الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » علاقة التطرف بالفقر والإقصاء

علاقة التطرف بالفقر والإقصاء

علاقة التطرف بالفقر والإقصاء

هناك من يفسر ظاهرة الغلو المؤدية للإرهاب بأنها ناتجة عن تحزبات لمجموعات تعي كل مجموعة منها العالم من حولها بإدراك وفهم يناقض إدراك وفهم البقية، وهكذا تتجاذب هذه التحزبات العالم لأقطاب متناقضة: فهي الخير وما سواها الشر، ومن معها صديق ومن يخالفها عدو. وفي حال قبول هذا التقسيم المفترض، يمكن الزعم أن التناقض وما يتبعه من تناحر يؤديان إلى تنافر اقتصادي ـ اجتماعي. وعلى صلة بهذا التنظير، هناك من يربط التطرف بالفقر والإقصاء. ورغم أن الفقر بمفرده لا يؤدي إلى التطرف لكنه إذا ما اجتمع مع عوامل أخرى فقد يؤدي إلى تكوين بيئة حاضنة ومساندة للتطرف والإرهاب.

تتكون الورقة من ستة أجزاء، يتناول الجزء الأول التوازن الاقتصادي ويبين المقصود منه وظروف تحققه، أما الجزء الثاني فيعرض بإيجاز لنظرة الإسلام الاقتصادية الاجتماعية ومعالجته للفقر والعوز ضمن أمور أخرى، فيما يعرض الجزء الثالث للاقتصاد السعودي منذ بداياته وتأثير النفط والتحديات الاقتصادية وغير الاقتصادية التي تعامل معها ويعرض لتجربته مع إعادة الهيكلة منذ ما يقارب من 50 سنة. ويركز الجزء الرابع من الورقة على سوق العمل السعودي من حيث ضبط السوق والتعامل مع اختلالاته وتناول البطالة بين السعوديين وعمل المرأة وأهمية النظر لتأهيل المواطن لسوق العمل باعتباره تعزيزًا للقدرة التنافسية.

أما الجزء الخامس والأخير من الورقة فيتمحور حول مستقبل الاقتصاد السعودي من حيث الأداء وأهمية الشفافية والمحاسبة ودور الحكومة في الإصلاح الاقتصادي. وتختتم الورقة بسرد عدد من النتائج والتوصيات.

تسعى الورقة لبيان أن إحدى تحديات التنمية التي تواجه الحكومة السعودية هي: الاستجابة للاحتياجات الأساسية للسكان رغبة في تعزيز تماسك المجتمع وتحصينه ضد الاستقطاب البغيض المضعف للحمة الوطنية، وبما يقوي من قدرة المجتمع وأفراده على تغليب فضائل التسامح دون تفريط وتقديم واجب عمارة الأرض كأداة لتقوية الذات وتحقيق طموحات الفرد والمجتمع السعودي. وبالتأكيد، فلعل المدخل هو إعادة هيكلة توظيف إيرادات الخزانة العامة لتوليد معدلات نمو اقتصادي مستقر الصعود يعزز الاستقرار الاجتماعي في البلاد عبر إبعاد استشراء ظواهر البطالة والفقر واجتثاث مظاهر الحرمان وتبعات التنمية غير المتوازنة.

رغم عدم جدوى تبرير مساعي أصحاب الطرق المتطرفة، وخصوصًا تلك المرتبطة بفرض الرأي بالقوة، أو بمصادرة آراء الآخرين وحجبها بالإرهاب والتكميم والتعتيم والتشويه.. يمكن الجدل أن التعاملات التي تفقد المجتمع توازنه، هي أحد دوافع الاختلال الاجتماعي والتطرف الاقتصادي. وعند تناول الشأن الاقتصادي، نجد أن اختلالاته تساهم في تفشي ظواهر تنخر في المجتمع، فمثلاً من كان يعمل ثم فقد عمله لسبب أو لآخر، فقد انقلب حاله ـ نتيجة فقده مصدر رزقه ـ من الغنى إلى الفقر.. فإن تفشت البطالة أدى ذلك لانتشار الفقر؛ فيتعاظم الإنفاق على الفقراء ويثقل بذلك العبء على المجتمع. فإن لم يقم أفراد المجتمع بمسئولياتهم، ازداد الفقر انتشارًا من جهة وأدى إهمال الأفراد إعانة أقاربهم لإحالتهم إلى بيت المال. وبذلك يؤدي الفقر إلى امتصاص فوائض الأموال الخاصة وأموال بيت المال، فتضعف بذلك الدولة وقدرتها على الإنفاق على الأبواب الأخرى. ويمكن تطبيق ذات التحليل على بقية الظواهر الاجتماعية السلبية، فهي تتحول في نهاية المطاف لتجذب المجتمع ـ بما في ذلك موارده وثرواته ـ للخلف، انطلاقًا من أنها ظواهر تساهم «سلبًا»، وهي بذلك تقدم قيمة مضافة «سالبة» للاقتصاد الوطني من خلال إهدار موارده البشرية وتبديد ثرواته المادية وتفويت فرص الاستثمار عليه.

