الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو11

بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو11

المحور الرابع

استثمار تعليم القرآن في ترسيخ الوسطية ومعالجة الغلو أثر معلم القرآن في تربية

طلابه على الاعتدال

للدكتور عبد الله بن علي بصفر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :

فقد من الله علينا سبحانه وأكرمنا بأن جعلنا مسلمين ، وأكرمنا بالهداية إلى منهاجه المستقيم ، ووعد من تمسك به منا بالفوز والفلاح دنيا وأخرى . قال سبحانه : ( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ( المائدة : 15 – 16 ) .

وقد جعل الله عز وجل هذه الأمة خير الأمم ، وآتاها من المناهج والشرائع خيرها وأبقاها ، فكانت هي الأمة الوسط من بين الأمم .

قال سبحانه : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) ( البقرة : 143 ) .

وجاءت النصوص الكثيرة في كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تأمرنا بالاستقامة على هذا المنهج الوسط ، والذي لا انحراف فيه ولا شطط ، وتنهانا عن الجنوح عنه ، أو الميل عنه لسواه ، سواء كان ذلك بغلو أو جفاء .

وفي عصرنا الحاضر فشت ظاهرة الغلو في الدين ، والفهم السقيم لنصوصه وتعاليمه ، وتطاير شرر ذلك ، واستفحل خطره وضرره ؛ فكان لزاما على رجالات الأمة كلهم ؛ علماء ودعاة ، ومفكرين وأدباء ، وأئمة وخطباء . . . وغيرهم ؛ كان لزاما على الجميع أن يتكاتفوا ، لدراسة هذه الظاهرة ، ومعرفة أسبابها ودوافعها ؛ ثم المشاركة في علاجها وقلع جذورها من بيننا .

وقد دعيت للمشاركة في ندوة بعنوان ( أثر القرآن الكريم في تحقيق الوسطية ودفع الغلو ) ، وكان الفرع الذي طلب مني الكتابة فيه هو : ( أثر معلم القرآن في تربية طلابه على الاعتدال ) ، ولم يكن بد من الاستجابة لذلك على الرغم من كثرة الأشغال ، وضيق الوقت ؟ فكانت هذه الأوراق ، التي أسأل الله أن ينفع بها ، وأن تكون فاتحة الباب لدراسات أشمل وأعمق في الموضوع ذاته . والحمد لله أولا وآخرا .

أثر معلم القرآن في تربية طلابه على الاعتدال

إن للمعلم عموما ، ومعلم القرآن خصوصا ؛ الأثر البالغ في توجيه طلابه ، والتأثير عليهم سلبا كان أو إيجابا ، فالطالب إذا أحب معلمه جعله قدوته الحية ، ومثله الأعلى ، وقلده في كل ما يأتي ويذر من الأقوال والأفعال ، بل : والأفكار والاعتقادات . . وهذا واقع ملموس مشاهد بما يغني عن إيراد أمثلة وشواهد عليه ، ولذا أدخل مباشرة في موضوع بحثنا وهو : ( أثر معلم القرآن في تربية طلابه على الاعتدال ) فأقول :

أولا : المعلم القدوة

من البدهيات المعروفة للجميع ، أن : ( فاقد الشيء لا يعطيه ) ، وأن : ( كل إناء بما فيه ينضح ) ، فإذا أردنا من المعلم أن يربي طلابه على الاعتدال فكرا وسلوكا ، فلا بد أن يكون المعلم نفسه كذلك ؛ وأن يكون هو نفسه قدوة لطلابه ، ومثالا حيا لمظاهر الوسطية والاعتدال في دينه ودنياه .

ومما يدلل على أهمية كون المعلم قدوة ما يأتي :

( 1 ) أن المثال الحي ، والقدوة الحسنة ، يثيران في نفس الطالب قدرا كبيرا من الإعجاب والاستحسان والتقدير والمحبة ، فيميل إلى الخير ، ويتطلع لمراتب الكمال ، ويسعى لتقليد ذلك المثال ، والعمل بمثل عمله ليرتقي في درجات الكمال .

