الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو12

بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو12

المحور الرابع

استثمار تعليم القرآن في ترسيخ الوسطية ومعالجة الغلو مؤسسات تعليم القرآن الكريم

وأثرها في نشر الوسطية

للدكتور أحمد بن موسى السهلي

بسم الله الرحمن الرحيم

حمدا لمن خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وزينه بحلية التكريم وميزه بالعقل ، فتأهل لحمل الأمانة ، واضطلع بالأعباء التكليفية ، لأنها علة خلقه على ظهر الأرض ، ليعبد الله وحده ويقوم بأمره ، فسبحانه تقدست أسماؤه أنقذ البشرية من دركات الشقاء ، وأوحى إلى عبده ما أوحى ، أنزل عليه الفرقان فيه تبيان كل شيء ، فهو منهج ينتظم شؤون الحياة ، وله الحكمة البالغة ، وهو أهل الثناء الحسن . وصلاة وسلاما على من حلى التنزيل جيده ، بعقد المدح في قوله تعالى : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)(سورة القلم الآية 4) وتحدث هو عن رسالته فقال : إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ فهو الرحمة المهداة ، المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله الأطهار ، وصحابته الغر الميامين الأبرار ، ومن اقتفى أثرهم بإحسان ما ارتفع إلى السماء أذان ، وما لهج بكلمة التوحيد مسلم . أما بعد :

فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار .

ثم إن هذه العجالة تجري في ميدان الوسطية في الإسلام ، وتميط اللثام عن أثر مؤسسات تعليم القرآن في نشر الوسطية .

كما اقتضى المقام افتتاحها بتبيان معنى الوسطية ، ومدلولات أضدادها ، ولمحة عجلى عن الغلو ، متوخيا طريقة الإيجاز ، متنكبا عن منهج الإطناب ، وإلى المولى سبحانه أضرع أن يهدينا لأقوم سبيل .

هذا وإن من تمام الإفادة أن نقدم بين يدي ذلك خطة موجزة للبحث وتشتمل على فصلين : فصل تمهيدي ويشتمل على ما يلي :

* بين يدي البحث .

* التعريف بالقرآن .

[ص-197] الحياة مع القرآن .

* من مقاصد القرآن .

الفصل الثاني :

موضوع البحث – الفرع الرابع : ( مؤسسات تعليم القرآن الكريم وأثرها في نشر الوسطية ) منبثق من المحور الرابع ( استثمار تعليم القرآن في ترسيخ الوسطية ومعالجة الغلو ) .

* أهمية البحث .

* أهل القرآن وصفاتهم .

* أهداف البحث .

* وقفة مع عنوان البحث .

* الواقع يتحدث .

* المدلول اللغوي والشرعي للوسطية .

* مؤسسات تعليم القرآن وأثرها في نشر الوسطية .

* الإسلام وسط بين جميع الملل .

* تفاقم ظاهرة الغلو في الدين في عصرنا الحاضر .

* من مظاهر الغلو والتكفير .

* نتائج التكفير .

* لمحة عن علاج الغلو .

* الالتزام بمذهب السلف .

بسم الله الرحمن الرحيم

بين يدي البحث

* القرآن هو كلام الله تعالى تكلم به حقيقة بحروفه ومعانيه ، منزل غير مخلوق ، سمعه جبريل من رب العزة والجلال ، وسمعه الرسول صلى الله عليه وسلم من جبريل عليه السلام ، وسمعه الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

* القرآن كتاب هذا الدين الخالد الدين الإسلامي – الدين الحق الذي ارتضاه الله ولا يقبل غيره : ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ )(سورة آل عمران الآية 19)(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(سورة آل عمران الآية 85 )

* القرآن هو روح هذا الدين وباعثه وحارسه وراعيه ، هو بيانه وترجمانه ، هو دستوره ومنهجه ، هو المرجع للأمة الإسلامية أولا وآخرا .

* القرآن يستمد المسلم منه التوجيه في هذه الحياة .

* القرآن هو زاد المسلم في هذه الحياة وهو حياة الإنسان .

* القرآن هو النور الذي يضيء للمسلم ويبين له كيف يسير في الحياة الدنيا : (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )(سورة الأنعام الآية 122 )

( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ )(سورة النور الآية 40)

[ص-199] القرآن برهان ونور ونبراس ودستور ومنهج حياة : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا )(سورة النساء الآية 174)

* القرآن نزل ليكون بصائر تهدي ، ورحمة تفيض لمن آمن به : ( هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)(سورة الأعراف الآية 203) القرآن نزل شفاء ورحمة للمؤمنين : (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا )(سورة الإسراء الآية 82 )

* القرآن كتاب هداية وبشارة : ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )(سورة الإسراء الآية 9)

* القرآن روح من أمر الله تعالى : ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )(سورة الشورى الآية 52)

الحياة مع القرآن

* الحياة مع القرآن ، هي حياة مع الله سبحانه وتعالى يناجي القارئ ربه جل جلاله ويردد كلامه وهو لا يخلق على كثرة الرد ويتدبر يقوى الإيمان ويزداد ويفتح الله للمتدبر آفاقا رحبة ورؤية صادقة في التعامل مع الكون والحياة وخالقهما .

* الحياة مع القرآن حياة راقية ، ومعية خاصة : ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ )(سورة النحل الآية 128)

* الحياة مع القرآن نعمة من أعظم النعم ، ينعم بها الله جل جلاله على عبد من عبيده – لا يعرف هذه النعمة حق المعرفة إلا من ذاقها .

* الحياة مع القرآن هي السعادة المنشودة والكنز المفقود والفيض الإلهي الغامر ، والسكينة والطمأنينة :( أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ )( سورة الرعد الآية 28)

* تلاوة القرآن وتدبره ومصاحبته تري العبد حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية في آن واحد : ( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ)(سورة الأنعام الآية 18) ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)(سورة الزمر الآية 36)

* الحياة مع القرآن تعرف من خلالها قيمة الإنسان وتكريم الله له وأنه مخلوق مهم في هذا الوجود ، كيف خلقه ؟ ولماذا خلقه ؟ وما هي مهمته على الأرض ؟ ولماذا كرمه ؟

* الحياة مع القرآن تصل المؤمن بنسبه العريق ورابطته الإيمانية بذلك الموكب الإيماني الفريد ، أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم .

* الحياة مع القرآن حياة مع الكون كله ، حياة مع النفس الإنسانية ومساربها وأدغالها ، كنودها وضعفها وعجلتها [ص-201] ونسيانها وجحودها وجزعها :( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ )( سورة فصلت الآية 53)

* الحياة مع القرآن حياة مع الإيمان ، مع العلم تعلمك أن لكل شيء حكمة ، وقد تنكشف لك وقد تغيب عنك ولكل شيء قدر : ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا)(سورة الفرقان الآية 2)

* الحياة مع القرآن تعلم العبد أن الخير كله فيما يختاره الله ، لا فيما يختاره الإنسان لنفسه ، وأن مشيئة الله فوق كل مشيئة : (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ )(سورة البقرة الآية 216 )( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ )(سورة الإنسان الآية 30)

* الحياة مع القرآن – حياة مع الله يزداد بها التالي إيمانا وخشوعا وثقة بالله وحسن توكل عليه ، ويفوز المتقي بمعية الله : ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)(سورة النحل الآية 128) وقوله :( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )( سورة الأنفال الآية 2)

* الحياة مع القرآن تربية وتزكية وتهذيب أخلاق ، وسلامة صدر ، وطمأنينة نفس وقرب من الله ومناجاة له : [ص-202]( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ )( سورة النمل الآية 62)( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ)(سورة الأنعام الآية 18) ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)(سورة يوسف الآية 21) ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ )(سورة آل عمران الآية 26-27)

مقاصد القرآن

إن للتنزيل الحكيم مقاصد وأهدافا ومن أهمها :

1 – تحقيق العبودية لله سبحانه وحده لا شريك له .

2 – ثبوت رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنها امتداد للرسالات السابقة والدعوة واحدة فكلهم يقول ( اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ )(سورة الأعراف الآية 59)

3 – أن الدين عند الله الإسلام ، ولا يقبل الله دينا غيره : ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ )(سورة آل عمران الآية 85)

4 – ثبوت اليوم الآخر والجزاء والحساب والثواب والعقاب بالأدلة والبراهين فيجب الإيمان بذلك .

