الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو9

بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو9

المحور الثالث

الغلو مظاهره وأسبابه أسباب الغلو العلمية والمنهجية

وعلاجها

( الخوارج أنموذجا )

للدكتور عبد الرحمن بن معلا اللويحق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد : فقد تفاوتت استجابات الناس لدعوات الرسل : – فمنهم المستقيم المتمسك بالحق . – ومنهم المفرط الزائغ المضيع لحدود الله . – ومنهم الغالي المتجاوز لحدود الله . وكل أولئك وجدوا فيمن سبق أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – ، وهم في أمته متوافرون ، فجاءت النصوص ناهية عن سلوك سبل أهل الزيغ ، كما جاءت ناهية عن الغلو ، ولست بصدد بيان ذلك ، وإنما تمحضت هذه الورقة للكلام عن : أسباب الغلو العلمية والمنهجية ( الخوارج أنموذجا) .

وفاتحة القول في ذلك أن أقدم بمقدمة حول الأسباب : معناها ، ومنهج استخراجها ، وملاحظ عامة حول أسباب الغلو .

لقد جعل الله لكل شيء سببا ، وجعل الظواهر والمشكلات التي يقع فيها الناس راجعة إلى أسباب سائقة إليها ، وهذه سنة من سنن الله – عز وجل – في الخلق والكون .

ومشكلة الغلو ليست بدعا من المشكلات إذ لها أسباب لإيجادها ، وأسباب لإمدادها .

والأسباب هي : العوامل المؤدية إلى الوقوع في الغلو سواء أكانت متعلقة بالجانب الذاتي للغالي أو الجماعة الغالية ، أم كانت متعلقة بالبيئة المحيطة به .

وهذه الأسباب قد يكون تأثيرها في إحداث الغلو ابتداء ، وقد يكون تأثيرها في إمداده واستمراره ونشر مظاهره .

ولقد اجتهدت في دراسة أسباب الغلو العلمية والمنهجية عند الخوارج عبر عدة وسائل أهمها :

1 – قراءة آراء الخوارج العقدية ، ومحاولة استنتاج الأسباب التي دفعتهم إلى غلوهم ، والمداخل المنهجية التي أدت بهم إلى الغلو .

2 – دراسة تاريخ الخوارج ، وذلك بتتبع أحوالهم منذ بداية التكوين ثم دراسة تطور عقائدهم ، وتتبع حالات المد والجزر في تاريخهم ، ومعرفة التحولات والافتراق في تاريخهم ؛ إذ من شأن تلك الدراسة أن توقف على الأسباب والمواقف الدافعة للغلو .

[ص-148] 3 – قراءة المؤلفات التي درست الخوارج : تاريخا ومعتقدا ؛ لمعرفة أسباب غلو الخوارج من وجهة نظر أصحاب تلك المؤلفات ، وتلك الاستفادة لا تعني أن ذكر الأسباب نابع من رأي الآخرين ، بل هو جهد شخصي ناتج عن تتبع واستقراء ، وإنما وقع الاستئناس بآراء الآخرين وتحليلاتهم فهي مؤكدة ، لا مؤسسة .

وليس المراد هنا حصر الأسباب إذ الإحاطة الشاملة بجميع الأسباب غير ممكنة إذ طرق الشر والانحراف غير منحصرة في الأصل ، قال أبو بكر الطرطوشي – رحمه الله – : ( والخطأ لا تنحصر سبله ، ولا تتحصل طرقه ، فاخط كيف شئت ، وإنما الذي تنحصر مداركه وتنضبط مآخذه فهو الحق ؛ لأنه أمر واحد مقصود يمكن إعمال الفكر والخواطر في استخراجه ، وما مثل هذا إلا كالرامي للهدف ، فإنَّ طرق الإصابة تنحصر ، وتتحصل من إحكام الآلات ، وأسباب النزع وتسديد السهم . فأما من أراد أن يخطئ الهدف فجهات الأخطاء لا تنحصر ولا تنضبط إلا أن نذكر من ذلك حسب الإمكان ) .

وهنا أنبه على أن دراسة الأسباب يجب ألا تتجه إلى أن تكون تبريرا للغلو ، وإيجادا للعذر عند الغلاة ، فهذا المنهج التبريري لا يولد في المآل إلا مزيدا من الغلو ؛ ويجعل الغالي يسقط غلوه وجرمه على الناس .

وكم من متكلم في بعض قضايا الغلو يذكر بعض الأسباب ويجعلها مبررا للغلو ، وهذا يهون الأمر في النفوس بل قد يجمع بعض الناس بذلك مزيدا من الأدلة ووسائل الإقناع للغلاة أو الجمهور المتلقين .

