الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » جهود أئمة الدعوة السلفية بنجد في التصدي للعنف والإرهاب من خلال الدعوة إلى فقه إنكار المنكر

جهود أئمة الدعوة السلفية بنجد في التصدي للعنف والإرهاب من خلال الدعوة إلى فقه إنكار المنكر

المقدمة

إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله . .

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)(سورة آل عمران الآية 102)

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )(سورة النساء الآية 1)

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا سورة الأحزاب الآية 71 يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا )(سورة الأحزاب الآية 70)

فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار .

أما بعد :

فقد أوجب الله في كتابه الكريم ، ورسوله صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة على كل مسلم القيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجاءت النصوص الشرعية تتضافر في هذا الجانب لتؤكد على أهمية هذه الشعيرة وعظيم قدرها عند الله جل وعلا ، حتى عدها بعض العلماء ركنًا من أركان الإسلام ، فعدوها ستة أركان بدلًا من خمسة .

ولأجل هذا الأمر عُني العلماء سلفًا وخلفًا بهذه الشعيرة العظيمة ، فبينوا أصولها وشرحوا أسسها .

والمتأمل لواقعنا المعاصر يلحظ وبوضوح شيئًا من ذلك الانحراف في الفقه الحقيقي لكيفية إنكار المنكر حيث طغت الغيرة على محارم الله وزادت عن الحد المشروع الذي يرضاه الله تعالى ، وتجاوز بها أصحابها في غلو لا يحكم به شرع ولا عقل ، وكان نتاج ذلك أعمال إرهابية فيها تدمير وتفجير وقتل وإرهاب ، الأمر الذي يوجب على طلبة العلم والعلماء والمفكرين والكُتَّاب القيام بدورهم في التصدي لهذه الأفكار المنحرفة وبيان ضلالها لقطع دابر الفساد والإفساد .

ولعل من أعجب ما يراه المتأمل لهذه الأحداث المعاصرة وما صاحبها من ردود أفعال ، اتهام بعضهم لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالضلوع في تغذية مثل هذا الفكر المنحرف وأنها سبب لظهوره ، في جهل واضح بحقيقة الدعوة ، ومواقف أئمتها من مثل هذه الأعمال ، ولعل للهوى دور كبير في مثل هذا الاتهام .

أسباب اختيار الموضوع :

1 – بيان جهود أئمة الدعوة السلفية في نجد في محاربة التطرف والغلو وما يتبعهما من إرهاب ، وأن مواقفهم إزاء ذلك مواقف صارمة لا تقبل التجاوز في هذا الباب .

2 – غموض موقف أئمة الدعوة السلفية بنجد من التطرف والإرهاب لدى بعض من يعدون من المثقفين والمفكرين ، وما يتبع ذلك أطروحات متطرفة تحمل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كثيرا من التبعات التي هي منها براء مما سيبينه هذا البحث بحول الله تعالى .

3 – عدم وجود دراسة علمية تتناول هذه القضية وتبرز للناس الموقف الجيد النابع من حقيقة الإسلام ضد هذه الأفكار .

4 – إبراز تحذير أئمة الدعوة السلفية بنجد من التطرف والغلو وما يتبعهما من إرهاب وإظهار بعض الفتاوى المهمة التي كتبها أئمة الدعوة في التحذير من قضايا نعيشها في واقعنا المعاصر اليوم .

5 – بيان انحراف من زعم أن منهجه المتطرف والغالي وما يتبعه هو منهج أئمة الدعوة السلفية بنجد وبيان تفنيدهم لذلك وحقيقة منهجهم .

مشكلة البحث :

يمكن تحديد مشكلة البحث في بيان الموقف الحقيقي لأئمة الدعوة السلفية في نجد من الغلو والتطرف والعنف والإرهاب ، وهل كانت تلك الدعوة تغذي التطرف والإرهاب أو هل هي سبب في ظهوره أو ظهور شيء من آثاره التي نعيشها اليوم من إرهاب وعنف .

حدود الدراسة :

ستكون الدراسة منصبة على استخراج المنهج لدى أئمة الدعوة السلفية بنجد في قضية إنكار المنكر ومحاربتهم للغلو والتطرف والعنف فيها وتجاوز المأمور به شرعًا في تطبيقها .

وسيركز الباحث على ما سطره أئمة الدعوة من العلماء والحكام ويحلل عباراتهم ويستنبط منها منهجهم العلمي في ذلك .

منهج البحث :

سيستخدم الباحث في هذا البحث المنهج التحليلي الاستنباطي حيث سيجمع النصوص الواردة عنهم في قضية إنكار المنكر وما يتعلق بها ثم يحلل عباراتهم ويدرسها بعناية مستنبطًا منها منهجيتهم في هذه القضية الهامة وسيكون ذلك وفق الخطوات الآتية :

1- جمع ما تيسر من رسائل أئمة الدعوة السلفية بنجد والكتب التي عُنيت بجمع تلك الرسائل ومؤلفاتهم واستخراج النصوص المتعلقة بالموضوع منها .

2- إجراء دراسة تحليلية لما جُمع من نصوص تتعلق بموضوع البحث واستنباط منهجهم منها .

3- التركيز على ما كتبه أئمة الدعوة السلفية بنجد دون ما نُقل عنهم ليتم الوصول إلى منهجهم دون وسائط قد تحرف البحث عن مساره .

4- الحرص على نقل عباراتهم بنصها غالبًا في الموضوع ليكون واقعيًا .

5- عزو الآيات لموضعها من كتاب الله .

6- عزو الأحاديث لمن خرجها مقدمًا الصحيحين على غيرهما .

7- الترجمة للأعلام باختصار .

قائمة المحتويات

وسوف يتكون البحث من مقدمة وتمهيد ومبحثين :

المقدمة : وفيها خطة البحث وأسباب اختيار الموضوع ومشكلة البحث وحدود الدراسة ومنهج البحث وقائمة المحتويات .

التمهيد : فيه نبذة عن الدعوة السلفية بنجد .

المبحث الأول : فقه ما يجب قبل الإنكار . وفيه ثلاثة مطالب هي :

* المطلب الأول : حقيقة فاعل المنكر .

* المطلب الثاني : التثبت وعدم العجلة .

* المطلب الثالث : العلم .

المبحث الثاني : فقه ما يجب حال الإنكار . وفيه ثلاثة مطالب هي :

* المطلب الأول : الحكم إذا ترتب على الإنكار مفسدة أعظم .

* المطلب الثاني : أسلوب الإنكار .

* المطلب الثالث : الإنكار على ولاة الأمور (الحكام) .

تمهيد

نبذة عن الدعوة السلفية بنجد :

في منتصف القرن الثاني عشر الهجري وفي قرية حريملاء التي تقع بنجد كان ظهور النشاط الأولي لدعوة تجديدية تهدف إلى إحياء الإسلام الصحيح في عقول الناس وقلوبهم ، وقد تمثلت في الواقع بما قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب من دعوة الناس إلى مبادئ الإسلام وعلى رأسها توحيد الله والتحذير من الإشراك به إذ هو ” أعظم فريضة جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم ” التي وقع فيه انحراف عظيم حتى تصاغر انحراف المشركين الأولين أمام شرك المتأخرين في أمور ، حيث اجتمع لهم الجهل وضعف العقل إذ الأولون أصح عقولًا منهم .

ولأجل هذا شمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن ساعد الجد قيامًا بواجب الدعوة إلى الله تعالى ؛ لكن الأمور لم تأت كما أراد ، فواجهته المصاعب يتلو بعضها بعضًا ؛ ففي حريملاء كاد يُقتل ثم في العيينة تم طرده بسبب دعوته ؛ حتى حط رحله في رحاب الأمير محمد بن سعود الذي لم يتاون في نصر الدعوة والقيام لأجلها ولم يثنه عن مواصلة السير في طريق مناصرة الدعوة ما واجهه في سبيلها من صعوبات كان أبرزها معاداة الجميع له ورميهم إياه عن قوس واحدة ، وما تبع ذلك من مقتل ابنيه فيصل وسعود لكن ثبت على نصر الدعوة واستمر .