5 – يهدي الخلق ويخرجهم من الظلمات إلى النور : ( الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ*أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )(سورة إبراهيم الآية 1-2)

* من مقاصد القرآن وجوب تحكيمه في جميع شؤون الحياة : ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ )(سورة المائدة الآية 49-50)

[ص-204] ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )(سورة المائدة الآية 45)( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )(سورة المائدة الآية 47)( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(سورة المائدة الآية 44) ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)(سورة النساء الآية 65)

* التوجيه المتكرر إلى عدم متابعة اليهود والنصارى ومحاولة إرضائهم : ( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ )(سورة البقرة الآية 120)

أهمية البحث

إن مكانة القرآن الكريم من الأمة المحمدية – أمة الإسلام – مكانة الرأس من الجسد فهو عزها ومجدها ورمز شخصيتها وسر بقائها أمر الله أمة الإسلام على لسان رسولها أن تتمسك بالقرآن لأنه شرفها وذكرها بين الأمم ، فقال تعالى : ( فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ)(سورة الزخرف الآية 43-44)

هذا القرآن يتضمن التكاليف الإلهية فيجب تنفيذها حسب الاستطاعة : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)(سورة التغابن الآية 16) ويجب البعد عن المنهيات جميعها لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : وَمَا نُهِيتُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا .

لقد سعدت الإنسانية كلها وليس المسلمون فقط بهذا الكتاب ، بل أصبح العرب رعاة الشاة والبعير قادة البشرية وساستها ، ولما ضعف الأخذ بالقرآن في أمة القرآن واستسلموا لتهديد العدو وذابوا في المجتمعات والسياسات غير الإسلامية نخر الفساد في جسم الأمة الإسلامية وأصبحت على شفا جرف على حافة الهاوية .

نحتاج إلى دعوة صادقة إلى القرآن بحذافيره لنعيد للعالم كله الأمن والطمأنينة والسعادة والسكينة النفسية ، فالقرآن هو القرآن ، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة بين أيدينا ولم يغب عنا سوى شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ، والله يعلم ما كان وما سيكون ، فقد أكمل الدين وهو يعلم أن بقاء شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ليست شرطا لنشر الدين والتمسك به – لأن الله كتب في أزله أن للرسول أجلا محدودا وأن على أمة القرآن أن تأخذ الراية بعد نبيها بالحكمة والموعظة الحسنة ، وتسير على نهج المعلم الأول صلى الله عليه وسلم .

أهل القرآن صفاتهم وأخلاقهم

* أهل القرآن لهم أخلاق راقية وعقول مستنيرة ونفوس أبية ووجوه وضيئة خاشعة راكعة ساجدة هم عباد الرحمن :( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا* إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا )( سورة الفرقان الآية 63-77)

* أهل القرآن هم خير أمة أخرجت للناس : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)(سورة آل عمران الآية 110 )

* أهل القرآن هم المصطفون من خير أمة – اصطفاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) رواه البخاري .

هذه الخيرية باقية بالشرط المذكور في قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ)(سورة الأعراف الآية 170)

[ص-207] أهل القرآن هم أهل الله وخاصته كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم – هم الأمة الوسط الشهداء على الناس : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)(سورة البقرة الآية 143)

* أهل القرآن وصفهم الله : ( أنهم رحماء بينهم ) .

* أهل القرآن هم من شرح الله صدره للإسلام فهم على نور من ربهم :( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ )( سورة الزمر الآية 22)

* أهل القرآن : هم الذين يتغنون به ويتلونه حق تلاوته ، هم أصحاب التجارة الرابحة يوم القيامة :( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ )( سورة فاطر الآية 29-30)

قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما – مبينا أخلاق أهل القرآن – : ( من جمع القرآن فقد حمل أمرا عظيما ، لقد أدرجت النبوة بين كتفيه إلا أنه لا يوحى إليه ، فلا ينبغي لحامل القرآن أن يغضب مع من يغضب ، ولا يجهل مع من يجهل لأن القرآن في جوفه ) .

قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : ( ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون ، وبنهاره إذا الناس مفطرون ، وبورعه إذا الناس يخلطون ، وبتواضعه إذا الناس يختالون ، وبحزنه إذا الناس يفرحون وببكائه إذا الناس يضحكون ، وبصمته إذا الناس يخوضون ) .

ويتحدث الآجري في كتابه القيم أخلاق أهل القرآن فيقول ( فأول ما ينبغي له : أن يستعمل تقوى الله في السر والعلانية ، باستعمال الورع في مطعمه ومشربه ومسكنه وملبسه . وأن يكون بصيرا بزمانه وفساد أهله فهو يحذرهم على دينه ، وأن يكون مقبلا على شأنه مهموما بإصلاح ما فسد من [ص-208] أمره حافظا للسانه مميزا لكلامه إن تكلم تكلم بعلم إذا رأى الكلام صوابا وإن سكت سكت بعلم إذا كان السكوت صوابا . قليل الخوض فيما لا يعنيه يخاف من لسانه أشد مما يخاف من عدوه يحبس لسانه كحبسه لعدوه ليأمن من شره وشر عاقبته . قليل الضحك مما يضحك منه الناس إن مر بشيء مما يوافق الحق تبسم . يكره المزاح خوفا من اللعب ، فإن مزح قال حقا ، باسط الوجه طيب الكلام ، لا يمدح نفسه بما فيه ، فكيف بما ليس فيه ، يحذر نفسه أن تغلبه على ما تهوى مما يسخط مولاه . لا يغتاب أحدا ، ولا يحقر أحدا ولا يسب أحدا ولا يشمت بمصيبة ، ولا يبغي على أحد ولا يحسده ولا يسيء الظن بأحد إلا لمن يستحق . قد جعل القرآن والسنة والفقه دليله إلى كل خلق حسن جميل ، حافظا لجميع جوارحه عما نهي عنه . إن مشى مشى بعلم وإن قعد قعد بعلم ، يجتهد ليسلم الناس من لسانه ويده ولا يجهل ، وإن جهل عليه حلم ، لا يظلم وإن ظلم عفا ، لا يبغي وإن بغي عليه صبر ، يكظم غيظه ، ليرضي ربه ويغيظ عدوه متواضع في نفسه إذا قيل له الحق قبله ، من صغير أو كبير ، يطلب الرفعة من الله لا من المخلوقين ، ماقت للكبر ، خائف على نفسه منه )ا هـ .

هذه هي أخلاق أهل القرآن استقوها من كتاب ربهم الفرقان وسنة نبيهم المأمور بالبيان ، صاحب الخلق العظيم والسيرة العطرة والشمائل الكريمة والصفات الحميدة صلى الله عليه وسلم قال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )(سورة النحل الآية 90)

العدل ضد الظلم ، والإحسان ضد الإساءة ، وإيتاء ذي القربى ضد القطيعة ، والمنكر ضد المعروف ، والفحشاء ضد العفة ، والبغي ضد طاعة ولي الأمر المسلم ، وهي تشير إلى حرمة الخروج على ولي الأمر المسلم ، فأهل القرآن أصحاب رسالة في الحياة ، هي رسالة رسولهم محمد صلى الله عليه وسلم يتأسون به في دعوته فهو أسوتهم وقائدهم كتاب ربهم الذي حفظوه بقوله لهم : ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ )(سورة فصلت الآية 34)

وقوله : ( وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(سورة الإسراء الآية 53) وقوله : ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)(سورة البقرة الآية 83) منهجهم الصبر ويدفعون السيئة بالحسنة ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ)(سورة المؤمنون الآية 96) هذا مع [ص-209] الكفار لا المناوئين للدعوة فكيف مع المسلم !!! .

والرسول صلى الله عليه وسلم القدوة يقول : الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ ويقول : الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ . إذا إخافة المسلمين ليست من أخلاق أهل القرآن ، فمن هنا جاء هذا البحث للتذكير بأهمية هذا الأمر ووسطية أهل القرآن .

