي، ولكنهم يستفيدون من وقوفكم إلى جانبهم، وزادوا بكم جرأة على هذا الشعب فسحقوه سحقًا، فلم يبقوا له دينًا ولا دنيا! هل هذه الصفات يرضى بها الإسلام؟!

السائل: لا يا شيخنا! نحن قد جرى بيننا وبين هؤلاء قتال ونزاع طبعًا.

الشيخ: السبب الذي أوصل الشعب الجزائري الذي كان متجِّهًا إلى السلفية بأمَّته وشبابه وفتياته، جامعيين وغيرهم، متوجِّهين نحو النهج السلفي، هذا الوضع أحسن أو حينما جرت هذه الثورة وهذه الفتن؟

السائل: الوضع الآن ليس بأحسن!

الشيخ: طيِّب! أنتم قاتلتم ليكون الوضع أحسن مِمَّا كان؟

السائل: إي نعم! إي نعم!

[ص-105] الشيخ: فكيف كنت النتائج؟

السائل: سيِّئة ـ يا شيخنا ـ سيِّئة لحدِّ الآن!

الشيخ: أليس لكم عبرة في هذا؟! أليس هذا برهانًا على أنَّ هذا الجهاد جهادٌ كان منطلقًا من جهل، ومن فتاوى ـ يعني نسأل الله العافية ـ لم يستنجدوا بالعلماء، واتخذوا أصحاب الشرور رؤوسًا جهالًا، فيُفتون بغير علم، فيَضلُّون ويُضلِّون، ولم يقفوا عند حدِّ الضلال والإضلال، بل تجاوزوه إلى سفك الدِّماء وهدم الإسلام.

الإسلام هُدم في الجزائر هدمًا شديدًا شنيعًا؛ بفعل هؤلاء!!

وربَّما لو لم يتعجلوا ومشوا بالعلم والبصيرة لربَّما كانت دولة الإسلام في الجزائر، ولكن لجهلهم وسوء نواياهم؛ لأنَّ نواياهم سيِّئة لا يريدون إلاَّ الملك فقط، لا يريدون إعلاء كلمة الله، يريدون أن يتسنَّموا هم قمة الحكم، ولهذا السبب جعلت الانتخابات والديمقراطية والكلام الفارغ.

وهم ليس لهم إلاَّ مصارعة الحكام، ولا همَّ لهم إلاَّ أن يتسنَّموا قمة الحكم فقط، ثم بعد ذلك يديرون ظهورهم للإسلام، كما فعل أمثالُهم في السودان وفي تركيا وفي غيرها.

فهؤلاء لو وصلوا إلى الحكم لزادوا الناسَ خوفًا وظلمًا وابتعدوا عن الإسلام …

فالآن … اعتبروا بهذا الذي حصل، وشمِّروا عن ساعد الجدِّ لتحصيل العلم ودعوة هذا الشعب الطيِّب إلى كتاب الله وسنة الرسول حتى يعود إلى ما كان عليه قبل هذه الفتنة، ثم يتقدَّم إلى تحقيق الغاية التي ينشدها الإسلام.

السائل: شيخنا! على حسب قولكم إذًا لا يمكن الحكم بكفر حاكم من الحكام وإن كان يحكم بغير ما أنزل الله حتى يحكم عليه العلماءُ بذلك.

الشيخ: نعم! حتى يرى العلماءُ فيه كفرًا بواحًا، ثم بعد صدور الفتوى هل يُقاتَل أو لا يُقاتل؛ لأنَّ الله يقول: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) [الأنفال 60]، هذا إذا كان كافرًا.

أنا جاءني شبابٌ في أول هذا القتال، فقلت: أعددتم للقتال، وهم كفار عندكم؟ قال: لا!

قلت: ما عندكم قوة، وهم عندهم طائرات، وعندهم دبَّابات، وعندهم كذا، من ورائهم بريطانيا وأمريكا، والدول كلّها، وأنتم ما عندكم شيء، فأنتم ما أعددتم العدَّة التي تُرهبون بها عدوَّ الله، قد أعددتم العدة التي تُطمِعون عدوَّ الله [ص-106] فيكم وفي الإسلام، فلو كان الحاكم كافرًا كفرًا بواحًا، في الجزائر وفي غيرها لكان يجب أن يُرجع في ذلك إلى العلماء، فهم الذين يُقدِّرون المصلحةَ والمفسدةَ، ومتى يُشرع القتال ومتى لا يُشرع إلخ، لا للسفهاء والجهلة وأصحاب الأهواء الطامحين إلى المُلك، فهذا من الخطأ، وقد عرفتم حصاد هذا التهوُّر.

فعليكم بالتوبة إلى الله تبارك وتعالى، فقد لا تسلمون من المسئولية أمام الله في الدِّماء التي أُبيحت، وفي الأعراض التي انتُهكت، وفي الأموال التي سُلبت ونُهبت، فتوبوا إلى الله توبة نصوحًا ـ بارك الله فيك ـ فإنَّ عليكم المسئولية أمام الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّكم شاركتم هؤلاء.

فتوبوا إلى الله توبة نصوحًا فيما وقع في حقِّ المسلمين … مظلومين، ثم شمِّروا عن الساعد، والله يقبل التوبة.

