الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو10

بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو10

المحور الرابع

استثمار تعليم القرآن في ترسيخ الوسطية ومعالجة الغلو لمحات عن منهج القرآن الكريم

في

البناء التربوي ومعالجته

للدكتور إبراهيم بن سعيد الدوسري

المقدمة

الحمد لله الذي أنزل القرآن العظيم بالحق نورا وهدى للعالمين ، والصلاة والسلام على خاتم النبيين ، وصفوته من خلقه أجمعين ، سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد :

فإن القرآن الكريم هداية الله للعالمين ، وهو منهج كريم يسمو بالإنسان وينظم حياته من جميع أبعادها ، سواء أكان من جهة صلته بربه ، أم من جهة علاقته بالكون وما حواه ونفسه التي بين جنبيه ومجتمعه وأمته والناس أجمعين .

ومن ثم كان القرآن الكريم المصدر الأساس للتربية لدى المسلمين ، حيث كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ، يتخلق بأخلاقه ، ويؤدب أمته بآدابه .

فكتاب الله العظيم قد تضمن منهجا كاملا وشافيا في الوسطية ، والكشف عن معالمه يعد من الأمور الضرورية والملحة ، ولا سيما في الظروف الراهنة التي بلغت خطورة بالغة طالت الأمة الإسلامية والعالم بأسره ، بسبب خروج بعض الناس عن منهج القرآن الكريم أو البعد عنه ، والتأثر بالأفكار المنحرفة والهدامة ، والسير وراء كل ناعق ، فأفرز ذلك خروجا عن طاعة ولي الأمر ، وسعيا في الأرض فسادا وقتل النفس المعصومة ، وغير ذلك من التبعات المخالفة لمنهج الوسطية منهج القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة .

وإذا كان من عادة القرآن في روافد البناء التحذير مما يعوقه ، وحمايته مما يهدمه ، وصيانته مما يقلل من قيمته فإن معالجة القرآن لما يخرج ذلكم البناء عن حد الاعتدال قد حوت حيزا كبيرا من آياته .

ويأتي هذا البحث إسهاما يسيرا من أجل إبراز لمحات موجزة عن منهج القرآن الكريم في بعض الجوانب التربوية والاجتماعية وسبل معالجتها ، راجيا من الله العلي القدير العون والتسديد .

ولا يفوتني أن أرفع جزيل الشكر إلى صاحب المعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد على عنايته بهذه الموضوعات الحيوية ، وعلى إتاحته الفرصة لي للمشاركة بهذا البحث في الندوة العلمية التي تعقدها الوزارة عن ( أثر القرآن الكريم في تحقيق الوسطية ودفع الغلو ) .

هدف البحث : يهدف هذا البحث إلى الإشارة إلى إبراز بعض لمحات منهج القرآن الكريم في البناء التربوي الأخلاقي والاجتماعي ، والتنويه بالوسائل الكفيلة ، بتفعيل التعاليم التربوية ذات الطابع الإصلاحي من خلال القرآن الكريم .

خطة البحث : تتكون خطة البحث من تمهيد ومقصد وخاتمة ، وذلك على النحو التالي : المقدمة : تتضمن أهمية الموضوع – كما تقدم – وهدفه وخطته .

التمهيد : منهج التربية في القرآن الكريم .

المقصد : البناء التربوي الأخلاقي والاجتماعي ، وفيه مطلبان :

المطلب الأول : الجانب التربوي الأخلاقي .

المطلب الثاني : الجانب التربوي الاجتماعي .

الخاتمة : تتضمن خلاصة البحث وأهم النتائج التي انتهى إليها .

نبذة موجزة عن منهج التربية في القرآن الكريم التربية في اللغة : إصلاح الشيء والقيام عليه حالا فحالا إلى حد التمام ، ويقال : ترببه وارْتَبَّه ، ورباه تربية .

وهي في الاصطلاح تؤول إلى هذا المعنى وهو الرعاية والتنمية ، إذ التربية وسيلة إصلاحية بناءة .

ولقد حوى القرآن الكريم منهاجا فريدا في إصلاح الأمور والقيام عليها بالرعاية والتنمية ، على أحسن وجه وأكمل حالة ، فتلك هي التربية الربانية التي من صنع الله الذي أتقن كل شيء ، وهو الذي خلق كل شيء ، فهو أعلم بما يصلحه ، وهو سبحانه أحق من يرعاه ، قال الله تعالى : ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) ( سورة الملك : 14 ) .