لقد رسم الإسلام طرائق محددة لتنمية المُلك، ومنع أخرى. فقد منع تنمية المُلك بالقمار أو بالربا أو بالغبن الفاحش أو بالتدليس في البيع أو بالاحتكار، كما منع الإسلام التسعيرّ (أي تحديد الأسعار). وقيد الإسلام الحرية الاقتصادية للفرد في حال خروجه عن التعامل العاقل مع المال، فمنعه من الإسراف في الإنفاق (وهو السفه)، ومن الترف (وهو البطر أو الفساد)، ومن التقتير (وهو الحرمان مع القدرة). أما سوء توزيع الثروة ـ من وجهة نظر الإسلام ـ فيحدث عند اقتصار تداول الثروة على فئة محدودة من المجتمع، ذلك أن الإسلام وضع صيغًا تجعل تداول الثروة شأنًا عامًا وليس ممارسة نخبوية. ومعالجة الاختلال في التوازن الاقتصادي تحققه الدولة بأن تعطي من بيت المال من لا مال له بما يكفي احتياجاته الأساسية، ولا تفرض ضرائب تصاعدية من أجل إعادة التوازن.. أي إنها لا تأخذ من الغني لتعطي الفقير، بل تأخذ من بيت المال لتعطي الفقير. كما أن سوء توزيع الثروة يحدث عند كنز المال، أي جمع المال لغير حاجة، وإخراجه بذلك من عجلة الاقتصاد، بما يبطئ النمو نتيجة لعدم استثمار الفرص الواعدة وما يؤدي ذلك للحد من المعروض من فرص العمل، ولعل أوضح صورة للكنز هو «ترحيل» الأموال خارج نطاق الاقتصاد المحلي وحفظها في الخارج، فتتقوى بها اقتصاديات أخرى، فتولد بها فرصًا لأبنائها وتستثمر في بناء مصانعها وإحياء مزارعها وتكثيف خدماتها.

ولعل من المناسب التعريج سريعًا على بداية تأسيس المملكة لاستذكار الأوضاع الاقتصادية السائدة آنئذ، فعند عبور الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود الصحراء من ساحل الخليج العربي في الكويت إلى الرياض في أواسط هضبة نجد، لم يك في جزيرة العرب أثر لما أحدثته الثورة الصناعية في الغرب من سيطرة الآلة على الأنشطة الاقتصادية الرئيسية بما في ذلك من ميكنة للصناعة وللزراعة وانتشار للسيارة كوسيلة نقل وقبلها القطار، وما تمخض عن زيادة النشاط الاقتصادي من نشوء أسواق مالية (البورصة)، وظهور حركة الإدارة العلمية في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن انتشار وسائل الاتصال المتطورة مثل اللاسلكي ولاحقًا الهاتف. وفيما انحصر نشاط القوة الاستعمارية البريطانية على سواحل الجزيرة، لم تحظ الجزيرة بأي اهتمام اقتصادي يذكر، رغم أن استثمارات أوروبا الغربية في الخارج بلغت الأربعين مليار جنيهًا إسترلينيًا حتى العام 1914م. هكذا.. نجد أن التحديات الاقتصادية أمام الدولة الوليدة كانت قاسية بالفعل داخليًا وخارجيًا. لكن التوجهات الاقتصادية للدولة كانت منفتحة اتجاه القطاع الخاص، فالحكومة تريد للقطاع الأهلي أن ينتعش نشاطه الاقتصادي حتى يسهم في تمويل متطلبات الخزانة العامة، التي كان مصدرها الأساس جباية الضرائب والرسوم.

