الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو6

بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو6

المحور الثاني

دلالة القرآن على سماحة الإسلام ويسره

سماحة الشريعة في التعامل مع الواقع للدول والأفراد

للدكتور عبد الرحمن بن زيد الزنيدي

تقديم الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، وبعد :

فالإنسان ابن الواقع فشخصه بتكوينه المادي والروحي وتحولاته واقع ، والكون المحيط به بأحداثه وتغيراته واقع ، هو جزء منه .

هذا الواقع سمته النقص ، والضعف والجذب المادي والإلهاء :

سواء كان الإنسان ( إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)( الأحزاب 72 ). . ( وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا )( النساء 28 ).

ويقول صلى الله عليه وسلم : يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا خَلَا الْكَذِبِ أو كان الكون الدنيوي بجماده ونباته وحيوانه :

(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)( آل عمران 185 ).

( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ)( الحديد 20 ).

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)( يونس 23 ).

في مقابل هذا الواقع يتجلى ” الوحي الإلهي ” متمثلا في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم ، وسنته الشريفة ، حيث [ص-95] الكمال والطهر ، وحيث جاء ليرتقي بالإنسان نحو السمو والكمال والرشد في حركته ومآله .

والإنسان بحكم طبيعة وجوده التي برأه الله عليها متردد بين الوحي بكماله من جهة والواقع بنقصه من جهة أخرى ، وغاية الوحي الذي يحمل منهج الله للبشر أن يحقق للإنسان كمال وجوده في هذا الواقع ، ولكنه لم يضع الإنسان معلقا بصورة مثالية مبتورة الصلة بواقعه الذي لا فكاك له منه بحيث إنه إن تمسك بهذه الصورة – كما في بعض الأديان الروحية – ساء واقعه الحياتي وتدهور حضاريا ، وإن استنكف عنها انجذابا للواقع ولفرط مثاليتها – كما في المدن المثالية التي وضعها كثير من الفلاسفة فبقيت تخيلات نظرية – غمره الواقع بكل سوءاته التي لا تقف عند حد حتى ينحدر لبهيمية تقطعه عن خالقه وعن إنسانيته .

منهج الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم منهج متفرد في علاج هذه القضية إذ يجمع بين الارتقاء بالإنسان في وجوده الحضاري في مدارج الإنسانية الممكنة وبين اعتبار الواقع الذي يعيشه الإنسان في إمكاناته ، وضغوطه ، ونزعاته ، وأعرافه ، وسقفه الحضاري ، ونحوها ، فحقق للإنسان سعادته في ظل واقعه الذي يعيشه ، ويتعايش فيه مع من حوله في يسر ورفع حرج وسلام وتسديد ومقاربة وتكليفات لا تتجاوز حدود طاقته البشرية .

وشريعة الإسلام لا تحصر هذا المنهج في المنتمين إليه فقط وإنما تعم برحمته العالمين كلهم ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ )(سورة الأنبياء الآية 107)

المشكلة لدى بعض أبناء الأمة في هذا العصر نتيجة انفعال بالضغوط المحيطة بهم وبأمتهم أنهم جنحوا عن هذا المنهج السوي إلى أحد تطرفين :

* تطرف الذين جمحوا في نظرتهم للواقع وتضخم لديهم حتى حكموه في شريعة الله المنزلة وقرروا أن (( الواقع له أولوية على كل نص )) .

* يقابله تطرف الذين اختزلوا الإسلام في موقف مثالي اشتط في تعامله ، ومن ثم في حكمه على الواقع لعدم استيفائه الصورة المثالية لديهم فرفضوا هذا الواقع واعتزلوه وأنكروا عناصر الخير فيه وأعلنوا الحرب ضده .

وهذه الصفحات المقتضبة مجرد أفكار – وضعت على عجل – في هذه القضية (( التعامل مع واقع الفرد والدولة في [ص-96] إطار سماحة الإسلام )) ، والله الموفق .

اليسر ورفع الحرج

منطق الإسلام في التعامل مع الواقع

اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن تكون الحياة الإنسانية على النمط الذي تجلت فيه واقعا عبر القرون المتتابعة وسطا بين الحياة الملائكية المتجردة من جواذب الحياة ، والحياة الشيطانية المرتدة إلى أسفل سافلين ، فالحياة الإنسانية تتنازعها جواذب متقابلة :

* إنسانية روحية كغريزة التدين وحب الخالق ، وحب الفضائل ، ومقت الرذائل .