ويعد المؤرخون لقاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود عام 1157هـ والبيعة المباركة التي تمت بينهما في الدرعية نقطة الانطلاقة العملية للدولة السعودية في أول أدوارها وهي كذلك الانطلاقة الفعلية للدعوة السلفية بنجد إذ منها بدأت الدعوة تأخذ طابعًا جديدًا متميزًا ؛ يظهر في وجودها ضمن كيان قام عليها ولأجلها ويهدف لحمايتها ونشرها ، ومن هنا بدأت الدعوة السلفية في نجد تأخذ تميزها ، ومما أسهم في ظهورها وبروزها أئمتها الذين يمثلهم مجموعة من الحكام الذين تعاقبوا على إدارة أزمة الأمور في الدولة السعودية ، وعلماء كان لهم دورهم البارز في نشر مبادئ الدعوة وأفكارها التي تمثل مبادئ الإسلام وأسسه ، كما كان لهم دورهم الفاعل في القيام بواجب الحماية الفكرية لتلك المبادئ العظيمة التي تمثل حقيقة الإسلام ، وهؤلاء العلماء هم الذين تتلمذوا على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ؛ أو على تلامذته ، وانتهجوا الأفكار والمبادئ نفسها التي دعا إليها الشيخ المجدد سواء كانوا من أبنائه وأحفاده أو من غيرهم .

وهؤلاء الأئمة كانوا فاعلين في الدعوة السلفية بنجد ، في أدوار الدولة التي مرت بها ، فقد كان من أبرزهم في الدور الأول : المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، والشيخ عبد العزيز الحصين وحمد بن ناصر بن معمر والشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب وغيرهم ؛ أما الحكام فقد كان منهم الأمير / محمد بن سعود ، ثم ابنه / عبد العزيز ثم ابنه / سعود ثم ابنه / عبد الله وهو آخرهم في الدور الأول . أما الدور الثاني فقد كان منهم الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ والشيخ عبد الله أبا بطين والشيخ حمد بن علي بن عتيق ومن تلامذتهم الشيخ سليمان بن سحمان والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري والشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ عمر بن محمد بن سليم والشيخ سعد بن حمد بن عتيق وغيرهم كثير ، وأبرز من ولي الحكم فيه الإمام تركي بن عبد الله وفيصل بن تركي وعبد الله بن فيصل ، وعبد الرحمن بن فيصل ، ثم الملك الموحد المجدد عبد العزيز بن عبد الرحمن في الدور الثالث .

ولا شك أن أئمة الدعوة السلفية بنجد كان يمثلون وحدة متكاملة تتكون من الحكام والعلماء وكان بينهم توافق عجيب حيث كان كلاهما يكمل دور الآخر ؛ حتى ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في معرض تأكيده على أن كليهما يكمل صاحبه ، ولا يمكن أن يصل أداؤهما إلى الدرجة المطلوبة إلا بالتعاون والتعاضد حيث قال رحمه الله : ” . . . وترى الكل من أهل الدين والأمر ما يعبد الله أحد منهم إلا برفيقه . . . ” .

المبحث الأول

فقه ما قبل الإنكار المطلب الأول – حقيقة فاعل المنكر

أدرك علماء الدعوة السلفية بنجد أن من المهم جدًا أن يدرك القائم بشعيرة إنكار المنكر حقيقة فاعل المنكر ، وذلك أن بعضهم قد يطغى عليه النظر إلى المنكر وقبحه ومخالفته لأمر الله جل وعلا ، ثم يغفل عن النظر إلى أن فاعل المنكر يبقى مسلمًا ، لا يخرجه فعل المنكر عن دائرة الإسلام ، الأمر الذي يوجب على المسلم أن يتعامل مع أخيه وفق ما جاءت به النصوص الشرعية في التعامل بين المسلمين بعضهم مع بعض وفاءً بالحقوق التي شرعها الله بينهم .

ولأجل ذلك جاءت توجيهات علماء الدعوة تؤكد وترسخ هذا المعنى ؛ في الدعوة إلى نظرة متوازنة للعاصي أو فاعل المنكر ؛ تُراعي ما فيه من الشر وما فيه من الخير ، فليس كل عاصٍ فاقدا لكل الخير ، ولأجل ذلك فالعاصي وفاعل المنكر يُبغضُ على ما فيه من الشر والمعصية ، ويُحب على ما فيه من الخير ، ولا ينبغي للمسلم أن يجعل بغضه على ما معه من الشر قاطعًا وقاضيًا على ما معه من الخير فلا يحبه .

ومن المؤكد أن إدراك هذا المعنى وفهمه وترسخه لدى القائم بهذه الشعيرة له تأثيره في أدائه ، فإذا علم أن فاعل هذا المنكر (العاصي) هو أخ له في الإسلام ، تجمع بينهما رابطة الدين ، وأدرك الحقوق العظيمة لهذا الرابط ، وحقوق أخيه المسلم عليه ، دفق هذا الشعور إلى الترفق بأخيه ، والاهتمام باختيار الأسلوب الأمثل والأفضل لإنكار المنكر وتعليم العاصي دون الإجحاف بحقه أو الإضرار به .

ومن أخطر المشكلات التي تواجه الدعوة من بعض القائمين بهذه الشعيرة هي عدم الفهم الحقيقي لهذا الأمر ، فتجد من يغفل عن هذا الأمر ؛ بل يشتط بعضهم فيتجاوزه إلى أمور خطيرة لا تصدر عمن رزقه الله علمًا وبصيرة ؛ فيرمي أخاه بالكفر ، ويخرجه من الملة لأجل معصية لا توجب ذلك .

ولإدراك أئمة الدعوة السلفية بنجد خطورة الأمر ، واحتمال بل تأكد وقوعه من بعض الغالين ؛ كانوا يحذرون من حدوث مثل هذا ، ويقفون سدًا منيعًا أمام التجاوز في هذا الباب ، ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك موقف الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ لما عُين قاضيًا في الأحساء عام أربعة وستين ومائتين وألف للهجرة النبوية ، حيث وجد فيها رجلين قد اعتزلا الجمعة والجماعة وكفرا من بتلك البلاد من المسلمين بحجج واهية وشبهات باطلة ، فأحضرهما الشيخ عبد اللطيف وكشف شبهاتهما وأدحض ضلالتهما ورد على زعمهم أن هذا هو معتقد الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب ، وبيّن لهم أن الشيخ المجدد لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر .

ولم يكتف – رحمه الله – بذلك بل كان يحذر من يشعر أن لديهم شيئًا من الانحراف في ذلك من خلال المكاتبات والرسائل ، يقول في إحداها مخاطبًا من شعر أن لديهم انحرافًا في الفهم نحو التكفير : ” وأما التكفير بهذه الأمور التي ظننتموها من مكفرات أهل الإسلام فهذا مذهب الحرورية المارقين الخارجين على علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ومن معه من الصحابة . . . ” ويقول في بيان أن التكفير لمجرد المعاصي مخالف لما عليه أئمة الإسلام من أهل السنة والجماعة : ” . . . والتجاسر على تكفير من ظاهره الإسلام من غير مستند شرعي ولا برهان مرضي يخالف ما عليه أئمة العلم من أهل السنة والجماعة وهذه الطريقة هي طريقة أهل البدع والضلال . . . ” .

ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ : ” . . . ما دون الشرك والكفر من المعاصي فلا يكفر فاعله لكنه يُنهى عنه ، وإذا أصر على كبيرة ولم يتب منها فيجب نهيه والقيام عليه ، وكل منكر يجب إنكاره ، من تَرْكِ واجبٍ أو ارتكاب محرمٍ ، لكن لا يكفر إلا من فعل مكفرًا دل الكتاب والسنة على أنه كفر ، وكذا ما اتفق العلماء على أن من فعله أو اعتقده كفر . . . ” .