أهداف البحث

1 – تذكير أهل الصحوة الإسلامية بأخلاق أهل القرآن وأن أهل القرآن هم أتباع الأنبياء ، هم الأمة الوسط ، هم أصحاب العدل والرحمة والرفق والتيسير والتسامح والتعاون على البر والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والحرص على هداية الناس والبعد عن الخروج على أئمة المسلمين وعدم تكفير المسلمين ، وهم أهل الإيمان يعلمون علم اليقين أنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، فيجب أن يتحلوا بعقائد السلف الصالح من الصحابة الكرام ، وتابعيهم بإحسان .

2 – بيان صفات أهل القرآن وأخلاقهم .

3 – أن أهل القرآن أمة متميزة ميزها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهَ ومما لا شك فيه أن أهل القرآن متميزون بسمتهم وسلوكهم ، متميزون في دراستهم وتفوقهم على أقرانهم هم الأمة الوسط ليس بين بقية الأمم فحسب بل هم النخبة في الأمة الإسلامية عموما وهم أهل العدل والقسط .

4 – إبراز محاسن أهل القرآن على غيرهم لأنهم هم المنفذون لقول الله تعالى : ( فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )(سورة الزخرف الآية 43) وبقوله : ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا )(سورة المزمل الآية 4) فهم الفائزون بالتلاوة والتطبيق .

5- إجلال أهل القرآن وإكرامهم أن الله أكرمهم في الآخرة بدخولهم ودخول والديهم الجنة ، فهم أهل الله وخاصته فيجب إجلالهم واحترامهم .

وقفة مع عنوان البحث

مؤسسات تعليم القرآن الكريم هي : تلك المؤسسات القرآنية والمعاقل الإيمانية والصروح الإسلامية التي يلتقي فيها المؤمنون الصادقون لحفظ كلام الله تعالى وكتابه الفرقان ، سواء أكان اللقاء في المسجد أم في تلك الدور المخصصة لحفظ كتاب الله تعالى – كمدارس تحفيظ القرآن والمعاهد العلمية والكليات القرآنية .

مؤسسات تعليم القرآن

1 – المسجد : هو مشرق الإيمان ومأرزه وينبوع الهدى والرحمة ومنارة الحق ومكان ذكر الله تعالى ، ومأوى الصالحين وجامعة المؤمنين الموحدين ، يلتقي فيه المؤمنون على مختلف أعمارهم لتلاوة كتاب ربهم ومناجاته وعبادته بشتى أنواع العبادات من تلاوة وصلاة وحفظ للقرآن ودعاء ، فالمسجد الركيزة الأولى لبناء مجتمع مؤمن راسخ الإيمان ، قد هذبه القرآن وأثر في سلوكه جعله معتدل الطبع والمزاج ، قوي الإيمان بربه ملتزما بشرعه مترسما خلق نبيه – صاحب الخلق العظيم – حلما وأناة ورحمة وعدم فظاظة ، فالحلقات القرآنية المنتشرة في المساجد دليل ساطع على العناية بكتاب الله تعالى ، والمسجد هو المحضن الإيماني لهذه الحلقات بعد محضن الوالدين في البيت فهو المدرسة الأولى ، لما قدم رسول الله المدينة كان أول شيء قام به هو بناء المسجد لما للمسجد من أهمية في تعليم القرآن مصدر التشريع والهداية ، ومحضن التربية الإيمانية ومكان التلقي والقدوة – وموضع الذكر بجميع صنوفه من صلاة وتسبيح وتلاوة قرآن : ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) [ النور : 36 – 37 ] .

بل كان المسجد وسيظل جامعة إيمانية ومعهدا علميا ومدرسة تربوية وصالة اجتماعات ومجلس شورى تخرج منه جيل فريد في تاريخ الإسلام جيل الوسطية ، أدى المسجد رسالته في عهد النبوة وقام بدور شمولي لجميع جوانب الحياة الإسلامية ومنه ظهرت الوسطية وعقيدة الإسلام الصافية وأخلاقه العظيمة .

2- من المؤسسات التعليمية مدارس تحفيظ القرآن الكريم والمعاهد العلمية والكليات الشرعية الدعوية ، فهي بيئة تربوية متخصصة مختارة ، الأصل فيها أن تقوم بدور تعليمي وتربوي فهي مكملة لرسالة المسجد وما تقوم به من التربية والتعليم لا يستطيع الأبوان أن يقوما به .

الواقع يتحدث

قامت الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم في المملكة العربية السعودية بدور بناء في إكمال المسيرة التعليمية بل في تأسيسها حيث ربطت الناشئة بكتاب ربها الذي هو سر بقائها وقد وصفه السلف بقولهم : ( فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم ، وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ، وهو حبل الله المتين والذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا يشبع منه العلماء ، ولا يخلق على كثر الرد ولا تنقضي عجائبه ، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا : ( إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ)سورة الجن الآية 1-2) من قال به صدق ، ومن عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ) .

أعادت حلقات القرآن الكريم في المسجد إلى الأذهان حياة الرعيل الأول في حب القرآن وتعلمه ونفذت قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ) رواه البخاري .

فحققت الخيرية في هذه الأمة وجددت رسالة المسجد في الإسلام بفتح أبوابه للذاكرين بشتى صنوفهم لكي تنجو الأمة من الوعيد : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ )(سورة البقرة الآية 114 )

فكانت الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم في المملكة مؤهلا مهما لإكمال الرسالة التعليمية تأهيلا علميا للمعاهد والمدارس والجامعة ، ومدخلا واسعا لتحقيق الخيرية التي وعد بها الرسول صلى الله عليه وسلم ووسيلة عظمى تشرح رسالة الإسلام وتحقيق الوسطية عمليا بالسلوك العملي والخلق الإسلامي والالتزام الشرعي ، والبعد عن الغلو والتنطع ، وبالمقابل البعد عن الذوبان في الحياة الغربية بحيث يمثل الوسطية لا إفراط ولا تفريط ، قال صلى الله عليه وسلم : إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ .

ثم [ص-214] جاءت مدارس وزارة التربية والتعليم والمعاهد العلمية لتحقيق أهداف التعليم العام وذلك ضمن برامجها وسياستها التعليمية ، وأنظمتها التربوية ليتحقق من خلالها تحقيق الوسطية لهذه الأمة وقد أشار إلى هذا ما جاء في السياسة التعليمية في المملكة العربية السعودية عن أهدافها من خلال نظرتها للحياة وانطلاقا من تصوراتها التعليمية المنبثقة من عقيدتها السلفية التي تعتقدها ودينها الإسلامي الذي تدين الله به عقيدة وعبادة وخلقا وشريعة وحكما ونظام حياة شامل .

فالسياسة التعليمية جزء من هذا المبدأ حيث جاء في الباب الأول من السياسة التعليمية في المملكة – كما نص عليه في الباب الأول : الأسس العامة التي يقوم عليها التعليم : ( تضمن هذا الباب أن السياسة العامة التي تقوم عليها التربية والتعليم تنبثق من الإسلام الذي تدين به الأمة عقيدة وعبادة وخلقا وتشريعا ونظاما متكاملا للحياة ) .

الباب الثاني : اشتمل على غاية التعليم وأهدافه العامة ، فهم الإسلام فهما صحيحا متكاملا وغرس العقيدة الإسلامية ونشرها وتزويد الطالب بالقيم والتعاليم الإسلامية ، وبالمثل العليا واكتساب المعارف والمهارات المختلفة وتنمية الاتجاهات السلوكية لبناء وتطوير المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وتهيئة الفرد ليكون عضوا نافعا في بناء مجتمعه ) .

فمن هنا يأتي التلاحم والتأهيل بين الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم لإكمال رسالة التعليم العام بصقل الشباب وتربيته على الفضيلة والقيم والمثل العليا وصياغته صياغة إيمانية ليكون مؤمنا مسلما مواطنا صالحا مصلحا في أمته ومجتمعه وهذا هو الغرض من الحلقات القرآنية لتحقيق الوسطية المنشودة .

الغرض من هذه المؤسسات – مؤسسات تعليم القرآن الكريم

إن الغرض من هذه المؤسسات تحقيق الغاية التي من أجلها خلقت البشرية – ألا وهي العبودية الحقة لله تعالى وحده لا شريك له – فهي غاية الوجود الإنساني على ظهر هذه الأرض المشار إليها بقول الله تعالى : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً )(سورة البقرة الآية 30 )

وحقيقة الاستخلاف أن يكون هناك عبد يعبد الله تعالى وحده لا شريك له على وفق ما شرع الله يتقرب إليه بكل قول وعمل ، ينظم للعبد حياته ، فمن هذه الغاية الشريفة وبهذا يعرف الإنسان مكانته في الكون وعلاقته به ، فإذا خرج مقصد العلم عن هذه الغاية فالمتعلم والعالم على خطر .