وشمِّروا عن ساعد الجدِّ في طلب العلم، ونادوا إخوانكم الذين بقوا هناك في الجبال أن يتوبوا ويعودوا إلى الله، بلِّغوهم مثل هذا …

السائل: شيخنا! بعض الإخوة المقاتِلين عندنا طرحوا سؤالًا فقالوا: إذا كان هذا ليس بجهاد، ولكن يُفكِّرون بالبقاء في الجبال بسلاحهم، ولا ينزلون، بدعوى أنَّهم يخافون من الحكومة، ما يكون توجيهكم لهم؟

الشيخ: أولًا: جاءني سؤال ـ قبل سنة تقريبًا ـ من واحد من هؤلاء التائبين.

قلت له: هل تعتبر أنَّ عملكم هذا جهاد؟

قال: نعم!

قلت له: يا ابْنِي! هذا خطأ، الجهاد: إذا كنتم تريدون إعلاء كلمة الله فيجب أن تزحفوا إلى دولة أوربية: إمَّا إيطاليا، أو فرنسا، أو إسبانيا … هم كفار، تزحفون بجيشكم إلى بلد كافر فاسق بكفره حكومةً وشعبًا، وتدعونهم إلى الدخول في الإسلام، ليشهدوا أن لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله، فإن استجابوا فالحمد لله، وإن لم يستجيبوا فتطلبون منهم أداءَ الجزية، فإنْ أَبَوْا حينئذ يصحُّ القتال، ولكن قتالًا شريفًا، لا تُنتهك فيه الأعراض، ولا تقتل فيه النساء، ولا الصبيان، ولا .. ولا .. إلى آخر الشروط التي في إطار الإسلام في الجهاد الإسلامي النظيف، الذي ينفع ولا يضر.

فتستفيد منه البلاد … الفاتحون والبلاد المفتوحة.

أما جهاد هؤلاء السفهاء، فوالله! لقد شقي بهم الإسلام والمسلمون، بارك الله فيكم.

الآن ننصح هؤلاء بأن يعودوا، وأظنُّ أنَّ الدولةَ لن تقتلهم، وقد توجِّه لهم أسئلة ثم تتركهم كما بلغنا.

[ص-107] ليس الخطورة … كما يُصوِّر الشيطان لهؤلاء: أنَّهم إذا عادوا فسيُقتلون، وكذا وكذا.

يا أخي! لو قُتلت أنتَ ـ بارك الله فيك ـ وسَلِم الناسُ من أذاك، هذا هو المطلوب.

فليرجعوا! وثِق أنَّ النتائج ستكون طيبة.

ولو فرض أنَّه سيكون هناك سجن وقتلٌ فعليهم بالصبر، عليهم بالصبر ـ بارك الله فيك ـ لمصلحة الإسلام، ولمصلحة هذا الشعب، وليستعيد أنفاسه، ويُفكِّر قليلًا، ثمَّ يعود ـ إن شاء الله ـ إلى الوجه الطيب المشرق الذي كان عليه سابقًا.

السائل: إذًا ما حكم من بلغه هذا، ثمَّ بقي مُصرًّا على القتال؟

الشيخ: والله! هذا ظالم، ويُناشَد أن يتقي الله، وأن يندم على ما صنع، إن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، إن كان له عقلٌ يُدرك به ما حصل من الفساد، وما نزل بهذا الشعب من الأضرار في دينه ودنياه، إن كان فيه بقية من خير فسيعود إلى ما كان عليه من قبل. وإن كان إنسانًا منحرفًا قد استولى عليه الشيطان، فهذا: الله يتولى حسابه، ولا يجوز نصره … ولا يجوز أن تُدعم جماعتُه، ولا أن يُمَدُّوا بالعون والسلاح أو بالمال أو بأي شيء.

السائل: شيخنا! إذا رؤساء المقاتلين لم يستجيبوا لهذه الدعوات الطيبة، ما واجب كلِّ مقاتل في حقِّ نفسه؟

الشيخ: أقول ـ بارك الله فيك ـ: هؤلاء المقاتلون هل هم التكفيريُّون أم هم الذين يدَّعون السلفية؟

السائل: أقول: الذين يدَّعون السلفية.

الشيخ: الذين يدَّعون السلفية: أنا أظنُّ أنَّ في سلفيَّتهم خللًا كبيرًا جدًّا، بحيث لم يَبقَ عندهم من السلفية إلاَّ الادِّعاء، وإلاَّ لو كانوا سلفيِّين ما خرجوا أولًا.

وثانيًا: حينما جاءتهم فتاوى العلماء لعادوا أدراجهم إلى [بيوتهم]، فأنا أعتقد أنَّ هؤلاء يحملون السلفية اسمًا، وليسوا صادقين في سلفيَّتهم، ولو كانوا صادقين كما قلت ما دخلوا في هذه الفتنة، ولو دخلوها لخرجوا منها بسرعة، بمجرد [سماع] كلام العلماء، تفضل!

السائل: شيخنا! ما هو واجب كلِّ جندي الآن من المقاتِلين، إذا رؤساؤهم أَبَوْا الاستجابة لهذه الدعوة الطيِّبة؟

الشيخ: حقُّه أن يتوب إلى الله ويرجع يا أخي! هذا حقُّه يا أخي!