وقبل اكتشاف النفط كانت البلاد تعتمد في تأمين احتياجاتها من العملات الأجنبية على ما يجلبه الحجاج وعلى بعض الإعانات الخارجية. ومنذ البداية ظهر من المحللين من كان مقتنعًا أن الصعوبة التي ستواجه الدولة السعودية الفتية ليست دينية أو سياسية بل اقتصادية بحتة، متكئين على مفاهيم أساسية: أن الحج مورد اقتصادي يتغير تبعًا للأوضاع الخارجية، وأن تجارة اللؤلؤ في الخليج العربي متردية، وأن تجارة الجمال في طور الفناء. يضاف لذلك أن وقوع بعض المتابعين الغربيين تحت تأثير متطلبات الحرب والسلام في أواخر العشرينيات «وقد أوشك الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل على إكمال توحيد المملكة العربية السعودية» جعلهم يطرحون تساؤلاً: لقد نجح الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن في الحرب، فكيف سينجح في السلم في بلد معدم؟ ولعل مصدر حيرتهم يكمن في اعتقادهم صعوبة التوفيق بين أمرين:

1- أن توزيع وإعادة توزيع الثروة في أنحاء شتى من جزيرة العرب تحقق تقليديًا من خلال «الغزو».

2- أن الملك عبد العزيز قد حظر «الغزو».

لكن كل هذا لم يعيق توجه الملك المؤسس من صياغة برنامج تنموي والسعي حثيثًا لإنجازه، ولعل من المفيد بيان العناصر الرئيسة للبرنامج:

1- شواطئ المملكة تزيد على 2000 ميل لكن ليس لدينا موانئ مناسبة. ولذا من المهم بناء ميناء في قرية الدمام، وآخر في جدة لاستقبال البواخر الكبيرة.

2- توفير مياه الشرب لمدينة جدة.

3- توفير مياه الشرب وخدمة الصرف الصحي والطاقة الكهربية لمكة والمدينة.

4- توفير الطاقة الكهربية لمدينة الرياض.

5- مسح لموارد المياه في البلاد، بناء وإصلاح السدود للاستفادة من مياه الأمطار، واستخدام المضخات لجلب مياه الآبار.

6- توفير الرعاية الطبية للمواطنين في أنحاء البلاد.

7 – سكة حديد تمتد في مرحلتها الأولى من الرياض إلى الخليج العربي عبر الهفوف، ثم إعادة بناء خط الحجاز، والمرحلة الثالثة لربط هذين الخطين.

8- توسيع خدمة الطيران لتشمل أنحاء البلاد، والاتصال بالدول المجاورة.

9- إقامة مقاسم للهاتف في المدن الرئيسية.

10 – إقامة شبكة للاسلكي عبر المملكة وإلى العالم الخارجي. ورغم تواصل العمل في المشاريع الرائدة، يبدو أن التطورات في قطاع النفط كانت الأهم على الساحة الاقتصادية في بداية الخمسينيات، ففي العام 1950م اكتمل العمل في خط أنابيب «التابلاين»، وارتفع إنتاج المملكة من النفط بمقدار النصف من 400 ألف إلى 600 ألف برميل. وفي مجال البنية التحتية فقد اكتمل العمل في أرصفة ميناءي جدة والدمام، وجزء من الخط الحديدي بين الرياض والدمام، وتواصل العمل في بناء المطارات.

ولعل من المناسب بيان أن أول إعادة هيكلة عايشتها الدولة السعودية الحديثة بعد تأسيسها بدأت بصدور قرار مجلس الوزراء في 11 مايو 1958، الذي نص ضمن أمور أخرى على صدور ميزانية سنوية للدولة، ووضع ضوابط لعمل الوزراء. وتبع ذلك القرار خفض فعلي كبير في إنفاق الدولة دونما استثناء بما في ذلك الخاصية والإنفاق العسكري لصالح تسديد الديون. وشهدت الواردات تراجعًا خصوصًا في السلع الكمالية وسلع الرفاه فقد فرضت الحكومة حظرًا مؤقتًا على استيراد السيارات.

