الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو7

بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو7

المحور الثالث

الغلو مظاهره وأسبابه مفهوم الغلو في الكتاب والسنة

للدكتور صالح بن غانم السدلان

مقدمة البحث

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله – صلى الله عليه وسلم – وعلى آله وصحبه ، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين ، أما بعد :

فإن موضوع الوسطية في الإسلام اليوم هو موضوع الساعة ، وهو في نظري أشد الموضوعات خطورة وأثرا ، وأجدرها بالدارس المتأني ذي النفس الطويل ؛ ذلك لأن المسلمين اليوم وهم يواجهون مشكلات الحضارة ، وتحديات العصر ومعركة البقاء ، لا يواجهون ذلك كله ، وهم على منهج واحد ، كما تواجه الأمم الأخرى هذه التحديات المصيرية ، بل هناك مناهج لدينا نشأت من الابتعاد عن المنهج الأمثل ، وهو المنهج الحق الذي ارتضاه الله لنا ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ )(سورة الأنعام الآية 153)

وكل ابتعاد عن هذا النهج القويم يولد الفرقة والتناحر والتشتت ، وإن مما رزئت به الأمة الإسلامية وأشد ما ابتليت به اليوم قضية الغلو التي عصفت زوابعها في أذهان البسطاء من الأمة وجهالها ، والتي افتتن بها أهل الأهواء الذين زاغت قلوبهم عن اتباع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فكانت النتيجة الحتمية أن وقع الاختلاف بين أهل الأهواء وافترقوا إلى فرق متنازعة متناحرة همها الأوحد إرغام خصومها ومعارضيها على اعتناق آرائها بأي وسيلة كانت ، وراح بعضهم يصدر أحكاما ويفعل إجراما ، يكفرون ويفجرون ، ويعيثون في الأرض فسادا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

أمة سادت العالم بالإسلام ثم تخلفت عن ركب الحضارة في مجالات شتى ، وهي لا تزال بحمد الله تعتنق الإسلام دينا ، وتؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا تصاب في المحز بهذا الخطر الداهم ، وتبتلى بهذه الفرقة والتناحر والتشتت ، ويظهر فيها الغلو [ص-112] في الدين إفراطا وتفريطا ، ويصير بأسها بينها شديدا ، فتكثر الفتن وتتشعب الآراء .

لعمر الله ، إنها مسألة تستوجب التأمل وتستدعي التفكير ، فلا بد إذن من وجود خلل ، ما هو سبب الخذلان والوهن ؟ فأين يكمن هذا الخلل ؟

إننا نراه يكمن في سوء فهم المسلمين لعقيدتهم لا في العقيدة نفسها ، وانعدام الوسطية التي هي من ثوابت الحياة كما أنها من ثوابت الإسلام . وكمال الدين يكون بالتزام حدوده بلا إفراط أو تفريط .

لا ريب أن أعداء الإسلام كلهم متضافرون على محاربته ومحاربة الأمة الإسلامية وتدميرها ، لا تمزيقها ، وهذا موقف طبعي لا تناقض فيه ، فهذه مصلحتهم وهذا شأنهم .

ولكن ما يصنع هؤلاء كلهم لو كان المسلمون متوسطين ومتحدين ؟! ما يفعل جرثوم المرض إذا كان جسم الإنسان سليما ؟!

إن المشكلة تكمن في داء عضال أصاب المسلمين فأوهن قواهم ، ودك معاقل القوة لديهم ، هذا الداء اسمه ( اللاوسطية ) أو ( انعدام الوسطية ) . فهو السرطان الفتاك الذي شل وحدة المسلمين ومزقهم كل ممزق ، وجعلهم في مؤخرة الركب .

وسببه الأكبر منا ، نحن المسلمين ، نحن أوجدناه ، واستغله الآخرون . نحن الذين جعلنا من الأشخاص أصناما ، ومن المذاهب أديانا ، ومن الخلاف خصومة ، ومن المناظرة محاجرة ، ومن الرحمة نقمة ، ومن الذي صنع ؟ إنهم المسلمون !!

فالوسطية التي هي وسام شرف لهذه الأمة أناطها الله بها وجعلها شهيدة على الناس ، هذه الوسطية ذابت بين جانبي الغلو والانحلال ، الإفراط والتفريط .

لهذا كان الكشف عن جذور الغلو والتطرف والعنف والفساد والإفساد في حياة المسلمين المعاصرين يعد من عوامل التخلص من الخلل الذي أثقل كاهلهم ، وأضعف قوتهم وفرق كلمتهم ، فمعرفة الخلل توصل إلى علاج ناجع إذ لم ينشأ تطرف في حياة المسلمين إلا عن خلل في البناء الفكري للغلاة الذين يدعون إلى العنف والهرج والمرج والفساد والإفساد . وكل تطرف في الدين أو غلو فيه فسببه هذه الطغمة الباغية من الفرق والجماعات والأحزاب ، وهي بمجموعها مصدر البدع والفتن والأهواء والآراء .

ولهذا كان من الواجب الأعظم من الأمة أن تدرأ عن نفسها خطر أصحاب هذه الدعوات الباطلة ، لا بد من دراسة منهجية شمولية تحليلية لنصوص القرآن والسنة النبوية المرتبطة بوقائع السيرة الكريمة لخاتم الأنبياء والمرسلين والسلف الصالح من هذه الأمة المباركة ، إذ إن هذه الدراسة وسيلة للوصول إلى فهم مقنع مترابط لمعنى هذه النصوص وفحوى [ص-113] دلالات السياسة النبوية الراشدة .

وهذا هو النصح الواجب في دين الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو المنهج المستقيم الذي يعيد للأمة وحدتها وقوتها وعزتها .

إن البحث في هذه المسألة وتقعيدها وضبط شواردها من الضرورة بمكان ، فنحن اليوم مسئولون عن ممارسة وسطيتنا التي هي أعظم خصائصنا ، فيها نتوحد وبها نبقى وبها نسبق وننتصر بإذن الله ، وإنه لجهاد للنفس والهوى ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)( العنكبوت : 69 ).