هذا لا يجوز؛ لأنَّ الجهادَ هذا أولًا: هو يُكفِّر الحكومة، وهذا الحكم جائر، الحكم لا شك أنَّه طاغوت، القوانين [ص-108] طاغوتية، لكن هل كلّ واحد يؤمن بهذا الطاغوت؟ حتى الحاكم نفسه يؤمن بهذا الطاغوت؟

وهل نحن على بصيرة وعلى برهان واضح أنَّ هذا هو الكفر البواح؟ ما فيه أدلَّة بارك الله فيك، أخوه مسلم، يصلي …

على كلِّ حال عنده على الأقل كفر، وهذا ظالم لا شك، فاجر، لكن لا يخرج من دائرة الإسلام إلاَّ بدليل واضح كالشمس، وكثير … مسلمين مكرهين …

القتل كلُّه في المسلمين والمساكين والضعفاء، قد يكونون مكرَهين، ينبغي إدراك هذه الأشياء، بارك الله فيك.

السائل: نعم، هذا واضح ـ يا شيخنا ـ وجيد، حفظكم الله وجزاكم عنَّا كلَّ خير.

الشيخ: أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله، والتشمير عن طلب العلم، وادرسوا هذه الأبواب خاصة دراسة واعية، ادرسوا أحاديث الرسول في صحيح مسلم وغيره من كتب السنة والعقائد السلفية، ومِن جامع المسانيد لابن كثير، وكتب الفقه، وكتب ابن تيمية وابن القيم، وادرسوا الأمور هذه واستوعبوها تمامًا.

وقبلها ادرسوا العقيدة، تمكَّنوا فيها، والشريعة الإسلامية، وتمكَّنوا فيها.

والشعب الجزائري يحتاج إلى علماء، ما يحتاج إلى مقاتلين جهلة فجرة، ما يحتاج إلى هذا الصنف الذي أوصله إلى هذه الهوة السحيقة من الجهل والضلال والفقر والضياع، يُريد علماء حكماء يسيرون بالأمة في الطريق الإسلامي الصحيح، ويدفعون عنهم المفاسد، ويُقدِّرون المصلحة ويضعونها في موضعها، والمفسدة ويضعونها في موضعها، ما يريد هؤلاء الناس الطائشين، فتجنَّبوا هؤلاء، عليكم بالعلم ـ بارك الله فيكم ـ العلم والعمل وتقوى الله والإخلاص في كلِّ ذلك.

والشعب الجزائري من أفضل الشعوب، ومن أسرعها استجابة إلى الحقِّ، وأيضًا شمِّروا عن ساعد الجدِّ لدعوتهم إلى المنهج السلفيِّ الذي هو دين الله الحق.

السائل: شيخنا! بلغنا أنَّكم ممَّن يحمل لواء الجرح والتعديل في هذا الزمان ، فنوَدُّ أن نسألكم عن بعض الأشخاص الذين لهم مكانة ههنا عن بعض المقاتلين، نبدأ بأبي قتادة الفلسطيني الماكث في بريطانيا، هل تعرفونه شيخنا؟

الشيخ: أسمع أنَّ هذا من أسوأ خلق الله وأفجرهم وأجْرئهم على الفتوى، وأنَّه يُبيح قتل الأطفال والنساء، فبئسما [ص-109] صنع، وبئسما أفتى هذا الرجل!!

وهذا ليس من أهل العلم، هذا من أهل الأهواء؛ ومن الأدلة: أنَّه يعيش في بلاد الكفر، وأنا أشكُّ أنَّ بريطانيا تشجِّع هذه الأصناف؛ لأنَّها تريد للعالم الإسلامي دمارًا، وهؤلاء أنزلوا بالشعب الإسلامي من الهلاك والدَّمار ما يشفي صدورَ الكفار.

هذه النتائج التي وصلتْ إليها الجزائر، مَن يفرح بها؟

يفرح بها اليهودُ والنصارى وأعداءُ الإسلام.

ومن أوصل الشعب الجزائري إلى النتائج المُرَّة غير هذه الفتاوى …؟!

هل [تعلمون] أنَّ أبا قتادة سلفي؟

السائل: لا نعرفه سلفيًّا، شيخنا!

الشيخ: سلفي؟

السائل: لا نعرفه سلفيًّا.

الشيخ: … لا تعرفونه بالسلفية، يعني: تكفيري؟!

فقال أحد المقاتلين: تكفيري إيه!

وقال السائل موافقًا زميله: أي نعم!

قال الشيخ: خلاص، تعرفه وتسألني عنه؟

قال السائل: حتى يعرفه الإخوة؛ لأنَّ الإخوة مخطئون فيه، فإذا سمعوا كلامَكم، وأنتم أهلٌ للقول فيه، فيُؤخَذ قولكم إن شاء الله عزَّ وجلَّ.

الشيخ: جزاك الله خيرًا.

السائل: شيخنا! أيضًا: أبو مصعب السوري، هل تعرفونه؟

الشيخ: لا! أبو مصعب مَن؟

السائل: السوري هذا؟!

الشيخ: هو في بريطانيا يعيش؟

[ص-110] السائل: ربَّما، وهو يتكلَّم أيضًا في هذه المسائل: التكفير والجهاد.

الشيخ: … أبو حمزة ! من قيادات الشر والفتن!

وأظنُّ أنَّ لهم علاقات بأعداء الإسلام، بريطانيا وغيرها ـ والله أعلم ـ تشجِّعهم على هذه الفتن التي يثيرونها في بلاد الإسلام، وعلى هذه الفتاوى التي تضرُّ بالمسلمين ولا تنفعهم؟

السائل: شيخنا! ما قولكم في أسامة بن لادن؟

الشيخ: والله! ما هو بعيد عن هؤلاء! ما هو بعيد عن هؤلاء!