* وحيوانية مادية متمثلة بالغرائز الشهوانية كحب التملك والشهرة والجنس ونحوها .

وحركة الحياة البشرية فردية أو حضارية هي استجابة لهذه الغرائز بما تتضمنه من قيم وأعراف وتشريعات وتصرفات .

وقد أنزل الله شريعته للإنسان من أجل أن يضبط حركته في الحياة عبر تنظيم تلك الغرائز – مادية وإنسانية – لا بكبتها والضغط عليها ، ولا بإفلاتها ، وإنما بفتح المجالس لها لتؤدي دورها وفق ما تحتاجه الطبيعة الإنسانية كي تنال سعادتها في حياتها ، ومن ثم فلاحها في ما بعد الحياة ، ولأن تحقيق (( المصالح الإنسانية )) هي غاية التشريع الإسلامي ، لذلك فإنك لا تجد في الشريعة أمرا إلا وهو رحمة وتيسير وتسهيل ، ولا نهيا إلا وهو عن عنت وضنك وحرج وبؤس .

يقول تبارك وتعالى : (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ( البقرة 185) .

ويقول : ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ )( الأعراف 157 ).

وقال سبحانه رابطا تيسير شريعته بواقع الإنسان المتسم بالضعف :

[ص-98] ( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا)( النساء 28 ).

ويبين تعالى أن الإسلام بما شرعه الله فيه من عبادات ومناهج سلوكية لا يهدف بل ولا يتجه إلى إرهاق الإنسان في حركته الدنيوية ، وإنما إلى إضفاء طابع السمو ، والطهر عليها حتى لو اضطر واقع الإنسان أن يكون هذا الطهر رمزيا فإن الشريعة تتنزل له ، يقول سبحانه بعد تشريع التيمم بالتراب للمسلم إذا لم يجد الماء : ( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)( المائدة 6 ).

وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تفيض ببيان تيسير الله لعباده ورعايته لوسعهم أي للإطار الواقعي الذي يعيشون فيه حيث يبين صلى الله عليه وسلم أن الخروج عن هذا المبدأ نأي عن طبيعة دين الإسلام ومجانفة لهديه هو عليه الصلاة والسلام .

يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله : أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ .

وقال فيما رواه البخاري : إِنَّ دِينَ اللَّهِ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا .

وقال فيما رواه أحمد وصححه ابن حجر والسيوطي : إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ – قَالَهَا ثَلَاثًا .

ويبين صلى الله عليه وسلم في حديث – رواه الترمذي – النسبية المتلازمة بين تدين الإنسان وواقعه الذي يعيشه حيث يدان الإنسان في حدود ما يسمح له به الواقع من إمكانات الاستقامة على منهج الله يقول عليه الصلاة والسلام لأصحابه : إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا .

وواضح من هذا الحديث أن الاعتبار في نسبية التدين من 90% إلى 10% ليس هو الشريعة فالشريعة بكمالها ثابتة لا [ص-99] تغير فيها ، وليس الكينونة الإنسانية بما هي مادة وروح متضمنان للنزعات الفطرية لأنها أيضا ثابتة ، ولكن الاعتبار إنما هو للواقع المتغير من وضع إيجابي موات اقتضى المطالبة بما لا يقل عن 90% إلى وضع مترد ضاغط لا يتيح للإنسان ما يتجاوز 10% وهو ما يقبل منه عند الله .

ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يؤكد على أصحابه أهمية تمثل التيسير والسماحة في أشخاصهم : إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ .

وبأن تكون حركتهم الدعوية والتطبيقية تيسيرا وسماحة ورحمة : بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا .

ليس فقط في دائرة التعامل مع المسلمين كما يتصور ذلك بعض من يضيق قيم الإسلام ويحد من عموميتها ، ولكنه مع كل الناس ، ولذلك وجه صلى الله عليه وسلم معاذا وأبا موسى حينما بعثهما إلى اليمن : ادْعُوا النَّاسَ وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَيَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا .

ولعل من أبرز الإضاءات التي تبين هذه السمة السامية في الشريعة – أقصد التيسير ورفع الحرج – أن القرآن والسنة يغلبان دائما جانب الإباحة ، ويحصران بالمقابل جانب التحريم بتفصيل أعداده لمحدوديته :

( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)( الأعراف 32 ).

(كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا )( البقرة 168 ).

وصيغ (( لا جناح عليكم )) (( أحل لكم )) (( فلا إثم عليه )) دائرة في هذا الإطار في مقابل الحصر للتحريم (( إنما حرم عليكم )) [ص-100] ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ )( الآية في الأعراف 33 )(وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ )( الأنعام 119 ).

وقد قال ابن تيمية رحمه الله : (( إن عامة ما ذم الله به المشركين في القرآن من الدين المنهي عنه إنما هو الشرك والتحريم )) .

على هذا الإطار المتين الذي جاءت به الشريعة قامت قواعد الحضارة الإسلامية التي ارتكزت على (( فقه الشريعة )) لدى أئمة العلم الراسخين الذين انطلقوا من هذه الغايات التي استهدفتها شريعة الله ليستمدوا – كما يقول عبد الوهاب خلاف – (( من نصوص الشريعة وروحها ومعقولها مبادئ تشريعية عامة تعتبر الدستور التشريعي الذي يبني عليه المشرع ( المجتهد ) تشريعه ( الاجتهادي ) والقاضي قضاءه .

وكل هذه المبادئ يمت بسبب صحيح إلى تحقيق مصالح الناس ، وإقامة العدل بينهم ، وتؤخذ منه أحكام الوقائع المختلفة في مختلف البيئات والعصور .

من هذه المبادئ الخاصة برفع الضرر التي أساسها قول الرسول صلى الله عليه وسلم : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ، وهي : أن يرتكب أخف الضررين لاتقاء أشدهما ، ودفع المضار مقدم على جلب المنافع ، والضرورات تبيح المحظورات . . . . الخ .

ومنها المبادئ برفع الحرج التي أساسها قوله تعالى : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) ( الحج / 78 ) ، ومنها : المشقة تجلب التيسير ، ومنها المبادئ الخاصة بسد الذرائع ، ومنها : ما يفضي إلى المحظور فهو محظور ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وما أضر كثيره حرم قليله . ومنها المبادئ الخاصة بالبراءة الأصلية التي أساسها قوله تعالى ( خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) ( البقرة / 29 ) ، ومنها : الأصل في الأشياء الإباحة والأصل في الإنسان البراءة [ص-101] ، وما يثبت باليقين لا يزول بالشك . . إلى غير ذلك من المبادئ التشريعية التي هي دستور الأحكام الشرعية )) .

ولقد يبدو هذا التقرير المرتكز على نصوص من القرآن والسنة واضح المعاني فيما تدل عليه من يسر وسماحة وتخفيف ورفع حرج عن الحياة الإنسانية ، وما توجه إليه المسلمين من طلب رعاية ذلك في كافة شئونهم ، لكن الموازي لهذه الملحوظة المستدعي لتقرير هذا الواضح أن فئاما من شباب الإسلام المنتسبين للعلم أو للدعوة ، أو المتحركين بغيرة إيمانية ، ربما بسبب خلل في فقههم الشرعي ، أو انفعال مفعم بضواغط العصر ومكر أهل الكيد للإسلام فيه ، أو لتربية غير سوية ، أو لغير ذلك من الأسباب – أنهم – انطبعوا في أحكامهم على الناس والواقع ، وفي نظرتهم للأشياء ، وفي تعاملهم بطابع مناقض لتلك السمة متسم بالغلظة وسوء الظن ، ومقت الناس لعدم تحققهم بالصور المثالية التي يتراءونها والدعوة إلى بناء العلاقات ، والتعامل على الرفض والمباعدة والتوجس من الآخرين ، ثم هم يسعون لدعم مواقفهم ورؤاهم بما يوهم أنها منهج الإسلام وشريعته ، مما يقتضي إيضاح الصورة السليمة ، وتأكيد طابع الإسلام الحقيقي في هذا المجال .

ولكن ينبغي أن نؤكد هنا – حتى لا يشتط بنا هذا التطرف إلى تطرف مقابل – أن يسر الشريعة ورفعها للحرج لا يعني مباركة الواقع في كل تحولاته وفي مفاسده ، كلا فالإسلام بناء عقدي وقيمي وتشريعي متميز أنزله رب العالمين لتحقيق مصالح عباده ، وهو أعلم بهم من أنفسهم ، فإذا ما تصوروا أن في خلق أو معاملة مما يخالف شرع الله خيرا وصلاحا وأقبلوا على ذلك فإنهم ضالون تائهون ، وشرع الله هو الحق ، ولا يجوز للمسلم أن يواطئهم على ضلالهم ولا أن يرضى به .