ومفردات التربية في القرآن كثيرة جدا ، تشكل قاعدة تشمل الإنسان وسائر الكائنات ، فصفة الشمول والكمال تحيط بهذه التربية من كل جانب ، وفي كل مفردة منظومة عجيبة من الكمال التربوي الذي أودعه الله جل وعلا في كتابه الكريم .

فلو نظرنا إلى تربية الإنسان في القرآن الكريم لوجدنا نظاما محكما يبدأ مع الإنسان منذ أول خلقه حتى يلقى الله جل وعلا ويواجه مصيره الذي ينتظره .

إن منهج التربية في القرآن الكريم ينبثق من كمال هذا الدين ومعجزة هذا الكتاب المجيد ، فتربيته تسع كل المجالات ، كما أنها باقية وصالحة لكل عصر وجيل ، حيث إن إعجاز القرآن الكريم لا ينحصر في ألفاظه ومبانيه ، ولكنه يمتد إلى معانيه ومناهجه الحياتية والحيوية .

الجانب التربوي الأخلاقي

حقيقة التربية الأخلاقية في نظر الإسلام تنشئة الإنسان وتكوينه متكاملا من الجانب الخلقي ، بحيث يصبح مفتاحا للخير ومغلاقا للشر في كل الظروف والأحوال .

وهي تستهدف ملكة استعداد النفس لتهذيبها وتنمية نزعات الخير لديها ، فهي من الأهمية بمكان ، لأنها ترجمة عملية للأخلاق النظرية المتمثلة في الإلزام والمسئولية والجزاء (( ذلك أنه إذا لم يعد هناك إلزام فلن تكون هناك مسئولية ، وإذا عدمت المسئولية فلا يمكن أن تكون العدالة ، وحينئذ تتفشى الفوضى ويفسد النظام )) .

حقا إن التربية الأخلاقية أحد الدعائم الأساسية في بناء الفرد المسلم ، إذ هي عملية تؤدي إلى بناء فكر وفعل أخلاقي بما حوته من وسائل كفيلة يمكن من خلالها تطبيق دستور الأخلاق في القرآن الكريم ، وهذه الوسائل تؤول إلى مجموعتين :

وسائل دافعة ووسائل مانعة ، أما الوسائل الدافعة فهي التي تنمي الاستعداد النفسي لفعل الخيرات مثل القدوة الصالحة والموعظة والصحبة ، والمجموعة الثانية هي الوسائل المانعة وهي التي تحول بين المرء ورغبته في سيئ الأخلاق ، وتعطل إرادته واستعداده من الوقوع فيها ومن بين تلك الوسائل المانعة الاعتبار والترهيب والعقوبة .

إن التربية الأخلاقية في نظرة الإسلام تتسم بالعمق والشمول ، حيث إنها تتناول جميع الجوانب الإيجابية للتربية المتكاملة ، من أهمها تكوين البصيرة عند المرء ليميز بين سلوكي الخير والشر وتلقي المبادئ التربوية ب افعل ولا تفعل وتطهير النفس من نوازع الشر وتحذير الغير منها ، وتحليها بفضائل الخير ، والدلالة إليها .

والحق أن القرآن العظيم قد زود نظامه الأخلاقي بقاعدة تربوية غاية في الكمال وقد انتظم في هذه القاعدة جملة من الوسائل الكفيلة بتفعيل التعاليم الأخلاقية ، وإيجاد العلاج والحلول المناسبة لكل انحراف أو تسيب في الأخلاق ، ومعنى هذا أنها ذات طابع إصلاحي ودعوي ، فالحاجة إلى إبرازها وإعمالها ضرورة اجتماعية .

أولا – الوسائل الدافعة

وهي الوسائل التي تنمي الاستعداد لفعل الخيرات والمداومة عليها والترقي في معارج الفضيلة ، ومنها :

الموعظة : وهي التذكير بالخير فيما يرق له القلب وتعد الموعظة من أقوى الأساليب وأنجع الوسائل ، ولهذا سمى الله [ص-170] القرآن الكريم موعظة كما في قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) ( سورة يونس : 57 ) وقد استعمل القرآن الكريم الموعظة في السياق التربوي في كثير من المناسبات ، ويظهر ذلك جليا في مواعظ الحكيم لقمان لابنه : ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) ( سورة لقمان : 13 – 19 ) .