( 2 ) أن القدوة الحية ، المتصفة بالوسطية والاعتدال ؛ تعطي الطلاب قناعة بأن التوسط والاعتدال ، وعدم الغلو والإفراط ، أو الجفاء والتفريط ؛ كل ذلك من الأمور الممكنة التي هي في متناول القدرات الإنسانية ، وشاهد الحال أقوى وأبلغ من شاهد المقال .

( 3 ) أن الطلاب بالنسبة لمعلمهم ؛ بل : والمدعوين بالنسبة للداعية ، والمرءوسين بالنسبة لرئيسهم ، كل أولئك ينظرون إلى معلمهم أو رئيسهم أو الداعية فيهم نظرة دقيقة متفحصة ، هي أشبه بالرقابة المجهرية ، وهم في ذلك يجعلونه محلا للاتباع والاحتجاج في جليل أمره وحقيره ، مما يحتم عليه أن يكون – ولو في الظاهر – قدوة حسنة ، ومثالا للكمال والوسطية والاعتدال .

( 4 ) أن مستويات الفهم للكلام عند الناس متفاوتة ، ولكنهم يستوون أمام الرؤية بالعين المجردة ، فإيصال المعلومة عن طريق الفعل أبلغ بكثير ، وأقوى في التأثير من مجرد القول .

ومما يدل على ذلك ما أورده البخاري في صحيحه باب : الاقتداء بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم ثم ساق الحديث : ( اتَّخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ ) ، [ص-186] فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إِنِّي اتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ) فَنَبَذَهُ وَقَالَ : (إِنِّي لَنْ أَلْبَسْهُ أَبَدًا) ، فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ .

قال ابن بطال : ( فدل ذلك على أن الفعل أبلغ من القول ) .

وتأمل ما حصل في غزوة الحديبية عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه محرمين بالعمرة ، وردهم المشركون عن البيت ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتحلل من عمرتهم ، وتأخر الصحابة في تنفيذ الأمر رجاء أن يؤذن لهم في القتال ، وينصروا على المشركين ، ومن ثم يكملوا عمرتهم .

فدخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سلمة رضي الله عنها ، وعليه أمارات الحزن والغضب ، بسبب تأخر الصحابة عن الاستجابة لأمره ، فأشارت عليه أم سلمة رضي الله عنها بقولها : اخرج إليهم ، واذبح واحلق .

وما أن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك ورآه الصحابة ؛ إلا وتتابعوا مسرعين في تنفيذ أمره ، والاقتداء بفعله .

فهذا المثال وغيره كثير في السنة يدلك على أهمية القدوة الحسنة ، وكيف أن لها أعظم الأثر في الاستقامة وسلوك طريق الجادة .

( 5 ) أنه ورد في الحديث بيان العقوبة الشديدة التي تلحق من يأمر الناس بالخير وينسى نفسه ؛ ففي حديث أنس رضي الله عنه مرفوعا : . أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار ، كلما قرضت وفت ، فقلت : يا جبريل ! من هؤلاء ؟ قال : خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون ، ويقرءون كتاب الله ولا يعملون به .

وهذا مما يدلك على خطورة القدوة وعظيم أثرها ، فإن انحراف الداعية والمعلم وغيرهما – من الذين هم موضع قدوة – سبب في انحراف كل من تأثروا بهم ، أو سمعوا منهم ، وتلقوا عنهم .

( 6 ) أن جميع الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه ، كانوا قدوة حسنة لأقوامهم ، ولهذا قال شعيب صلى الله عليه وسلم لقومه : ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ( هود : 88 ) .

ولأجل هذا الذي تقدم وغيره ، ينبغي على المعلم – إن أراد أن يؤثر في طلابه حقا أن يكون هو نفسه قدوة حية لهم في الوسطية والاعتدال ، والرحمة واللين ، والحكمة وجمال الأخلاق والطباع .

ثانيا : التوجيه بنوعيه المباشر وغير المباشر

( 1 ) التوجيه المباشر : وهو ما يقوم به المعلم من النصيحة المباشرة لطلابه ، وشرح وسطية هذا الدين لهم ، وتحذيرهم من الغلو أو الإجحاف . . ووعظهم بسلوك الطريق المستقيم . . إلخ .