التعامل مع واقع الأفراد

في إطار سماحة الإسلام في هذه المسألة نقطتان :

الأولى : في تعامل الدين مع الأفراد في واقعهم الحياتي سواء كان في ذواتهم أو في الأوضاع الملابسة لهم .

* وأول ما يشار إليه هنا هو أن الإسلام في عقيدته وشريعته جاء متناغما مع فطرة الإنسان أي مطابقا لواقعه الذاتي فيما فطر عليه من تدين وتوحيد ، ومن قيم خلقية ونزعات مادية مما يجعل أي إنسان سوي العقل سليم الفطرة لا يملك حين ينظر في ما جاء به الكتاب والسنة في العقيدة والقيم والشريعة إلا أن يقر بأنها الحق والصدق الذي تهفو إليه نفسه ، ولا حاجة لتجاوز هذا إلى تفصيل حديث القرآن عن قضايا الإيمان والقيم وتلاؤمها مع مقررات الفطرة فحسبنا هذه الإشارة .

* مراعاة الطبيعة البشرية المحدودة طاقتها المادية بحيث جاءت الشريعة في حدود هذه الطاقة (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)(سورة البقرة الآية 286 ) ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا )(سورة الطلاق الآية 7)

ولو جمح المسلم نتيجة توهج إيماني طامح بما يتجاوز هذه الطبيعة ، فإن الإسلام يرده إلى المسار الوسطي معتبرا طموحه هذا خطأ ، بل خروجا على هدي الإسلام وغلوا غير مقبول ، وحديث الرهط الثلاثة الذين دفعتهم الرغبة في التفوق التعبدي على الآخرين لدرجة اختطاط مسالك خاصة في التعبد حيث قال أحدهم أنا أصوم ولا أفطر ، وقال الآخر : أنا أقوم ولا أرقد ، وقال الثالث : أنا لا أتزوج النساء ، فلما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بمقالتهم أنكر عليهم وبين المنهج الوسطي الإسلامي المتناسب مع الطبيعة البشرية ذات الاحتياجات المادية المشروعة التي لا يجوز الجور عليها ولو بالإغراق في المسالك الروحية التعبدية قال عليه الصلاة والسلام : أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني .

[ص-103] ومثل ذلك في رعاية الجانب المادي من الإنسان وردع من يصادر شيئا منه لحساب الجانب التعبدي الروحي ، قال الرسول صلى الله عليه وسلم حينما سقط الصوام في السفر وقام المفطرون بضرب الأبنية وسقي الركاب – قال – ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ بِالْأَجْرِ .

وفي هذا الجانب أقصد في مراعاة الشرع الإسلامي لواقع الطبيعة الإنسانية راعت الشريعة ما يمكن أن يعرض لهذه الطاقة من ضعف ومشقة من جهة ، ومن قدرة يمنحها الله بعض عباده زيادة عما هو معتاد في سائر الناس .

راعت الشريعة ذلك :

* ففي حالة المشقة خففت عن المسلم فيما تطالبه به من عبادات فجاء مثل قصر الصلاة والجمع في السفر ، والجمع في المطر والفطر للمسافر والمريض والمسح على الخفين والعمامة ونحو ذلك .

* وفي حالة وجود فائض طاقة لدى المؤمن وهمة في التسامي بصلته بالله شرع الإسلام نوافل الطاعات التي تتدرج من رواتب – كما في الصلاة – ووتر مؤكد ، إلى تهجد معظم أجره ، إلى نوافل مطلقة .

ومثل ذلك الصيام والصدقة والحج .

وهكذا لا يجد المسلم نفسه في حالة نفسية وجسمية وظروف إلا وقد شرع الإسلام ما يناسبها مما يحقق سعادته ويعمر به وجوده .

* من أعظم رعاية الإسلام للواقع الفردي للمسلم اعتباره للضغوط الخارجية المحيطة بالإنسان وأن المطلوب من المسلم ليس بخع نفسه أمام التحديات الضاغطة ، ولكن أن يسدد ويقارب ، ومهما اشتدت الضغوط عليه فإنه واجد في رخص الدين مسالك تقيه من أن تطحنه لدرجة أنه يجوز للمسلم عند الضرورة والخوف على نفسه الهلاك أن ينطق بكلمة الكفر : (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ)(سورة النحل الآية 106 ) .