إن الغلو قد يوجد في البيئة السليمة لكن لأن وجهة النظر المبنية على الجهل والظلم تجعل ما ليس بخطأ خطأ وقد وقع ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم . فعن أبي سعيد الخدْري – رضي الله عنه – قَالَ بَيْنَا النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقْسِمُ – يَعْنِي الْغَنَائِمَ – جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ : اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! فَقَالَ : وَيْلَكَ مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ ، قَالَ : دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ .

فهذا ظن لسوء طويته أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد جار فقال قولته الشنيعة ، وكذلك فعل الخوارج حين رفعوا دعوى إبطال التحكيم ، فاستدلوا بقوله سبحانه ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)(سورة الأنعام الآية 57) [ص-149] فالقول الذي قالوه حق ، ولكن زعمهم أن عليا حكم بغير شرع الله باطل .

ولذلك قال علي – رضي الله عنه – ( كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ ) قال الحافظ ابن حجر : ( وكان أول كلمة خرجوا بها قولهم : لا حكم إلا لله ، انتزعوها من القرآن ، وحملوها على غير محملها ) فنحن وإن ذكرنا بعض الأسباب وأنها من العوامل التي أوقعت في الغلو لا نفتح بابا للعذر للخوارج وإنما نشخص الواقع ؛ لتكون المعالجة على أصل قوي .

إن أظهر أسباب غلو الخوارج هو : ( الجهل ) وفي الحديث أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال عن الخوارج : ” يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ . أي : أنهم يأخذون أنفسهم بقراءة القرآن وإقرائه وهم لا يتفقهون فيه ولا يعرفون معانيه ومقاصده .

قال الإمام النووي – رحمه الله – : ( المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلا مروره على لسانهم [ هكذا ] لا يصل إلى حلوقهم فضلا عن أن يصل إلى قلوبهم ؛ لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب ) .

وألوان جهل الخوارج كثيرة ، منها :

أولا : الجهل بالقرآن

فلقد كان عدم فهمهم للكتاب العزيز سببا في انحرافهم ، فقد أخذوا آيات نزلت في الكفار فحملوها على المسلمين ، يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما – في الخوارج : ( إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين ) .

ومن عدم فهمهم للقرآن استشهادهم على إبطال التحكيم بقوله تعالى :(إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ)( سورة الأنعام الآية 57 ) فالمعنى المأخوذ من الآية صحيح في الجملة ، وأما على التفصيل فيحتاج إلى بيان ؛ ولذلك رد عليهم علي – رضي الله عنه – فقال : ( كلمة حق أريد بها باطل ) .

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – : ( وكان أول كلمة خرجوا بها قولهم : لا حكم إلا لله انتزعوها من القرآن وحملوها على غير محملها ) .

يقول الشاطبي – رحمه الله – : ( ألا ترى أن الخوارج كيف خرجوا من الدين كما يخرج السهم من الصيد المرمي ؛ لأن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وصفهم بأنهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يعني – والله أعلم – أنهم لا يتفقهون به حتى يصل إلى قلوبهم ؛ لأن الفهم راجع إلى القلب ، فإذا لم يصل إلى القلب لم يحصل به فهم على حال ، وإنما يقف عند محل الأصوات والحروف المسموعة [ص-151] فقط ، وهو الذي يشترك فيه من يفهم ومن لا يفهم ) .

ومن أظهر دلالات جهلهم بالقرآن أنهم أخذوا عمومات الوعيد فقالوا : إن معصية واحدة كافية للخلود في النار ؛ استدلالا بمثل قوله تعالى : ( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ )(سورة النساء الآية 14)

ثانيا : الجهل بالسنة

فلقد أتي الخوارج من جهة جهلهم بالسنة بل وإعراضهم عنها وزعمهم الاقتصار على الكتاب مع اطراح أدلة السنة ، فأداهم ذلك إلى جعل ما ليس بسيئة سيئة ، وما ليس بحسنة حسنة ، فهم إنما يصدقون الرسول فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه من السنة التي تخالف بزعمهم ظاهر القرآن .

وما كان اعتراض الرجل على قسمة النبي – صلى الله عليه وسلم – إلا من هذا القبيل فقد خرج عن السنة ، وجعل ما ليس بسيئة سيئة ( وهذا القدر [ أي تحسين القبيح وتقبيح الحسن ] قد يقع فيه بعض أهل العلم خطأ في بعض المسائل ؛ لكن أهل البدع يخالفون السنة الظاهرة المعلومة ) .