وهنا ينبغي على المعلم أن يستغل المناسبات والفرص ، ويوجه طلابه من خلالها ففي أثناء التسميع مثلا ؛ أو تصحيح مقرر الحفظ أو المراجعة .

وكلما مر الطالب على آية من الآيات التي تدعو للوسطية والاعتدال ، وتنهى عن الجنوح والغلو – وما أكثرها – ؛ فإن على المعلم أن يستغل ذلك الموقف ، ببيان معنى الآية ، والانطلاق من خلالها لعرض سماحة الإسلام ، ووسطيته ، وكمال منهجه وتمامه ، ورحمته بالناس وحرصه عليهم . . إلخ .

ومن أمثلة تلك الآيات : قوله تعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) ( البقرة : 143 ) . وقوله تعالى : ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ( الأنعام : 153 ) . وقوله سبحانه : ( وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) ( طه : 81 ) . وقوله سبحانه : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ) ( النساء : 171 ) . وقوله سبحانه : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) ( المائدة : 77 ) . وقوله تعالى : ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ( البقرة : 185 ) . وقوله تعالى : ( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ) ( النساء : 28 ) . وقوله تعالى : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ) ( الحج : 78 ) . إلى غير ذلك من الآيات .

[ص-188] ( 2 ) التوجيه غير المباشر : ويكون بوسائل وأساليب يصعب حصرها ؛ فليس هو الخطاب المباشر للطالب من أستاذه ومعلمه ؛ سواء بوعظ أو نصيحة أو تعليم ، لا ؛ وإنما هو أسلوب مختلف تماما : فقد يكون عن طريق الصحبة والمخالطة ، وقد يكون عن طريق قصة تذكر فيها إشارة لموضع الخلل وعلاج له ، وقد تكون عن طريق التعريض والتلميح من بعيد : ( ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا ) ، وقد يكون بالكناية أو المداراة أو غيرها من أساليب لا حصر لها .

والتوجيه غير المباشر أبلغ بكثير جدا من التوجيه المباشر ، إذا أحسن استغلاله وتطبيقه ؛ وسبب ذلك : أن الطالب يشعر أنه اكتسب هذه المعلومة أو هذه الخبرات أو المعارف باستقلالية تامة ، من غير إلزام من أحد أو إكراه ، إنه يشعر بحريته التامة في التعلم والاكتشاف ؛ فلا يشعر باستعلاء من أحد بفضل علم أو تقدم خبرة عليه .

فالتوجيه غير المباشر يتخطى ويتفادى التصادم مع كثير من العقبات النفسية المختلفة ، وذلك أن إحساس النفس بالاستقلالية والاستعلاء ، لا تسمح في كثير من الأحيان بقبول توجيه مباشر آت من الآخرين . ولنأخذ أمثلة لذلك من العهد النبوي ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يعالج بعض الأخطاء عن طريق التعريض دون التصريح بفاعل الخطأ ، أو النصح المباشر له .

فمثلا : عندما جاء النفر الثلاثة وسألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فكأنهم تقالوها ، وقال أحدهم : أما أنا فأصلي الليل ولا أنام ، وقال الآخر : لا أتزوج النساء ، وقال الثالث : أصوم ولا أفطر ، أو : لا آكل اللحم . وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بمقالتهم ، فقام صلى الله عليه وسلم وخطب الناس وقال : ما بال أقوام يقولون كذا وكذا ، أما إني أتقاكم لله وأخشاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأنام ، وأتزوج النساء ؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني .

فانظر كيف عالج النبي صلى الله عليه وسلم ؛ المعلم الأول هذا الجنوح إلى الغلو ، بذلك الأسلوب الحكيم ، والتوجيه غير المباشر ، وفيه من الفوائد إضافة إلى ما تقدم ذكره : أنه علاج ليس لأولئك النفر الثلاثة فحسب ، وإنما علاج لظاهرة الغلو التي قد تكون موجودة عند آخرين ، لكنهم لم يأتوا لبيت النبوة ، ولم يتحدثوا بما في نفوسهم كما فعل أولئك النفر الثلاثة ؛ فكون التوجيه جاء عاما ، وعلى الملأ ، وبتوجيه غير مباشر دون تعرض للأشخاص ؛ كل ذلك جعله من أبلغ وسائل العلاج وأفضله ، وأعلاه وأتمه .