والموعظة تأتي في القرآن الكريم صريحة كما في الآيات السابقة ، وتأتي من خلال الاعتبار بمن سبق ، قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور : (( وقوله (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ) ( سورة النساء : 171 ) وقوله( فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) ( سورة الحديد : 27 ) فإن ذلك متعلق بأهل الكتاب ابتداء ، ومراد منه موعظة هذه الأمة لتجتنب الأسباب التي أوجبت غضب الله على الأمم السابقة وسقوطها )) وتصديق ذلك في القرآن الكريم حيث يقول الحق تبارك وتعالى : (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) ( سورة البقرة : 65 – 66 ) .

[ص-171] الصحبة : لا يخفى ما للصحبة من أثر فاعل في اكتساب الأخلاق سلبا أو إيجابا ، ومسارقة الطبع تؤدي في ذلك دورا كبيرا ، (( إذ الطبع يسرق من الطبع الشر والخير جميعا )) .

وقصة أصحاب الجنة في سورة القلم شاهد حي على ما للصحبة من أهمية في استمداد القرناء بعضهم من بعض الطاقات الأخلاقية حيث يقول الله تبارك وتعالى : ( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ *فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ *بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ * كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) ( سورة القلم : 17 – 33 ) .

أوسطهم أي : (( أعدلهم قولا وعقلا وخلقا )) والآية تدل على أن هذا الأوسط حذرهم من الوقوع في المعصية قبل وقوع العذاب فلم يطيعوه ، فلما رأوا العذاب ذكرهم ذلك الكلام ( قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) فكان تذكير أوسطهم أحد أسباب توبتهم ، ولو استجابوا له أولا لانتفعوا ببستانهم ، بيد أنهم استطاعوا أن يؤثروا عليه ، حتى أزرى به بخله فأصابه ما أصابهم . وقد جاء التنويه بالصحبة وما لها من أثر فاعل في آيات كثيرة ، ومنها قوله تعالى : ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) ( سورة الفرقان : 27 ) ، [ص-172] وقوله تعالى : ( قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ( سورة الأنعام : 71 ) .

القدوة الحسنة : وهي وسيلة عملية في البناء الخلقي ، (( ولن تصلح التربية إلا إذا اعتمدت على الأسوة الحسنة )) والقرآن الكريم حافل بنماذج حية للشخصيات الأخلاقية الكريمة ، للترغيب في أخلاقهم ، ومحاكاة الحسن منها ، قال تعالى : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) ( الأنعام : 90 ) ، كما حفل بنماذج أخرى ضدها للتنفير من محاكاتها ، قال ابن حزم : (( ولهذا يجب أن تؤرخ الفضائل والرذائل ، لينفر سامعها من القبيح المأثور عن غيره ، ويرغب في الحسن المنقول عمن تقدمه ويتعظ بما سلف )) .

ومن ثم سيق في القرآن الكريم تجارب الأنبياء الأخيار لينتفع منها النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، (( فلما أمر محمد عليه الصلاة والسلام بأن يقتدي بالكل ، فكأنه أمر بمجموع ما كان متفرقا فيهم ، ولما كان ذلك درجة عالية لم تتيسر لأحد من الأنبياء قبله لا جرم وصف الله خلقه بأنه عظيم )) وبهذا يتضح مفاد التعبير بحرف الاستعلاء في قوله تعالى ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ( القلم : 4 ) إذ دل على استعلاء الرسول صلى الله عليه وسلم على جميع الأخلاق الجميلة وتمكنه منها ولا سيما أنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق ، وفي الحديث الشريف : إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ .

وإذا كانت طريقة القرآن فيما يذكره الله عن أهل العلم والأنبياء والمرسلين على وجه المدح للتأسي بهم ، فلا جرم [ص-173] أن ما امتدح الله به رسوله صلى الله عليه وسلم من عظيم الخلق يقتضي اتخاذه مثلا أعلى ، ثم إنه قد جاء ذلك صريحا في قوله تعالى : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ( الأحزاب : 21 ) ، قال ابن حزم : (( من أراد خير الآخرة وحكمة الدنيا وعدل السيرة والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها واستحقاق الفضائل بأسرها فليقتد بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وليستعمل أخلاق سيرته ما أمكنه )) .