ومما يتعلق بهذا الباب أمر أكد عليه أئمة الدعوة السلفية – رحمهم الله- وهو أن الواجب على المسلم قبول علانية إخوانهم ، ولا يجوز لأحد التجسس عليهم أو اتهام نياتهم ، بل الواجب أن توكل السرائر إلى الله تعالى ، ولأجل ذلك كتب الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب ٍٍِ مؤكدًا على هذا الأمر حيث يقول : ” . . . إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف منافقين بأعيانهم ويقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله ، فإذا ظهر منهم وتحقق ما يوجب جهادهم جاهدهم . . . ” وهذا كلام نفيس ، فقد أشار الشيخ فيه إلى أن العبرة ليست فقط بمجرد ظهور ما يوجب جهادهم ، بل لا بد من التحقق الكامل من ذلك ، وهذا تأكيد لوجوب التعامل مع هذا الأمر بحساسية بالغة إذ هو من أخطر الأبواب وأعظمها في إفساد المجتمع وتدميره ، فاتهام النيات ومحاكمة المقاصد والتجسس لأجل ذلك له آثاره الوخيمة وعواقبه الخطيرة على المجتمع إذ تُشغل أبناءه بعضهم ببعض مما يكون بداية النهاية له .

المطلب الثاني – التثبت وعدم العجلة

التثبت في الأمور وعدم الاستعجال منهج إسلامي متميز ؛ يحفظ على المجتمع تماسكه وتآلفه ، ويحميه من الأخطاء والزلات التي يتبعها فساد عريض ، ولأجل ذلك نبه القرآن الكريم على حكمةٍ من حكم هذا المنهج العظيم فقال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)(سورة الحجرات الآية 6) فيندم الفاعل ويتألم المتضرر .

وقد أدرك أئمة الدعوة السلفية بنجد هذا الأمر فأكدوا عليه في رسائلهم وتوجهاتهم ، يقول الشيخ محمد عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ في هذا الباب :

” . . . ينبغي لمن قصد الخير والدعوة إلى الله التوقع في الأمور والتثبت وعدم الطيش والعجلة . . . ” .

وينقسم التثبت عند أئمة الدعوة السلفية بنجد من خلال الاستقراء إلى قسمين :

أ ) التثبت من أن المنكر قد وقع على الحقيقة ؛ إذ لا يكفي أن يذكر ذلك أو أن يتردد في المجالس في إشاعات مغرضة وأقاويل مختلقة ، يتناقلها بعض من لا خلاق لهم ولا معرفة لديهم ، يقول الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب في هذا الأمر : ” . . . الواجب عليهم إذا ذكر لهم عن أحد منكر عدم العجلة ، فإن تحققوا أتوا صاحبه ونصحوه . . . ” .

وفي قوله ترسيخ لهذا الأمر فلا بد من التحقق قبل الإقدام على أي تصرف مترتب على الخبر الذي ورد ، فإذا تحقق وثبت صدقه ، هنا يأتي دور العمل وهو النصح والإنكار وأما قبل ذلك فلا .

ب ) أن يثبت أن هذا الفعل هو من المنكر حقًا ، وهذا بالعلم الشرعي الذي لا يتم إلا من خلال معرفة الكتاب والسنة المطهرة ، ولذا كان من الواجب المتحتم والمتأكد على من ليس لديه معرفة بالكتاب والسنة ، ولا يملك الأهلية لذلك ، أن يتريث ويتثبت ولا يستعجل حتى يرجع للعلماء الراسخين في العلم المدركين لمقاصد الشريعة ومعانيها فلا يتجاوزهم ، وهذا من الأمور التي كان يؤكد عليها أئمة الدعوة السلفية بنجد حيث يقول الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب في هذا الباب : ” . . . والإنسان لا يجوز له الإنكار إلا بعد المعرفة ، فأول درجات الإنكار معرفتك أن هذا مخالف لأمر الله . . . ” . ولتعلق هذا الأمر بمسألة من أهم المسائل التي عُني بها أئمة الدعوة السلفية بنجد فسوف نفرد القول فيها في المطلب الآتي إن شاء الله تعالى .

المطلب الثالث – العلم

لا شك أن من أهم الأسس التي يقوم عليها أي عمل يُراد له النجاح : العلم ؛ إذ هو من أهم الأسس التي تحقق ذلك للعمل ، ولا سيما في أمر الدعوة إلى الله تعالى ، وخاصة في جانب إنكار المنكر لخطورة هذا الأمر ؛ ولأجل ذلك جاءت وصايا وتوجيهات أئمة الدعوة السلفية بنجد ، تحمل في طياتها الكثير عن العلم في جوانب مختلفة ، تصب كلها في الوصول إلى أداء أكمل في جانب الدعوة إلى الله عمومًا ، وإنكار المنكر خصوصًا ، فمن ذلك ما يأتي :

1 – بيان أن من أهم وأخطر أسباب الغلو والتطرف هو الجهل حيث يوقع في الخطأ في الفهم ؛ ويدفع إلى بناء تصورات غير صحيحة ، وعليها تنبني تصرفات منحرفة توقع فظائع الأمور .

2 – ولأجل القضاء على الغلو والتطرف وما يتبعهما من الإرهاب كان لا بد من الاهتمام بالعلم وتعليم الناس عامة ، والممارسين للعمل الدعوي بخاصة ، إذ من المؤكد أنه يرفع كفاءة القائم بالإنكار إذا ما طبق مفردات العلم على أرض الواقع ، وهذا أمر معلوم ؛ إذ فاقد الشيء لا يعطيه ، فكيف ينكر وفق الأصول المعتبرة شرعًا ؛ من لم يتعلمها ، ولا يعرف منها شيئًا ، يقول الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب بعد رسالة له ضمنها أصولًا مهمة في إنكار المنكر مبينًا أثر الجهل بها : ” . . . فالله الله العمل بما ذكرت لكم والتفقه فيه فإنكم إن ما فعلتم صار إنكاركم مضرة على الدين ” ولقد سلك أئمة الدعوة السلفية بنجد سبلًا كثيرة للرفع من قدرة الناس المعرفية وإيصال العلم إليهم بكل الوسائل والأساليب ، فمن ذلك :

أ ) مخاطبة من له الإمامة وولاية الأمر بوجوب الاهتمام بتعليم الناس ، والتأكيد على إرسال من يعلمهم أمور دينهم ، يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ للإمام فيصل بن تركي : ” وعلى الإمام – وفقه الله – أن يبعث للدين عمالًا كما يبعث للزكاة عمالًا ليعلموهم دينهم . . . ” ويقول في رسالة أخرى : ” . . . وكذلك يجب على الإمام النظر في أمر العلم وترغيب الناس في طلبه وإعانة من تصدى للطلب . . . ” ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف ومجموعة من العلماء في بيان أهمية نشر العلم ودور الإمام في ذلك : ” إن مما أوجب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على من ولي الأمر نشر العلم وإقامة الدين . . . ” .

وقد كان أئمة الدعوة السلفية من الحكام يبذلون في هذا الأمر الشيء الكثير حيث يرسلون الدعاة إلى مختلف البلدان ليقوموا بدورهم في التعليم والتوجيه ، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ في رسالة منه لأحد طلبة العلم متضمنة تكليفه بالقيام بواجب التعليم بأمر الإمام عبد الرحمن الفيصل ” . . . وقد أجمع الرأي والمشورة على إلزامك بالدعوة إلى الله والتذكير بدينه . . . وهذا خط الإمام عبد الرحمن وأهلك فلا تجاوب بلا ولن . . . ” ويقول في رسالة موجهة لأمير من الأمراء : ” . . . والواصل إليك ولدنا علي بن سليم بتدبير الإمام بتذكير أهل الإسلام وحثهم على الثبات والتمسك بدين الله . . . ” .

ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ ومجموعة معه من العلماء في بيان جهد الإمام في ذلك : ” . . . والإمام – وفقه الله – وأعانه مهتم لهذا الأمر ، وقد بعث لأكثر القبائل دعاة يعلمونهم أمر دينهم . . . ” .