ولذلك كان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يحض على إلزام المبتدعة والغلاة وأخذهم بالسنن ؛ لأنها قاطعة في الدلالة على زيف أقوالهم وآرائهم فقد قال : ( سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن ، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله ) .

ولقد بين عبد القاهر البغدادي أن الخوارج ينكرون السنة وذلك من أسباب انحرافهم فقال : ( والثاني مع الخوارج في إنكارها حجية الإجماع والسنن الشرعية ، وقد زعمت أنه لا حجة في شيء من أحكام الشريعة إلا من القرآن ، ولذلك أنكروا الرجم والمسح على الخفين ، لأنهما ليسا في القرآن ، وقطعوا السارق في القليل والكثير ؛ لأن الأمر بقطع السارق في القرآن ومطلق ولم يقبلوا الرواية في نصاب القطع ولا الرواية في اعتبار الحرز فيه ولقد أتوا من ظنهم مناقضة هذه الأحاديث الصحيحة للقرآن ، أو مناقضة بعضها لبعض ، أو فساد معانيها ، أو مخالفتها للمعقول .

ومن أمثلة ذلك : استدلال الخوارج بعمومات الوعيد من القرآن على تكفير العصاة وأنهم مخلدون في النار ، فقد أخذوا تلك العمومات ، وقطعوها عن نصوص السنة المبينة لها من مثل :

[ص-152] 1 – قول الله – عز وجل – في الحديث القدسي الذي يرويه نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – : يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً .

2 – وعن أبي ذر – رضي الله عنه – قال : أتيت النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو نائم ثم أتيته وقد استيقظ فجلست إليه ، فقال : ” مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ ” قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ، قَالَ : ” وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ” ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ : ” عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ ، وفي رواية البخاري : أَنَّ جَبْرِيلَ قَالَ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : ( بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ؛ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ؟ قَالَ : نَعَمْ ) .

ثالثا : الجهل بقدر السلف وأهل العلم

إن من أصول الدين رعاية قدر الصحابة – رضي الله عنهم – والاقتداء بهديهم والاستنان بسننهم فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمُهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ . .

والاهتداء رهن بالاقتداء بهم – رضي الله عنهم – يقول عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – ( من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كانوا أبر هذه الأمة قلوبا ، وأعمقها علما ، وأقلها تكلفا ، وأقومها هديا ، وأحسنها حالا ، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم ، واتبعوهم في آثارهم ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ) .

ولقد كان من الأسباب الرئيسة لانحراف الخوارج اعتدادهم بأهوائهم في مقابل النصوص ، واعتدادهم بأنفسهم في مقابل الأجلة من أهل العلم أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بل كان أول خارج ذو الخويصرة المعترض على قسمة النبي – صلى الله عليه وسلم – القائل : ( اعدل يا رسول الله ! ) ثم تتابع سير الخوارج على هذا النهج ، فكانوا يعترضون على أجلة العلماء صحابة النبي – صلى الله عليه وسلم – ويرفضون أقوالهم بل ويتبرءون منهم ويكفرونهم ، ويستحلون دماءهم ؛ لما رأوا من مخالفتهم إياهم فيما يعتقدون وعلى ذات [ص-153] المنهج ساروا في معاملة أهل العلم من التابعين . لقد دخل الخوارج قرية فخرج عبد الله بن خباب – رحمه الله – ذعرا يجر رداءه ، فقالوا : لم ترع ؟ قال : والله لقد رعتموني ، قالوا : أنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ؟ قال : نعم ، قالوا : فهل سمعت من أبيك حديثا يحدثه عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تحدثناه ؟ قال : نعم سمعته يحدث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، ” قال : فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول ” . قال أيوب : ولا أعلمه إلا قال ” : ولا تكن عبد الله القاتل . قالوا : أنت سمعت هذا من أبيك يحدثه عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ؟ قال : نعم ، قال : فقدموه على ضفة النهر ، فضربوا عنقه فسال دمه كأنه شراك نعل ما ابْدَقَرَّ ، وبقروا أم ولده عما في بطنها .

رابعا : الجهل بحقيقة الإيمان وعلاقته بالأعمال

لقد عرف أهل السنة والجماعة الإيمان بأنه : قول القلب واللسان ، وعمل القلب والجوارح . قال الإمام البخاري – رحمه الله – : ( لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار ، فما رأيت أن أحدا منهم يختلف أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ) .