وأنه لا يأثم عند الاضطرار لتناول الحرام الذي تتوقف عليه حياته ، وفي هذه القاعدة التي استقراها العلماء من نصوص [ص-104] الشريعة وهي قاعدة (( الضرورات تبيح المحظورات )) .

ثم إن الشريعة الإسلامية مع أنها وضعت للناس النموذج الأعلى للحياة الإنسانية السامية إلا أنها رعاية للواقع الإنساني تنزل إلى هذا الواقع لتكيف أحكامها الفرعية معه حتى لا تتعطل مصالح العباد وتنفلت حياتهم من الإسلام جملة ، ومن أجل أن ترتقي بهم ما أمكن في سبيل صبغ حياتهم بالإسلام شيئا فشيئا .

من ذلك مثلا أنه يشترط فيمن يلي منصبا أن تتوفر فيه صفتا الأمانة والقوة ، فإذا لم تتوفر بصورتها المطلوبة في مجتمع اقتضت المصلحة تولية من يمتلك قدرا منهما ولو دون ذلك .

وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله أن بعض العلماء سئل : إذا لم يوجد من يولى القضاء إلا عالم فاسق أو جاهل دَيِّن فأيهما يقدم ؟

فأجاب العالم : إِنْ كَانَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الدَّيِّنِ أَكْثَرَ لِغَلَبَةِ الْفَسَادِ قُدِّمَ الدَّيِّنُ ، وَإِنْ كَانَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الْعَالِمِ أَكْثَرَ لِخَفَاءِ الْحُكُومَاتِ قُدِّمَ الْعَالِمُ .

ومثل هذا النمط كثير لدى العلماء الراسخين في إدراك مقاصد الشريعة ومنهجها المساوقة للحياة البشرية في كل أوضاعها لكن هل ذلك يعني الاستسلام للواقع الرديء والانسياق مع انحداره ؟! ، كلا إن الواجب هو السعي إلى الارتقاء بالحياة نحو الصورة الإسلامية الممكنة ما استطاع الدعاة إلى ذلك سبيلا .

المسألة الثانية : توجيه الإسلام أتباعه في تعاملهم مع الأفراد برعاية واقعهم : فبناء على ما تقدم من الرعاية الشاملة في الإسلام لواقع الإنسان في كافة أحواله دعا الإسلام المسلمين في تعاملهم مع الآخرين إلى رعاية الطبيعة الواقعية لذواتهم ولظروفهم المختلفة في مختلف مجالات التعامل معهم :

* أولا : رعاية الواقع في دعوتهم إلى الله وإلى دينه فقد أمر الله نبييه موسى وهارون في دعوتهما فرعون بمراعاة وضعيته النفسية : ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)( طه 44) ، وقد سبق توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى في دعوتهما في اليمن (أَنْ يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا ) .

[ص-105] وفي هذا الإطار ذكر العلماء أنه مما ينبغي للداعية في مراعاة أحوال المدعو أن يختار له ما يناسبه فإذا كان في حالة يأس واستعظام لما هو فيه وتصور انقطاع ما بينه وبين الله استحسن أن يعالجه بنصوص الرجاء وسعة رحمة الله ، وجب التوبة للذنوب ونحو ذلك ، وإذا كان في حالة استهتار وأمن من مكر الله وتماد في الرجاء كان المناسب له نصوص الخوف والانتقام وعظيم عذاب الله في الدنيا والآخرة .

من ذلك أيضا أن تكون دعوة الداعي قائمة على العدل الذي جاء به الإسلام دون تطرف يجنح بالمدعو من مخالفة إلى مخالفة مقابلة ، أي من تطرف إلى تطرف آخر .

فإذا أراد أن يحذر الناس من الترف والإسراف في المتعة الدنيوية فينبغي أن لا يعزف بهم نحو زهد صوفي اعتزالي لكل متع الحياة مما تأباه فطرهم ، وإنما ينبغي أن يبين منهج الإسلام الوسط الذي أباح الطيبات وتفضل على عباده بالتمتع بها ، ولكن على الوجه الشرعي بأن تؤدى الحقوق ، ويشكر المنعم ، ولا يتجاوز إلى الحرام .