السائل: شيخنا! الإخوة .. نحن مثلًا .. الجماعة السلفية .. الإخوة في الجماعة السلفية ـ كما كنت أسلفتُ لك ـ خرجوا متأوِّلين؛ ظانِّين أنَّ هذا جهاد مشروع وقد أخطأوا، وقد مضى عليهم في هذه سنوات من التعب والنصب، وهناك فيهم من قُتل! فما حكم تلك السنوات التي كانوا فيها متأوِّلين من التعب والنصب؟

وما حكم من قتل أيضًا منهم؟

الشيخ: والله! فهم لا تبصَّروا في الأمر، ولا رجعوا إلى العلماء، وأنت تعلم أنَّ الذي يحصل جاء هذا مصيره ـ بارك الله فيك ـ هم حكموا على الحكومة ـ والله أعلم ـ والشعب بالكفر، [وشرعوا في إراقة الدماء] هذا مصيره مصير الخوارج، والله أعلم، هذا ما أعتقد، وأعوذ بالله إن كنتُ قد أخطأتُ!

السائل: يا شيخ! هل تختمون هذه المكالمة بنصيحة توجِّهونها للإخوة؟

الشيخ: النصيحة الأولى: أوصيكم بتقوى الله تبارك وتعالى، والإخلاص لله في كلِّ قول وعمل، والتشمير عن ساعد الجدِّ في طلب العلم من مناهله ومنابعه الصحيحة من كتاب الله وسنة الرسول وكتب السلف الصالح، ثم كذلك دعوة الناس إلى هذا المنهج الصحيح، والتربية عليه تربية صحيحة، مَن يموت منهم يموت على الإسلام الحقِّ، على عقيدة صحيحة وعلى منهج صحيح وعلى بصيرة من دينه.

ثم هؤلاء الذين يستقيمون على منهج الله لن يُضيِّعهم الله تبارك وتعالى، ولن يضيِّع أعمالهم إن شاء الله.

ونسأل الله تبارك وتعالى أن يُجنِّبنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ومسألة الجهاد ليست مسألة سهلة ـ يعني ـ بهذه السهولة، يعني … يَقتُل ثم يُكتب في المجتهدين وفي المؤوِّلين … والله أعلم؟! هذا مصيرهم بيد الله عزَّ وجلَّ … [ص-111] وأنَّهم مخطئون عليهم مسئولية أمام الله تبارك وتعالى.

فلينصحوا أنفسهم جميعًا بتقوى الله و بلزوم كتابه وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، والسير على نهج السلف الصالح في العقيدة والعمل والمنهج، فلا سداد إلاَّ للعلم النافع، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح.

السائل: يا شيخنا! ههنا أخ مقاتل يريد أن يسألكم، نحوِّل إليه المكالمة.

السائل: شيخنا! حفظك الله، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

السائل: لقد سألك أخونا ـ وكانت الأجوبة شافية كافية، وعلى أتَمِّ البيان ـ والحمد لله تبارك وتعالى ـ غير أنِّي في الختام أطلب منكم شيئًا بعد هذا الذي أصابنا وأصاب الأمة، ألا وهو أن تألِّفوا رسالة توجِّهونها إلى الشباب في الجزائر، تحثُّونهم فيها على الأخذ من أهل العلم، وتبيِّنون أسماء العلماء المعاصرين، وتبيِّنون كذلك رؤوس الخوارج؛ لأنَّ في هذه البلاد ينعدم العلماء السلفيُّون.

ربَّما في بعض البلدان يجد الشباب من يوجِّههم إلى السنة ومنهجهم ويبيِّن لهم الحقَّ والباطلَ، لكن في أماكن كثيرة من هذا الوطن تجد الشباب لا يعرف، ويقرأ الرسائل ويسمع الأشرطة، وتجده في حيرة من أمره: هذا يقول هكذا، وذلك يقول هكذا، وحيثما أوقع الشباب في ضلال الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ولذلك ـ يا شيخنا ـ نتمنى أن تجيبوا لنا هذه الدعوة وهذا الذي طلبناه منكم.

الشيخ: أرجو الله تبارك وتعالى أن يحقق هذا الأمل الذي تقترحه …

السائل: شيخنا! اذكر لنا تاريخ المكالمة والاسم حتى يتأكَّد الإخوة أنَّ هذه المكالمة حديثة.

الشيخ: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد، فهذه المكالمة جرت بيني وبين بعض الإخوة الجزائريِّين الذين يُهمّهم حقنُ دماء المسلمين، جرت هذه المكالمة في الثاني من رمضان عام 1420هـ، وأنا ربيع بن هادي عمير المدخلي، أسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبَّل منِّي هذه النصيحة، وأن ينفع بها، وأن يهدي إخواننا الذين يخالفوننا أن يعودوا إلى الصواب والرشد والهدى )) .