ولعلي بهذه الكتابة المتعجلة المتواضعة أضع لبنة بسيطة في البناء الشامخ ، بناء التعقل والمرونة وإبراز محاسن الإسلام وسماحته ويسره ، الذي يحمل لواءه ويعلي مناره وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بوطننا العزيز ومملكتنا الحبيبة التي ما فتئت تحمل لواء الوسطية الداعي إلى التعقل والتثبت والمرونة والتؤدة وعدم التعجل والتسرع الأرعن والتسلطية الهوجاء .

نسأل الله تعالى أن يدفع الفتنة ويكف الأذى عن هذه الأمة ، وأن يديم على هذه البلاد المباركة نعمة الأمن والإخاء والاستقرار ، إنه نعم المجيب ، والشكر والدعاء مقرون لكل من وجه إلينا هذه الدعوة للمشاركة في هذه الندوة الموقرة ، وفقكم الله جميعا وجعلكم مباركين أينما كنتم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

معنى الغلو في اللغة

العلم بحقائق الأشياء والوعي بمعانيها يعد مدخلا أساسيا لتصورها ، وفي المأثور من أقوال أسلافنا : الحكم على الشيء فرع عن تصوره ، وقد عني العلماء المسلمون بالألفاظ الشرعية والمصطلحات اللغوية وحرصوا على تحديدها ، حيث إن مصدر العلم بمعنى قول الشارع يرجع إلى أمرين : اللغة التي تكلم بها ، ومقصود الشارع من الألفاظ ، وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني ، فإن عامة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب ، فإنهم يحملون كلام الله ورسوله على ما يدعون أنه دال عليه ولا يكون الأمر كذلك .

ومن الألفاظ والمصطلحات التي يحتاج إلى فهمها الشرعي ومعناه اللغوي وفهم مراد الشارع منها ( لفظ الغلو ) إذ لا بد في فهمه من الرجوع إلى معيار ثابت إذ لو أوكلت القضية إلى البشر لأصبحت نسبية بحسب اختلاف أهوائهم ومشاربهم وانتمائهم ، واتباع الهوى يؤدي إلى اختلاف غير متناه وفساد غير منقض .

فثبات المعيار الذي ينظر بواسطته وتفهم الحقائق في ضوئه أمر لا محيد عنه .

وإليك معنى الغلو لغة ، ومفهومه شرعا .

الغلو لغة : تدور الأحرف الأصلية لهذه الكلمة ومشتقاتها على معنى واحد يدل على مجاوزة الحد والقدر ، قال ابن فارس : ” الغين واللام والحرف المعتل ” أصل صحيح يدل على ارتفاع ومجاوزة قدر .

يقال غلا غلاء فهو غال ، وغلا في الأمر غلوا أي جاوز حده ، وغلت القدر تغلي غليانا ، وغلوت بالسهم غلوا إذا رميت به أبعد مما تقدر عليه ، فالغلو : هو مجاوزة الحد ، يقال : غلا في الدين غلوا تشدد وتصلب حتى جاوز الحد .

وبالرجوع إلى المصادر والمعاجم اللغوية تبين أن الغلو هو : مجاوزة الحد وتعديه .

* قال الجوهري في الصحاح :

” غلا في الأمر يغلو غلوا ، أي جاوز فيه الحد “ا هـ .

* وقال الفيروز آبادي في القاموس :

[ص-115] ” غلا غلاء فهو غال ، وغلي ضد الرخص . وغلا في الأمر غلوا جاوز حده “ا هـ .

وغلا في الدين والأمر يغلو غلوا ، جاوز حده .

* وقال الفيومي في المصباح المنير :

” . . . وغلا في الدين غلوا من باب قعد : تصلب وتشدد حتى جاوز الحد ، وفي التنزيل : ( لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ )(سورة النساء الآية 171) وغالى في أمره مغالاة : بالغ ” ا هـ .

* مما سبق يتبين أن الغلو في سائر استعمالاته يدل على الارتفاع والزيادة ومجاوزة الأصل الطبيعي أو الحد المعتاد .

الألفاظ ذات الصلة بالغلو : 1 – التطرف : وهو تفعل من الطرف ، ومن قولهم للشمس إذا دنت للغروب تطرفت . ومن تجاوز حد الاعتدال وغلا يصح لغويا تسميته بالمتطرف ، جاء في المعجم الوسيط مادة طرف : تطرف : ” جاوز حد الاعتدال ولم يتوسط ” .

ب – التنطع : وهو مأخوذ من النطع ، وهو الغار الأعلى في الفم الذي يظهر عندما يتعمق الإنسان ويتشدق ، ثم استعمل في كل تعمق سواء أكان في القول أم الفعل .

ج – التشدد : وهو دال على القوة والصلابة ” فالشين والدال أصل يدل على قوة في الشيء ” ، والمشادة المغالبة والمقاومة ، والمشادة في الشيء التشدد فيه .

د – العنف : العين والنون والفاء أصل صحيح يدل على خلاف الرفق والعنيف : الشديد من القول والفعل .

وبالنظر إلى هذه الألفاظ تجد تقاربا بينها وبين الغلو ، فهي بمثابة أوصاف ومظاهر للغلو . وكلها ما عدا التطرف قد وردت في النصوص الشرعية في الكتاب والسنة .

مفهوم الغلو في الشرع

[ص-116] في ضوء النصوص السابقة يمكن تحديد معنى الغلو في الشرع والضوابط التي تحدد المعنى ، وتحد من تركه معنى نسبيا متغيرا بتغير الأحوال والأشخاص .

وقبل بيان ذلك أعرض بعض تعاريف أهل العلم للغلو :

1 – قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ” الغلو : مجاوزة الحد بأن يزاد في الشيء في حمده ، أو ذمه ، على ما يستحقه ونحو ذلك ” وبنحو هذا التعريف عرفه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب .

2 – وعرف الحافظ ابن حجر الغلو بأنه ” المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد ” وبمثل هذا التعريف عرفه الإمام الشاطبي .