وهذا ما يخطئ فيه بعض الدعاة الذين ينفعلون أمام الانحرافات التي يرونها فيرتمون إلى الطرف المقابل فإذا افتتن الناس بشيء في أصله مباح كبعض الألعاب أو موضات الثياب ، أو التجميل ، أو استقدام الخدم أو بعض التقليعات الاجتماعية كالاستراحات . . . . الخ ؛ حملتهم الغيرة على اقتلاع هذا الافتتان إلى الشطط في حرب هذه الأشياء والوقوع أحيانا في التحريم لزيادة الضغط في اتجاه الإصلاح الذي ينشدونه ، وإن كانوا لا يمارون في لحظات الهدوء أن هذه الأشياء – في ذاتها – ليست محرمة .

* ثانيا : رعاية الواقع في معاشرتهم : حيث وجه الإسلام إلى رعاية الأوضاع النفسية لهم سواء في سمتها العام المتمثل بالحاجة إلى الحنان ممن حوله جارا أو قريبا أو غير ذلك ، كما في حديث حقوق المسلم : السَّلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ لُقْيَاهُ ، وَتَشْمِيتُهُ عِنْدَ الْعُطَاسِ وَحَمْدِ اللَّهِ ، وَإِجَابَةُ دَعْوَتِهِ ، وَعِيَادَتُهُ إِذَا مَرِضَ وَتَشْيِيعُهُ إِذَا مَاتَ أو في حالاتها الخاصة بالتنفيس عنه إذا أصابته كربة ، وبإقالة عثرته إذا كان من ذوي الهيئات الذين تجرحهم الفضيحة ويكفيهم العفو وبتهنئته إذا نال خيرا من زواج أو منصب ونحوه .

كما وجه الإسلام إلى رعاية الأوضاع المادية للإنسان من قبل من حوله من أفراد أو جماعة . وفي هذا الإطار نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرق المسافر أهله ليلا حتى لا تضطر المرأة لاستقباله وهي غير متهيئة بما يفترض أن تتهيأ به الزوجة لزوجها [ص-106] فتكون النتيجة ربما نفوره منها .

ومما يدخل في هذا أن الشريعة تأمر الزوج بأن يلبس زوجته مما تلبسه أمثالها – بقدره – مراعاة للوضع المادي الذي تعيشه .

ومن ذلك نهي الشريعة المسلم الغني أن يحرج جاره الفقير حيث طلب منه الشرع كف أهله وأولاده من التباهي على أولاد جاره بما يمتلكون من ثياب وزينة ونحوها .

* ثالثا : مراعاة الواقع في الحكم على الناس وفيهم : وفي ذلك أن الشريعة وجهت المسلم أن يكون في حالة حكمه وتقويمه في وضع متزن يسمح له بتحري الصواب بأعلى درجة ممكنة فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي القاضي وهو غضبان وقيس عليه العوارض الأخرى المؤثرة في الحكم .

* ثم إن الشريعة جعلت للأعراف ، وهي واقع إنساني متحول اعتبارا في أحكامها على الناس وحقوقهم بناء على القاعدة الفقهية : ” المعروف عرفا كالمشروط شرطا ” .

فلو اختلف زوجان في المهر الذي لم يحدداه عند العقد فالمراد هنا إلى العرف الجاري في البلد الذي يعيشان فيه ، وهكذا كثير من قضايا البيوع والإجارات والمساقاة ونحوها للعرف فيها موقع مؤثر في الأحكام .

وأمر مهم هنا في الحكم على الناس في مستوى تدينهم ، حيث لواقع الإنسان معرفة وقصد ورؤية اعتبار مؤثر لا يتسنى لمبتغي إصدار الأحكام التمكن منه بمجرد صدور رد فعل من هذا الإنسان ، ولهذا كان التفريق بين الحكم على الأفعال والأقوال والحكم على الأشخاص الذين قالوها أو فعلوها بأعيانهم .

فلو نقلت إليك كلمة عن شخص أو فعل فمن الممكن لك أن تحكم بأن هذه القولة أو الفعل كفر ، لكنك لا تحكم على الشخص بالكفر إلا بعد مواجهته واستنبائه عن خلفيات نطقه أو فعله أي استقراء واقعه والحكم من خلاله .

وكم من فتن جرها على الناس في زماننا تسرع متسرعين بأحكام الكفر والشرك على أناس لمجرد تلقف كلمة منسوبة إليهم أو فكرة مطروحة من قبلهم وذلك نتيجة الاستهانة بهذا المنهج الشرعي الذي به تحقن الدماء ويتوقى النزاع ، والله المستعان .