فرسالة الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم مكملة لرسالة المؤسسات التعليمية الأخرى في المملكة ، وبذلك تحقق أهداف رسالة الإسلام من العلم وإخراج جيل مسلم ناصح لربه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم – وهو ما يطلق عليه بلغة العصر – المواطن الصالح – والإنسان الصالح .

والمؤسسات التعليمية تعمل لهذا الغرض كما جاء في مواد نظام السياسة التعليمية في المملكة – ولا يمكن أن يتحقق الهدف من التعليم في نوعية واحدة من نوعيات التعليم لكن بالتنوع والتعاون في تنفيذ المهمات التعليمية يستطيع أهل العلم والفكر والثقافة تحقيق الغرض من العلم ومن أهمه تربية الناشئة على الإيمان بالله والشعور برقابته وهذا ما يسمى بالوازع الديني ، فسيكون رادعا عظيما لهذا الشاب عن الشرور والآثام والجرائم والتفجيرات والمخدرات والسرقات والخطف والزنا والاغتيالات . . إلخ ، لأنه عندما يربى من خلال كتاب الله تعالى على أن يعلم كيف جاء إلى هذه الدنيا وما الغاية من ذلك وإلى أين المصير وماذا بعد المصير حينما يربى الناشئ أن الله يراه ومطلع عليه ويراقب حركاته وسكناته وأنه غدا سيحاسبه على مثاقيل الذر إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، وأن الله لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، ولا تخفى عليه خافية لأنه يعلم الجهر وما يخفى وأنه يراه أينما حل وأينما ذهب يتوقف عن الفساد في الأرض ، فمن لم يؤمن هذا الإيمان فلن يردعه عن ارتكاب الجرائم والتعدي على حقوق الناس وحرماتهم وإخافتهم رادع : ( أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)(سورة هود الآية 5) هذه بعض مقاصد المؤسسات القرآنية .

المدلول اللغوي والشرعي للوسطية

(الوسطية) من المصادر الصناعية صار بعد زيادة الياء المشددة والتاء المربوطة دالا على مجموع السمات الخاصة بهذا اللفظ .

ويطلق الوسط في لغة العرب على معان : فوسط الشيء ما بين طرفيه قال الشاعر : إذا رحلت فاجعلوني وسطا إنــي كبـير لا أطيـق العنـدا والوسط الخيار ، ومنه قول زهير بن أبي سلمى : وهم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نـزلت إحـدى الليـالي العظائم أي هم خيار ، فلذا كانت أحكامهم محل الرضى . ومنه قول أبي بكر في وصف المهاجرين يوم السقيفة : ( هم أوسط العرب دارا ) يقصد بذلك بيان خيريتهم وفضلهم .

وبهذا المعنى جاء تفسير الآية : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا )(سورة البقرة الآية 143 )

ففي صحيح البخاري وغيره عن أبي سعيد الخدري مرفوعا : يجاء بنوح يوم القيامة ، فيقال : هل بلغت ؟ فيقول : نعم يا رب ، فتسأل أمته هل بلغكم ؟ فيقولون : ما جاءنا من نذير . فيقول : من شهودك ؟ فيقول محمد وأمته ، فيجاء بكم فتشهدون ثم يقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) قال : عدلا(لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(سورة البقرة الآية 143 ) .

ووسطية الإسلام من أبرز السمات التي يلوح فضلها في سائر تشريعاته الحكيمة ، فقد كرم الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم أنهم وسط في الملل والنحل جعل الله دينهم – الدين الإسلامي وسطا بين الإفراط والتفريط ، أو بين الغلو والتقصير ، وتظهر وسطية أمة الإسلام فيما يلي :

– في عقيدة المسلمين في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين – فهم لم يغلوا فيهم غلو النصارى الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ، ولم يجفوا فيهم كما جفت اليهود فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق ، ويقتلون الذين يأمرون [ص-217] بالقسط من الناس ، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقا وقتلوا فريقا . أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم – فآمنوا برسل الله جميعا ، وعزروهم ووقروهم ، وأحبوهم ، ولم يعبدوهم ، ولم يتخذوهم أربابا ، وآمنوا بجميع الكتب المنزلة على الرسل والأنبياء فكانوا بذلك وسطا .

* والدين الإسلامي وسط أيضا في الموقف من الإنسان فمقام الإنسان الذي كرمه الله وفضله على كثير من خلقه فهم يكرمون الإنسان لكنهم لم يؤلهوه كما صنعت بعض المذاهب والمعتقدات والتصورات ولم يحقروه ويهينوه – فالإسلام وسط بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية وبين خصائص الألوهية وخصائص العبودية . بينما تقول الكنيسة بألوهية المسيح عليه السلام – على اختلاف المذاهب الكنسية – كما أن المذاهب والفلسفات الأوربية وما قام عليها من مناهج التفكير لما أعلنت رفعة الإنسان ومقامه جعلت ذلك على حساب إيمانها بألوهية الرب سبحانه وتعالى .

* والإسلام وسط في العمل للدنيا والآخرة ، وفي عقيدة الإسلام يعتقد أن كلا منهما عبادة لله تعالى وتحقيق لغاية الوجود الإنساني ضمن شروط معينة ، بينما تأرجحت المذاهب الأخرى بين الاهتمام بالنواحي المادية الذي يظهر في المدنية الغربية الحديثة ، وأصبح معبودها هو المال والقوة والرفاهية والرقي المادي – وبين الإزراء بهذا الرقي المادي والمتاع الدنيوي كما هو الشأن في المذاهب التي تدعو إلى الرهبنة وتعذيب الجسد من أجل الروح وتهذيبها للوصول إلى مرحلة الفناء ، أما الإسلام فيقول الله تعالى (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)(سورة البقرة الآية 201 ) وقوله : ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)(سورة القصص الآية 77)

* الإسلام وسط في التشريع بين اليهودية والنصرانية – اليهود الذين حرموا على الله تعالى أن ينسخ ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء . . . وبين النصارى الذي أجازوا لأكابر علمائهم وعبادهم أن يشرعوا بالتحليل والتحريم من دون الله تعالى .

* الإسلام وسط في الأخلاق والسلوك فقد جاءت الشريعة الإسلامية وسطا بين الإفراط والتفريط في الالتزام الأخلاقي ، وبين الجنوح إلى المثالية الخيالية ، فهي لا تترك الحياة كلها للمشاعر والضمائر ولا للترف والميوعة والهوى والشهوة المحرمة فيعصف بها في تيارات الشهوات المحرمة والخلاعة والمجون ، ولكن الدين الإسلامي يهذب السلوك [ص-218] ويرفع الضمير ويرتقي بالمشاعر ويعمر القلب بالتقوى والشعور برقابة الله تعالى تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي وصفه ربه بأنه على خلق عظيم ، وهكذا نجد الإسلام وسطا في جميع العلاقات الإنسانية فردية كانت أو اجتماعية بل جميع المصالح الذاتية والاجتماعية .

* الإسلام وسط في أعمال الخير والمصالح يقول العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى : ( فصل في الاقتصاد في المصالح والخيور . . . . . . . . . والاقتصاد رتبة بين رتبتين ومنزلة بين منزلتين والمنازل ثلاثة : التقصير في جلب المصالح ، والإسراف في جلبها ، والاقتصاد بينهما قال تعالى : سورة الإسراء الآية 29 وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه : ( الحسنة بين السيئتين ) ومعناه : إن التقصير سيئة والإسراف سيئة والحسنة ما توسط بين الإسراف والتقصير ، وخير الأمور أوسطها . فلا يكلف الإنسان نفسه من الطاعات إلا ما يطيق المداومة عليه ، ولا يؤدي إلى الملالة والسآمة ، ومن تكلف من العبادة مالا يطيق فقد تسبب إلى تبغيض عبادة الله إليه ومن قصر عما يطيق فقد ضيع حظه مما ندبه الله إليه وحثه عليه . . وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التنطع في الدين وقال : هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ إلى أن قال : ( وعلى الجملة فالأولى بالمرء أن لا يأتي من أقواله وأعماله إلا بما فيه جلب مصلحة أو درء مفسدة مع الاقتصاد المتوسط بين الغلو والتقصير ) .