وقد عقد الإمام الآجري – رحمه الله – بابا سماه : ( القول بأن الإيمان تصديق بالقلب ، وإقرار باللسان ، وعمل بالجوارح ، لا يكون مؤمنا إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث ) . ثم قال – رحمه الله – : ( اعلموا – رحمنا الله وإياكم – : أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق ، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح ، ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا ، ولا تجزئ معرفة بالقلب ونطق باللسان حتى يكون عمل بالجوارح ، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمنا . دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين . . ) .

وهذا الإيمان يزيد وينقص ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، وقد جاءت الآيات والأحاديث دالة دلالة صريحة على زيادة الإيمان : ( وكل نص يدل على زيادة الإيمان فإنه يتضمن الدلالة على نقصه وبالعكس ؛ لأن الزيادة والنقصان متلازمان لا يفعل أحدهما بدون الآخر ) .

وقد ضل الضالون الغالون من الخوارج وغيرهم في أبواب الأسماء والأحكام بأسباب من جملتها : جهلهم بحقيقة الإيمان ، وعلاقته بالأعمال ، فقد ( قالت الخوارج والمعتزلة : قد علمنا يقينا أن الأعمال من الإيمان فمن تركها فقد ترك بعض الإيمان ، وإذا زال بعضه زال جميعه ؛ لأن الإيمان لا يتبعض ، ولا يكون في العبد إيمان ونفاق ، فيكون أصحاب [ص-154] الذنوب مخلدين في النار ، إذ كان ليس معهم من الإيمان شيء ) .

ومنشأ ضلالهم : ( أنهم ظنوا أن الشخص الواحد لا يكون مستحقا للثواب والعقاب ، والوعد والوعيد ، والحمد والذم ، بل إما لهذا وإما لهذا ، فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها ، وقالوا : الإيمان هو الطاعة ، فيزول بزوال بعض الطاعة ) .

وقد زعموا أن الإيمان إذا كان مركبا من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة لزم زواله بزوال بعضها كما يزول اسم العشرة عنها إذا زال أحد أفرادها ( وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله ) .

والصحيح أنه ( ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير بها كافرا الكفر المطلق ، حتى تقوم به حقيقة الكفر كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير بها مؤمنا حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته ، وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله – عز وجل – لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ أَوِ الشِّرْكِ إِلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ وبين كفر منكر الإثبات ) .

وقد رد شيخ الإسلام على شبهة الخوارج – هذه – بما ملخصه : أن الحقيقة الجامعة لأمور – سواء كانت في الأعيان أو الأعراض – إذا زال بعض تلك الأمور فقد – يزول سائرها وقد لا يزول ، ولا يلزم في زوال بعض الأمور المجتمعة زوال سائرها ، سواء سميت مركبة أو مؤلفة ، أو غير ذلك وما مثل به الخوارج من العشرة مطابق لهذا ، فإن الواحد من العشرة إذا زال لم يلزم زوال التسعة ، فإذا زال أحد جزئي المركب فلا يلزم زوال الجزء الآخر ، ولكن أكثر ما يقولون : إنه قد زالت الهيئة الاجتماعية ، وزال الاسم الذي استحقته الهيئة لذلك الاجتماع والتركيب .

فالمركبات على قسمين :

القسم الأول : ما يكون التركيب شرطا لإطلاق الاسم مثل : العشرة ، فإن الواحد المكمل لعدد عشرة شرط في إطلاق اسم العشرة على هذه الأعداد .

والقسم الثاني : ما لا يكون التركيب شرطا لإطلاق الاسم ومثاله : البحر والنهر ، فإن التركيب ليس شرطا في إطلاق الاسم ، ولذلك لو نقص جزء من البحر لا يزول الاسم بل هو باق .

ومعظم المركبات من هذا النوع [ص-155] : ( ومعلوم أن اسم الإيمان من هذا الباب ؛ فإن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال : الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ، أَعْلَاهَا قَوْلُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا : إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ ثم من المعلوم أنه إذا زالت الإماطة ونحوها لم يزل اسم الإيمان ) .

ولكن قد يزول اسم الإيمان بزوال جزء أساسي تزول به حقيقة الإيمان كما إذا زالت الشهادتان ، أو تركت الصلاة على الراجح من أقوال العلماء . فإذا زال اسم الإيمان زال وصف الإيمان ، واعتبار جزء من الأجزاء يزول به حقيقة الإيمان يختلف باختلاف الأحوال ، فليس ( للإيمان حقيقة واحدة مثل حقيقة مسمى مسلم في حق جميع المكلفين في جميع الأزمان بهذا الاعتبار ، مثل حقيقة السواد والبياض ؛ بل الإيمان والكفر يختلف باختلاف المكلف ، وبلوغ التكليف له وبزوال الخطاب الذي به التكليف ونحو ذلك ) .