وهذه التعاريف كلها متقاربة ، وتفيد أن الغلو هو : تجاوز الحد الشرعي بالزيادة .

و” الحدود : هي النهايات لما يجوز من المباح المأمور به ، وغير المأمور به ” .

ويزيد الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الأمر وضوحا فيحدد ضابط الغلو ، فيقول : ” وضابطه تعدي ما أمر الله به ، وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله :( وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي )( سورة طه الآية 81) .

وذلك لأن الحق واسطة بين الإفراط والتفريط ، يقول عمر بن عبد العزيز في كتاب أرسله إلى رجل يسأله عن القدر ” . . وقد قصر قوم دونهم فجفوا ، وطمح عنهم أقوام فغلوا ، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم ” . وقال الحسن : ” سننكم والله الذي لا إله إلا هو بينهما ، بين الغالي والجافي .

وقد قرر العلماء أن الحق واسطة بين التفريط والإفراط ، وهو معنى قول مطرف بن عبد الله : ( الحسنة بين السيئتين ) [ص-117] وبه تعلم أن من جانب التفريط والإفراط فقد اهتدى .

ويمكن أن نتبين ملامح الغلو في ضوء النصوص الشرعية وتصنيفه بحسب متعلقه إلى ما يلي :

1 – أن يكون الغلو متعلقا بفقه النصوص ، وذلك بأحد أمرين :

1 – تفسير النصوص تفسيرا متشددا يتعارض مع السمة العامة للشريعة ، ومقاصدها الأساسية فيشدد على نفسه ، وعلى الآخرين .

ب – تكلف التعمق في معاني التنزيل لما لم يكلف به المسلم ، ومن هنا نشأت الفرق كلها أو أكثرها .

2 – أن يكون الغلو متعلقا بالأحكام ، وذلك بأحد أمرين :

1 – إلزام النفس أو الآخرين بما لم يوجبه الله عز وجل عبادة وترهبا ، وهذا معياره الذي يحدده الطاقة الذاتية ، حيث إن تجاوز الطاقة وإن كان بممارسة شيء مشروع الأصل يعتبر غلوا ، كما يتضح ذلك من قصة زينب رضي الله عنها ، وقصة أبي إسرائيل رضي الله عنه . والقضية في هذا نسبية مناطها قدرة الشخص ومدى تحمله ، يقول الإمام الشاطبي : ” الفرق بين المشقة التي لا تعد مشقة عادة ، أو التي تعد مشقة ، هو أنه إن كان العمل يؤدي الدوام عليه إلى الانقطاع عنه ، أو عن بعضه ، أو وقوع خلل في صاحبه في نفسه ، أو ماله ، أو حال من أحواله ، فالمشقة هنا خارجة عن المعتاد ، وإن لم يكن فيها شيء من ذلك في الغالب فلا يعد في العادة مشقة ” وطاقات الناس مختلفة ، وقدراتهم متفاوتة فمن ألزم نفسه فوق طاقتها ، أو أدى استمراره على العمل إلى انقطاع عنه أو عن أعمال شرعية أخرى من الحقوق المتعلقة بالإنسان فقد غلا .

ب . تحريم الطيبات التي أباحها الله عز وجل على وجه التعبد ، فهذا من الغلو كما يتضح ذلك من بعض روايات حديث النفر الثلاثة حيث حرم بعضهم على نفسه أكل اللحم .

ج . ترك الضرورات أو بعضها ، وذلك كالأكل والشرب والنوم والنكاح ، فتركها يعتبر غلوا ، ويتضح ذلك من قصة النفر الثلاثة أيضا .

[ص-118] 3 – أن يكون الغلو متعلقا بالموقف من الآخرين حيث يقف الإنسان من البعض موقف المادح الغالي الذي يوصل ممدوحه إلى درجة العصمة .

ويقف من البعض الآخر موقف الذام الغالي الذي يصم مخالفه بالكفر والمروق من الدين ، مع أنه من أهل الإسلام .

فيتضح مما سبق أن :

أ . الغلو في حقيقته حركة في اتجاه القاعدة الشرعية والأوامر الإلهية ، ولكنها حركة تتجاوز في مداها الحدود التي حدها الشارع فهو مبالغة في الالتزام بالدين ، وليس خروجا عنه في الأصل ، بل هو نابع من الرغبة في الالتزام به .

ب . الغلو ليس دائما فعلا بل يدخل في الترك أيضا ، فترك الحلال وتحريمه ضرب من ضروب الغلو ، هذا إذا كان على سبيل التدين ، والالتزام بالدين .

ج – نسبة الغلو إلى الدين بقوله ( الغلو الديني ) أو ( التطرف الديني ) تجوز في العبارة إذ الغلو إنما هو أسلوب التدين لا الدين نفسه ولذلك جاء التعبير القرآني يقول سورة النساء الآية 171 لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وقال صلى الله عليه وسلم : إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ .

د – الحكم على العمل بأنه غلو يجب أن يتأنى فيه ، وينظر إلى العمل بدقة ، فقد يحكم عليه بأنه غلو مع أنه سليم ، ولكن الوسيلة إليه قد تكون من باب الغلو ، فيقع الخلط من هذا الباب .

هـ – ليس من الغلو طلب الأكمل في العبادة ، ولكن من الغلو الإثقال على النفس إلى درجة الملل ، قال بعض العلماء : ” وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة ، فإنه من الأمور المحمودة ، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل ” .

ز – ليس من العدل أن تصف إنسانا بالغلو ؛ لأنه التزم رأيا فقهيا متشددا – من وجهة النظر المخالفة – إذا كان التزامه بناء على أمرين :

[ص-119] – اجتهاد سائغ شرعا لمن بلغ درجة الاجتهاد .