وحاليًا، يتواتر الحديث عن الإصلاح باعتباره ضرورة لتنهض الدولة لتحديات لا مناص عن التعامل معها. وهنا لابد من الإقرار بأن مبرر تبني أي دولة لبرنامج للإصلاح الاقتصادي هو تطوير اقتصادها وتحسين أدائه. فإذا كان هذا الفرض مقبولاً، يمكن الجدل أن تقدم الاقتصادات تاريخيًا هو رهن معطيات محددة، يأتي على رأسها توافر موارد بشرية مؤهلة وذات مهارات عالية، تقوم على مفهوم تقسيم العمل رغبة في التخصص وبما يعزز الميزة النسبية. وعند مزاوجة هذا المفهوم مع توظيف رأس المال لتعزيز إنتاجية العامل، نجد أن الموارد البشرية وتنميتها يمثل أساسًا لأي برنامج للتطوير الاقتصادي، وخصوصًا البرامج التي ترمي لتحسين الكفاءة والقدرة التنافسية.

ومن ناحية أخرى، فما يصدق على السلع والخدمات في اقتصاد السوق ينطبق حكمًا على عناصر الإنتاج، ومن تلك العناصر الموارد البشرية. ولعل الفارق أن المجتمع بحاجة للاستثمار لتطوير عناصر الإنتاج حتى يتمكن من توظيفها. هذا ما حدث منذ عقود لاستغلال الثروة النفطية، وما يحدث حاليًا للاستفادة من الغاز، وقبل ذلك من الثروة المعدنية.. والموارد البشرية هي موارد خام يرمي الاستثمار فيها تزويدها بمهارات مطلوبة في سوق العمل.

وفي الوقت الراهن، نجد أن هناك طلبًا متزايدًا على السعوديين والسعوديات من أصحاب المهارات التي تؤديها العمالة الوافدة، وذلك طبيعي أخذًا بالاعتبار لبرنامج السعودة وما ينادي به ذلك البرنامج من إحلال للسعوديين محل غير السعوديين وبمعدلات عالية. وبصورة أكثر دقة، ينادي برنامج الإحلال بتقليص العمالة الوافدة بمعدل سنوي متوسطه 57.2 بالمائة في المدى المتوسط، وبمعدل 25.2 بالمائة سنويًا في المتوسط على المدى البعيد. وبالمقابل من المتوقع أن ترتفع العمالة السعودية (وفقا للإسقاطات الرسمية) بمعدل سنوي متوسطه 69.4 بالمائة و 66.4 بالمائة في المدى المتوسط والبعيد على التوالي. ووفقًا لهذه الإسقاطات فسيدخل سوق العمل السعودي أكثر من 800 ألف على مدى سنوات الخطة الخمسية السابعة (أي بمعدل بتجاوز 160 ألفا وظيفة سنويًا)، منها نحو 490 ألف وظيفة إحلال.

ولعل من المفيد بيان أن سوق العمل السعودية بوضعه الحالي يعاني من تشوهات، يجب إصلاحها. ويتحقق ذلك باستحقاقات متنوعة، لعل أهمها إجمالاً امتلاك رؤية، وتقنين سياسات تضبط سوق العمل برمته. وعمليًا، لابد من إيجاد آلية مركزية لضبط السوق، عبر متابعتها الحثيثة والتعرف على إيقاعها و«معايرة» ذلك الإيقاع مع ما ترمي له الاستراتيجية.. فإن كان الإيقاع نشازًا أو خارج المقبول فلابد من تعديل السياسات والسعي لسرعة تطبيقها في الميدان، وبعد ذلك وقبله متابعة السوق اعتمادًا إلى بيانات مستقاة من المصادر مباشرة.