فالإسلام يصطفي المنهج الوسط في معالجة شؤون الحياة كلها ، لذلك فهو وسط بين انحرافين ، وخيار بين اتجاهين ، بريء من وصمة الغلو الذي ما خالط شيئا إلا شانه ، وما دخل أمرا إلا أفسده .

وصفت مشاربه من كدر التفريط ووباء التقصير الذي هو مستنقع آسن وهذا ما أشارت إليه سورة الفاتحة في قوله سبحانه : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)(سورة الفاتحة الآية 6) فأمرنا بالابتهال إليه ، واستمناح النهج السوي منه سبحانه والهداية إليه .

وهذا الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ، هو الوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في كل الأخلاق وفي كل الأعمال) فاقتضت حكمة التشريع أن نكرر هذا الدعاء المشير إلى الوسطية في اليوم والليلة سبع عشرة مرة ، لنستمسك بهدي الله تعالى ، وتكون أعمالنا وفق قوانين الوسطية ، السليمة من داء الابتداع والاختراع ، فالسنن [ص-219] الشرعية نجوم تهدي في ظلمات التحير ، والمبتدعات ظلمات تحير معتنقها .

وكأن النجوم بين دجاها سـنن لاح بينهن ابتداع

وكما كانت الوسطية من أبرز خصائص أمة الاستجابة جعلت علة لتكليف الأمة بالشهادة على الأمم ( لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)(سورة البقرة الآية 143) والشهادة لا تقوم إلا بالعدل ولا تقبل إلا من عدل ويسر الإسلام وسماحته ورفع الحرج عن أتباعه ودعوته إلى مكارم الأخلاق من الظهور بحيث لا تحتاج إلى مزيد بيان ، بل إن صاحب الخلق العظيم صلى الله عليه وسلم قال : إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ .

وإنما الوسطية في الإسلام قطب رحى العدل لأنها متمخضة عن الاعتصام بالكتاب والسنة والالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة قولا وعملا واعتقادا ذلك لأن جميع التشريعات الإلهية المنتظمة لكافة شؤون الحياة تتجلى فيها مظاهر الوسطية في أبهى حللها وأسمى معانيها .

ومن جانب الإفراط والتفريط فقد اهتدى لأن الحق وسط بين هذين وهو حسنة بين سيئتين .

ولذا حارب الدين الإسلامي الغلو فأمر بالاستقامة وحذر من تعدي الحدود وتجاوز الوسطية ، فمتعدي الحدود ظالم والمنحرف عن نهج الاستقامة طاغ والغلو في الدين نهج الضالين من النصارى ومن حذا حذوهم . والمتنطعون من الهالكين ، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا أخرجه البخاري ومسلم وغيره .

والمتنطعون هم المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم وعندما لقط ابن عباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات مثل حصى الخذف لرمي الجمار وضعهن في يده وقال : نَعَمْ ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ وهو حديث صحيح صححه الأئمة .

ولما كان التشديد على النفس حتى في أمور العبادات ضربا [ص-220] من ضروب الغلو نهت عنه السنة النبوية لأن عاقبة صاحبه إلى الانقطاع ، ففي حديث أبي هريرة مرفوعا : إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ رواه البخاري وغيره وأحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة كما في البخاري أيضا تعليقا . فلا مكانة في الإسلام للغلو ولا للتطرف فإن المتطرف أيضا مجاوز حد الاعتدال متنكب عن الوسطية ، فهو وصف لصيق بالغلو ممتزج به ، وإن لم يدر ذكره في نصوص الشرع ولا محل في الحنيفية السمحة للتنطع ولا للعنف الذي اتخذ في عصرنا الحاضر ظاهرة ذات طابع دني مصطبغة بالشرعية فيما يزعمون .

فكل هذه السمات مباينة لوسطية الإسلام خارجة عن دائرة القصد والاعتدال والناس في القديم والحاضر :

1 – إما مستمسك بالحق ، قائم على أمر الله تعالى فهو من أهل الوسط الذين تأهلوا لأن يكونوا شهداء على الناس .

2 – وإما مفرط زائغ ، متجاوز لحدود الله مستهين بأمر الله تعالى .

3- وصنف ثالث غال في الدين متتبع للأهواء متجاوز للحق ضال عن سواء السبيل .

مؤسسات تعليم القرآن الكريم وأثرها في نشر الوسطية

مما لا مراء فيه أن كتاب الله الفرقان هو ينبوع الهدى ، والعاصم من القواصم من تمسك به فقد هدي إلى صراط مستقيم ، عالج مشكلات الإنسان علاجا حكيما ؛ لأن راسم المنهج هو خالق الإنسان ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)(سورة الملك الآية 14)

فقد تناولت أسسه العامة مظاهر الحياة جميعها لشمولية نصوصه ، وتبيانه لكل شيء ، فهو البلسم الشافي من أدواء الإفراط والتفريط ، يهتدي به الإنسان الحائر ويغلب كل بهرج زائف ويقود صاحبه إلى رياض السعادة الحقيقية ، حين ينهل من منهله الروي ، وتستجيب جوارحه لتعاليم الحنيفية السمحة ، والإنسانية اليوم تترنح في سلوكها ، وتضطرب في أنظمتها ، عراها القلق المعنت ، وعصفت بها ريح الانحرافات وركد الضمير الأخلاقي فاستحجرت القلوب ، وجفت منابع الإيمان من الأفئدة ، حين انتشرت أدواء الشهوات في نفوسهم ، وعمهم القلق ، وتغشاهم الاضطراب النفسي ولا منجاة من العذاب المؤلم إلا إذا حمل المسلمون مشعل الهداية ( القرآن الكريم ) إلى الإنسانية الحائرة في متاهات الجهال ، فلا عاصم لها من الهاوية التي تتردى فيها إلا بالتنزيل الحكيم ، كما قال جل وعلا : (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى*وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى )(سورة طه الآية 123 -124)

وأهل الله وخاصته قراؤنا الذين يتغنون بآيات الله تعالى في محاريب الإيمان بذلك الانتصاب الخاشع بين يدي رب العالمين ، هم الفائزون بالوسطية الحائزون السبق في ميدان الفضائل . لا سيما إذا تعانق القول والفعل ، وتطابق الظاهر والباطن ، واستوى السر والعلانية . ( والواقع أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحتلوا في الإيمان مكان القمة ولم يغيروا التاريخ الإنساني ويقيموا حكما مكان حكم وأخلاقا مكان أخلاق إلا لقربهم من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم واقتباسهم من سناه وسريان الإخلاص من قلبه إلى قلوبهم ، وحب الله من فؤاده إلى أفئدتهم ) .

وأقول : نعم إن الصحب الكرام هم الرعيل الأول الذين أدبهم صاحب الخلق العظيم ، وهداهم إلى الصراط المستقيم ، وهذب طباعهم التنزيل الحكيم ، وأنجبتهم مدرسة النبوة كما قال بعضهم :

أنتـج المسجد الكريم أناسا أنجـــبتهم مــدارس القــرآن صقلتهم يد الرسول فأضحوا غرة الدهر في جبين الزمان

نعم أهل القرآن هم الفائزون بالوسطية .