* * *

الخـاتـمـة قال جامِعُه عفا الله عنه وعن والديه:

نخلص ـ معشر القرَّاء ـ من هذا الجمع إلى خمس نتائج هي:

النتيجة الأولى: وجوب الحذر من الخروج على السلاطين بعد هذا العرض الطيِّب من هؤلاء الأعلام المُجتهدين، يتبيَّن القارئُ أنَّ مسألةَ الدِّماء التي تحياها كثيرٌ من بلاد الإسلام مع الأسف، ويستعدُّ آخرون لِلِقَاءِ مصرعِهم على عتبة هذا الفكر، دون التفاتٍ إلى نصوص الشارع الحكيم، ولا استفادةٍ من الواقع الأليم! يتبيَّن القارئُ أنَّ هذه المسألةَ ليست قضية واقعٍ، يختلف الجوابُ فيها من بيئةٍ إلى أخرى؛ لأنَّ أسوأ أحوال هؤلاء الحُكَّام الذين يُراد الخروجُ عليهم، أنَّهم كفَّار كما يُصوِّرُ منازعوهم، مع هذا لَم يُجَوِّز أحدٌ من هؤلاء المفتين الخروجَ عليهم؛ لأنَّ الدِّماءَ ستُراق بساحة الفتن بلا جدوى، فلا الحقُّ يُنصر، ولا الكفر يُكسَر؛ إذ الشوكةُ ـ كعادتها ـ تنوء بعصبة السلطان.

وإلاَّ فلماذا لَم يُقاتِل إبراهيم ـ عليه السلام ـ النمرودَ؟!

ولماذا لم يُقاتِل موسى ـ عليه السلام ـ فرعونَ، بل كان فارًّا منه؟! ولماذا لَم يُقاتِل موسى والخضر ـ عليهما الصلاة والسلام ـ المَلِك الذي كان يأخذ كلَّ سفينةٍ غصبًا؟!

ولماذا نهى الله رسولَه محمدًا صلى الله عليه وسلم عن قتال الكفار وهو في مكة مستضعَفٌ… ؟!

قال القرطبي ـ رحمه الله ـ عند قصة الخضر مع الملك الذي يأخذ كل سفينة غصبًا: (( وتحصَّل من هذا: الحضُّ على الصبر في الشدائد، فكم في ضمن ذلك المكروه من الفوائد، وهذا معنى قوله: ( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) [البقرة 216] )) .

ولئن كانت الحال ـ كما هي الحال ـ على أنَّ الحُكام مسلمون، فقد سبق بيانُ أنَّ الشارع الحكيم ـ الذي أوْجب الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر كما أوْجَب الجهاد ـ هو الذي نهى عن قتالِهم، وهذا هو الذي استظهر أدلَّتَه هؤلاء الأكابرُ العلماءُ، إذن فـ:

الحُكام إذا كانوا كفَّارًا

[ص-113] ـ أو كانوا مسلمين بغضِّ النظر عن برِّهم وفجورهم

ومناط الحكم الأوَّل هو: المصلحة والمفسدة، وهو من مدارك أهل الاجتهاد من العلماء.

ومناط الحكم الثاني: هو النصُّ الصريحُ الدَّالُ على ذلك.

فرحم الله امرأً نظر بعين الحقِّ: الكتاب والسنة، وفهمهما كما فهمهما السلفُ الصالِح، وجرَّد عقلَه عن الهوى، وجاهد نفسَه من سَوْرَة الغضب، قال الله تعالى: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت 69].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس الشديدُ بالصُّرَعة، إنَّما الشَّديد الَّذي يَملك نفسَه عند الغضب .

واعلم أنَّ صلاح الخارجين لا يُغيِّر من الحكم شيئًا؛ لأنَّه لَم يُنَط به الحكمُ كما سبق، وعلى هذا يكون من اللَّغْوِ أن يسأل بعضُ الإخوة عن أحوال الخارجين، فيقولون: هل هم من أهل السنة أو سلفيُّون؟

وذلك لأنَّ الخروجَ على إمامٍ مسلمٍ لا يشفعُ له صلاحُ صالِحٍ ولا عِلمُ عالمٍ، ولو كان الخارجون سلفيِّين حقيقةً لَما خرجوا بعد أن استقرَّ الأمرُ على ما نقلتُه عن السلف في مقدِّمة الكتاب!

قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ فيمَن خرج على بعض خلفاء بني أميَّة كابن الأشعث، وابن المهلب: (( فهُزموا وهُزم أصحابُهم، فلا أقاموا دِينًا، ولا أبْقوا دُنيا، والله تعالى لا يأمر بأمرٍ لا يحصل به صلاحُ الدِّين ولا صلاحُ الدنيا، وإن كان فاعلُ ذلك من أولياء الله المتَّقين ومن أهل الجنَّة … )) . * * *

النتيجة الثانية: عِظَم شأن الدِّماء على كلِّ حالٍ، فإنَّه بعد هذا الإجماع التام من قِبل هؤلاء الأكابر الفضلاء، لم تَبْقَ لمخالفٍ حجَّةٌ يتعلَّق بها، ولا سيما للتَّقيِّ العاقل الذي يتخايل بين عينيه القيام بين يدي الله، وقد قال الله تعالى في صفات عباد الرحمن: ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا *يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) [الفرقان 68 ـ 69].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أنَّ أهلَ السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن لأَكَبَّهم الله في النار .

وعن عبد الله بن عمرو أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: لَزَوالُ الدنيا أَهْوَن على الله من قَتل رجل مسلم .

واعلم أنَّ للمقتول كلمة يقولها تحت عرش الرحمن، فعن ابن عباس أنَّه سُئل عمَّن قَتَل مؤمنًا متعمِّدًا، ثم تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ فقال ابن عباس: وأنَّى له التوبة؟‍‍‍! سمعتُ نبيَّكم صلى الله عليه وسلم يقول: يا ربِّ! سَلْ هذا فيم قتلني؟ حتى يُدنيه من العرش، فتلا هذه الآية: ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) [النساء 93] ” .