خامسا : الجهل بمراتب الأحكام

يظهر لكل من نال قدرا من الفقه في الدين أن الله – عز وجل – جعل أحكاما لأفعال العباد ، تتدرج هذه الأحكام وتتنوع ، فمنها ما هو طلب للفعل المسمى ب ( المأمورات ) ومنها ما هو طلب للترك وذلك المسمى ب ( المنهيات ) ومنها ما المكلف مخير فيه بين الفعل والترك وهي ( المباحات ) ومن جهل الخوارج الجهل بمراتب الأحكام ، وأُمثل من ذلك على مراتب المنهيات .

فالمنهيات على مرتبتين : فالله – عز وجل – إما أن ينهى عن الفعل على سبيل الحتم والإلزام فذلك الحرام ، وإما أن ينهى عن الفعل لا على سبيل الحتم والإلزام فذلك المكروه .

والحرام درجات في ذاته ، إذ يختلف باعتبارات عدة منها : درجة التحريم فإن أعظم المحرمات : الشرك بالله – عز وجل – والشرك والكفر متفاوت المراتب فهو على نوعين :

( 1 ) كفر اعتقادي . ( 2 ) كفر عملي .

ويعبر عنهما بالكفر الأكبر والكفر الأصغر أو بالشرك الأكبر والشرك الأصغر .

فالكفر الاعتقادي هو : الموجب للخلود في النار ، ويأتي في النصوص مقابلا للإيمان ، من مثل قوله تعالى ( كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ) ( آل عمران : 86 ) .

[ص-156] والكفر العملي هو : الموجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود في النار ، وهذا النوع يتناول جميع المعاصي ؛ لأنها من خصال الكفر وشعبه وخصوصا ما سمي من المعاصي في النصوص كفرا ، من مثل قول النبى – صلى الله عليه وسلم – في حديث عبد الله بن مسعود : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر .

فإن الكفر هنا ليس مرادا به الكفر المخرج من الملة بدليل قوله تعالى : ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا)(سورة الحجرات الآية 9) فسماهم مؤمنين مع كونهم متقاتلين .

ثم بعد الكفر تأتي المحرمات ، وقد قسمها العلماء على سبيل الإجمال إلى كبائر وصغائر ، ودلت بعض النصوص على هذا التقسيم من مثل قوله تعالى : ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ )(سورة النجم الآية 32)

وقد أجمع على ذلك السلف : قال ابن القيم – رحمه الله – : ( والذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن والسنة وإجماع السلف وبالاعتبار ) .

وكل واحد من هذه المحرمات يتفاوت ؟ فالكفر يتفاوت وبعضه أغلظ من بعض ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : ( اعلم أن الكفر بعضه أغلظ من بعض ؛ فالكافر المكذب أعظم جرما من الكافر غير المكذب ، فإنه جمع بين ترك الإيمان المأمور به وبين التكذيب المنهي عنه ، ومن كفر وكذب وحارب الله ورسوله والمؤمنين بيده أو لسانه أعظم جرما ممن اقتصر على مجرد الكفر والتكذيب ، ومن كفر وقتل وزنى وسرق وصد وحارب كان أعظم جرما ) .

وللعلم بمراتب الأحكام أثره في الحكم على الناس فالمنهيات مراتب ، ومرتكب الحرام ليس كمرتكب المكروه لتفاوت مرتبتي هذين الحكمين ، والكافر ليس كالعاصي ؛ لتفاوت ما بين حكم العمل الذي هو كفر ، والعمل الذي هو [ص-157] معصية ، فقد دلت النصوص – مثلا – على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار ، وأنهم تحت مشيئة الله ، إن شاء عفا عنهم وإن شاء عذبهم حتى يمحصون ، ومن تلك النصوص قول الله – عز وجل – (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ )(سورة النساء الآية 48 )

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : ( فجعل ما دون ذلك الشرك معلقا بمشيئته ، ولا يجوز أن يحمل هذا على التائب ؛ فإن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره ، كما قال سبحانه : ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا)(سورة الزمر الآية 53) فهنا عمم وأطلق ؛ لأن المراد به التائب ، وهناك خص وعلق ) .