ب ) جعل التعليم إلزاميًا على مجموعة من كل بلد حيث يتكفل الإمام بنفقاتهم ، ويُفرغون لطلب العلم وتلقيه ؛ ليقوموا بدورهم في تعليم قومهم بعد ذلك ، وهو منهج سلكه الإمام سعود بن عبد العزيز ، يقول رحمه الله في رسالة له : ” . . . وأنتم خابرون أني قد لزمت على كل أمير ناحية يخص على خمسة عشر أو أكثر أو أقل من أهل بلدانه ؛ ويلزمهم طلب العلم ؛ لأنه أمر ضروري . . . ولا أعذر كل أمير ناحية إلا عنده أناس مخصوصين ، ويلزمهم طلب العلم ، ويكتب لنا أسماءهم في ورقة ونوصلهم – إن شاء الله – ما يعاونهم على معيشتهم . . . ” .

ج ) التأكيد على طلبة العلم القيام بواجبهم في تعليم الناس وبذل ما رزقهم الله من علم وفهم ، وفي ذلك يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ : “فالواجب على من أعطاه الله شيئًا من العلم أن يبذله للطالبين ، وأن يقوم بما أوجبه الله تعالى عليه من النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم . . . ” . ويقول الشيخ عبد اللطيف في تأكيد ذلك على بعض طلابه : ” . . . ونشر العلم وبيان السنة من أوجب الواجبات وأفضل الطاعات . . . ” .

3 – التأكيد على أهم قضية في منهجية تلقي العلم وهي : كيفية التلقي ، فليس المراد بطلب العلم هو أن يجمع منه شيئًا لا يفهمه ولا يدركه ، بل القضية هي الفقه والفهم قبل الحفظ ، ولأجل ذلك كان أئمة الدعوة السلفية يؤكدون على المنهجية الصحيحة في طلب العلم وتلقيه ، وفي ذلك يبين الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري أن الواجب على طلبة العلم أن يأخذوا العلم عن أهله ، ولا يعتمدوا على مجرد أفهامهم أو التلقي عن الكتب فقط ، ويؤكد أن ذلك غير نافع وفي بيان ذلك يقول الشيخ عمر بن سليم : ” . . . أن الذي يستغني بمجموعة التوحيد أو يقلد من يقرأها وهو لا يعرف معناها قد وقع في جهل وضلال بل يجب عليه الأخذ عن علماء المسلمين . . . ” . ويقول الشيخ سعد بن عتيق : ” وأعظم أسباب السلامة الهرب من سبل أهل الغي والفساد واقتباس نور الهدى من محله والتماس العلم النافع من حملته وأهله وهم أهل العلم والدين . . . ” .

ولا شك أن من لا يتلقى العلم عن العلماء هو على خطر عظيم ، إذ إنهم يتعلقون بألفاظ تلك الكتب ويغيب عن كثير منهم معانيها ومما يزيد الأمر بلاءً أن هذا الصنف لا يسأل العلماء فيما خفي عليه من المعاني فلا يظهر له المقصود لا بفهمه ولا باستفساره فيبقى في جهل وضلال وهو يظن أنه على علم ، وفي هذا يقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ عبد الله العنقري : ” . . . فأما من تعلق بظواهر ألفاظ من كلام العلماء المحققين ولم يعرضها على العلماء بل يعتمد على فهمه وربما قال حجتنا مجموعة التوحيد أو كلام العالم الفلاني وهو لا يعرف مقصوده بذلك الكلام فإن هذا جهل وضلال . . . إذا عُرف هذا يتبين أن الذي يدعي أنه يستغني بمجموعة التوحيد عن الأخذ عن علماء المسلمين مخطئ . . . ” . ويقول الشيخ عمر بن سليم في وصف هذا البلاء : ” . . . فأما من رغب عن سؤال العلماء أو قال حجتنا الكتاب الفلاني أو مجموعة التوحيد أو كلام العالم الفلاني وهو لا يعرف مقصوده بذلك فإن هذا جهل وضلال . . . ” ويُبين الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ أن وجود الكتب وحدها لا يكفي بل يجب أن يؤخذ العلم عن عالم رباني فيقول : ” . . . وإن كانت الكتب موجودة فهي لا تغني ما لم يساعده التوفيق وتؤخذ المعاني والحدود والأحكام عن عالم رباني ” .

4 – الزهد بالأخذ عن العلماء من أهم أسبابه فقد الثقة بهم لأجل أهواء وشبهات وحسد تدفع إلى الطعن بهم ، ولأجل ذلك جاء تحذير أئمة الدعوة السلفية من الطعن في علماء المسلمين الصادقين لأن ذلك يوجد الفجوة ويزيدها بين العلماء وطلبة العلم والعامة ؛ الأمر الذي ينعكس سلبًا على طلبة العلم ؛ حيث يصدهم الشيطان بمكره عن التلقي من العلماء ، ويزين الطعن فيهم ، واتهامهم بالتهم الباطلة ، وقذفهم بالأوصاف القبيحة ؛ لتزداد الفجوة مما يحرم طلبة العلم من الاستفادة من أولئك العلماء وما رزقهم الله من العلم النافع فيبقون في ضلالتهم وجهلهم ويحسبون أنهم على شيء ، يقول الشيخ عمر بن سليم : ” ومن كيد الشيطان أيضًا الذي صدهم عن تعلم العلم وطلبه واتهام علماء المسلمين وسوء الظن بهم وعدم الأخذ عنهم وهذا سبب لحرمان العلم . . . ” . ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف والشيخ عبد الله العنقري في التحذير من ذلك : ” ومما أدخل الشيطان على بعض المتدينين اتهام علماء المسلمين بالمداهنة وسوء الظن بهم وعدم الأخذ عنهم ، وهذا سبب لحرمان العلم النافع ، والعلماء هم ورثة الأنبياء في كل زمان ومكان فلا يُتلقى العلم إلا عنهم . فمن زهد في الأخذ عنهم ، ولم يقبل ما نقلوه فقد زهد في ميراث سيد المرسلين . . . والعلماء هم الأمناء على دين الله فواجب على كل مكلف أخذ الدين عن أهله كما قال بعض السلف : إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم . . . ” .

المبحث الثاني

فقه ما يجب حال الإنكار لعل مما لا شك فيه أن الممارسة الفعلية لواجب إنكار المنكر تحتاج من القائم بها إلى فقهٍ لكيفية الإنكار الصحيحة ، وبدون هذا الفقه لا يتحقق الهدف منها ، وهذا أمر له دوره المهم في نجاح الداعية ، ولعل من أهم ما يجب على المسلم فقهه حال إنكار المنكر ما يأتي :

المطلب الأول – الحكم إذا ترتب على الإنكار مفسدة أعظم والمراد هنا أن المنكر قد يترتب على إنكاره وقوع مفسدة أعظم من المنكر نفسه ، وهذا أمر معلوم ومشاهد .

ولإدراك هذا الأمر على حقيقته لا بد أن يدرك كل مسلم ما المقصد من التشريع الإلهي ، وهو أمر كان أئمة الدعوة السلفية يعنون به ، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ في إحدى رسائله منبهًا عليه : ” والقصد من التشريع والأوامر تحصيل المصالح ودرء المفاسد حسب الإمكان وقد لا يمكن إلا مع ارتكاب أخف الضررين أو تفويت أدنى المصلحتين . . . ” .

والمتأمل يدرك خطورة الفهم الخاطئ في قضية ترتيب الأولويات في إنكار المنكر ، وقد عُني أئمة الدعوة السلفية بنجد بهذا الأمر عناية فائقة ، فكانوا ينبهون على الواجب فيها ، حيث يبينون في كثير من رسائلهم أن المنكر إذا ترتب على إنكاره منكرٌ أكبر منه لم يجز الإنكار ؛ سواء كان المترتب مفسدة عامة أو مضرة خاصة ، ولذلك كانوا يؤكدون في رسائلهم على هذا المعنى وتأصيله من خلال بيان أنه رأي قديم قال به العلماء ، يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب : ” . . . يذكر العلماء أن إنكار المنكر إذا صار يحصل بسببه افتراق لم يجز إنكاره . . . ” .