– تقليد لعالم شرع موثوق في دينه وعلمه لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد وتوفر أحد هذين الشرطين دليل على صحة الالتزام وخلوه من اتباع الهوى ، ذلك أن متبعي الحق يفعلون ما يؤمرون به من حسن القصد ، والاجتهاد لمن قدر عليه ، أو التقليد لمن لم يقدر على الاجتهاد ، ثم الأخذ في العمل بما قام الاعتقاد على صحته ، وبعكس ذلك أهل الأهواء فإنهم سورة النجم الآية 23 إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ويجزمون بما يقولون بالظن والهوى جزما لا يقبل النقيض مع عدم العلم ، فيعتقدون ما لم يؤمروا باعتقاده ، ويقصدون ما لم يؤمروا بقصده ، ويجتهدون اجتهادا غير مأذون فيه ، وهم بذلك مسيئون متعرضون لعذاب الله ، مع العلم أنه قد يقترن بالهوى شبهة فيصبح حقيقا بوصف الإساءة أيضا .

حقيقة الغلو لما كان المعنى الاصطلاحي يقوم على المعنى اللغوي ، ويخصص عموم إطلاقه ، رجعنا إلى النصوص الواردة في الغلو من الكتاب والسنة .

فمن الكتاب : قوله تعالى : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ )(سورة النساء الآية 171)

– فقد قال القرطبي في تفسيره 6 / 21 لما ذكر المعنى اللغوي :

” ويعني بذلك فيما ذكره المفسرون : غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم ، وغلو النصارى فيه حتى جعلوه ربا ، فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر . ولذلك قال مطرف بن عبد الله : الحسنة بين سيئتين . وقال الشاعر :

ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كـــلا طـــرفي قصـــد الأمــور ذميــم “ا هـ .

وكذا قال جمع من المفسرين منهم : ابن جرير في جامعه 4 / 46 ، والبغوي في معالم التنزيل 2 / 313 ، وابن كثير في تفسيره 1 / 589 ، وأبو حيان في بحره 3 / 400 ، والزمخشري في كشافه 1 / 351 .

والمفهوم من هذه الآية ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ)(سورة النساء الآية 171) عمومها لجميع أهل الكتاب من يهود ونصارى ؛ إذ العبرة بعموم اللفظ ودلالة السياق تدل عليه أيضا ، فإن النصارى زادوا وجاوزوا الحد في نبي الله عيسى فرفعوه عن منزلته ، وإن اليهود جفوا وفرطوا في حقه فغلوا في الجفاء والتفريط وزادوا فيهما ، حتى قذفوا أمه الطاهرة العذرية ، بما برأها الله تعالى منه .

ومن احتج على خصوص الآية بالنصارى بتقدم سياق الآيات السابقة لها في اليهود ، وهذه الآية آخرها يدل على قول [ص-121] النصارى وكفرهم ، وزعمهم بالأكاذيب الثلاثة ، فيجاب عليه بما سبق من عموم لفظة أهل الكتاب ، وانصرافها إلى اليهود والنصارى ما لم توجد قرينة ولم توجد ، وباستمرار السياق في بني إسرائيل في هذه الآية وما قبلها يدل على العموم من اليهود والنصارى ؛ إذ كل منهم غلا في دينه كما سيأتي تحديد الغلو ، وقول كل منهم على الله غير الحق ، فليس عيسى ربا أو ابنا لله ، أو ثالث ثلاثة – وليس هو ابن فحش وزنا وبغاء .

ثم إن آخر الآية يختص بالنصارى من قول الله تعالى : (وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ)(سورة النساء الآية 171 ) وذلك لعظم جرمهم في التوحيد لأن عيسى نبيهم وهاديهم إلى الفطرة السليمة والملة القويمة ، وأنهم هم من ادعوا فيه تلك الدعوى الظالمة ، فكان آخر الآية مخصوصا بالنصارى لذلك .

ومنه آيات عديدة جاءت في النهي عن الطغيان ، وهو غلو في الغي كما قال تعالى في آخر سورة طه لبني إسرائيل : ( وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي)(سورة طه الآية 81) وقوله عن فرعون وملئه في غير ما آية : ( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى )(سورة النازعات الآية 17) وقال عن الخاسر صاحب الجحيم : ( فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا )(سورة النازعات الآية 37) الآية ، وقال في آخر سورة هود : ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )(سورة هود الآية 112)

ومن السنة : ما رواه أحمد بإسناده عن عبد الرحمن بن شبل قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلَا تَغْلُوا فِيهِ ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ

* وحديث ابن عباس رضي الله عنه قال : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ : الْقُطْ لِي حَصًى ، فَلَقَطْتُ لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ ، فَجَعَلَ يَنْفُضُهُنَّ فِي كَفِّهِ وَيَقُولُ : ” أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا ، ثُمَّ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، [ص-122] إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ ؛ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ . رواه أحمد وابن ماجه والحاكم وغيرهم .

* وفي حديث أبي هريرة في البخاري مرفوعا : لَنْ يُنَجِّي أَحَدًا عَمَلُهُ ، قَالُوا : وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : ” وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا ، وَاغْدُوا وَرُوحُوا ، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا .

* فمما سبق يتبين أن الكتاب والسنة يخصصان عموم اللغة ، وأن الغلو هو : ” الإفراط في مجاوزة المقدار المعتبر شرعا في أمر من أمور الدين ” .

فالنصارى جاوزوا المقدار المعتبر في حق عيسى عليه السلام ، وأنه عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، فأفرطوا إلى القول بألوهيته وربوبيته . واليهود جفوا في حقه فزادوا في التفريط تجاوزا بلغ الغلو فيه إلى القول بأنه ابن زنا وبغي ، وقذفوا أمه ؛ فهم غلاة في جفائه .

وكذلك حال المعطلة الذين غلوا في التنزيه فأفرطوا ، وحال المشبهة الذين غلوا وزادوا في الإثبات حتى غلوا في الإثبات . وسيأتي الكلام عليهم في موضعه إن شاء الله ، وعلى هذا فقس .

الفرق بين التمسك بالنصوص الشرعية والالتزام بها والغلو

في الواقع لا تلازم بين التمسك بالنصوص والغلو ؛ فقد كان الصحابة رضي الله عنهم أشد الناس تمسكا والتزاما لنصوص الشريعة مطلقا ، ومع هذا لم يحصل لهم غلو أو تشديد – إلا في قضايا عينية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أرشد عليه الصلاة والسلام أصحابه إليها وعلمهم وبين لهم طريق العبادة المعتدل ، فانتهوا .