ومع ذلك لعل من المناسب التأكيد أن سوق العمل لا تستجيب في المدى القصير للتغيرات في العرض والطلب، لكنها مضطرة للاستجابة على المدى المتوسط والبعيد. وهنا تكمن الفرصة والمحذور: فعدم ضبط السوق لن تتضح آثاره إلا بعد حين، وكذلك فآثار الضبط وتوجيه السوق للتخلص من تشوهاتها لن تتمكن من قوى السوق إلا بعد حين.. وهذا يعني أننا مضطرون التعامل مع السوق وفق رؤية استراتيجية لا تتزعزع، وليس نزولاً عند ضغوط اللحظة.

ولعل من المقبول القول كذلك إن تحقيق الهدف الاستراتيجي وهو زيادة الاعتماد على العمالة المواطنة، وبالطموح الذي ترغبه الحكومة الموقرة، يمثل تحديًا ضخمًا، الشق الأول منه يرمي لزيادة عدد العمالة السعودية من قرابة 4.3 مليونا حاليًا إلى 3.8 مليونًا في العام 2020. وهذا يعني تعليم وتدريب وتأهيل لمئات الآلاف من السعوديين والسعوديات. أما الشق الثاني فيعنى بخفض إجمالي العمالة الوافدة إلى قرابة النصف، ليكون إجماليها في العام 2020 نحو 5.2 مليونًا حسب الإسقاطات الرسمية. وبطبيعة الحال، يتطلب تطلع مع هذا الوزن تحقق عدد من الشروط الضرورية. وستعرض الفقرات التالية لجوانب من تلك الشروط، وتحديدًا: تجنب حدوث ندرة في العمالة المؤهلة، وتجنب اكتظاظ السوق بالعمالة الوافدة.

وإجمالاً، يجب الأخذ بعين الاعتبار أن سوق العمالة في جميع الاقتصادات ليست سوقًا تنافسية بالمعنى الدقيق للكلمة، فمثلاً في المؤسسات الحكومية والشركات تصنيف وظيفي لتقسيم الموظفين إلى مجموعات.. وليس بوسع السلم التمييز بين شخص وآخر تمييزًا دقيقًا، بل ستجد مهندسين يحتلان تصنيفًا واحدًا رغم وجود فوارق بينهما. والنقطة المهمة هنا، وجود قبول لدى الاقتصاديين بأن الأجور والمزايا لا تتغير في المدى القصير وفقًا لندرة أو وفرة المهارة في السوق، ولذا كان القول بأن السوق ليست تنافسية. ولعل من المناسب اختتام هذه النقطة ببيان أن سوق العمل قد تصبح أكثر استجابة لتحقيق التوازن ذاتيًا، لكن بعد امتلاكها النضج وتخلصها من تشوهاتها الهيكلية الحاضرة. فمن حق العمالة المحلية الاستفادة من الفرص في سوق العمل، وأن ينفذ برنامج السعودة بالتزام يفسح المجال للأعداد المتدفقة من السعوديين التأهل لدخول سوق العمل..

ولعل من الضروري تفهم أن إنجاز البرنامج يتطلب جهودًا متكاملة، فلن يذهب البرنامج بعيدًا إن لم يعمل بتكامل بين سياسات تقليص العمالة الوافدة وبين سياسات إحلال العمالة المحلية. ولا يجب النظر لنهج الإحلال انه محاولة للانغلاق في وقت الانفتاح العالمي، إذ ليس معقولاً إبقاء المواطن عاطلاً وليس مطروحًا إرساله للخارج للعمل هناك.. وبذلك يبقى الخيار المنطقي وهو ما يتبع حاليًا. ثم إن أكثر الدول رأسمالية تحفظ فرص العمل لمواطنيها، بل إن ما نشاهده كل يوم من إضرابات في مراتع الرأسمالية والحديث حول محاربة العولمة هناك تتصدره وتحركه نقابات العمال وتنظيماتهم، فهم هلعون من فقدان وظائفهم نتيجة لمنافسة منتجات أجنبية ستتدفق بدون عوائق، صنعها عمال أقل تكلفة في الدول النامية.