ويبين المزيد حول هذا الأمر الشيخ حمد بن ناصر بن معمر فيقول : ” . . . ولكن إن خاف حصول منكر أعظم سقط الإنكار ، وأنكر بقلبه وقد نص العلماء على أن المنكر إذا لم يحصل إنكاره إلا بحصول منكر أعظم منه لا ينبغي ، وذلك لأن مبنى الشريعة على تحصيل المصالح وتقليل المفاسد . . . ” بل إن الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ كان يدعو في رسائله إلى التفكر في النتيجة قبل ممارسة الشعيرة ؛ حتى لا يقع الخلل ثم تصعب المعالجة ، ولا سيما بعد وقوع النزاع والشقاق فيقول : ” وأوصيكم أيضًا بالبصيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإذا أمر الإنسان من أمور الخير نظر فإن كان يترتب على ذلك الأمر خير في العاجل والآجل وسلامة في الدين وكان الأصلح الأمر به ؛ مضى فيه بعلم وحلم ونية صالحة ، وإن كان يترتب على ذلك الأمر شر وفتن وتفريق كلمة في العاجل والآجل ومضرة في الدين والدنيا وكان الصلاح في تركه ؛ وجب تركه ولم يأمر به ؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح . . . ” .

ومن الذين أكدوا على وجوب مراعاة هذا الأمر من أئمة الدعوة السلفية بنجد ؛ الشيخ سليمان بن سحمان حيث يقرر أن الإنكار لأي منكر إذا كان يسبب قمعًا لأهل الحق ، ويمنعهم من إظهار دينهم ، واجتماعهم عليه والدعوة إليه ، ويسلط عليهم أعداءهم ؛ فيشتتوهم ويشردوهم في كل مكان ، أو يؤذوهم ويضيقوا عليهم ، أو كان يسبب إظهارًا لأهل الباطل وإعلاءً لكلمتهم على أهل الحق ؛ لم يكن الإنكار جائزًا ، بل هو – والحال هذه – مخالف لما يحبه الله ويقرب إليه ، وهنا يجب مراعاة القاعدة الشرعية التي تنص على أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، بل يبين الشيخ أمرًا آخر لا يقل أهمية عن سابقه وهو : أنه لو حكم على الحكام بالردة ؛ وهم لا يجرون أحكام الكفر في بلادهم ، ولا يمنعون إظهار شعائر الإسلام ، فالبلد حينئذٍ بلد إسلام بعدم إجراء أحكام الكفر فيها ، ولأجل ذلك فمراعاة درء مفسدة الإنكار التي تؤدي إلى قمع أهل الحق ، وتشريدهم وتشتيتهم وإذلالهم وإظهار أهل الباطل باطلهم ، وإعلاء كلمتهم على أهل الحق ؛ مقدم على مصلحة الإنكار على الحكام ومنابذتهم ، ولأهمية كلامه رحمه الله ٍٍِِ في هذا أنقله بنصه هنا حيث يقول : ” وقد ذكر أهل العلم أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، فدرء مفسدة قمع أهل الحق وعدم إظهار دينهم واجتماعهم عليه والدعوة إلى ذلك ، وعدم تشتيتهم وتشريدهم في كل مكان ؛ مقدم على جلب مصلحة الإنكار على ولاة الأمور ، مع قوتهم وتغلبهم وقهرهم ، وعجز أهل الحق عن منابذتهم وإظهار عداوتهم ، والهجرة عن بلادهم ، بمجرد الدخول في طاعتهم في غير معصية الله ورسوله ، فإذا كان لأهل الدين حوزة واجتماع على الحق وليس لهم معارض فيما يظهرون به دينهم ولا مانع يمنعهم من ذلك ، وكون الولاة مرتدين عن الدين بتوليهم الكفار ، وهم مع ذلك لا يجرون أحكام الكفر في بلادهم ، ولا يمنعون من إظهار شعائر الإسلام ؛ فالبلد حينئذٍ بلد إسلام لعدم إجراء أحكام الكفر ، كما ذكر ذلك شيخنا الشيخ عبد اللطيف رحمه الله ٍٍِِ عن الحنابلة وغيرهم من العلماء ، وإذ كان الحال على ما وصفناه فمراعاة درء مفسدة قمع أهل الحق وتشريدهم وتشتيتهم وإذلالهم ، وإظهار أهل الباطل باطلهم وإعلاء كلمتهم على أهل الحق ، وكذلك مراعاة جلب المصالح في إعزاز أهل الحق ، واحترامهم وعدم معارضتهم مقدم والحالة هذه على مصلحة الإنكار على ولاة الأمور ، من غير قدرة على ذلك ، لأجل تغلب أهل الباطل وقوتهم وعجز أهل الحق عن منابذتهم ، وعدم تنفيذ الأمور التي يحبها الله ويرضاها ، فدرء المفسدة المترتبة على الإنكار على الولاة أرجح من المصلحة المترتبة على منابذتهم بأضعاف مضاعفة ، وإذا استلزم الأمر المحبوب إلى الله أمرًا مبغوضًا مكروهًا إلى الله ، وتفويت أمر هو أحب إلى الله منه لم يكن ذلك مما يحبه الله ويقرب إليه ؛ لما ينبني عليه ذلك من المفاسد وتفويت المصالح ، وقد ذكر أهل العلم قاعدة تنبني عليه أحكام الشريعة ؛ وهي ارتكاب أدنى المفسدتين لتفويت أعلاهما وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاها ” .

ولقد أدرك أئمة الدعوة السلفية بنجد أهمية هذا الأمر ؛ فكانوا يعلمون من خلال رسائلهم وفتاويهم طلبة العلم وعامة الناس الموازنة بين المصالح والمفاسد ، فمن ذلك فتوى للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ يقول فيها : ” . . . وأما البداءة بالسلام فلا ينبغي أن يُبدأ الكافر بالسلام ؛ بل هو تحية أهل الإسلام ، لكن إن خاف مفسدة راجحة وفوات مصلحة كذلك فلا بأس بالبداءة . . . ” ، ثم يقول في بيان تطبيقات أساليب الإنكار وكيف يمكن مراعاة المصالح في ذلك والمفاسد : ” . . . والهجر إنما شرع لما فيه من المصلحة وردع المبطل ، فإذا انتفى ذلك وصار فيه مفسدة راجحة فلا يُشرع ” .

والخلاصة أن تطبيق هذه الشعيرة له ميزان مهم يجب أن يقاس به ، وهو مراعاة المصالح والمفاسد ، فلا يصح أن يكون القيام بهذه الشعيرة سببًا لما لا تحمد عقباه ؛ من تسليط لأهل الباطل على أهل الحق! وإيجاد أسباب لهم ليشنوا عدوانهم ويمارسوا ظلمهم ويتهجموا على أهل الحق ، ويسوموهم ومبادئهم كل سوء وأذى ، مع أن سُبل التغيير والإصلاح متعددة ليست فقط سبيلًا واحدًا .

ومن خلال ما سبق نلحظ بُعد نظر أئمة الدعوة السلفية بنجد في معالجة مثل هذه الظواهر والتصدي لها ، ويتضح بما لا يدع مجالًا للشك سلامة فكرهم ومبادئهم من الدعوة إلى استخدام العنف والإرهاب في الإنكار بكل حال وأنهم يملكون منهجية متزنة في معالجة المنكرات والتعامل معها ، بذلوا وسعهم في بيانها وتوضيحها للناس عمومًا ولطلبة العلم خصوصًا .