* القرآن الكريم كتاب هداية فهو نور ، وشفاء لما في الصدور ، وهو الهادي إلى الحق ، فالإعراض عنه ضلال وخسران ، وزيغ وطغيان ويظل المعرض عنه في الدنيا في ضنك واضطراب ، ويحشر أعمى في يوم المآب كما ورد في النص في ( طه ) قال ابن عباس رضي الله عنه : ( تضمن الله لمن قرأ القرآن واتبع ما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ) يشير إلى قوله سبحانه : سورة طه الآية 123 فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وهذا المعنى هو الذي نقصده واليراعة نحوه تسعى ويرحم الله تعالى من قال : فـأدنى البرايـا مـن إلـى البدع اعتزى وأعلى البرايا من إلى السنن انتمى ومــن تــرك القــرآن قــد ضــل سـعيه وهـل يـترك القـرآن مـن كـان مسلما ؟

وحملة التنزيل الحكيم الذين أنار الله تعالى بصائرهم ومنحهم تقواه فهدوا إلى الحق وتفتحت لهم أبواب المعرفة ، وامتزجت أفئدتهم بآيه وتعاليمه ورتلوه في الغدو والآصال فانقادت جوارحهم لطاعة ربهم ، واطمأنت قلوبهم بذكره ، وكانوا من عباد الرحمن فهم يمشون على نور ، وتتجلى مظاهر الوسطية في سلوكهم ، لأنهم يعتصمون بأشرف الذكر من مضلات الفتن ، وحينما ربطت مؤسسات تعليم القرآن الناشئة بكتاب الله العزيز ، وربتهم على ترتيله وتدبر نصوصه أنجبت جيلا من المتخلقين بأخلاق القرآن وأنتجت هذه الدور المباركة مجموعة من كنوز المستقبل مؤهلة لحمل الأمانة محصنة من الأهواء والزيغ يحملون مشعل الوسطية ويطبقون منهج الله سبحانه ، فهم يتجاوزون مرحلة الإيمان النظري إلى مرحلة أزكى وأرقى ، فهم من المجتمع غرته وخياره ، يهدون إلى الرشد ، ويحاربون كل بدعة ، وينشرون التوجيهات الربانية بين الناس ، تلاوة وعملا دون القصد على أحدهما .

فلذلك كانت هذه الفئة من مجتمعنا المسلم بمنأى عن مظاهر الغلو في الدين في عصرنا الحاضر ، وتشكل سدا منيعا من التهاوي في دركات أهل [ص-223] الأهواء ويرفض التشدد في الدين والتنطع الذي يعتبر من المهلكات ( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ )(سورة محمد الآية 17)

تفاقم ظاهرة الغلو في الدين في عصرنا الحاضر

والغلو في الدين ليس وليد اليوم على الساحة الإسلامية ، بل هو مغرق في القدم له جذوره وتاريخه ودوافعه .

فقد كانت بذرة التغالي بادئة في النمو في العصر النبوي ، وأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في قوله : ( إِنْ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ ) أخرج الشيخان فكان الرجل المشار إليه في الحديث بذرة الخوارج الذين استحلوا دماء المسلمين وكفروا أهل القبلة ، وقاتلهم أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وإنما ضل هؤلاء لعدم فهمهم القرآن الكريم ، فهم وإن كانوا يقرءون إلا أن تلك القراءة عرية عن الفهم الصحيح ، فلذلك كانوا يأخذون آيات نزلت في الكفار فيحملونها على أهل القبلة ، فيكفرونهم ، كما قال عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – في الخوارج ( إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين ) .

وما دام هؤلاء كفروا مجتمعهم ، فإن هذا يقضي باستحلال دمائهم ، وهذا الذي كان كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فكان من أعلام نبوته . قال أبو قلابة : ( ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف ) وهذه عامة المبتدعة الغالبة ، والعلامة التي يشترك فيها جمهرتهم .

ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية حين يقول : ( طريقة أهل البدع يجمعون بين الجهل والظلم ، فيبتدعون بدعة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الصحابة ، ويكفرون من خالفهم في بدعهم ) ا هـ .

وقال ابن القيم في المدارج ( ما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان إما إلى تفريط وإضاعة وإما إلى إفراط وغلو ، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه ، كالوادي بين جبلين ، والهدى بين ضلالتين ، والوسط بين طرفين ذميمين فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له ، فالغالي فيه مضيع له ، هذا بتقصيره عن الحد ، وهذا بتجاوزه الحد )ا هـ .

وهذا النص كالشرح لقول الإمام الحسن البصري : ( سننكم والله الذي لا إله إلا هو بينهما ، بين الغالي والجافي ) وهو نحو قول مطرف بن عبد الله : ( خير الأمور أوسطها : الحسنة بين السيئتين ، وشر الأمور الحقحقة ) .

[ص-225] ومما أوردنا من النصوص عن هؤلاء الأئمة الأعلام ندرك أن هؤلاء المبتدعة من الخوارج ومن دار في فلكهم إنما وقعوا في براثن الزيغ والضلال بسبب ركونهم إلى ما أملته عليهم أفهامهم السقيمة ، وأفكارهم الموبوءة .

وكم من عائب قولا صحيحا وآفتـه مـن الفهـم السقيم

وإنما العلم بالتعلم ، ولو رجع هؤلاء إلى علماء الصحابة ومحدثيها أمثال ابن عمر وغيره لشفوا من هذا الداء العضال .

ثم إن هذا الصنف المهيأ لانتحال الآراء المبتدعة ، يتمسكون بالمتشابه من النصوص ويهملون عمدا المحكم القاضي على المتشابه ، كما قال عز وجل في النصارى ومن سار على نهجهم . ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ )(سورة آل عمران الآية 7)

وما أجمل كلام الشاطبي في هذا الشأن فإنه قال : ( وكثيرا ما تجد أهل البدع والضلالة يستدلون بالكتاب والسنة يحملونها مذاهبهم ، ويغبرون بمشتبهاتها على العامة ، ويظنون أنهم على شيء ، فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون ، وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب ، وأقوم في العلم والعمل )ا هـ .

رحمك الله تعالى أيها الشاطبي ، فما أشبه الليلة بالبارحة ، فما حذرت منه في القديم قد وقع في شباكه لفيف من المتشددين المعاصرين ، فأحدثوا فقها أملته عليهم الزنزانات وظلمات السجون ، ورجحه عندهم أفكار قاصرة ، وأفهام سقيمة ، ولم يلقوا لفهم الأولين بالا ، ولم يعيروه التفاتة واحدة ، فاستقلوا فضلوا ورحم الله صاحب الخلاصة إذ يقول :

وقد تزاد كان في حشو كما كـان أصـح علـم مـن تقدما

والحكم في الأمور العظام يتطلب مؤهلات علمية عالية ، ولا توجد إلا في أفراد محصورين في كل عصر ومصر ، ومن [ص-226] أهم ذلك معرفة المقاصد الشرعية التي لا يحيط بكنهها إلا الراسخون في العلم . يقول الشاطبي ( فإذا بلغ الإنسان مبلغا فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة ، وفي كل باب من أبوابها فقد حصل له وصف هو السبب في تنزيله منزلة الخليفة للنبي صلى الله عليه وسلم في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله )ا هـ .

وهذا باب واسع دقيق لا يخوض غماره إلا أكابر العلماء ، وكثير ممن تردى في مهاوي الغلو أتي من جهله بالمقاصد الشرعية ، فخبط خبط عشواء وكأنما ركب متن ناقة عمياء ، فضل السبيل ، ولم يسعد بالدليل ، وفتحوا على المسلمين بابا يلج منه أعداء الإسلام للمز الدين الحنيف ، ووصفه بالإرهاب تارة ، وباستهانته بالأرواح ، وانتقاص حقوق الإنسان تارة أخرى ، ولذلك نرى في هذه الأيام تكالب قوى الشر على المسلمين ، وحقن عقول الشباب الإسلامي بهذه الشبه الباطلة ، ويهدف أعداء الإسلام من هذا التشويه المتعمد ، وطرح أفكار الشباب في أنياب التحيز والتشكيك إحداث ردة قوية في أمة الإسلام ، وطمس محاسن هذا الدين ، ومحاربة تعاليمه بواسطة ثلة من أبنائه من أهل العقوق وإنا لله وإنا إليه راجعون .

من مظاهر الغلو في العصر الحاضر

– وهناك مظاهر أخرى للغلو في الدين في عصرنا الحاضر ، كالقول بتكفير المجتمعات المسلمة المعاصرة ، وموقف طائفة من هؤلاء الغلاة في المسلمين أي عدم الحكم بإسلامهم إلا بعد امتحانهم وتبين حالهم ، ومن ذلك تشريع الاغتيالات للمسلمين أو معصومي الدماء كالمعاهدين ونحوهم والقيام بأعمال تخريبية ، إلى غير ذلك من المبادئ المجافية لما عليه المسلمون من أهل السنة والجماعة .

وأما الغلو في مجتمعنا المعاصر ، وما أبرزته آثاره على الساحة فهذا من الظهور بحيث لا يتطلب تبيانا .