وأما الخوارج فقد جهلوا هذا ، وأعرضوا عن النصوص المبينة لمراتب الأحكام فكفروا مرتكب الكبيرة ، قال الإمام ابن أبي العز الحنفي – رحمه الله – : ( إن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرا ينقل عن الملة بالكلية ، كما قالت الخوارج ؛ إذ لو كفر كفرا ينقل عن الملة لكان مرتدا يقتل على كل حال ، ولا يقبل عفو ولي القصاص ، ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر ، وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام ، ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام ولا يدخل في الكفر ، ولا يستحق الخلود مع الكافرين ) .

سادسا : الجهل بمراتب الناس

لقد اختلف الناس في موقفهم من دعوة سيد المرسلين – صلى الله عليه وسلم – فكانوا فرقا شتى ، فانقسم الناس في الجملة إلى :

( 1 ) مؤمن . ( 2 ) منافق . ( 3 ) كافر .

[ص-158] وفي كل فرقة تتفاوت مراتب الناس باعتبارات مختلفة .

يقول الحافظ ابن كثير – رحمه الله – مبينا بعضها : ( إن المؤمنين صنفان : مقربون وأبرار ، وإن الكافرين صنفان : دعاة ومقلدون ، وإن المنافقين أيضا صنفان : منافق خالص ، ومنافق فيه شعبة من النفاق ) .

ولو ذهبت أتتبع طبقات المكلفين ، ومراتب كل طبقة وأحوالها لطال الأمر ولكني أقتصر على : مرتبة الفسق ( الفسّاق ) ذلك أن جهل الخوارج بهذه المرتبة أفضى بهم إلى ألوان من الغلو في التكفير .

إن الفسق هو : العصيان ومخالفة أمر الله – عز وجل – بما لا يصل إلى الكفر والمروق من الدين .

ولقد أمر الله – عز وجل – بأوامر هي من شعب الإيمان ، ونهى عن أمور هي من شعب الكفر ، وليس كل من ترك شعبة من شعب الإيمان زال إيمانه و(/1 L21 ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير كافرا /1 الكفر المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر ، كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير بها مؤمنا ، حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته ) .

ففي الناس إذا قوم تركوا شيئا من شعب الإيمان أو فعلوا شيئا من شعب الكفر ( الكبائر ) ومعهم من الإيمان ما يمنع خلودهم في النار ، فليسوا من المنافقين أو المرتدين وليسوا من المؤمنين حقا ، فصاروا في مرتبة الفسق أو ما يسميه بعض العلماء : الفاسق الملي .

وأما الخوارج فإنهم يكفرونه بالمعصية ، ويحكمون عليه بالخلود في النار لجهلهم بمراتب الناس ومسائل الأسماء والأحكام في ضوء نصوص الشريعة .

أولا : عدم الجمع بين الأدلة

إن من سمات هذا الدين التي أبان عنها القرآن الكريم : اتساقه وتصديق بعضه بعضا ، وعدم تناقضه ؛ لأنه واحد المصدر :( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)( سورة النساء الآية 82)

والنظر في آيات الكتاب العزيز والسنة المطهرة وفقهها وتدبر ما فيها يظهر القارئ على ذلك الاتساق ، فالتدبر إذا وقع صدّق القرآن بعضه بعضا في فهم القارئ كما هو مصدق بعضه بعضا في واقع الأمر . وإذا أعرض الإنسان عن التدبر ولم يأخذ بالقرآن كله وضرب الأدلة بعضها ببعض اختلفت عليه فكان ذلك سببا في انحرافه عن الحق .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – مبينا أصلا جامعا في رد ما تنازع فيه الناس من فهم النصوص : ( والمقصود هنا ذكر أصل جامع تبنى عليه معرفة النصوص ، ورد ما تنازع فيه الناس إلى الكتاب والسنة ، فإن الناس كثر نزاعهم في مواضع في مسمى الإيمان والإسلام لكثرة ذكرهما ، وكثرة كلام الناس فيهما ، والاسم كلما كثر التكلم فيه فتكلم به مطلقا ، ومقيدا بقيد آخر في موضع آخر كان هذا سببا لاشتباه بعض معناه ، ثم كلما كثر سماعه كثر من يشتبه عليه ذلك . ومن أسباب ذلك أن يسمع بعض الناس بعض موارده ولا يسمع بعضه ، ويكون ما سمعه مقيدا بقيد أوجبه اختصاصه بمعنى ، فيظن معناه في سائر موارده كذلك ، فمن اتبع علمه حتى عرف مواقع الاستعمال عامة ، وعلم مأخذ الشبه أعطى كل ذي حق حقه ، وعلم أن خير الكلام كلام الله ، وأنه لا بيان أتم من بيانه ، وأن ما أجمع عليه المسلمون من دينهم الذي يحتاجون إليه أضعاف ما تنازعوا فيه ) .