وعن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يَجْثو المقتولُ يوم القيامة على الجادَّة ، وإذا مرَّ به قاتِلُه قال: يا ربِّ! قتَلني هذا، فيقول له: لِمَ قَتَلتَه؟ فيقول: أمَرَنِي فلانٌ! فَيُعذَّبُ القاتلُ والآمِرُ .

ثمَّ اعلم أنَّ لكلمة التوحيد (لا إله إلاَّ الله) حُرمةً عظيمةً؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوقَّف عن قتل قوم من المنافقين ـ استحقوا القتل ـ من أجل هذه الكلمة.

فعن النعمان بن بشير قال: كنَّا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاء رجلٌ فسارَّه، فقال: اقتلوه ، ثم قال: [ص-115] أيَشهد أن لا إله إلاَّ الله؟ قال: نعم! ولكنَّما يقولها تعوُّذًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : : لا تقتلوه، فإنَّما أُمرتُ أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله، فإذا قالوها عصموا منِّي دِماءَهم وأموالَهم إلاَّ بحقِّها، وحسابهم على الله .

وينبغي للمسلمِ أن يكون على وَجَلٍ من ربِّه من أن يَموتَ المسلمون من أجله، فقد قال مروان لابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: (( هَلُمَّ أُبايعك؛ لأنَّك سيِّدُ العربِ وابنُ سيِّدها، فقال له ابن عمر: كيف أصنَع بأهل المشرق (يريد أنَّ الشوكةَ لهم)، والله ما أحبُّ أنَّها دانت لِيَ سبعين سنة وأنَّه قُتل في سببِي رجلٌ واحد! فخرج مروان وهو يقول:

إنِّي أرى فتنةً تغلي مراجِلُها والمُلك بعد أبي ليلى لِمَن غلبا

النتيجة الثالثة: تصحيح التوبة إنَّني أتقدَّم بالنُّصح للتائبين من العمل المسلَّح بأن يُخلِصوا لله في رجوعهم، وذلك هو وصف التوبة النَّصوح، ومنه رجوعهم إلى الاستقامة على مذهب أهل السنة، وعدم الرَّتع في المذاهب المنحرفة عنهم، وترك الروغان، كما قال الله تعالى: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) [طه 82]، قال سعيد بن جُبير: (( ثمَّ استقام، قال: لزوم السنة والجماعة )) .

ولئن زادوا على هذا بيانَ فساد ما كانوا عليه لكان ذلك أدلَّ على صدق التوبة.

وتفصيلُه يكون بأن يعرفوا خطأَهم حقَّ المعرفة، ثمَّ يُصلحوه ثانيًا ما استطاعوا، ثمَّ يُبيِّنوا لغيرهم ثالثًا، حتى يعلمَ الناسُ حقيقةَ هذه الدعواتِ الدموية، ويتجنَّبوا سبيلَها؛ لأنَّها شؤمٌ على الأمَّة الإسلامية، قال الله تعالى: ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة 160].

أمَّا معرفتهم خطأَهم فهذا أصلُ توبتِهم الصادقة؛ إذ لو لَم يعرفوا خطأَهم معرفةً شرعيةً، لَما تَمكَّنوا من أن يتوبوا توبةً شرعيةً، وإنَّما قد يتوبون توبة سياسةً! فليتوبوا على بيِّنات من الكتاب والسنة، لا تحت إرهاب السجون ودقِّ الأسنَّة.

[ص-116] وهذا يكون بالاتِّصال بأهل العلم؛ لِيُطْلِعوهم على الحقِّ في هذه المسائل، حتى لو هاجت فتنةُ ـ لا قدَّر الله ـ لَم يكونوا إحدى أدواتها، بل ثبتوا فيها ثبات الجبال الرواسي، وإن تمالأ عليها الجنُّ والأناسي.

وليَحذروا من توبةِ مَن ردَّه الجدار وهو حريصٌ على خَرْقه؛ فإنَّ (( من العصمة ألاَّ تجد! ))، ولكن ليتوبوا توبة قادرٍ على الرجوع إلى القديم الفاسد، ولكن يتركه لوجهِ الله.

وليكونوا مغاليقَ للشرِّ، وليحذروا أسبابَ الفتن؛ فإنَّ منها نشرَ مساوئ السلاطين، والتحزُّب ضدَّهم، وانتهاز فُرَص ضعفهم، لإثارة العامَّة عليهم وغيرها من أسباب الشرور؛ فإنَّ التنزُّهَ عن هذا كلِّه دليلٌ على صدق التوبة، وصفاء السريرة.

قال عبد الله بن عُكيم رحمه الله: (( لا أُعينُ على دم خليفة أبدًا بعد عثمان، فقيل له: يا أبا معبد! أَوَ أَعَنْتَ عليه؟ قال: كنتُ أَعُدُّ ذِكرَ مساويهِ عَوْنًا على دمه )) .

وليَكن همُّهم الأكبر أن يرضى اللهُ عنهم وأن يغفر لهم ما سلف؛ فإنَّه الواحد القهار، والعزيز الجبَّار والكبير المتعال الذي تُخشى سَطوتُه، وغضبُه هو الغضبُ الذي ما بعده غضبٌ يُبالى، وليَكبُر طمعُهم في عفو الله، ولا يَضيرُهم ما يقوله الناسُ، كما قال خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام: ( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) [الشعراء 82].