ومن أمثلة ذلك : وصاله – صلى الله عليه وسلم الصيام في رمضان ، ولشدة محبة أصحابه له وتأسيهم بفعله ، واصل بعضهم الصيام كذلك . فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قال : ما بال رجال يواصلون ، إنكم لستم مثلي . أما والله ! لو تماد لي الشهر [ص-189] لواصلته وصلا يدع المتعمقون تعمقهم .

ومن أمثلة ذلك أيضا : ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر فتنزه عنه ناس من الناس . فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فغضب ، حتى بان الغضب في وجهه ثم قال : ما بال أقوام يرغبون عما رخص لي فيه ؛ فوالله لأنا أعلمهم بالله ، وأشدهم له خشية .

والأمثلة من السنة غير هذا كثيرة جدا ، وفيما ذكرناه كفاية لكل عاقل لبيب أريب .

ثالثا : اليقظة والمتابعة

فالمعلم يجلس مع طلابه لفترات ليست قليلة كل يوم ، لا سيما في المراكز الصباحية لتحفيظ القرآن ، والتي قد تصل ساعات جلوس المعلم فيها مع طلابه إلى 6 أو 7 ساعات ، وهنا يجب على المعلم أن يكون ملما بأحوال طلابه ، عارفا لطباعهم وسلوكياتهم ، مراقبا لما يصدر منهم من أقوال وأفعال ؛ يقظا لكل ما قد يطرأ عليهم من تغيرات سواء في أقوالهم أو أفعالهم أو سلوكياتهم .

فالغلو أو التفريط لا يحصل للطالب فجأة ، وإنما يتدرج معه بسبب مفاهيم خاطئة ترد على ذلك الطالب تباعا ؛ فعلى المعلم أن يتابع طلابه ويراقبهم .

وعندما يرى أي جنوح عن الوسطية والاعتدال ، سواء إلى الغلو والإفراط أو حتى إلى الجفاء والتفريط .

فعندها عليه أن يبادر بالعلاج المناسب ، سواء بتوجيه غير مباشر كما تقدم ، أو بالنصح والتوجيه المباشر ، وبيان الخطأ وعلاجه . . أو حتى بعزل ذلك الطالب عن بقية زملائه في حال تعذر العلاج ، وكونه مؤثرا على باقي زملائه .

رابعا : صفات ينبغي للمعلم أن يتصف بها

وهذه الصفات لا بد من التحلي والاتصاف بها ، من قبل المعلم ؛ إذا أراد أن يكون له تأثير على طلابه في تربيتهم على الوسطية والاعتدال ؛ وكذا علاجه لأي جنوح إلى الغلو أو التفريط من قبلهم .

وبقدر اتصافه بتلك الصفات ، أو إهماله لذلك ، يكون نجاحه أو إخفاقه في مهمته ، وأهم هذه الصفات هي :

(1) الإخلاص لله تعالى : فالإخلاص هو رأس الأمر وعموده وأساسه ، وهو روح الأعمال ، وسر قبولها ، وبه يكون [ص-190] عون الله وتوفيقه للعبد ، وقد قال الله عز وجل : ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) ( المائدة : 27 ) . وقال سبحانه :( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ( البينة : 5 ) .

وقديما قالوا : ( إذا خرج الكلام من اللسان لم يتجاوز الآذان ، وإذا خرج من القلب دخل القلب بلا استئذان ) .

وقالوا : ( إنما يعطى الناس على قدر نياتهم ) .

يقول ابن القيم رحمه الله : ( وقد جرت عادة الله التي لا تبدل ، وسنته التي لا تحول ، أن يلبس المخلص من المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق ، وإقبال قلوبهم إليه ما هو بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه ، ويلبس المرائي اللابس ثوبي الزور من المقت والمهانة والبغضة ما هو اللائق به ، فالمخلص له المهابة والمحبة ، وللآخر المقت والبغضاء ) .