فقد صاحب هذه الطفرة الحضارية على الكرة الأرضية أحداث دامية مؤلمة في كثير من الأقطار والأمصار معظمها متمخض عن هذه الظاهرة ، وكان أهم مظاهر الغلو المعاصر على النحو التالي :

1 – مظهر التكفير : وهي بلية ابتليت بها أمة الإسلام على أيدي أغمار شبان لم يتفيأوا بظلال العلم الشرعي ، ولم يرتقوا في معارج المعارف ، ولم يتأهلوا للحكم بالكفر على هؤلاء ، أو بالإيمان لأولئك ، فتناولوا حكاما يحكمون الشريعة الإسلامية – في الجملة – بالتكفير وإن كان هناك بعض القصور ، لأنهم كما يزعمون حكموا بغير ما أنزل الله سبحانه ، هكذا أخذوا الموضوع على إطلاقه عريا عن القيود والضوابط المرعية هنا ثم كفروا أتباعهم المحكومين لكونهم – كما يزعمون – راضين بهذه الأحكام الوضعية ثم امتد التكفير إلى كل من لم يكفر هاتين الطائفتين ، ومضت سلسلة التكفير تنتظم المجتمعات الإسلامية على أيدي هؤلاء الأحداث ، فلم يبق على وجه الأرض إلا أفراد مسلمون فقط كما يزعمون وأما ما سوى هؤلاء النخبة فهم غير معصومي الدماء ، وليسوا من أهل القبلة وإن اتجهوا إليها في صلواتهم وحجهم .

ولعل من أهم عوامل اختراع هذا الاتجاه امتلاء الساحة في عصرنا الحديث بالفرق والمذاهب والآراء التي تذكي نيران الفرقة ، وتوسع مدارك الخلاف ، ويستهوي بعضها هؤلاء المفتونين ، فيتمكن من قلبه ويتغلغل حتى يعود عقيدة راسخة ، لأنه ليس عنده من الحصانة الثقافية الإسلامية ما تحجزه عن التهافت على الآراء المبتورة الممتزجة ببدع الأهواء ، فهو على النحو الذي عناه الشاعر :

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصــــادف قلبـــا خاليـــا فتمكنـــا

ذلك لأن الجاهل الذي لم تهذبه التعاليم الإسلامية ، ولم ترسخ في ذهنه المقاصد الشرعية ، ولم يحط علما بعلل الأحكام ، لا يقدر على التمييز بين الآراء الصحيحة والسقيمة ، ولا يفرق بين الغث والسمين ، فيذهب في متاهة الغلو تارة ، وفي مفاوز التفريط تارة أخرى ، ويلتقط من الأفكار المجافية للأصول الإسلامية الصحيحة ما انشرح صدر هواه له ، فتتلاعب به شياطين الإغواء والأهواء وهذه قاصمة الظهر .

ب – ومن نتائج التكفير الجماعي استحلال القتل الجماعي للمسلمين وغيرهم فإن التكفير وإزهاق الأرواح متلازمان وهما توأم ، ولذلك أثبتت حوادث مريعة في بلاد الإسلام أن هذا الصنف من المفتونين يتخذون من وسائل التدمير الجماعية مسلكا لتحقيق أهدافهم ، وهم في ذلك لا يفرقون بين الصغير والكبير ، ولا الشيخ والرضيع ، ولا بين الذكر والأنثى ، ولا بين المذنب والبريء ، وهذا من الخطورة بمكان ، وإذا كان الإسلام هو دين مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال والعادات كما هو معلوم ، فإنه ينهى المجاهدين عن قتل صغار الكفار ونسائهم ورهبانهم ، فكيف يستحل هؤلاء من المسلمين ما لا يحل فعله مع الكفار المحاربين .

ونتيجة لهذه الأفعال المشينة ، والأخلاق المهينة التي لا يقرها الإسلام ولا يدعو إليها أتباعه فإن هؤلاء الذين يقومون بهذه الفظائع ، ويرتكبون أفظع الجرائم باسم الإسلام وتوجيهاته صاروا أضر الخلق على الإسلام وأهله .

لمحة عن علاج ظاهرة الغلو

1 – الاعتصام بالكتاب والسنة ، فهما المصدران النيران اللذان من اعتصم بهما هدي إلى النهج السوي ، والطريق القويم كما قال سبحانه : ( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )(سورة آل عمران الآية 101)

ولا يتم الهدي إلا بالعمل بهما معا ، والأخذ بما جاء فيهما ، لأن كل واحد منهما ملتحم بالآخر غير مستغن عنه ، فالسنة النبوية مفسرة للقرآن ، ومفصلة لما أجمله فيه وقد وكل الله تعالى بيان القرآن إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى : ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(سورة النحل الآية 44) ولذلك لا تحقق النجاة في الدنيا والأخرى إلا لمن تمسك بهما معا ، فقد قال صلى الله عليه وسلم ( أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ ) . الحديث ، وزاد الترمذي : وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله وهو حديث صحيح مشهور أخرجه أصحاب السنن وغيرهم .

قال الخطابي فالرسول صلى الله عليه وسلم يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس له في القرآن ذكر علي ما ذهبت إليه الخوارج والروافض فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن ، فتركوا السنن التي قد ضمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلواا هـ .

قال أيوب السختياني : ( إذا حدثت الرجل بالسنة ، فقال دعنا من هذا وحدثنا من القرآن ، فاعلم أنه ضال مضل ) . ولا مراء أن الانحرافات بأشكالها المتعددة إنما نبتت على ساحة الفكر الإسلامي كنتيجة حتمية للإعراض عن الكتاب والسنة ، وترك الاستهداء بنورهما الوهاج فيكمن العلاج في الرجوع إليهما والاعتصام بهما ، والأخذ بتوجيههما ، ففيهما المنجاة من الغرق ، والسلامة من مضلات الفرق .

[ص-230] قال شيخ الإسلام ( وكان أعظم ما أنعم الله به عليهم اعتصامهم بالكتاب والسنة فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن لا برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده ، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالهدى ودين الحق ، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم)ا هـ .

ولذلك كان لحفظة القرآن من أبناء الأمة الإسلامية دور واضح في مقارعة الغلو ، والقضاء عليه جملة وتفصيلا ، وذلك من خلال عرض نصوص القرآن الداعية إلى السماحة واليسر ، والسهولة والتخفيف ، والإعلان برفع الحرج عن هذه الأمة التي خصها الله تعالى بخصائص رفعتها إلى أن تكون من أهل الشهادة على الأمم الأخرى .

ويقول شيخ الإسلام – أيضا – : ( جماع الفرقان بين الحق والباطل والهدى والضلال والرشاد والغي وطريق السعادة والنجاة وطريق الشقاوة والهلاك أن يجعل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه ، وبه يحصل الفرقان والهدى والعلم والإيمان فيصدق بأنه حق وصدق ، وما سواه من كلام الناس يعرض عليه ، فإن وافقه فهو على حق وإن خالفه فهو باطل وإن لم يعلم هل وافقه أو خالفه لكون ذلك الكلام مجملا لا يعرف مراد صاحبه أو قد عرف مراده لكن لم يعرف هل جاء الرسول بتصديقه أو تكذيبه فإنه يمسك فلا يتكلم إلا بعلم ، والعلم ما قام عليه دليل ، والنافع منه ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ) ا هـ .

وهذه قاعدة أصلية من طبقها حاز النصيب الأوفى من الفوز بالنجاة من مضلات الفتن ، ولذا يقول أيضا في الموضوع نفسه : ( وكل من دعا إلى شيء من الدين بلا أصل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد دعا إلى بدعة وضلالة ، والإنسان في نظره مع نفسه ومناظرته لغيره إذا اعتصم بالكتاب والسنة هداه الله تعالى إلى صراطه المستقيم فإن الشريعة مثل سفينة نوح عليه السلام ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق ) ا هـ .

والله سبحانه وتعالى أسأل أن يهدي الأمة الإسلامية لأقوم طريق .

2 – والالتزام بمذهب السلف أهل السنة والجماعة ، لأن السلف هم الذين يحققون الوسطية ، ويطبقون منهج الشرع ، وهم الذين يفهمون المقاصد الشرعية ، والنصوص من المصدرين على الوجه الصحيح ، وقد شهد لهم المصطفى صلى الله عليه وسلم بالخيرية كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانُهُمْ وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَتُهُمْ ) .