ثانيا : الوسائل المانعة

(( وهي الوسائل التي تحول دون فاعلية الرغبة في الأخلاق السيئة وتعطل الإرادة والاستعداد لفعلها )) فهي طرق وقاية وعلاج لما يطرأ على الأخلاق من عوامل الانحراف والانحلال الخلقي الذي يعتور النفس بسبب الهوى أو الشيطان أو غيرهما .

ولا ريب أن تلك الوسائل من الأساليب الناجعة في مجال التربية الأخلاقية ، لما لها من سلطة على كبح الجرم الخلقي ، وتهذيب السلوك ، فإن كان ثمة مكنة من التوبة من قبل الفاعل فذلك مقصد أسمى من مقاصد العقوبة في الإسلام مهما كانت ضخامة الذنب ، وإن لم يكن فإن العبرة قائمة لمن بعدها .

وإذا كنا بصدد ندوة أثر القرآن الكريم في تحقيق الوسطية ودفع الغلو ؛ فمن المناسب التنبيه إلى أن معاقبة الغلاة والمبتدعة إحدى وسائل العلاج التي تضمنتها آيات الحدود والقصاص والتعزير ، وهي كثيرة جدا ، والعقوبة لهذا الصنف من الناس تختلف بحسب نوع الجرم الذي ربما يصل بغلوه إلى حد الكفر ، وقد يعاقب بالقصاص حين يقتل مسلما معصوم الدم وبهذا يتبين أن الغلو قد يصل إلى درجة الإفساد في الأرض ، فحينئذ ينطبق عليه قول الله تعالى : ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ )(سورة المائدة الآية 33) ويلحظ في هذه الآية أنها تناولت أنواعا من العقوبات ، فمنها ما يقع على الجسد ، وذلك في أول الآية وهو التقتيل أو الصلب أو التقطيع ، ومنها عقوبات نفسية وذلك بالخزي الذي يلحق بهم ، ومنها عقوبات اجتماعية تأديبية وذلك بالنفي ، ومنها عقوبات أخروية ( وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ )(سورة المائدة الآية 33) نسأل الله العافية ، ولما كانت العقوبة أحد المقاصد الأخلاقية التي جاء القرآن الكريم ليؤكد عليها ضمن أجزيته الإصلاحية لذلك نجد أن الدعوة إلى التوبة تعقب ذكر تلك العقوبات [ص-174] لتفتح طريقا إلى العودة ، وذلك ما نجده عقب هذه الآية وأمثالها ، حيث يقول الله تعالى بعد آية الحرابة المذكورة آنفا ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )(سورة المائدة الآية 34)

الجانب التربوي الاجتماعي

جعل الإسلام رابطة الدين الجامعة المعتبرة ، ودعا الناس لاتباعها ليكونوا أمة واحدة تجمعها وحدة الاعتقاد والتفكير والعمل الصالح ، فأمر بإقامة الدين كما في قوله تعالى : ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ )(سورة الشورى الآية 13) وقد أبان الله تبارك وتعالى أن مراده الاجتماع تحت شريعة الإسلام إذ يقول تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)(سورة آل عمران الآية 103 ) وحبل الله هو الإسلام .

وكما عني الإسلام بتأسيس هذه الجامعة وتسهيل الدخول إليها وتكثير سواد أتباعها – حاطها بسياج منيع من أن يجد معول الهدم إليها سبيلا ، فجعل لها نظما تضبط تصرفات الناس في معاملاتهم وتدابير تذود عنهم أسباب الاختلال وتقيها من الانحلال وذلك ما سنشير إلى شيء من ملامحه – على وجه الإيجاز – فيما يلي :

إرساء قواعد التسامح

عني القرآن الكريم بموضوع التسامح عناية فائقة ، فنوه به ليتمثله أهل الإسلام ولينبذوا ما ينافيه ، وعده من خصائص دين الإسلام ، فقال جل شأنه : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(سورة الحج الآية 78) وقال في صاحب الرسالة وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم ( وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى)(سورة الأعلى الآية 8) وقال في أصحابه وأتباعه : ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )(سورة الأنفال الآية 63)

[ص-176] ولذلك اعتبر القرآن المؤمنين إخوة ، ووصفهم بهذا الوصف إشاعة لخلق التسامح فيما بينهم ، فقال تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)(سورة الحجرات الآية 10) (( ثم إن وصف الأخوة يستدعي أن تبث بين الموصوفين به خلال الاتحاد والإنصاف والمواساة والمحبة والصلة والنصح وحسن المعاملة فيتقبلها جميع الأمة بالصدر الرحب ، سواء في ذلك الشريف والمشروف والقوي والضعيف ، فإذا ارتاضت نفوس الأمة على التخلق بالأخوة بينهم سهلت على الشريعة سياستهم ، وإنما ترضاض النفوس على الأخوة بتكرير غرسها فيها ، وبتأكيد الدعوة إليها واجتثاث ما ينافيها )) .