(2) الصبر وسعة الصدر : وذلك يحتاجه كل مسلم في علاقاته مع الناس كل الناس ؛ لكن حاجة المعلم الذي يريد تربية طلابه على الاعتدال ، وعلاج الغلو فيهم ، حاجته إليه آكد وأشد . وذلك أن تغيير الأفكار أصعب من نحت الأحجار ، وهذا واقع ملموس ومشاهد ، فعلى من يعالج أي انحراف أن يصبر على المُعَالَج ؛ وما قد يصدر عنه من اجتهادات غريبة ، وآراء عجيبة ؛ ربما يستاء من مجرد سماعها ؛ فعليه أن يصبر ، ويتمالك نفسه ، ويوسع صدره ، ثم يفند تلك الآراء والاجتهادات بالحجج الدامغة ، والأدلة القاطعة ، في هدوء لا انفعال فيه ، وسكينة لا حدة معها ولا غضب .

ثم إنه من الممكن أن يمتد لسان ذلك الغالي المنحرف بالسوء – حتى على معلمه وأستاذه – ، فعندها يتأكد الصبر ، حتى لا يضيع علاجه سدى ؛ فينبغي للمعلم أن يصبر ولا يقابل الإساءة بمثلها ، لأنه إنما يعمل للعلاج وإزالة الداء ، لا للصراع والهجاء .

قال تعالى : (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) ( فصلت 34 ، 35 ) .

وقال سبحانه – على لسان لقمان وهو يعظ ابنه – : (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) ( لقمان 17 ) .

[ص-191] (3) الرفق والحلم والأناة : قال تعالى :( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) ( آل عمران : 159 ) .

وقال صلى الله عليه وسلم : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ . وقال أنه أيضا : إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ . وقال صلى الله عليه وسلم : مَنْ يُحْرَمُ الرِّفْقَ يُحْرَمُ الْخَيْرَ .

فعلى المعلم أن يتحلى بالرفق والأناة والحلم ، فلا يعنف ما وجد للرفق سبيلا ؛ وذلك أن من ابتلي بانحراف ؛ غلو أو غيره من الأمراض الفكرية ، إنما هم جزء من مجتمعنا ، وعلى المعلم أن يأخذ بأيديهم بكل رفق وحلم ، وأناة ولين .

وليتأمل قوله سبحانه لموسى وهارون : ( اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى سورة طه الآية 44 فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) ( طه 43 ، 44 ) .

ولئن كان مثل ذلك في حق الطاغية الكافر ، الذي ادعى لنفسه الربوبية والإلهية من دون الله ؛ فلأن يكون الحلم والخطاب اللين مع إخواننا من باب أولى ، وهذا هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم ، وتلك هي طريقته في دعوته وعلاجه للمشكلات ، وتقويمه لكل انحراف أو اعوجاج .

(4) التعامل بروح الأبوة والأخوة : وينبغي للمعلم كذلك أن يتصف في علاجه لظاهرة الغلو خصوصا ، وتعامله مع طلابه عموما ، بروح الأبوة المشفقة ، والأخوة الحانية ، إذ ظاهرة الغلو غالبا ما تستشري بين الشباب خاصة ، وهم يتسمون بالحماسة والاندفاع .

فعلى من يتصدى لعلاجهم وتوجيههم أن يكون رقيقا في معاملته ، لطيفا في أسلوبه وكلامه ، فلا يعنف ، ولا يتهكم ، ولا يسخر ، ولا يسفه ، بل يوضح الحقائق ، ويزيل اللبس ، ويجيب عن الشبهة والإشكال ، على ذلك بالحسنى ؛ بل : بالتي هي أحسن . فلا يهجم هجوم عدو ، ولا يطعن طعنات مبغض ، بل يسعى سعي الوالد المحب والأخ الشفيق ؛ لإنقاذ ابنه أو أخيه من الغرق .

[ص-192] (5) المعايشة للأحداث ، وفقه الواقع : وعلى المعلم إن أراد أن يكون ذا تأثير إيجابي على طلابه ؛ أن يكون فقيها بواقعه ، مدركا لأحداثه الجارية ووقائعه ، متحركا مع الناس في الميدان ، مخالطا للشباب ومحتكا بهم ؛ عارفا بآمالهم وآلامهم ، مشاهدا لأفعالهم وتصرفاتهم .