وسببه هو موافقة هذا الالتزام منهم رضي الله عنهم لعلم صحيح ، وفهم سليم ، وهمة حريصة على العلم والبصيرة ، فنجوا من الغلو فضلا عن الاستمرارية فيه ، لكن لما بعد الناس عن زمان الأفاضل ، وصار الدين غريبا ، وأطبق الجهل على كثير من أهل الإسلام ، صار المتمسك بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم العاض عليها بنواجذه منبوذا مستهزأ به في تلك المجتمعات ، وأطلقوا عليه عبارات النبز كالمتزمتين والغالين والمتطرفين والأصوليين . . ونحوها من الألقاب التي روجتها بعض وسائل الإعلام .

والواقع أن التمسك بنصوص الكتاب والسنة ، وفهمها فهما صحيحا ، يعتبر عند هؤلاء المتهاونين بأحكام الشريعة الغافلين عنها ، غلوا وتطرفا ، وذلك بالنظر إلى ما هم عليه من تفريط ظاهر ، وقصور في التزام منهج الالتزام ، جلي ملموس .

والملاحظ أن المتمسكين بمدلولات النصوص الشرعية يكونون غلاة متشددين بنسبتهم إلى المفرطين الذين يحملون الإسلام وصفا ، وعند نسبتهم إلى ميزان الشريعة لم نجد عندهم معنى التمسك المطلوب ، وهو الالتزام بأحكام الكتاب والسنة .

فالمقصرون يلمزون المتمسكين بالغلو والتطرف على أن ما هم عليه هو اعتدال الإسلام وتوسطه ، وما أظهروه هو الاعتدال ، وهو في الحقيقة ليس كذلك ؛ إذ هو التقصير والتفريط في بعض شعائر الإسلام وأحكامه ، ولا يخفى أن من يتهم البعض بالتطرف أو الغلو ، غايته التنفير والتحذير منهم وليس لكونهم متجاوزين لحدود الشريعة ووسطية الإسلام كمن اتهم دعوة الشيخ السلفية الإصلاحية بذلك .

أعني أن هذه الدعاوى ليست من باب الأسماء والأحكام ، أو لتبين معاني شرعية – بقدر ما هي لأغراض وأهواء ذاتية [ص-124] أو محدودة . فتكون بذلك من تحميل مصطلحات الشارع ما لا تحتمل ، ومن استعماله المعاني الشرعية في الأغراض الشخصية الضيقة والغايات السياسية المحدودة !

الغلو في الدين بدعة حرمها الإسلام حقيقة أصل الدين ومبدؤه في الإسلام هما :

1 – توحيد الله تبارك وتعالى بالعبادة والطاعة في تحقيق ” شهادة : أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ” .

2 – تجريد المتابعة لكتاب الله تعالى ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على طريقة السلف الصالح الذين كانوا خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخير القرون بعد قرنه صلى الله عليه وسلم ، فكانوا ” الطائفة المنصورة التي لم يضرها من خالفها ” ، فكل من نهج نهجهم وسلك سبيلهم وسار على طريقتهم هو من ” الطائفة المنصورة ” التي هي امتداد للسلف الصالح في بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في ” صحيح سنن ابن ماجه ج1 / 6 ” : حيث يقول صلى الله عليه وسلم : لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، فهذه الطائفة هي القوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها .

وإذا تفحصنا واقع الفرق والجماعات وجدناها مختلفة عن الطائفة المنصورة ، لمخالفتها لمنهج السنة النبوية في العقيدة والشريعة والدعوة ، ولمغايرتها لما كان عليه سلف هذه الأمة الذين كانوا خير القرون بعد قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فجميع الفرق والجماعات والأحزاب داعية إلى التفرق والاختلاف ؛ لأنها تدعو إلى آرائها وأفكارها ، فما تراه هذه الجماعة لا تراه الجماعة الأخرى ، وما يعتبره هذا الحزب لا يعتبره الحزب الآخر ، وهكذا جميع الفرق مختلفة . متعارضة ، لا يجمعها على أمر معصوم عن الهوى جامع ، فهي مجمعة على أن لا تجتمع على ما يعصمها من التفرق والاختلاف ، والعاصم منهما ” سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريقته النبوية ” .

والطائفة المنصورة التي هي ” على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ” وهم أهل السنة النبوية : ” أهل الحديث ” وأهل الأثر والاتباع ، وهم المفارقون لجميع أهل التفرق والابتداع وأهل الآراء والأهواء ، وهم وحدهم الداعون إلى ما يجمع الأمة ولا يفرقها ، ويوحدها ولا يجزئها ، الذين يدعون الأمة إلى ” الكتاب والسنة على منهاج الأئمة ” ، فمن استجاب إلى ذلك قولا وعملا وسلوكا كان من الطائفة المنصورة ، فدعوتهم دائمة ، ومنهجهم قائم ، ومسلكهم متبع ، وطريقهم مستقيم ، وسبيلهم آمن من مخاوف الفرق والاختلاف ، فأكرم بهم !! وأعظم بمنهجهم !! .

فالطائفة المنصورة هي المستمسكة بأصل الدين وحقيقته : ” توحيد الله تبارك وتعالى بالعبادة والطاعة ، وتجريد المتابعة [ص-126] للكتاب والسنة على طريقة أهل الحديث ” ، فهؤلاء الذين عصمهم الله تعالى من ” التطرف والغلو في الدين ” ، ومن سواهم واقع ولا بد في التطرف أو الغلو ، ولبيان هذا نقول :

إن من حقائق دعوات الرسل عليهم السلام بأصل الدين وحقيقته : ” توحيد الله تبارك وتعالى بالعبادة والطاعة ، وتجريد المتابعة للكتاب والسنة على طريقة أهل الحديث ” ، فهؤلاء الذين عصمهم الله تعالى من ” التطرف والغلو في الدين ” ، ومن سواهم واقع ولا بد في التطرف أو الغلو ، ولبيان هذا نقول أيضا :

إن من حقائق دعوات الرسل عليهم السلام أنها قامت على الحق والاستقامة عليه ، ولهذا نهى الله تبارك وتعالى أهل الكتاب عن الغلو في دينهم غير الحق ، فقال سبحانه : سورة المائدة الآية 77 قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وقال سبحانه : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ)(سورة النساء الآية 171) أي : لا تفتروا على الله ما لم يأمركم به .