ولم يقتصر القرآن الكريم على إشاعة هذا الخلق فيما بين المسلمين ، بل جعله عاما بين الناس جميعا ، (( فلذلك يحق لنا أن نقول إن التسامح من خصائص دين الإسلام وهو أشهر مميزاته ، وإنه من النعم التي أنعم بها على أضداده وأعدائه ، وأدل حجة على رحمة الرسالة الإسلامية المقررة بقوله تعالى ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) )) وشواهد القرآن الكريم على ذلك كثيرة جدا ، منها قوله تعالى( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)( سورة لقمان الآية 15) وقوله سبحانه : ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )(سورة الممتحنة الآية 8) وقد تمثل هذه الآية الإمام الجليل إسماعيل بن إسحاق القاضي ، إذ (( دخل عليه ذمي فأكرمه ، فوجد عليه الحاضرون فتلا هذه الآية عليهم )) .

وخلق التسامح أحد الأخلاق التي حرص القرآن الكريم على ترسيخها ، فلذلك نجد تقريره في الآيات المكية والمدنية ، ومن الآيات المكية قوله تعالى : (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)(سورة الأعراف الآية 199 ) [ص-177] وفيها يقول الإمام الكبير جعفر الصادق : (( أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق ، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية )) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : (( وهذه الآية فيها جماع الأخلاق الكريمة ، فإن الإنسان مع الناس إما أن يفعلوا معه غير ما يحب أو ما يكره ، فأمر أن يأخذ منهم ما يحب ما سمحوا به ، ولا يطالبهم بزيادة ، وإذا فعلوا معه . ما يكره أعرض عنهم ، وأما هو فيأمرهم بالمعروف ، وهذا باب واسع )) .

ومن الآيات المدنية قوله تعالى : ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(سورة المائدة الآية 13)

فلا جرم أن التسامح وما يدور في فلكه من الاتحاد والإنصاف والمواساة والمحبة والصلة والنصح وحسن المعاملة من الأخلاق الاجتماعية التي تحتاج إلى تربية وتنشئة ، ولقد تكفل القرآن الكريم ببيانها بيانا شافيا أوضح الله فيه المحجة للأمة ، وجعله نظاما اجتماعيا حضاريا للعالمين .

ترسيخ مفاهيم السلام الاجتماعي

أرسى القرآن الكريم مفاهيم السلام في سور عديدة وآيات كثيرة ، حتى أصبح السلام السمة البارزة لهذا الدين ليس في حال السلم فحسب ، بل وفي الحرب ومع الأعداء ، لأن هذا الدين يحرص على كسب أعدائه ودعوتهم إلى السلم بدلا من مخاصمتهم ، ولأن دين الإسلام جاء لهداية الناس كافة إلى سبيل الله تعالى ، فمقصده التآلف ودفع التنازع ونشر السلام في أرجاء العالم ، وذلك ما دلت عليه الآيات الكثيرة التي تضمنت مادة ( سلم ) وما في معناه من الأمن والإصلاح ، قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) ( سورة البقرة : 208 ) ، وقال عن منهج هذا القرآن العظيم ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ( سورة المائدة : 15 – 16 ) ، [ص-178] وقال جل شأنه في سياق آيات القتال :( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ( سورة الأنفال : 61 ) (( فأمر الله المسلمين بأن لا يأنفوا من السلم ، وأن يوافقوا من سأله منهم )) لأنه أصل منهج الرسالة الخاتمة .

نبذ مظاهر الفرقة والخروج على الجماعة

عادة القرآن في روافد البناء التحذير مما يهدمه ، لذلك جاءت الآيات الكثيرة موجهة إلى لزوم الجماعة وطاعة ولاة الأمر ومشددة النهي عن الاختلاف ومفارقة الجماعة ، ومن الآيات الواردة في ذلك قول الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ( سورة النساء : 59 ) ، وقوله سبحانه : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ* وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ( سورة آل عمران : 103 – 105 ) .