فإنه من خلال ذلك الاحتكاك وتلك المعايشة ؛ يدرك المحاسن والفضائل فيزيدها وينميها ، ويشجع أصحابها ، ويدرك الأخطاء والسلبيات ، فيصلحها ويقومها ، ويوجه أصحابها وينصحهم بتركها .

فلا يكفي أن يتعرف المعلم على المشكلة من الصحف أو المجلات ، أو الإذاعة أو التلفاز ، أو غير ذلك من وسائل الإعلام ؛ أو حتى سماعها من فلان وفلان من الناس ، ثم يقوم بإسقاط ما سمعه على طلابه ، ومعاملتهم بحسبه ؛ إن هذا خطأ فاحش في معالجة الأمور .

بل لا يكفي أن يراقب مشكلة ما ظهرت له عن بعد ، لا ؛ بل لا بد من معايشة أصحاب المشكلة ، والاحتكاك بهم ، ومن ثم معرفة حقيقة ما هم عليه من أخطاء ، وما استحدثوه من سلبيات ، ثم علاجها بالطريق الأمثل .

(6) الإنصاف والعدل : قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) ( النساء : 135 ) .

وقال سبحانه : (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ( الأنعام : 152 ) . فعلى المعلم أن يكون عادلا فيما يقرره ويحكم به .

أما إن لم يكن المعلم عادلا ومنصفا ، وتحامل على طرف دون طرف ، ومال مع المائلين ، وتأثر بسلطان الترغيب أو الترهيب ؛ فعندها : لن يجدي علاجه ، ولن يكون له أي تأثير على من انحرف أو جنح إلى الغلو .

وقد قال سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ( المائدة : 8 ) .

(7) أن يكون محلا للثقة : وعلى المعلم أن يكون محل ثقة طلابه ، واطمئنانهم إليه ؛ وإذا لم تتوافر الثقة في المتصدي للعلاج فلن يصغي إليه أحد ، ولن يجدي كلامه ، ولن يكون له أي تأثير يذكر على طلابه .

ومن أهم الأمور التي تستدعي الثقة فيه ما يلي :

– أن يكون سليم العقيدة نقيا من البدع والخرافات .

– أن يكون حسن الخلق ، متواضعا لطلابه .

– أن يكون قوي الشخصية ؛ لا تقعده رهبة ، ولا تغريه رغبة .

– أن يكون قدوة حسنة في بيته وعمله وشأنه كله ؛ عاملا بما يدعو إليه .

– أن يكون عالما حسن الفهم ورعا تقيا .

وعندما يستجمع المعلم دواعي الثقة ، ينشأ عند طلابه الاطمئنان إليه ، وإلى ما يقوله ويدعو إليه ، فيتأثرون حينئذ به ، ويستجيبون لما يدعوهم إليه بقوله أو بفعله .

خامسا : أمور أخرى تعين المعلم في تربية طلابه على الاعتدال

وثمة أمور أخرى ينبغي على المعلم مراعاتها ، إن أراد أن يكون له الأثر البالغ في تربية طلابه على الوسطية والاعتدال ، وعلاج ما قد يطرأ عليهم من غلو أو إجحاف .

ومن هذه الأمور :

– التدرج في العلاج ، وتقديم الحلول والبدائل ، وإزالة الشبهات .

– بيان محاذير وعيوب الغلو ، ومنها : التقصير في حقوق أخرى ، وأن الفطرة البشرية لا تطيق الاستمرار على هذا الغلو .

– الدعوة للاتعاظ بمن سبق من الأمم .

– الزجر عن سبيل الغلو والبراءة منه : فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي .

– تصحيح المفاهيم ، وبيان السبيل القويم ، والصراط المستقيم ؛ فالخشية والتقوى تحصل بالتوازن ، لا بالمبالغة في أمر وإهمال أمور .

هذا ما يسر الله لي ، والله أسأله أن يرزقني وكل مسلم الإخلاص والمتابعة في كل أمورنا ؛ وأن نكون من أهل الوسطية والاعتدال . آمين .

-- د. عبد الله بن علي بصفر

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*