وإليكم هذه العبرة:

كان مسلم بنُ يَسَار ـ رحمه الله ـ مِمَّن خرج مع ابن الأشعث زمن الحَجَّاج بن يوسف، ثمَّ تاب من ذلك وندم ندامةً شديدةً، مع أنَّ الحجَّاجَ ليس بالوالي الذي تُحمَدُ سيرتُه، فقد قال مكحول: (( رأيتُ سيِّدًا من ساداتكم دخل الكعبةَ، فقلت: مَن هو يا أبا عبد الله؟ قال: مسلم بن يسار، فقلتُ: لأنظُرنَّ ما يصنعُ مسلمٌ اليوم.

فلمَّا دخل قام في الزاوية التي فيها الحَجَر الأسود يدعو قدر أربعين آية، ثمَّ تحوَّل إلى الزاوية التي فيها الركن فقام يدعو قدر أربعين آية، ثمَّ تحوَّل إلى الزاوية التي فيها الدرجة فقام يدعو قدر أربعين آية، ثمَّ جاء حتى قام بين العمودين عند الرُّخامة الحمراء، فصلَّى ركعتين، فلمَّا سجد قال: اللَّهمَّ اغفِر لي ذنوبي وما قدَّمتْ يداي، اللَّهمَّ اغفِر لي ذنوبي وما [ص-117] قدَّمتْ يداي، ثمَّ بكى حتى بلَّ الـمرمر )) .

ولأبي نعيم زيادة قال فيها الراوي: (( فيَرَون أنَّه ذَكر ذلك المشهدَ الذي شهدَه يوم دير الجماجم! )).

يريد خروجَه، فتأمَّل هذه التوبة، ما أصدقها!

مع أنَّه يجب التنبُّه إلى أنَّ مسلمَ بنَ يسار أُخرجَ مع ابن الأشعث مُكرَهًا، فقد قال أيوب السختياني: (( قيل لابن الأشعث: إن سرَّك أن يُقتَلوا حولك كما قُتلوا حول جمل عائشة فأخرِج مسلمَ بنَ يسار معك، قال: فأخرجه مُكرَهًا! )) .

قلت: فإذا كانت هذه هي توبةُ مَن شارك في الخروج على مثل الحَجَّاج وهو مُكرَهٌ، مع أنَّه لَم يُعمِل فيه سيفًا ولم يُرِق دمًا، فأنْعِم بها توبة!

والذي يظهر أنَّ مسلمًا ـ رحمه الله ـ فزع هذا الفزع العظيم؛ لأنَّه قد قيل له: ربما رآك بعضُ الناس في صفِّ الخوارج فانخدع بك، وخرج تأسِّيًا بك حتى قُتل، فقد روى أبو قِلابة: (( أنَّ مسلم بنَ يسار صَحِبَه إلى مكة، قال: فقال لي ـ وذكر الفتنة ـ: إنِّي أحمدُ الله إليك أنِّي لَم أرْمِ فيها بسهمٍ، ولم أطعن فيها برُمحٍ، ولَم أضرب فيها بسيفٍ، قال: قلت له: يا أبا عبد الله! فكيف بِمَن رآك واقفًا في الصفِّ، فقال: (هذا مسلمُ بنُ يسار، والله! ما وقف هذا الموقفَ إلاَّ وهو على الحقِّ)، فتقدَّم فقاتَل حتى قُتل؟!

قال: فبكى وبكى حتى تَمنَّيتُ أنّي لم أكن قلتُ له شيئًا!! )) .

وفي رواية: (( فبكى ـ والله! ـ حتى وَدِدتُ أنَّ الأرضَ انشقَّت فدخلتُ فيها!! )).

هذه هي سيرةُ السلف، وتلك هي توبتُهم، فخذها سمحةً طيِّبة بها نفسُك، واحذر من التأويلات الفاسدة، والاعتذارات الباردة!

( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) [ق: 37].

النتيجة الرابعة: الضرورة إلى العلم وأهله [ص-118] كما أتقدَّم بالنصح للجميع بأن يتعلَّموا دينَ الله عزَّ وجلَّ، وأن يجتهدوا لتكوين علماء لبلدهم؛ فإنَّ جميع بلاد المسلمين بحاجة إلى علماء ربَّانيِّين.

والجزائر أحوجُ بلاد الله إليهم، فقد أقفرت أرضُها منهم، والشعبُ متديِّنٌ، لكنَّه أضحى ـ بعد جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين ـ كغنَم بلا راعٍ، فلذلك استخفَّه كلُّ داعٍ، كما قيل:

أتاني هواها قبل أن أعرفَ الهوى فصادف قلبًا خاليًا فتمكَّنا فأدرِكوا أُمَّتَكم بصناعةِ علماء يحميكم بهم الله، قبل أن يُداهمكم ما هو شرٌّ من هذه الدواهي، وتغشاكم حيرةٌ ليس لها من دون الله كاشفة!!

وانتخبوا لَها من أبنائكم أوقدَهم قريحة، وأبرَّهم نصيحة، وأسدَّهم نظرًا، وأوفرَهم ذكاءً، وأغزرهم حفظًا، وأزكاهم زكاءً.

وما وُجد العلماء إلاَّ كانوا لقومهم أمنةً من كلِّ مبتدِعٍ معاندٍ، وحفظًا من كلِّ شيطان مارِد!