والنقطة هنا ترمي لإبراز أهمية المواءمة بين معطيات اقتصاد السوق وتنمية الموارد الوطنية وتحديدًا البشري منها، وذلك عبر تناغم الجهود وتكامل السياسات فيما بين المؤسسات المعنية لتحقيق التوازن في سوق العمل اعتمادًا على الموارد البشرية المحلية قدر الإمكان. وهذا يعني أن تعمل عناصر منظومة سوق العمل بتقارب شديد، وليس هذا مطلب صعب فهي منظومة متشابكة الاهتمامات بطبيعتها وتشمل الجامعات ومؤسسات التعليم العالي الأخرى، بالإضافة كما سبقت الإشارة ـ للأجهزة الحكومية المسؤولة عن الاستقدام وتنمية الموارد البشرية تلك المناط بها رسم سياسات القوى العاملة وعلى رأسها مجلس القوى العامة ووزارة العمل والشئون الاجتماعية ووزارة الخدمة المدنية.

والآن، كيف يعاني الاقتصاد المحلي من بطالة بين مواطنيه تقارب 10 بالمائة، وهو اقتصاد يولد فرص عمل يضطر معها الاستعانة بعمالة من خارج الحدود؟! وهو اقتصاد يتجاوز تعداد مواطنيه ممن في سن العمل( 6.7 مليون ) نسمة، فيما يقدر عدد من يعمل منهم بنحو 2.3 مليونًا. وفوق هذا فلا يجوز النظر للعمل انه مجرد مصدر للرزق، ولعله كذلك.. لكن العمل هو ـ في حقيقة الأمر ـ شرف المشاركة في بناء الوطن، وهذا الشرف يجب أن يكون حقًا مكتسبًا ومتاحًا لأبناء الوطن وبناته.

وقد لا يحبذ البعض تقليص العمالة الوافدة، لكن في التقليص عودة لطبيعة الأشياء: ففيما عدا منطقة الخليج العربي، من المتعذر أن يدخل أحد سوق العمل إلا إذا كانت تعاني عجزًا وليس عزوفًا، وهذا هو الوضع في اليابان وسنغافورة وحتى في الهند والدول العربية المصدرة للعمالة.. فسوق العمل إجمالاً مغلقة، باعتبار أن العمل حق للمواطنين والمواطنات. ونظرًا لوجود عشرات الآلاف من المواطنين والمواطنات عاطلين، يمكن القول إن مرد تلك الظاهرة عزوف قائم إجمالاً على عدم ملاءمة الراتب وبيئة العمل وليس رفض العمل من حيث المبدأ. وإلا فإن الأمر المشاهد في جنبات المملكة أن الفتيات لا يمانعن في الارتحال لمئات الكيلومترات في سبيل الحصول على فرصة عمل.. هذا عند توافر حد مقبول من الأجر وشروط تتعلق ببيئة عمل تستجيب للقيم والأصول المرعية في مجتمعنا.

إضافة لقضية الموارد البشرية، فإعادة صياغة الاستراتيجية الاقتصادية للبلاد لتحقيق نتائج في عالم أكثر تنافسية يتطلب أكثر من مجرد استيفاء توسيع دور القطاع الخاص والانفتاح الاقتصادي الخصخصة. فمن الخطأ الظن أن الدخول في عضوية نادي العولمة هو بحد ذاته مزية، فغاية ما تقدمه العضوية رفع الضرر أو التخفيف منه. بل حتى منع الضرر عن الدول في عصر العولمة لن يأتي إلا بجهد عنيد تحركه رؤية، فتحقيق مكاسب يتطلب جهدًا منفصلاً ولكن منسجمًا مع التزامات منظمة التجارة العالمية. إذًا، ولتحقيق نتائج لابد من العمل على مستويين:

1- التنويع الاقتصادي: أخذ مبادرة ضمن إطار زمني محدد لتحسين الاستفادة من الموارد الحالية تعزيزًا لمطلب التنوع الاقتصادي للخروج من شرنقة النفط.