المطلب الثاني – أسلوب الإنكار

لا شك أن أسلوب إنكار المنكر مهم جدًا في قبول المخاطب لهذا الإنكار ، إذ إن النفوس البشرية تميل إلى القول اللطيف والتعامل الحسن ، ولذا جاء في كتاب الله تعالى الأمر بالإحسان عمومًا والإحسان في القول خصوصًا :(وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)( سورة البقرة الآية 195 ) ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)(سورة البقرة الآية 83) ومن أراد أن يغير المنكر بلفظ جاف وأسلوب غليظ ؛ فإن احتمال نجاحه ضعيف للغاية ، وليس سببًا مقبولًا أن يُعتذر بالمعصية على الغلظة إذ إن الإنكار للإصلاح وليس للعقاب .

ولقد بذل أئمة الدعوة السلفية بنجد جهودًا مباركة في بذل النصح والتوجيه للوصول إلى تطبيق أساليب الإنكار وفق ما جاءت به الشريعة ، كما كان لهم دور كبير وفاعل في التصدي للانحرافات عن المنهج الرباني في ذلك ، ولعل جهودهم تبرز من خلال ما يأتي :

1 ) تصحيح المفاهيم الخاطئة التي قد تدفع إلى استخدام الغلظة والعنف في الإنكار ، ومن أبرزها :

أ – ارتكاب فاعل المنكر لما حرم الله ، وصواب قول المُنْكِر .

ب – ظن بعضهم أن التلطف واللين من المداهنة في دين الله .

ج – اعتقاد أن الغلظة هي الأصل وبيان الأصل في الدعوة والحث عليه .

وتفصيل ذلك في ما يأتي :

أ – قد يفهم بعض من تجاوزت الغيرة على محارم الله لديهم الحد المراد شرعًا ، أن مجرد وقوع فاعل المنكر في معصية ، وارتكابه للمنكر ، وصواب ما يذهب إليه هو ، مما يبيح له أن يعالج هذا الخطأ بأي شكل ، ولو كان بالتعدي على فاعل المنكر بالسب أو الشتم أو الضرب ، وهذا فهم خاطئ ، لذلك نجد الشيخ محمد بن عبد الوهاب يشير في معالجته لمثل هذا الأمر بقوله : ” . . . بعض أهل الدين ينكر منكرًا وهو مصيب ؛ لكن يخطئ في تغليظ الأمر إلى شيء يوقع الفرقة بين الإخوان . . . ” ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ عن فاعل المنكر : ” . . . ينبغي هجره وكراهته فهذا هو الذي يفعله المسلمون معه من غير تعنيف ولا سب ولا ضرب ويكفي في حقه إظهار الإنكار عليه وإنكار فعله . . . ” .

ب – ومن الخلل الذي عالجه أئمة الدعوة السلفية في هذه القضية ظن بعضهم أن التلطف والرفق بفاعل المنكر من المداهنة في دين الله وتقديم رضى الخلق على رضى الخالق جل وعلا ، ولا شك أن هذا الفهم السقيم يدل على جهل صاحبه ويدفعه إلى انتهاج الغلظة والعنف مع كل عاصٍ ثم يصبح طبعًا له حتى مع كل مسلم .

ولقد كان لأئمة الدعوة السلفية دورهم ومخاطباتهم في معالجة هذا الفهم الخاطئ وتصويبه ، من ذلك كلام نفيس للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ في بيان الفرق بين المداراة والمداهنة حيث يقول : ” أما الفرق بين المداراة والمداهنة : فالمداهنة : ترك ما يجب لله من الغيرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتغافل عن ذلك لغرض دنيوي وهوى نفساني . . . وأما المداراة : فهي درء الشر المفسد بالقول اللين وترك الغلظة . أو الإعراض عنه إذا خيف شره أو حصل منه أكبر مما هو ملابس . . . ” وبهذا يتجلى عن الفهم الخلل الملابس لهذه القضية .

ج – ومن الخطأ في الفهم الظن بأن الغلظة هي الأصل وأنها كانت ديدنًا للرسول صلى الله عليه وسلم أخذًا من قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)(سورة التوبة الآية 73) ويوضح هذا المعنى الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ بقوله : ” . . . فإن هذا يصار إليه إذا تعينت الغلظة ولم يجد اللين كما هو ظاهر مستبين ، كما قيل آخر الطب الكي ، وهو أيضًا مع القدرة ويشترط أن لا يترتب عليه مفسدة . . . ثم إن الآية آية الغلظة مدنية بعد تمكن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الجهاد باليد وظهور الاستمرار على الكفر من أعدائهم فوقعت الغلظة في مركزها حيث لم ينفع اللين ” ويقول واصفًا حال الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته للمشركين : ” . . . فمكث على ذلك يدعو ويذكر ويعظ وينذر مع غاية [ص-21] اللطف واللين فتارة يكني المخاطبين ، وطورًا يأتي نادي المتقدمين أو المترأسين ، وحينًا يقول : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون . وناهيك بخلق مدحه القرآن وأثنى على حلمه في الدعوة البيان . . . ” ويؤكد هذا المعنى بضرب مثال في عصر الصحابة لرجل منهم كان له أكبر الأثر في دعوة الناس وهدايتهم وهو من ألطف الناس أسلوبًا وأرقهم عبارة وهو الصديق رضي الله عنه وفي مقابله ما لقيه بعض الصحابة من عتب الرسول صلى الله عليه وسلم لما شقوا على الناس ، ومقصدهم حسن ونيتهم صالحة فيقول : ” . . . وكان الصديق أكمل الناس ولذلك أسلم على يده وانتفع به أمم كثير بخلاف غيره فقد قيل لبعضهم إن منكم منفرين . . . ” ويعد الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ أن الجهاد بالحجة والبيان مقدم على الجهاد بالسيف والسنان .

والمتأمل للغاية من الدعوة ومقاصد الشريعة يدرك أن القصد هو تحصيل المصالح ودرء المفاسد ، وهذا يحتاج إلى نظر وتحقق للوصول إليها بالوسائل الصحيحة ، ومن أهمل ذلك أو ضيعه فجنايته على الناس وعلى الشرع أعظم جناية .

2 ) بيان الانحرافات في أساليب إنكار المنكرات التي وقع فيها بعض الناس والتحذير منها :

تغيير المنكر والنهي عنه لا بد أن يتقيد بالشرع ولا يتجاوزه بحال ؛ لأن المتجاوز لما شرع الله يشرع لنفسه وهذا أمر محرم ، بل يجب على المسلم أن يكون وقافًا عند حدود الله لا يتعداها : ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا )(سورة البقرة الآية 229) وأساليب إنكار المنكر جاءت وفق قواعد عامة وضحها أئمة الدعوة السلفية بنجد فلا يجوز بحال مخالفتها وإلا كان ضرر الفعل عظيمًا ، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ في بيان ذلك والتحذير من تجاوزه : ” . . . والقصد من التشريع والأوامر تحصيل المصالح ودرء المفاسد حسب الإمكان وقد لا يمكن إلا مع ارتكاب أخف الضررين أو تفويت أدنى المصلحتين واعتبار الأشخاص والأزمان والأحوال أصل كبير فمن أهمله وضيعه فجنايته على الشرع والناس أعظم جناية . وقد قرر العلماء هذه الكليات والجزئيات وفصلوا الآداب الشرعيات فمن أراد أن ينصب نفسه في مقام الدعوة فليتعلم أولًا وليزاحم ركب العلماء قبل أن يرأس فيدعو بحجة ودليل ويدري كيف السير في ذلك السبيل ، فإن الصبابة لا يعرفها إلا من يعانيها والعلوم لا يدريها إلا من أخذها عن أهلها وصحب راويها . . . ” .

المطلب الثالث – الإنكار على ولاة الأمور (الحكام)

[ص-25] شريعة الإسلام شريعة محكمة لا خلل فيها ولا زلل ، لا ريب في ذلك ولا شك فالمشرع هو العليم الحكيم جل في علاه ، ولعل من أعظم ما جاءت به الشريعة التأكيد على اعتبار الأشخاص والأزمان والأحوال ، وهذا يعد من الأصول العظيمة التي لا بد من مراعاتها واعتبارها .