فالملتزم بمذهب السلف محقق [ص-231] لمعنى الوسطية ، معتصم بالهدى ، مقيم على أمر الله . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ( أهل السنة في الإسلام ، كأهل الإسلام في الملل – أي من جهة الوسطية – فهم في باب صفات الله سبحانه وتعالى وسط بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة وهم وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية ، وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم ، وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية ، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الروافض والخوارج )ا هـ .

وقفة قصيرة مع كلام شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – : كما أن أهل الإسلام وسط بين الملل والديانات فأهل السنة والجماعة هم وسط بين فرق الضلال والزيغ من هذه الأمة ، وسط في باب الصفات بين من ينفيها ويعطل الذات العلية عنها ويحرف ما ورد فيها من الآيات والأحاديث الصحيحة عن معانيها الصحيحة إلى معان باطلة من غير دليل ، وهم وسط في باب الإيمان والأحكام بين الخوارج والمعتزلة الذين يقولون : إن مرتكب الكبيرة كافر وهو في منزلة بين الإيمان والكفر ، فغلوا في ذلك فجعلوا كل الكبائر والمعاصي كالزنى وشرب الخمر والسرقة . . إلخ جعلوا فاعل ذلك كله كافرا خارجا عن الملة مثل من عبد غير الله ، هذا غلو واضح وإن صحب غلوهم هذا الزهد والعبادة ولكن ليس هذا على هدي الرسول صلى الله عليه وسلم .

والمرجئة الذين يقولون : إن العبد إذا قال لا إله إلا الله وشهد لله تعالى بالوحدانية وأقر للرسول – صلى الله عليه وسلم – بالرسالة فإنه مؤمن كامل الإيمان وإن عمل ما عمل وأنكروا أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، كلا الطرفين – الخوارج والمعتزلة من جانب والمرجئة من جانب خرجوا عن المنهج الصحيح والصراط المستقيم وعما جاء في الكتاب والسنة .

والسلف أهل السنة وسط أيضا في باب القدر ، فالقدرية نفوا القدر ولم يثبتوه وغلوا في تحميل العبد المسئولية عن فعل المعصية وقالوا : إن الله تعالى لم يقدر عليه المعاصي ولم يخلقها وجعلوا جميع أفعال العبد من غير قدر الله وتقديره ولم يكتبها وإنما العبد من عند نفسه استأنفها وهذا غلو ، وبالغوا في إرادة العبد ونفي إرادة الله .

قابل القدرية الجبرية ، وقالوا : لا حيلة للعبد ولا إرادة ولا اختيار ، فغلوا في إثبات القدر وجعلوا الإنسان كالريشة في مهب الريح لا إرادة له ولا اختيار وكلا الطرفين في ضلال مبين وغلو واضح .

وأهل السنة وسط حيث نهجوا منهج الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة فيما أثبته القرآن والسنة فأثبتوا أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق لأفعال العباد كما هو الخالق لكل شيء : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)(سورة الصافات الآية 96)( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)( سورة الإنسان الآية 30) ( وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ )(سورة يس الآية 12)[ص-232] ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)(سورة الزلزلة الآية 7-8)

وفي فضائل الصحابة أهل السنة يجلون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويوالونهم ويترضون عنهم ولا يكفرون أحدا منهم ، فيثبتون ما أثبته الله من فضلهم في القرآن وأثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف الذين يلعنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بل يكفرون بعضهم .

ولا مراء أن التزام المذهب السلفي هو علاج الانحراف ، وفيه السلامة والنجاة من التردي في مهاوي الانحراف والابتداع ، وفي هذا الالتزام القضاء على التأويلات المذمومة ، واتباع المتشابه ، والجدل المذموم ، فكل خير في اتباع من سلف ، وكل شر في ابتداع من خلف ، ذلك لأن السلف أهل القرون الخيرة ومن سار على نهجهم هم أهل السنة والجماعة ، سنة الخلفاء الراشدين المهديين .

قال ابن مسعود رضي الله عنه : ( عليكم بتقوى الله وهذه الجماعة ، فإن الله لا يجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة أبدا ، وعليكم بالصبر حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر ) .

كما قال – أيضا – : ( عليكم بالطريق فإن لزمتموه لقد سبقتم سبقا بعيدا ، ولئن خالفتموه يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا ) .

وما أنفس قوله وأجمله رضي الله عنه : ( عليكم بالعلم وإياكم والتبدع وإياكم والتنطع وإياكم والتعمق وعليكم بالعتيق ) . فقوله العتيق ، أي : القديم الذي علم به الصحابة المهتدون ومن تبعهم بإحسان ، وقال رضي الله عنه ( ومن كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا ، وأعمقهم علما ، وأقلهم تكلفا ، وأقومها هديا وأحسنها حالا ، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم ، واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدي المستقيم ) وبعد / فإن هذه هي حصون العصمة من الزيغ والضلال ، فمن سار على هذا النهج فقد تحصن بحصن منيع من مضلات الفتن ، وكان بتوفيق الله تعالى من الفرقة الناجية التي عناها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الفرقة . والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

مراجع البحث

(1) أخلاق أهل القرآن للآجري – المتوفى سنة 360 هـ طبعة دار الكتب العلمية بيروت .

(2) آفاق التربية وأفياء التعليم لعبد الله بن حمد الحقيل الطبعة الأولى .

(3) أباطيل وأسمار لمحمود شاكر مطبعة المدني بمصر .

(4) تفسير الآلوسي : روح المعاني ط دار الفكر .

(5) القواعد الكبرى بتحقيق د . نزيه حماد ود . عثمان ضميرية ط دار القلم .

(6) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم – شيخ الإسلام ابن تيمية دار الكتاب العربي .

(7) الترمذي الجامع دار الكتب العلمية .

(8) درء التعارض ط الأولى بتحقيق د . محمد رشاد سالم ، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية .

(9) الرد على البكري ط المطبعة السلفية بمصر .

(10) المحجة في سير الدلجة ط الثانية دار البشائر الإسلامية .

(11) المجموع للنووي ط مكتبة الرشاد .

(12) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ط دار الكتب العلمية .

(13) الكفاية للخطيب البغدادي ط دار الكتب الحديثة بالقاهرة .

(14) الإبانة الكبرى – ابن بطة – ط دار البيان .

(15) التربية والتعليم في المملكة بين السياسة النظرية والتطبيق للدكتور حمد بن إبراهيم السلوم .

(16) سنن أبي داود ط دار الفكر .

(17) سنن ابن ماجه ط مطبعة عيسى الحلبي .

(18) سنن الدارمي ط دار الكتب العلمية .

(19) شرح صحيح مسلم للنووي ط دار إحياء التراث العربي بيروت .

(20) شرح السنة اللالكائي دار طيبة للنشر .

(21) صحيح الجامع الصغير ط المكتب الإسلامي .

(22) صحيح البخاري . ط دار الكتب العلمية .

(23) صحيح مسلم ط دار إحياء التراث العربي .

(24) صحيح ابن خزيمة ط المكتب الإسلامي .

(25) الكفاية للخطيب البغدادي ط دار الكتب الحديثة بالقاهرة .

(26) لسان العرب لابن منظور ط دار الفكر .

[ص-234] (27) مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية د . عثمان ضميرية .

(28) موسوعة النحو والصرف والإعراب ط دار العلم للملايين .

(29) مدارج السالكين ط دار الكتاب العربي بيروت .

(30) معالم السنن ط دار المعرفة للطباعة والنشر .

(31) فتح الباري ط . دار الفكر .

(32) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ط المغرب .

(33) فن الذكر والدعاء لمحمد الغزالي ط دار الاعتصام .

(34) ندوة جمعيات تعليم القرآن الكريم ودورها في إكمال مسيرة المؤسسات التعليمية بالمملكة العربية السعودية والتي أقيمت على هامش حفل تكريم الحفاظ بجمعية تحفيظ القرآن الكريم بمحافظة الطائف 1424 هـ د . أحمد بن موسى السهلي .

-- د. أحمد بن موسى السهلي

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*