ينهى الله تعالى أهل الكتاب عن الغلو في دينهم لئلا يفتروا على الله ما لم ينزل به سلطانا ، فإن اليهود غلوا في دينهم ، والنصارى غلوا في دينهم ، وافتروا على الله تعالى في زعمهم البهتان في ” عيسى ابن مريم عليه السلام ” حين اتخذوه إلها ، وأنه ابن الإله – تعالى الله عما يقوله الكافرون علوا كبيرا – بل قد غلوا في حواريه ، وغلوا في أحبارهم ورهبانهم ، فادعوا فيهم العصمة ، فاتبعوهم في كل ما قالوه حقا كان أم باطلا ، ضلالا كان أم هدى ، ولهذا قال الله تعالى فيهم : ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ )(سورة التوبة الآية 31)

ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته عن الغلو في الدين فقال : إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ [ الأحاديث الصحيحة برقم 1283 ] .

[ص-127] وقال صلى الله عليه وسلم : إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ ، فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ [ صحيح الجامع برقم 2246 ] .

ولم تخل أمة ولا دعوة من هذه الأصناف الثلاثة من الناس :

1 – فمن الناس المستمسك بالحق ، المستقيم على طريقته ومنهاجه .

2 – ومنهم المفرط الزائغ المضيع لحقوق الله ، المعتدي لحدوده .

3 – ومنهم الغالي المتشدد المتجاوز لأحكام الله تعالى ، الزائد في دينه المبتدع فيه .

وكل أولئك كانوا في الأمم السالفة قبل أمة الإسلام ، وفيها أيضا من هذه الأصناف الثلاثة كما كان فيمن سبقها ، بل افترقت هذه الأمة إلى أكثر من سبعين فرقة جميعها ضال إلا فرقة واحدة هي الفرقة الناجية المنصورة ، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ ، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ ، [ الأحاديث الصحيحة برقم 1492 / وصحيح الجامع برقم 1082 ] ، وفي صحيح سنن الترمذي برقم 2129 : أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الفرقة الناجية فقال : مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي .

فهذه هي الفرقة المنصورة دائما وأبدا ، هي التي ” على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهما أجمعين ” ، ولقد ضمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الفرقة الناجية المنصورة الهداية والسداد والرشاد ، في قوله الشريف : إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ [ وَفِي رِوَايَةٍ : إِنِّي خَلَّفْتُ فِيكُمْ ] مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا : كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي [ ولهذا الحديث ألفاظ متقاربة في صحيح مسلم ج 2 / 890 / ومسند أحمد ج4 / 367 / وسنن الدارمي ج 3 / 432 .

ولتكون الأمة جميعا أو أغلبها وعامة سوادها في الفرقة الناجية المنصورة دائما وأبدا في كل عصر وفي كل مصر .

النصوص الشرعية المحذرة من الغلو في الدين

جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بالتحذير من سلوك الضالين والمغضوب عليهم ، وسبيل المبتدعين المغالين في دين الله غير الحق ، قال تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده : ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )(سورة هود الآية 112) . فالله سبحانه وتعالى يأمر بالاستقامة التي هي ( الاعتدال ) ، ويعقب سبحانه بالنهي عن الطغيان ، مما يفيد أن الله تعالى يريد منا الاستقامة ، كما هو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بدون غلو ولا مبالغة ولا تشديد يحيل هذا الدين من يسر إلى عسر ، وهي الوسطية التي جاء بها الإسلام بين الغلو والتفريط ، ولا يمكن أن تسير في ركابها إلا في اتباع سبيل السلف الصالح رضوان الله عليهم .

يقول الإمام ابن قيم الجوزية : ” فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان : إما إلى تفريط وإضاعة ، وإما إلى إفراط وغلو ، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه ، كالوادي بين الجبلين ، والهدى بين ضلالتين ، والوسط بين طرفين ذميمين ؛ فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له ، فالغالي فيه مضيع له : هذا بتقصيره عن الحد ، وهذا بتجاوزه الحد ” .

وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم مصير الغالي وعاقبته ، حيث أخبر صلى الله عليه وسلم أن مآل من غلا في دينه ( إلى الهلاك ) . ففي صحيح مسلم وفي سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قالها ثلاثا ، وما ذلك إلا لخطورة ( التَّنَطُّعِ فِي الدِّينِ ) الذي هو الغلو في الدين والتطرف فيه . قال النووي في شرح مسلم هلك المتنطعون ، أي : المتعمقون الغالون المتجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم ” .

وقد جاء في أحاديث أُخَر : أن التشديد على النفس سبب لوقوع التشديد من الله تعالى – كما في الحديث عند أبي يعلى في مسنده وفي إسناده ضعف وهو صالح للشواهد والمتابعات – . وقال محقق المسند : إسناده حسن : لا تشددوا [ص-129] علي أنفسكم فيشدد الله عليكم ، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم .

إن من الحقائق التي تظهر لكل من تتبع تاريخ دعوات الرسل عليهم الصلاة والسلام أن الأمم تتفاوت في مقدار الاستجابة ، وتتفاوت درجات المدعوين في سلوك طريق الحق : فمن الناس المتمسك بالحق ، المستقيم على طريقه . ومنهم المفرط الزائغ المضيع لحدود الله . ومنهم الغالي الذي تجاوز حدود الله . وكل أولئك وجدوا فيمن سبق أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهم في أمته متوافرون ، ولذلك جاءت النصوص الشرعية بالتحذير من سلوك طرق المغضوب عليهم والضالين ، المضيعين لحدود الله ، والمجاوزين لها ، وجاءت داعية إلى الاستقامة بأساليب عدة أجملها فيما يلي :

1 – تعليم المسلمين أن يدعوا الله أن يسلمهم من كلا الانحرافين ، وتشريع ذلك لهم في كل صلاة مرات متعددة . (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ )(سورة الفاتحة الآية 6 -7) ولما أمرنا الله سبحانه أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم عليهم . . كان ذلك مما يبين أن العبد يخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين .

2 – التحذير من تعدي الحدود ، والأمر بلزومها ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(سورة البقرة الآية 229) والحدود هي النهايات لكل ما يجوز من الأمور المباحة ، المأمور بها ، وغير المأمور بها وتعديها هو تجاوزها ، وعدم الوقوف عليها . وهذا التعدي هو الهدف الذي يسعى إليه الشيطان ، إذ إن مجمل ما يريده تحقيق أحد الانحرافين الغلو أو التقصير فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان : إما إلى تفريط وإضاعة ، وإما إلى إفراط وغلو . ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه ، كالوادي بين جبلين ، والهدى بين ضلالتين ، والوسط بين طرفين ذميمين ، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له ، فالغالي فيه مضيع له هذا بتقصيره عن الحد . وهذا بتجاوزه الحد .

[ص-130] 3 – الدعوة إلى الاستقامة ولزوم الأمر ، وعدم الغلو والزيادة . (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(سورة هود الآية 112 ) فالله سبحانه يأمر بالاستقامة التي هي الاعتدال ، والمضي على المنهج دون انحراف ، ويعقب بالنهي عن الطغيان مما يفيد أن الله سبحانه يريد الاستقامة كما أمر بدون غلو ولا مبالغة تحيل هذا الدين من يسر إلى عسر .

4 – النهي عن الغلو وتوجيه الخطاب لأهل الكتاب على وجه الخصوص .( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا )( سورة النساء الآية 171)( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)(سورة المائدة الآية 77) أي : يا أهل الإنجيل لا تغلوا في دينكم فتتجاوزوا الحق ، فإن قولكم بأن عيسى ابن الله قول منكم على الله بغير الحق ، ولا ترفعوه إلى مقام الألوهية فتجعلوه ربا وإلها . ” والغلو في النصارى كثير فإنهم غلوا في عيسى فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدون الله ” . ومن هذا الغلو جاءت معظم الانحرافات في الديانة النصرانية . ومن ذلك غلوهم بابتداع رهبانية تعبدوا الله بها ، وهي لم تكتب عليهم ، ولم يؤمروا بها ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ)(سورة الحديد الآية 27) ولم يكن الغلو قاصرا على النصارى ، بل هو موجود في اليهود ، ولكن الخطاب في الآيتين قصد به النصارى خاصة ؛ والسياق يدل على ذلك ، قال [ص-131] شيخ الإسلام ابن تيمية : ” والنصارى أكثر غلوا في الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن . وهذه النصوص وإن تعلقت بأهل الكتاب ابتداء فإن المراد منها موعظة هذه الأمة لتجنب الأسباب التي أوجبت غضب الله على الأمم السابقة .

5 – نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن الغلو ، وذلك لئلا يقع المسلمون فيما وقع فيه من سبقهم من الأمم التي بعث فيهم الرسل عليهم الصلاة والسلام ، ومع النهي يبين الرسول صلى الله عليه وسلم عواقب الغلو وآثاره ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة جمع : ( هَلُمَّ الْقُطْ لِي الْحَصَى ) فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ مِنْ حَصَى الْخَذْفِ ، فَلَمَّا وَضَعَهُنَّ فِي يَدِهِ قَالَ : ( نَعَمْ ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ ) .

والنهي هنا وإن كان سببه خاصا ، فهو نهي عن كل غلو .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ” وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال ” ، وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار ، وهو داخل فيه ، مثل : الرمي بالحجارة الكبار بناء على أنها أبلغ من الصغار ثم علله بما يقتضي مجانبة هديهم ، أي هدي من كان قبلنا إبعادا عن الوقوع فيما هلكوا به ، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك .

6 – بيان مصير الغالي وعاقبته : حيث وردت أحاديث تبين مآل من غلا ، وأنه صائر إلى الهلاك ، بل يرد ذلك مكررا ثلاث مرات في حديث واحد ؛ مما يفيد عظيم الأمر وخطره ، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا .

7 – إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بهلاك المتنطعين ، فقد أخرج مسلم في صحيحه ج4 / 2055 / عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه [ص-132] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قالها ثلاثا قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم ج16 / 220 / : هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ أي المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم . وأخرج أبو داود في سننه برقم 4904 / وأبو يعلى في مسنده رقم 3694 / وهو حديث حسن / عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ ، رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ . وهذا التشديد على النفس الذي هو نوع من أنواع الغلو ، بينت السنة النبوية أن عاقبة صاحبه إلى الانقطاع ، وأنه ما من مشاد لهذا الدين إلا ويغلب وينقطع عن الاستقامة على الدين ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ ، وَلَنْ يُشَادَّ [ أَيْ يُغَالِبَ ] الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا ، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ [ أَيْ بِالتَّبْكِيرِ فِي الطَّاعَةِ ] وَالرَّوْحَةِ [ أَيِ الْعَوْدَةِ إِلَى الرَّاحَةِ لِاسْتِعَادَةِ النَّشَاطِ عَلَى الطَّاعَةِ] وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ . أي الاستعداد للمتابعة ، تشبيها بالمسافرين الذين يجددون نشاطهم واستعدادهم لمتابعة المسير ، بلا تكلف ولا إرهاق ، ولهذا جاء في رواية أخرى : وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا [ أخرجه البخاري في صحيحه ج1 / 16 / والنسائي في سننه ج18 / 121 ] . قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ج1 / 94 / : ” والمعنى : لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ، ويترك الرفق ، إلا عجز وانقطع فيغلب ” ، ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث بالتسديد والمقاربة والتوسط ، ليتحقق المقصود ، ألا وهو الثبات على الدين بلا انقطاع ولا تخلف . فتبين بذلك أثر الغلو في الدين على الاستقامة عليه ، فكان لا بد من نبذ الغلو لتحقيق الاستقامة على الحق والدين القويم . فالغلو والتفريط وما بينهما وسط . . قال الحسن البصري رحمه الله : إن دين الله وضع على القصد فدخل الشيطان فيه بالإفراط والتقصير فهما سبيلان إلى نار جهنم ، وعنه : إن دين الله تعالى وضع دون الغلو وفوق التقصير .