والكلام في مسألة الإنكار على السلطان الأعظم ، أو أي من الولاة والأمراء ممن بيده السلطة والقوة كلام يطول ، وحسبنا هنا أن نشير إلى جهود أئمة الدعوة السلفية في ترسيخ مفاهيم أهل السنة والجماعة في الدعوة إلى فقه الإنكار على الولاة والأمراء ؛ المسألة التي زلت فيها أفهام ؛ فسببت الفساد العريض ، وأشير إلى ما يأتي :

أ ) يؤكد أئمة الدعوة عمليًا ونظريًا على أهمية حسن العلاقة بين العلماء والأمراء ، وأن هذا له آثاره الحسنة على الطرفين ، أو على المجتمع بأكمله ، وفي ذلك يقول الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب : ” . . . فإن كان الأمير ما يجعل بطانته أهل الدين صار بطانته أهل الشر . . . ” ؛ بل يرى رحمه الله أن أمر الدين لا يستقيم للعلماء ولا للولاة إلا إذا كان بالتكاتف والتعاضد والتعاون بينهم ويقول الإمام سعود بن عبد العزيز رحمه الله في التأكيد على هذا المعنى موجهًا للأمراء وطلبة العلم والدعاة وعامة الناس : ” . . . وكل بلاد فيها طائفة أهل الدين يجتمعون ويصيرون يدًا واحدة ، وأميرهم ومطوعهم ، والأمير يصير حربة لأهل الدين ويشد عضدهم ويحمي ساقهم ويطلق أيديهم ، والمطوع يؤازر الأمير ، ويقوم مع أهل الدين ويبث العلم في جماعته ويحضهم على المذاكرة . . . ” ويحذر رحمه الله من مخالفة ذلك من قِبل الأمراء فيقول : ” . . . والأمير الذي يبغي الإمارة شيخة ولا يرضى أن غيره يأمر بالحق وينهى عن الباطل ، فذاك نعرف أنه شيخ ومدور ملك ، ما هو يدور دينًا ولا حقًا ، ولنا فيه أمر ثان ، والذي غرضه الدين يبدل الممشى ، ويصنف جماعة الدين ويقوم حقهم ، ويظهر وقارهم ، ويجعلهم بطانته وأهل مجلسه ورأيه ، ويبعد أرباب الفسوق والمعاصي ، ويقوم عليهم بالأدب الذي يزجرهم . . . وأهل الدين أنا مقدمهم ومطلق أيديهم ، ومانع الأمراء لا يمنعون أهل الدين عن القول بالحق والأمر به . . . وبلغنا الخبر أن بعض الأمراء متسلط على من يدعي الدين ، بأمور ظاهرها حق وباطنها مغشة . . . ولا يفعل هذا أمير مع أهل الدين فأدعه في الإمارة يومًا واحدًا . . . ” .

وفي تطبيق عملي لعمق العلاقة بين العلماء والولاة يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في رسالة منه للإمام فيصل بن تركي : ” من محبكم الداعي لكم بظهر الغيب عبد الرحمن بن حسن إلى الابن الإمام فيصل بن تركي . . . وكنت والله يعلم صدقي بما قلته أني أحبك وأقدمك في المحبة على من مضى من حمولتك وحمولتي ، واليوم الذي أجتمع بك فيه عندي يوم مسرور ، ولا عندي لك مكافآت إلا بالدعاء والنصح باطنًا . . . ” .

[ص-26] ومن خلال ما سبق يتضح اهتمام أئمة الدعوة السلفية بنجد في تقوية الأصرة بين العلماء والأمراء ، وأن قيام الدين على تمامه يكون بذلك ، ويتضح منهجهم في التأكيد على ذلك وتطبيقه في أرض الواقع ، الأمر الذي انتج دعوة سلفية جددت الدين في القلوب والعقول ، وأقامت دولة لا يستهان بها .

ب ) التنبيه على المنهج الأمثل في التعامل مع الولاة والإنكار عليهم عندما يقع منهم شيء من المعاصي والمخالفات الشرعية التي لا يسلم منها بشر ، وبيان خطورة تجاوز هذا المنهج وانعكاسات تلك السلبية على الدعوة والمجتمع بأسره ، ويتضح ذلك من خلال النقاط الآتية :

1 – الواجب على الدعاة معرفة ما للحكام من منزلة ومرتبة أنزلهم الله إياها ، فالتعامل معهم ليس كالتعامل مع غيرهم من سائر الناس ، ولأجل ذلك فلا ينبغي أن تتحين أخطاؤهم وزلاتهم بل يُتغاضى عنها ، يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب : ” . . . وأهل الدين عليهم جمع الناس على أميرهم والتغاضي عن زلته ، هذا أمر لا بد منه من أهل الدين يتغاضون عن أميرهم . . . ” والمراد بالتغاضي : التغافل وهو أمر قد يكون له من الأثر أكثر مما للمواجهة والمصادمة .

2 – ثم إذا كان الإنكار فلا بد من سلوك المنهج الصحيح معهم ، وقد ذكر له أئمة الدعوة مجموعة من المعالم الرئيسية من أبرزها :

الرفق : فلئن جاز الإغلاظ في بعض الأحوال على فاعل المنكر ، فهذا قد يكون ممتنعًا في حق الإمام ، ومن له ولاية ؛ لأنه قد يستخدم سلطانه في البطش بمن أغلظ عليه ، ولأجل ذلك يؤكد أئمة الدعوة السلفية على هذا المعلم ، فيقول الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب في ذلك : ” . . . والجامع لهذا كله أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره أن يُنصح برفق . . . ” .

الإخفاء وعدم الإعلان بالنصيحة ، وفي هذا يقول الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب : ” . . . والجامع لهذا كله أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره أن يُنصح برفق خفية ما يشرف عليه أحد ، فإن وافق وإلا استلحق عليه رجالًا يقبل منهم بخفية فإن ما فعل . . . فيرفع الأمر إلينا خفية . . . ” .

وتعليقًا على هذه الرسالة يقول الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل : ” . . . فالواجب على المسلم أن ينكر المنكر على من أتى به بخفية خصوصًا إن كان على أمير ، فإن إنكار المنكر على الولاة ظاهرًا مما يوجب الفرقة والاختلاف بين الإمام ورعيته . . . ” ويقول أيضًا : ” . . . وإنكار المنكر على الولاة ظاهرًا من إشاعة الفاحشة . . . ” .

[ص-27] ولا شك في أهمية مراعاة هذين الأمرين اللذين جاءت النصوص الشرعية ببيانهما ، كما أن أئمة الدعوة السلفية بنجد كان لهم عناية بغيرها ، وأحببت الإشارة إليهما لأهميتهما وحاجة الناس إلى الالتزام بهما اليوم .

ج ) التصدي لكل إخلال بالمنهج السلفي الأمثل في التعامل مع ولاة الأمور ؛ يعد وأدًا للفتنة في مهدها ، وحماية للمجتمع من أن يغرق في فتن عمياء ؛ تأتي على الأخضر واليابس ، وذلك ببيان الحق فيما يقع من مخالفات في حق ولاة الأمر ؛ بالتعدي على سلطاتهم ، أو إساءة الظن بهم ، أو رميهم بالفضائع والتهم الباطلة ؛ لأن ذلك يدفع إلى ما لا تحمد عقباه ، ومن أخطر ذلك التعدي على سلطة ولاة الأمور وعدم السمع والطاعة لهم ، أو الإفتيات عليهم ، ولا شك أن هذه الأمور له آثارها الفاسدة التي تدمر المجتمع بأسره ، وتجعل الصراع داخليًا ، ولأجل ذلك جاءت توجيهات أئمة الدعوة السلفية بنجد محذرة من هذا المنزلق ، ومقرعة لمن وقع فيه ، وناصحة له بالرجوع ، يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب : ” . . . ومن تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبد ًا حبشيًا . . . ” .