وقوله سبحانه ( وَلَا تَفَرَّقُوا ) في الآية المذكورة تأكيد لما تضمنه الأمر بالاعتصام ، والتذكير بنعمة الله فيها اشتمل على تصوير لحالة الناس التي كانوا عليها قبل الرسالة المحمدية ، وفيه تنفير من العودة إلى تلك الحالة الشنيعة بعد أن أفاء الله عليهم بنعمة الإسلام الذي كان سبب نجاتهم من تلك الحالة ، وذلك حث على إجابة أمره تعالى إياهم بالاتفاق .

الخاتمة

بعون من الله وتوفيق تم إنجاز هذا البحث المختصر ، المتضمن الإشارة إلى إبراز بعض لمحات منهج القرآن الكريم في البناء التربوي الأخلاقي والاجتماعي ، والتنويه بالوسائل الكفيلة بتفعيل التعاليم التربوية ذات الطابع الإصلاحي من خلال القرآن الكريم .

وقد اشتمل على دراسة موجزة تناولت مفهوم التربية القرآنية ، والتربية الأخلاقية التي تهتم بتنشئة الإنسان وتكوينه متكاملا من الجانب الخلقي ، بحيث يصبح مفتاحا للخير ومغلاقا للشر في كل الظروف والأحوال ، وقد وكّد أن التربية الأخلاقية إحدى الدعائم الأساسية في بناء الفرد المسلم ، إذ هي عملية تؤدي إلى بناء فكر وفعل أخلاقي بما حوته من وسائل كفيلة يمكن من خلالها تطبيق دستور الأخلاق في القرآن الكريم ، وهذه الوسائل تؤول إلى مجموعتين :

وسائل دافعة ووسائل مانعة ، أما الوسائل الدافعة فهي التي تنمي الاستعداد النفسي لفعل الخيرات مثل القدوة الصالحة والموعظة والصحبة ، والمجموعة الثانية هي الوسائل المانعة وهي التي تحول بين المرء ورغبته في سيئ الأخلاق ، وتعطل إرادته واستعداده من الوقوع فيها ومن بين تلك الوسائل المانعة الاعتبار والترهيب والعقوبة ، ولقد عني هذا البحث ببيان بعض تلك الوسائل من خلال القرآن الكريم .

كما تضمن هذا البحث دراسة عن شيء من لمحات الجانب التربوي الاجتماعي في القرآن الكريم ، وتناول بيان بعض تلك الملامح على وجه الإيجاز ، ومنها ركيزة التسامح ، إحدى خصائص دين الإسلام ، وبين أن التسامح وما يدور في فلكه من الاتحاد والإنصاف والمواساة والمحبة والصلة والنصح وحسن المعاملة ، من الأخلاق الاجتماعية التي تحتاج إلى تربية وتنشئة ، ولقد تكفل القرآن الكريم ببيانها بيانا شافيا أوضح الله فيه المحجة للأمة ، وجعله نظاما اجتماعيا حضاريا للعالمين .

ومن تلك الركائز ترسيخ مفاهيم السلام الاجتماعي وهو السمة البارزة لهذا الدين ، ومنها نبذ مظاهر الفرقة والخروج على الجماعة ، فكل ذلك مما جاءت آيات القرآن الكريم لتؤكده في الجانب التربوي الاجتماعي . ومن ثم انتهى البحث إلى جملة من النتائج ، ومن أهمها ما يلي :

* القرآن الكريم يحوي منهجا تربويا كاملا صالحا لكل عصر وجيل ، ومنهج التربية القرآنية هو أكمل المناهج وأصلحها للبشرية ولا توازن تربيته بغيره من التربيات .

* أن علاج الانحرافات البشرية يكمن في منهج القرآن الكريم وحده ، وما عداه من المناهج البشرية مهما بلغت من العمق والإبداع ، فستظل عاجزة عن معالجة يصدق عليها وصف الكمال ، لأن ذلك ليس إلا لله سبحانه خالق كل شيء وهو بكل شيء عليم .

* دراسة القيم التربوية في القرآن الكريم ، وإبراز منهج الوسطية فيه ، بحاجة إلى بحوث كثيرة جدا في جميع مجالات الحياة .

[ص-180] أن القرآن العظيم قد زود نظامه الأخلاقي بقاعدة تربوية غاية في الكمال ، وقد انتظم في هذه القاعدة جملة من الوسائل الكفيلة بتفعيل التعاليم الأخلاقية ، وإيجاد العلاج والحلول المناسبة لكل انحراف أو تسيب في الأخلاق ، ومعنى هذا أنها ذات طابع إصلاحي ودعوي ، فالحاجة إلى إبرازها وإعمالها ضرورة اجتماعية .