* * * وقال ابن عبد البر قال سفيان بن حسين : أتدري ما السمت الصالح ؟ ليس هو بحلق الشارب ولا تشمير الثوب ، وإنما هو لزوم طريق القوم ، إذا فعل ذلك ، قيل قد أصاب السمت ، وتدري ما الاقتصاد ؟ هو المشي الذي ليس فيه غلو ولا تقصير .

[ص-133]

* * * والترهب التعبد وهو استعمال الرهبة ، والرهبانية غلو في تحمل التعبد من فرط الرهبة .

* * * قال الطبري : وأرى أن الله تعالى ذِكْرُهُ إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين ، فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذين غلوا بالترهب وقولهم في عيسى ما قالوا فيه ، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به ، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه فوصفهم الله بذلك إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها . حدثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان قال سألت ميمونا عن الصلاة خلف الأمراء ؟ فقال : صل معهم . حدثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان قال : سألت ميمونا عن رجل ، فذكر أنه من الخوارج ، فقال : أنت لا تصلي له إنما تصلي لله ، قد كنا نصلي خلف الحجاج وكان حروريا أزرقيا . حدثنا وكيع ثنا سفيان عن إبراهيم بن أبي حفصة قال : قلت لعلي بن حسين : إن أبا حمزة الثمالي وكان فيه غلو يقول : لا نصلي خلف الأئمة ولا نناكح إلا من يرى مثل ما رأينا ، فقال علي بن حسين : بلى نصلي خلفهم ونناكحهم بالسنة . وعن وكيع عن سفيان عن الأعمش قال : كانوا يصلون خلف الأمراء ويحتسبون بها . وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ ، وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى . وعن ابن أبي قماش عن ابن عائشة قال : ما أمر الله تعالى عباده بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان : فإما إلى غلو وإما إلى تقصير ، فبأيهما ظفر قنع . وعن ابن يحيى قال حدثني بعض شيوخنا قال : قال علي بن غنام : كلا طرفي القصد مذموم ، وأنشد أبو سليمان :

وَلَا تَغْلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَمْرِ وَاقْتَصِدْ كِـــلَا طَـــرَفَيْ قَصْـــدِ الْأُمُــورِ ذَمِيــمُ

قال الخطابي : والطريقة المثلى في هذا الباب ، أن لا تمتنع من حق يلزمك للناس وإن لم يطالبوك به ، وأن لا تنهمك لهم [ص-134] في باطل لا يجب عليك وإن دعوك إليه ، فإن من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه ، ومن انحل في الباطل جمد عن الحق ، فكن مع الناس في الخير ، وكن بمعزل عنهم في الشر ، وتوخ أن تكون فيهم شاهدا كغائب وعالما كجاهل . وعن مكحول عن حذيفة قال : قال رسول الله : لِلسَّاعَةِ أَشْرَاطٌ ، قِيلَ : وَمَا أَشْرَاطُهَا ؟ قَالَ : غُلُوُّ أَهْلِ الْفِسْقِ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَظُهُورُ أَهْلِ الْمُنْكَرِ عَلَى أَهْلِ الْمَعْرُوفِ . قَالَ أَعْرَابِيٌّ : فَمَا تَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : دَعْ وَكُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِكَ .

عن جابر رضي الله عنه مرفوعا بلفظ : إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ ، وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عَبَادَةَ اللَّهِ ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى . واختلف في إرساله ووصله ، ورجح البخاري في تاريخه الإرسال ، وأخرجه البيهقي أيضا والعسكري عن عمرو بن العاص رفعه لكن بلفظ : فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا سَفَرًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى وزاد : فَاعْمَلْ عَمَلَ امْرِئٍ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَمُوتَ أَبَدًا وَاحْذَرْ حَذَرًا تَخْشَى أَنْ تَمُوتَ غَدًا وسنده ضعيف . وله شاهد عند العسكري عن علي رفعه : إِنَّ دِينَكُمْ دِينٌ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا ظَهْرًا أَبْقَى وَلَا أَرْضًا قَطَعَ وفي سنده الفرات بن السائب ضعيف . وهذا كالحديث الآخر الذي أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة : إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ وروى أحمد عن أنس بلفظ : إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ وليس فيه الترجمة ، وروى الخطابي في العزلة عن ابن عائشة قال : ما أمر الله عباده بما أمر إلا وللشيطان فيه نزعتان فإما إلى غلو وإما إلى تقصير ، فبأيهما ظفر قنع . قال النووي : ” المتنطعون ، أي : المتعمقون المغالون والمجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم .

كما جاء في أحاديث أُخَر أن التشديد على النفس سبب لوقوع التشديد من الله ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ؛ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ ، رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ . وهذا التشديد على النفس الذي هو ضرب من ضروب الغلو ، بينت السنة أن عاقبة صاحبه إلى الانقطاع ، وأنه ما من [ص-135] مشاد لهذا الدين إلا ويغلب وينقطع . فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ وَلَا يُشَادُّ الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا ، وقاربوا ، وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة وفي لفظ والقصد القصد تبلغوا . قال الحافظ ابن حجر : ” والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ، ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب ” . وحتى لا يقع ذلك جاء ختام الحديث آمرا بالتسديد والمقاربة والتسديد : العمل بالسداد ، وهو القصد والتوسط في العبادة ، فلا يقصر فيما أمر به ، ولا يتحمل منها ما لا يطيقها .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ، ،

-- د. صالح بن غانم السدلان

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*