وأرجو أن تتأمَّلوا هذه القصَّةَ الآتية: فعن يزيد الفقير قال: (( كنتُ قد شَغَفَنِي رأيٌ من رأي الخوارج ، فخرجنا في عِصابةٍ ذوي عدد نريد أن نَحجَّ، ثمَّ نخرجَ على الناس ، قال: فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله يُحدِّث القومَ ـ جالسٌ إلى ساريةٍ ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: فإذا هو قد ذكر الجهنَّميِّين ، قال: فقلتُ له: يا صاحبَ رسول الله! ما هذا الذي تُحدِّثون؟ والله يقول: ( إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ) [آل عمران 192]، و ( كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ) [السجدة 20]، فما هذا الذي تقولون؟

قال: فقال: أتقرأُ القرآنَ؟ قلتُ: نعم!

قال: فهل سمعتَ بِمقام محمد صلى الله عليه وسلم ، يعني الذي يبعثه فيه؟ قلتُ: نعم!

قال: فإنَّه مقام محمد صلى الله عليه وسلم المحمود الذي يُخرج اللهُ به مَن يُخرج .

[ص-119] قال: ثمَّ نَعتَ وضعَ الصِّراط ومرَّ الناس عليه، قال: وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك.

قال: غير أنَّه قد زعم أنَّ قومًا يَخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها، قال: يعني فيخرجون كأنَّهم عيدان السماسم، قال: فيدخلون نهرًا من أنهار الجنَّة فيغتسلون فيه، فيخرجون كأنَّهم القراطيس.

فرجعنا، قلنا: وَيْحَكم! أَتَروْنَ الشيخَ يَكذِبُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!

فرجعنا، فلا ـ والله! ـ ما خرج منَّا غيرُ رَجل واحد ))، أو كما قال أبو نعيم .

والشاهدُ من القصَّة ظاهرٌ من فقرته الأخيرة؛ إذ عَصَم الله المسلمينَ من شرِّ الخوارج يومئذٍ بِما بثَّه جابرٌ من علمٍ وَرِثه من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وينبغي التنبُّه هنا إلى أثر العقيدة الصحيحة في تثبيت الحقِّ وردِّ الباطل، مع ذلك فقد طاب لقومٍ دعوةٌ مع الإعراض عنها استهانة بأثرها، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

وواقعُ الجزائر مَخوفٌ، ولو زالت عنه الفتنة الآن؛ فإنَّ بلادًا بلا عُلماء ثغرٌ لا يُسَدُّ، ما حلَّ به عدوٌ فكريٌّ إلاَّ توطَّن، وفي مثل هذه المجتمعات البريئة تعيش الأوبِئةُ.

وهذا البلد قد أغناه الله عزَّ وجلَّ بعلماء في الطبِّ والهندسة والرياضيات وما إليها، والحمد لله.

كما أغناه الله بـ (فقهاء الواقع!)، أعني الذين يَستَهويهم مُطاردة الإذاعات والجرائد، والأمر لله.

لكن العلماء الذين أعني هم طِرازٌ نَدَرَ فأَنذَرَ!

لذلك أقول: علماء لا مُفكِّرين! وفقهاء لا متفقِّهة مزَوِّرين! ومجتهدين لا (دعاة) !

على موائد الكتاب والسنة تربَّوا، ومِن معتقَد السَّلف نَهَلوا حتَّى ارتوَوْا.

النتيجة الخامسة: المُعرِضون عن الهدي النبوي لا يَجنون إلاَّ الخيبة إنَّ المتضَلِّعَ من العلوم الشرعية يستفيد أولَّ ما يستفيد من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في مجاهدة الباطل؛ حتى يرسخَ في القلب أنَّ ما من جماعةٍ تُخالفُ هديَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلاَّ نتجَ عن ذلك الذِّلَّة والهَوَان، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : جُعل الذِّلَّةُ والصَّغارُ على من خالف أمري .

[ص-120] وما يَعيشُه كثيرٌ من الجماعات الإسلامية ليس ابتلاءً بقَدْر ما هو عقوبة من الله؛ لأنَّ الابتلاءَ يعقبُه النَّصر كما هو معلوم، فأين انتصارُ الحقِّ عند هؤلاء، وقد شُوِّهت صورتُه بسببهم؟!

وهذه نتيجةٌ حتميَّةٌ للمخالفة، وعلى هذا فليست العبرة في تكثيف النشاط والتظاهر بالغيرة على الدين في ليلٍ من ظلمات المخالفات، ولكن العبرة في إصابة طريق النبيِّ صلى الله عليه وسلم الذي قال: مَن رغِبَ عن سُنَّتِي فليس منِّي ، والله المستعان.

هذا، وقد جمعت هذه النخبة الطيِّبة من أقاويل أهل العلم المعتَبَرين؛ حفظًا لدِين المسلمين وصيانةً لأعراضهم، وحفاظًا على أموالهم، وحقنًا لدمائهم، والله من وراء القصد وهو يهدي السَّبيل.

فتاوى العلماء الأكابر فيما أُهدر من دماء في الجزائر 129 فتاوى العلماء الأكابر فيما أُهدر من دماء في الجزائر

-- موقع السكينة

المرفقات

المرفقات المرفقات

التعليقات

  1. lمن اولة ان الاخوان اهل دين وازا كانو اهل دعوة مكان حدث ما يحدث الان

  2. هم الان يدعون للاقتتال من يقتل من انا لاافهم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*