* العقوبة أحد المقاصد التي جاء القرآن الكريم ليؤكد عليها ضمن أجزيته الإصلاحية ، لذلك نجد أن الدعوة إلى التوبة تعقب ذكر تلك العقوبات لتفتح طريقا إلى العودة .

* أن معاقبة الغلاة والمبتدعة ، إحدى وسائل العلاج التي تضمنتها آيات الحدود والقصاص والتعزير . وبعد ، فما كان في هذا البحث من صواب فمن فضل الله وتوفيقه ، وما كان فيه من خطأ أو خلل فأستغفر الله .

مراجع البحث

* أحكام القرآن ، ابن العربي ، محمد بن عبد الله ، تحقيق علي محمد البجاوي ، بيروت ، دار المعرفة .

* إحياء علوم الدين ، أبو حامد الغزالي ، محمد بن محمد ، دار المعرفة .

* الأخلاق بين النظرية والتطبيق ، د . عبد الراضي محمد عبد المحسن ، القاهرة ، كلية دار العلوم ، 1417 هـ .

* الأخلاق والسير في مداواة النفوس ، ابن حزم ، علي بن أحمد ، تحقيق د . الطاهر أحمد مكي ، مصر ، دار المعارف ، 1981 م .

* أصول النظام الاجتماعي في الإسلام ، محمد الطاهر بن عاشور ، عناية محمد الطاهر الميساوي ، الأردن ، دار النفائس ، 1421 هـ .

* بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ، الفيروزآبادي ، محمد بن يعقوب ، تحقيق الأستاذ محمد النجار ، بيروت ، المكتبة العلمية .

* تفسير التحرير والتنوير ، محمد الطاهر بن عاشور ، تونس ، الدار التونسية ، 1984 م .

* الجامع لأحكام القرآن ، القرطبي ، محمد بن أحمد ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي .

* خلق المسلم ، محمد الغزالي ، دمشق ، دار القلم ، الطبعة (3) 1403 هـ .

* دستور الأخلاق في القرآن ، د . محمد عبد الله دراز ، تعريب د . عبد الصبور شاهين ، بيروت ، الطبعة (6) مؤسسة الرسالة ، 1405 هـ .

* دور التربية الأخلاقية الإسلامية في بناء الفرد والمجتمع والحضارة الإنسانية ، د . مقداد يالجن ، بيروت ، دار الشروق ، 1403 هـ .

* العين ، الخليل بن أحمد الفراهيدي ، تحقيق د . مهدي المخزومي و د . إبراهيم السامرائي ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، 1408 هـ .

* لسان العرب ، ابن منظور ، محمد بن مكرم ، بيروت ، دار صادر .

* مجموع فتاوى ابن تيمية ، أحمد بن عبد الحليم ، جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ، مكة المكرمة ، الرئاسة العامة لشؤون الحرمين ، 1404 هـ .

[ص-182] المحرر الوجيز ، ابن عطية ، عبد الحق بن عطية ، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ، تحقيق عبد الله الأنصاري وزملائه ، الدوحة 1398 هـ .

* المسند ، أحمد بن حنبل ، محقق بإشراف د . عبد الله التركي ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، 1413 هـ .

* مشكلة الغلو في الدين في العصر الحاضر ، د . عبد الرحمن بن معلا اللويحق ، 1419 هـ .

* معالم التنزيل ، البغوي ، الحسين بن مسعود ، تحقيق محمد النمر وزملائه ، الرياض ، دار طيبة ، 1409 هـ .

* معجم مقاييس اللغة ، ابن فارس ، أحمد بن فارس ، تحقيق عبد السلام محمد هارون ، القاهرة ، الخانجي ، الطبعة (3) 1402 هـ .

* مفاتيح الغيب ، فخر الدين الرازي ، محمد ضياء الدين عمر ، دار الفكر ، الطبعة (3) 1405 هـ .

* المفردات في غريب القرآن ، الراغب الأصفهاني ، الحسين بن محمد ، تحقيق محمد سيد كيلاني ، بيروت ، دار المعرفة .

* مقاصد الشريعة ، محمد الطاهر بن عاشور ، عناية محمد الطاهر الميساوي ، الأردن ، دار النفائس ، 1421 هـ .

-- د. إبراهيم بن سعيد الدوسري

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*