ولا شك أن للسمع والطاعة آثارهما المصلحة للمجتمع ، يقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ وعبد الله العنقري : ” . . . وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا وبها تنتظم مصالح العباد في معاشهم وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم . . . ” .

ومع هذا البيان يوجد من لا فقه لديهم ينقمون على ولاة أمورهم أشياء لا يدركون وجه الحق فيها على تمامه ، فيناوئون ولاة أمورهم ، ويستخفون بهم بناءً على فهمهم السقيم ، وجهلهم المردي ، ومن الأمثلة على ذلك ما ينقمه بعضهم على ولاة أمورهم في مسائل التواصل مع الكفار ، والتعامل معهم ، وعقد المعاهدات ، والمصالحات ، فيظنها من التولي ، ثم يبني عليها أحكامًا جائرة ، وتصرفات منحرفة ، تفسد ولا تصلح ؛ ولأجل ذلك جاءت عبارات أئمة الدعوة السلفية محذرة من هذا المنزلق ؛ حيث يقول الشيخ عمر بن محمد ابن سليم : ” . . . فيحرم معصية ولي الأمر والاعتراض عليه في ولايته وفي معاملته ومعاقدته ومعاهدته ومصالحته الكفار . . . ولا يجوز الاعتراض على ولي الأمر في شيء من ذلك ؛ لأنه نائب المسلمين والناظر في مصالحهم . . . ” ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ عبد الله العنقري في رسالة لهما في هذا الصدد : ” . . . فتحرم معصيته والاعتراض عليه في ولايته وفي معاملته وفي معاقدته ومعاهدته ؛ لأنه نائب المسلمين والناظر في مصالحهم ونظره لهم خير من نظرهم لأنفسهم لأن بولايته يستقيم نظام الدين وتتفق كلمة المسلمين . . . ” .

[ص-28] فهذا الفهم السقيم وغيره مثله قد ينحرف ببعضهم عن الجادة فيستهين بالإمام ويتصرف بما يخالف الشرع المطهر من افتيات على ولي الأمر بالغزو وإقامة الحدود مما لا يصح إلا بإذنه ، ولخطورة الأمر بيّن أئمة الدعوة السلفية الموقف الشرعي من مثل هذه التصرفات ؛ حيث يقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ عبد الله العنقري : ” . . . لا يجوز لأحد الافتيات عليه ولا المضي في شيء من الأمور إلا بإذنه ومن افتات عليه فقد سعى في شق عصا المسلمين وفارق جماعتهم . . . ” ويقول الشيخ عبد الله العنقري : ” . . . إن الخروج عن طاعة ولي الأمر والافتيات عليه بغزو أو غيره معصية ومشاقة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ومخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة . . . ” ويبين الشيخ عبد الله العنقري أيضًا الآثار المترتبة على هذا الأمر فيقول : ” . . . وأن الخروج على ولي الأمر والافتيات عليه من أعظم أسباب الفساد في البلاد والعباد والعدول عن سبيل الهدى والرشاد . . . ” .

ولأجل ذلك كله كان أئمة الدعوة السلفية بنجد ينهون عن الطعن في ولاة الأمور والاستهانة بهم ، ويعدونه وصمة عظيمة ، وزلة وخيمة ، على من فعله ، يقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ : ” . . . والطعن على من ولاه الله عليكم وعيبه وثلبه وتتبع عثراته للتشنيع عليه ونسبة علمائه إلى المداهنة والسكوت ، فهذا والله وصمة عظيمة وزلة وخيمة وقاكم الله شرها . . . ” .

ولا شك في الختام أن هذه التوجيهات توضح المنهج الذي سلكه أئمة الدعوة السلفية بنجد في التصدي لأسباب العنف والتطرف والإرهاب التي قد ينتجها عدم الفقه الصحيح لكيفية إنكار المنكر ، حيث بيّنتْ ما يجب أن يكون عليه الداعية من فقه لإنكار المنكر .

الخاتمة

بحمد الله والثناء عليه أختم هذا البحث الذي حرصت من خلاله على توضيح المنهج المتميز لأئمة الدعوة السلفية بنجد في التصدي للعنف والتطرف وما يتبعهما من إرهاب وتدمير وأخلص فيه إلى ما يأتي :

1- أن أئمة الدعوة السلفية بنجد كانوا ينتهجون المنهج السلفي في دعوتهم إلى الله ذلك المنهج النابع من الكتاب والسنة ، فقد كانوا ينهلون من معينها مستعينين على فهمها بكلام السلف الصالح عليهم رحمة الله ، إذ هم مقتدون متبعون لا محدثون ولا مبتدعون .

[ص-29] 2- يتلخص موقف أئمة الدعوة السلفية بنجد من العنف والتطرف والإرهاب بأنه : موقف لا يقبل العنف والتطرف منهجًا ولا الإرهاب مسلكًا ، بل يحث على الرفق واللين ويؤكد على أنه الأصل في الدعوة إلى الله تعالى وإنكار المنكر .

3- يؤكد أئمة الدعوة السلفية بنجد على أن من أهم القضايا التي يجب مراعاتها في إنكار المنكر : المصالح والمفاسد ، وذلك من خلال تحقيق المقصد الشرعي في أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح .

4- يهتم أئمة الدعوة السلفية من خلال منهجهم السلفي بالقضايا التي لا بد منها للقائم بالاحتساب ليكون على وعي جيد في فقه إنكار المنكر ، وذلك من خلال العلم الشرعي والتأني والتمهل وعدم العجلة وإدراك حقيقة فاعل المنكر والأساليب المثلى في إنكار المنكر التي تحقق المقصود منه .

5- التركيز على فئة ولاة الأمور ببيان حقهم والواجب لهم وأهمية التآلف بين العلماء والأمراء ، وما الأساليب المثلى في الإنكار عليهم ، والتحذير من الانحرافات في ذلك .

فهرس المراجع والمصادر

تاريخ نجد للشيخ حسين بن غنام ، حرره وحققه : د . ناصر الدين الأسد ، ط2 ، 1405ه- 1985م ، دار الشروق ، بيروت .

* الدرر السنية في الأجوبة النجدية (التراجم) ، عبد الرحمن بن قاسم القحطاني النجدي ، ط2 ، 1385هـ ، مؤسسة النور للتجليد والطباعة- الرياض ، من مطبوعات دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية .

* الدرر السنية في الأجوبة النجدية ، جمعها : عبد الرحمن بن قاسم القحطاني النجدي ، ط2 ، 1385هـ ، مؤسسة النور للتجليد والطباعة- الرياض ، من مطبوعات دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية .

* علماء آل سليم وتلامذتهم وعلماء القصيم ، صالح السليمان العمري ، ط1 ، 1405هـ .

* علماء الدعوة ، عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ ، ط 1386هـ .

* علماء نجد خلال ثمانية قرون ، عبد الله بن عبد الرحمن البسام ، ط2 ، 1419هـ ، دار العاصمة ، الرياض .

* عنوان المجد ، عثمان بن بشر ، ط4 ، 1403هـ ، مطبوعات دارة الملك عبد العزيز- الرياض .

* القاموس المحيط ، محمد بن يعقوب الفيروزآبادي ، ط2 ، 1407هـ ، مؤسسة الرسالة ، بيروت .

* كشف الشبهات ، محمد عبد الوهاب ، طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية ، وكالة الطباعة والترجمة ، الرياض ، 1413هـ .

* مجموعة الرسائل والمسائل النجدية ، ط2 ، عام 1409هـ ، دار العاصمة ، الرياض .

* ملوك آل سعود ، سعود بن هذلول ، ط2 ، 1402هـ .

* نجد وملحقاتها وسيرة الملك عبد العزيز ، أمين الريحاني ، ط4 ، 1972م ، دار الريحاني ، بيروت .

[ص-30] * واقع الدعوة إلى الله في الدولة السعودية الثانية ، صالح بن عبد الله الفريح ، رسالة علمية مقدمة لكلية الدعوة والإعلام ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، الرياض (غير مطبوعة) .

-- د . صالح بن عبد الله الفريح

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*