2- مبادرة استشرافية: صياغة مبادرة ضمن إطار زمني محدد تربط بين الخطوة أعلاه (إصلاح الهيكل الاقتصادي القائم) وبين امتلاك أدوات استيعاب الأنشطة الاقتصادية المستجدة والعالية النمو، لإيجاد بيئة منافسة وحاضنة للأنشطة والممارسات الاقتصادية الحديثة. وباعتبار إنجازات الماضي، فالاقتصاد السعودي يملك الإمكانات، وسبق أن وظفها وحقق نتائج يجب ألا تغيب عن الذهن فنحن بصدد مواصلة مسيرة وليس البدء من جديد! ومن القناعات المحركة أن القضية ليست مجرد نفط. ونتيجة تلك القناعات أن تعددت مصادر الناتج المحلي الإجمالي كالتالي: 7 بالمائة زراعة، 10 بالمائة صناعة تحويلية، 46 بالمائة خدمات، 37 بالمائة نفط. ومن حيث قيمة الناتج، يحل الاقتصاد السعودي ثانيًا في منطقة الشرق الأوسط بعد تركيا، متجاوزًا اقتصادات اليونان وإيران و«إسرائيل» وباكستان. وهو الأول عربيًا من حيث قيمة الناتج المحلي الإجمالي (يمثل نحو 23 بالمائة من الاقتصاد العربي)، والأول من حيث صادرات الصناعة التحويلية (نحو 27 بالمائة من الصادرات الصناعية العربية)، والأول عربيًا في أنشطة عدة بمعيار القيمة المضافة، مثل: التشييد والبناء، والنقل والمواصلات، والإسكان والمرافق والخدمات الحكومية. ويحل ثانيًا (3.13 مليار دولار)، بعد مصر (3.16 مليار دولار) في ناتج الصناعة التحويلية، وتمثل الصناعات الكيماوية والبتروكيماوية نحو 38 بالمائة من القيمة المضافة للصناعة التحويلية، ويأتي ثانيًا في نشاط التمويل والتأمين والمصارف (8.5 مليار دولار) بعد مصر (7.16 مليار دولار).

وتختتم الورقة بعدد من النتائج والتوصيات، ندرجها فيما يلي:

النتائج :

1- رغم أن الفقر بمفرده لا يؤدي إلى التطرف لكنه إذا ما اجتمع مع عوامل أخرى فقد يؤدي إلى تكوين بيئة حاضنة ومساندة للتطرف والإرهاب.

2- أن الظواهر الاجتماعية السلبية تجذب المجتمع ـ بما في ذلك موارده وثرواته ـ للخلف، وهي بذلك تقدم قيمة مضافة «سالبة» للاقتصاد الوطني من خلال إهدار موارده البشرية وتبديد ثرواته المادية وتفويت فرص الاستثمار عليه.

3- تعالج الدولة الاختلال في التوازن الاقتصادي بأن تعطي من بيت المال من لا مال له بما يكفي احتياجاته الأساسية، ولا تفرض ضرائب تصاعدية من أجل إعادة التوازن.. أي أنها لا تأخذ من الغني لتعطي الفقير، بل تأخذ من بيت المال لتعطي الفقير، وفي حال عدم كفاية ما في بيت المال للقيام بالالتزامات الواجبة تجبى الأموال من أفراد المجتمع القادرين.

4- كان للملك عبد العزيز أجندة اقتصادية أساسية: تأمين الاحتياجات الأساسية لرفاه المواطن، ثم تأتي بقية الأمور مثل الطرق ووسائل المواصلات والاتصال والصحة.

5- أن إحدى تحديات التنمية التي تواجه الحكومة السعودية هي: الاستجابة للاحتياجات الأساسية للسكان؛ رغبة في تعزيز تماسك المجتمع وتحصينه ضد الاستقطاب البغيض المضعف للحمة الوطنية، وبما يقوي من قدرة المجتمع وأفراده على تغليب فضائل التسامح دون تفريط وتقديم واجب عمارة الأرض كأداة لتقوية الذات وتحقيق طموحات الفرد والمجتمع السعودي.

6- أن الاستجابة لمتطلبات السكان و النمو الإيجابي لن تتحققا بخفض الإنفاق الحكومي، بل يتطلب مشاركة القطاع الخاص بزيادة الإنتاج وبالحفاظ على مستوى الطلب المحلي، حتى لا يؤثر خفض الإنفاق الحكومي سلبًا على الاستثمار، وبالتالي النمو الاقتصادي، ومن ثمة مستوى الرفاه الاقتصادي والاجتماعي للمواطن.