التعامل مع واقع الدولة

في إطار سماحة الإسلام لئن كان واقع الفرد معتبرا في الشريعة الإسلامية فإن واقع الدولة المسلمة أشد اعتبارا بحكم أن حرية الفرد – في الغالب – وبالذات في أوقات الاستضعاف أوسع من حرية الدولة أمام الضغوطات المحيطة بها والمطالب المناطة بها .

وعموما فما ذكرناه عن منهج الشريعة الإسلامية العام في توجهها لتحقيق المصالح ودرء المفاسد لا تخرج منه الدولة ، ولأن واقع الدولة الذي تتحرك فيه واقع مادي دنيوي في عمومه ، ثم إنه واقع تقف فيه الدولة الإسلامية إزاء دول أخرى غير إسلامية ، خلافا لواقع الفرد – الإنسان – الذي تتشكل كينونته من عناصر ذات ثبات متمثلة بالنزعات الفطرية الروحية والمادية التي إن تغيرت بعض الصور المادية التي تتمثل بها فإنها في أساسها باقية ثابتة – لذلك – جاءت الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالدولة بعناصر عامة كالبيعة ، والحكم بما أنزل الله ، والشورى . . تاركة التطبيقات التفصيلية لإنشاءات المسلمين عبر اجتهاداتهم لتوليد صور مواكبة للسقف الحضاري الذي يعيشونه ، ومحقق للمصالح الشرعية سواء ابتدعوها هم بأنفسهم وبتجارب تحولاتهم الذاتية ، أو استفادوها من تجارب الأمم الأخرى من حولهم .

* إن علاقة المسلم بالدولة الإسلامية يقوم أساسا على قيم الإسلام العامة التي كما يطالب – هو – بها دولته ، فإن الدولة تطالبه بها ليس فقط في علاقتهما الثنائية بل في مختلف العلاقات .

فالعدل حق للفرد ومن ثم للشعب على دولته ، العدل في الأحكام والأموال وغيرها ، وهو بالمقابل للدولة تطالب به الفرد معها ومع المحيطين بل ومع دينه ، ومثل ذلك الوفاء الذي ينبغي أن يستوفيه الفرد والدولة تبادلا وعموما ، وكذلك التعاون على البر والتقوى ، والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى إذ هي وإن كانت من غايات الحكومة الإسلامية إلا أنها واجب كل فرد في المجتمع .

* من رعاية الإسلام لواقع الدولة إعطاؤها المجال للحكم في تقدير المصلحة العامة في ضبط حركة المجتمع ذات البعد العام فمثلا (( الحرية )) حرية التعبير تمثل في الأساس مطلبا شعبيا من الدولة ، بل إنها تتسامى إلى درجة الوجوب بسبب كونه لا يتم واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله إلا عن طريقها لكن الشرع أعطى الدولة حق تغيير هذه الحرية إذا أصبحت سبيلا للإفساد وتعريض المجتمع للتفكك والاعتداء على مقدساته وأخلاقه ، فالإسلام هنا وسط بين النظم الديكتاتورية المكممة للأفواه والنظم التي تفتح المجال للحريات حتى تتحول إلى فوضى يمارس من خلالها التضليل ونشر المجون والإلحاد ، ولكن ذلك لا يعني أن يتجاوز الحاكم حدود المصالح التي تقتضيها الشريعة لسد [ص-108] منافذ حرية الرأي استبدادا باسم المصلحة فهذا جور على الدين لا اتباع له .

* من رعاية الإسلام للواقع في إطار الدولة أن أساس وجود الدولة في الإسلام هو إقامة شرع الله وإعلاء دينه وتحقيق المصالح الشرعية ، وهذا يعني أن يقوم بها قوي أمين عادل صالح ، وأن يعزل عنها الفاجر الجائر الذي لن يحقق هذه المطالب لكن رعاية الواقع متمثلة بالخشية من فتنة أكبر بانفلات الأمن ، وضياع الحقوق نهت الشريعة عن الخروج على الإمام الجائر ما دام معلنا شعار الدين ، وفي هذا جاء الحديث الذي سئل فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام عن منابذة أئمة الجور فقال : لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ .

* ومن هذا المجرى أنه حينما تعرض للدولة المسلمة أحداث أو قضايا فيطلب الحاكم شورى من حوله أو اجتهادات العلماء فتتعدد الآراء والاجتهادات ويأخذ الحاكم بواحد منها ليعتمده في هذا الحدث ، أو حل هذه القضية ؛ فإن اعتماده لهذا الاجتهاد يقطع النزاع ويقضي على أصحاب الآراء الأخرى بالوقوف معه فيما تبناه ، حتى لا يحدث التنازع والشقاق ومن ثم الفشل وذهاب الريح .

* ومن اعتبار الواقع في أمر الدولة أن العلاقة مع الأمم الأخرى على مستوى الدول تنطلق من الدولة نائبة عن الشعب في إقامة العلاقات وإبرام الاتفاقيات ، وحتى في إعلان الجهاد ضد العدو إذا اقتضت الظروف ذلك .

وإذا ساغ للفرد أن تكون له علاقات شخصية أو فكرية ونحوها مع أفراد خارج دولة الإسلام فإنه لا يسوغ له أن يغامر بمجتمعه كله نتيجة موقف اتخذه أو رأي رآه تجاه الآخر مفتئتا على دولته إلا أن يكون ممن خول له ولي الأمر إقامة مثل هذه العلاقات .

وقد يتصور أناس أن في هذه الضوابط التي جاءت في الشريعة أو قررها الفقهاء استقراء لقواعدها ، أن فيها إجحافا بحق الفرد وجنوحا مع الدولة ، وأن هذا الإجحاف يناقض يسر الشريعة وسماحتها بل ويوقع في الحرج المنفي عنها إذ كيف يطلب الشرع مني أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، وأن أجاهد ثم يقيدني بطاعة ولي أمر قد يمنعني من الأمرين ؟ .

والحق أن يسر الشريعة في رعاية الواقع لا بالنسبة للدولة في هذه المجالات بل بالنسبة للفرد تتجلى أكثر مما تتجلى في كثير سواها .

[ص-109] فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد أمور مرتبطة بعلاقة لها جانب سلطوي تجاه الآخر سواء كان في داخل الدولة كما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو في خارجها كالجهاد مما يعني أن تفاعلاتها وآثارها تتجاوز حدود ممارسها نحو من حوله بما فيه السلطة التي تحكمه وهذا يعني حساسية هذين التصرفين :

* فإما أن يتحمل الفرد مسئولية تقدير المصالح والمفاسد على المستوى العام وهو غير يسير – وإلا فالمستوى المهني الخاص بهذا التصرف أو ذاك موكول له – ومن ثم يؤاخذ على ما تحمل مسئوليته إذا غامر فخاب تقديره .

* وإما أن يتحاشى المغامرة تحاشيا ذاتيا فيحجز ذاته عن الفعل فيبقى قلقا من امتناعه عن العمل لمجرد تقديره الذاتي .

* وإما أن يتحمل أميره (( الحاكم )) مسئولية هذا التقدير ويشعر هو أنه معذور بتأجيل ممارسة هذه الأمور في ظل عدم إذن الإمام .

لا ريب أن الخيار الثالث هو أيسر الخيارات له وأرفعها للحرج عنه وينبغي أن نعي أن هذه الرعاية لواقع الدولة المسلمة من قبل الشريعة الإسلامية لا تعني أن هذه الدولة مضاهية للدول الأخرى من حيث انصياعها للواقع ومتطلباته المتحولة والتي تتفاقم فيها صنوف الفساد فتقبل وتشرع لأن الواقع قضى بها ، كلا إن الدولة الإسلامية دولة شريعة تستهدي بهدي الكتاب والسنة وتستهدف إعلاء كلمة الله وتطبيق شرعه في أحكامها وفي حياة شعبها ، فنظامها وإعطاؤها ومنعها قائم على الشريعة أساسا لكنها تبقى دولة تتحرك في عالم دنيوي بين دول أخرى وأمم لها مصالحها ومواقفها وتوازناتها الدولية مما يجعل إمكاناتها الحركية أقل من طموحات رجالها ومن ثم رغبات شعبها بدرجات تتفاوت زمنيا ، وبسبب التفاوت بين الطموحات والإمكانات الحركية يكون التفاوت بين المطالب المثالية للناس والقدرة التنفيذية للدولة والله الموفق .

-- د.عبد الرحمن بن زيد الزنيدي

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*