ولقد كان عدم الجمع بين الأدلة ، والاقتصار على بعضها وضرب القرآن بعضه ببعض سببا من أسباب انحراف الفرق ومنهم الخوارج . يتضح هذا من النظر في استدلالاتهم . واعتبر ذلك بالنظر إلى هاتين المجموعتين من النصوص : 1- يقول الله – عز وجل – : ( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ)(سورة النساء الآية 14) [ص-160] وقال : ( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا)(سورة الجن الآية 23) 2 – يقول الله تعالى : ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(سورة النساء الآية 13) ويقول سبحانه : ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا )(سورة الأحزاب الآية 71)

فهاتان مجموعتان من النصوص يلحق بهما ما في معناهما : تسمى الأولى : نصوص الوعيد . وتسمى الثانية : نصوص الوعد .

وقد صار فهم هذه النصوص سببا لانحراف طائفتين : الخوارج والمرجئة .

فالخوارج أخذوا بعموم آيات الوعيد وقالوا : المعصية الواحدة كافية للخلود في النار .

والمرجئة أخذوا بعموم نصوص الوعد وقالوا : الإيمان هو التصديق ، ولا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة .

وبهذا المنهج يتعارض القرآن وينقض بعضه بعضا ، والحق جمع هذه النصوص وفهمها بمجموعها و : ( لا ريب أن الكتاب والسنة فيهما وعد ووعيد . . . والعبد عليه أن يصدق بهذا وبهذا ، لا يؤمن ببعض ويكفر ببعض ، فهؤلاء ( المشركون ) أرادوا أن يصدقوا بالوعد ، ويكذبوا بالوعيد .

والحرورية والمعتزلة : أرادوا أن يصدقوا بالوعيد دون الوعد ، وكلاهما أخطأ .

والذي عليه أهل السنة والجماعة : الإيمان بالوعد والوعيد فكما أن ما توعد الله به العبد من العقاب قد بين سبحانه أنه بشروط : بأن لا يتوب ، فإن تاب تاب الله عليه ، وبأن لا يكون له حسنات تمحو ذنوبه ، فإن الحسنات يذهبن السيئات ، وبأن لا يشاء الله أن يغفر له :( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ )(سورة النساء الآية 48)

فهكذا الوعد له تفسير وبيان ، فمن قال بلسانه : لا إله إلا الله وكذب الرسول فهو كافر باتفاق المسلمين ، وكذلك إن جحد شيئا مما أنزل الله . فلا بد من الإيمان بكل ما جاء به الرسول ، ثم إن كان من أهل الكبائر فأمره إلى الله إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له ، فإن ارتد عن الإسلام ومات مرتدا كان في النار ، فالسيئات تحبطها الردة ، ومن كان له حسنات وسيئات فإن الله لا يظلمه ، بل من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مقال ذرة شرا يره ، والله قد يتفضل [ص-161] عليه ويحسن إليه بمغفرته ورحمته . ومن مات على الإيمان فإنه لا يخلد في النار ) .

ومن الجمع بين النصوص الرد إلى النصوص المحكمة والأصول الجامعة التي ترد إليها النصوص العامة ، وهناك أصل جامع محكم ترد إليه نصوص الوعيد ، وبالرجوع إليه يندفع التعارض المتوهم ، فالقرآن ليس فيه تناقض ولا اختلاف : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ )(سورة النساء الآية 48)

ثانيا : اتباع المتشابه

يقول الله عز وجل : ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)(سورة آل عمران الآية 7) فربط سبحانه بين أهل الزيغ واتباع المتشابه ، وجعل اتباع المتشابه من شأن أهل الزيغ والابتداع ، وهم إنما يفعلون ذلك ابتغاء إحداث الفتنة وتتبعا لما لا يمكنهم العلم به ، مما استأثر الله عز وجل بعلمه أو خص بعلمه أهل العلم البصراء بدين الله .

ولقد حذر النبي – صلى الله عليه وسلم – من اتباع المتشابه ومن متبعي المتشابه ، فعن عائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها – قالت : تَلَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)(سورة آل عمران الآية 7 ) قالت : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ .

ولخطورة اتباع المتشابه كان السلف يردعون متبعه ، ويؤدبونه تأديبا بليغا ، فعن سليمان ين يسار – رحمه الله – أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن ، فأرسل إليه عمر ، وقد أعد له عراجين النخل ، فقال : [ص-162] من أنت ؟ قال : أنا عبد الله صبيغ ، فقال عمر : وأنا عبد الله عمر ، ثم أخذ عرجونا من تلك العراجين فضربه حتى أدمى رأسه .

وما وصف متبعو المتشابه بالزيغ ، والتحذير منهم وتأديبهم إلا لما يجره اتباع المتشابه من انحراف عن الحق وضلال ، واعتبر ذلك بالخوارج ؛ لتعلم كيف انحرفوا ؟ بسبب اتباع المتشابه ، فقد أخذوا – مثلا – قوله تعالى : سورة يوسف الآية 40 إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ على ظاهره ، وقطعوه عن بيانه ، وزعموا أن ذلك يعنى ألا يحكم البشر وألا يطلب منهم الحكم بشرع الله بين المتخاصمين فنقموا على علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – أنه حكَّم الحكمين ، وهذا – بزعمهم – حكم بغير ما أنزل الله ، وقد رد عليهم علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – بجملة آيات منها : قوله تعالى : ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا)(سورة النساء الآية 35) فأمر الله – عز وجل – بتحكيم حكمين في أمر امرأة ورجل ، قال علي – رضي الله عنه – : ( فأمة محمد – صلى الله عليه وسلم – أعظم دما وحرمة من امرأة ورجل ) .

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في بيان أول زيغ الخوارج : ( كان أول كلمة خرجوا بها قولهم : ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)(سورة يوسف الآية 40) انتزعوها من القرآن وحملوها على غير محملها ) .

ثالثا : التعامل المباشر مع النص والفهم الحرفي له

إن فهم الكتاب العزيز والسنة المطهرة يحتاج إلى أمرين :

الأول : معرفة اللغة التي تكلم بها الشارع .

الثاني : معرفة مقصوده من اللفظ .

وهذا متقرر حتى في فهم كلام الناس أنفسهم ؛ فلا بد من معرفة ما عناه المتكلم وقصده .

ويعرف مقصود الشارع سبحانه بمعرفة سنته في الخطاب فتجمع النصوص ليخرج من مجملها بفهم مراد الشارع كما يفهم أيضا المقصود بالرجوع إلى السنة وأقوال الصحابة .

والألفاظ الشرعية وإن كانت عربية في الأصل إلا أنه لا بد من معرفة مراد الشارع الذي نقل تلك الألفاظ عن مدلولاتها الأصلية إلى معان بينها وبين المعنى الأصلي نوع اشتراك إذ ( جنس ما دل عليه القرآن ليس من جنس ما يتخاطب به الناس ، وإن كان بينهما قدر مشترك فإن الرسول – صلى الله عليه وسلم – جاءهم بمعان غيبية لم يكونوا يعرفونها ، فإذا عبر عنها [ص-163] بلغتهم كان بين معناه وبين معاني تلك الألفاظ قدر مشترك ولم تكن مساوية بها ، بل تلك الزيادة التي هي من خصائص النبوة لا تعرف إلا منه ) .

ولقد أعرض الخوارج عن هذا المنهج الرشيد فصاروا إلى الأخذ بظواهر النصوص من غير تدبر ولا نظر في مقاصدها ومعاقدها ، فبادروا إلى تفسيرها بمجرد ظاهر اللغة وفهم العربية وبهذا يكثر غلطهم في فهم التنزيل .

ومن أمثلة ذلك : اعتمادهم على قول الله – عز وجل – ( بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [ البقرة : آية 81 ] ولو جمع هؤلاء النصوص لفقهوا معنى ( السيئة ) و( الخطيئة ) ذلك أنه عند التأمل في الكتاب العزيز نجد أن السيئة والخطيئة تطلقان على الشرك فما دونه من السيئات والخطايا .

فمن إطلاقها على الشرك قوله تعالى : ( مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا)(سورة نوح الآية 25) وقوله سبحانه : ( بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )(سورة البقرة الآية 81)

ومن إطلاقها على ما دون الشرك قوله سبحانه : ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا)(سورة النساء الآية 31) وقوله سبحانه على لسان إبراهيم :( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ )( سورة الشعراء الآية 82)

وعليه فليست الآية كما يظهر لأول وهلة من ظاهرها أنها دالة على أن مرتكب السيئة كافر ، خصوصا إذا رجعنا إلى الآية المحكمة من مثل قوله تعالى [ص-164]( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ )( سورة النساء الآية 48)

-- د. عبد الرحمن بن معلا اللويحق

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*