7- أن تنمية الموارد البشرية تمثل أساسًا لأي برنامج إصلاح اقتصادي، وخصوصًا البرامج التي ترمي لتحسين الكفاءة والقدرة التنافسية، لاسيما أن الاقتصاد المحلي يعاني من بطالة متصاعدة بين مواطنيه تقارب 10 بالمائة، وهو اقتصاد يولد فرص عمل يضطر معها الاستعانة بعمالة من خارج الحدود، وهو اقتصاد يتجاوز تعداد مواطنيه ممن في سن العمل ( 6.7 مليون ) نسمة، فيما يقدر عدد من يعمل منهم بنحو 2.3 مليونًا.

8- أن الإنفاق الفعلي العام في سنوات الخطة الخمسية السادسة، طبقًا للبيانات الرسمية، بلغ 967 مليار ريال تقريبًا، في حين أن المصروفات التقديرية لسنوات تلك الخطة كانت في حدود 842 مليار ريال. وحققت الموازنات العامة خلال سنوات الخطة عجزًا إجمالية نحو 147 مليار ريال، رغبة في توفير الأموال الكافية لتمويل متطلبات الخطة، لكن مشاريع الخطة لم تنفذ بالكامل.

 

التوصيات :

1- إعادة توزيع إيرادات الخزانة العامة بغرض حفز معدل نمو الاقتصاد بما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويساهم في إبعاد شبح استشراء ظواهر البطالة والفقر ويساعد في اجتثاث مظاهر الحرمان وتبعات التنمية غير المتوازنة.

2- أهمية استذكار وتحليل تجربة إعادة الهيكلة التي انطلقت بصدور قرار مجلس الوزراء في 11 مايو 1958، الذي نص ضمن أمور أخرى على صدور ميزانية سنوية للدولة، ووضع ضوابط لعمل الوزراء. وتبع ذلك القرار خفض فعلي كبير في إنفاق الدولة دونما استثناء بما في ذلك الخاصية والإنفاق العسكري لصالح تسديد الديون.

3- لإعادة التوازن لسوق العمل، فضروري تعزيز دور مجلس القوى العاملة في وضع السياسات المنظمة لسوق العمل السعودي، ومتابعة مستمرة لمستويات الإنجاز وتعديل السياسات وفقًا لمعطيات الواقع وبما ينجز زيادة الاعتماد على الموارد البشرية المواطنة المؤهلة.

4- مساندة المرأة القادرة والراغبة كي تعمل تلبية لاحتياجاتها وأسرتها ومجتمعها، والتوسع في ذلك بالقدر الذي لا يتعارض مع تعاليم الشريعة المطهرة. وتحقيق ذلك بحاجة لسياسات وإجراءات ملائمة، فالأمر يتعلق بالمخزون البشري المواطن وبمراكمة الخبرات والمهارات، وبتوفير مليارات الريالات من أموال البلاد. ولا يمكن التهاون في أهمية التعامل مع هذه القضية تعاملاً حصيفًا متمعنًا.

5- تحريك النمو وفق منظومة منسجمة في الاستراتيجيات والسياسات والآليات المتعلقة بتنمية الموارد البشرية والموارد الطبيعية وتكوين رأس المال الثابت والتقنية.

6- الإصرار على تنفيذ الخطط التنموية بالكامل وبحذافيرها، فهي الأداة لتعميم الرفاه المتوازن في أنحاء المملكة في القرى والبلدات والهجر كما في العواصم والمدن الرئيسية.

7- الإصرار على تحقيق الشفافية والمحاسبة، انطلاقًا من أن من حق المواطن معرفة ما يدور، وأن الشفافية ستدخل قدرًا كبيرًا من الارتياح في نفوس المواطنين، فهي تبين عمليًا لكل منهم، ما يتعلق به وبأسرته وجيرانه، ومتى سينفذ، والتبرير في حالة عدم التنفيذ وبيان الأسباب والمتسببين.

8- إعادة هيكلة الإنفاق العام ليستند إلى قائمة أولويات تتعامل دون مواربة مع الواقع على الأرض، ومكونات هذه القائمة تتغير وتتبدل طبقًا لتغير وتبدل الواقع، وهذا يتطلب تطوير ميزانية الأبواب الأربعة المعمول بها حاليًا.

د.إحسان بن علي بوحليقة

-- د.إحسان بن علي بوحليقة

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*