الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو5

بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو5

المحور الثاني

دلالة القرآن على سماحة الإسلام ويسره سماحة الإسلام في التعامل مع المخالف

للدكتور حمزة بن حسين الفعر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أرسل إلينا رسوله محمدا – صلى الله عليه وآله وسلم – مبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، وأنزل علينا خير كتبه ، ورضي لنا الإسلام دينا .

والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على رسول الله ، وعلى آله وصحابته ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين .

أما بعد ، فإن حكمة الله البالغة اقتضت أن يكون دين الإسلام خاتم الرسالات الإلهية لأهل الأرض ، وهو الدين الذي رضيه الله لعباده المؤمنين : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا )(سورة المائدة الآية 3) ولا يقبل الله من أحد من المكلفين كائنا من كان دينا غيره كما قال جل ذكره : ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ )(سورة آل عمران الآية 19)( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(سورة آل عمران الآية 85) .

ورسالات الأنبياء السابقين وشرائعهم كانت هدايات وقتية سرعان ما تتبدل ويدخلها التحريف والتغيير على أيدي أبنائها أو غيرهم بعد موت نبيهم ، ويظل أهلهم يوغلون في التخبط عن الرسالة الحقة التي جاءهم بها نبيهم ، وتختلط الأمور عليهم بسبب التحريف الذي لحق بها حتى يبعث الله لهم نبيا آخر يردهم إلى الجادة ، ويحيي ما اندرس من معالم الدين الصحيح .

كما أنها رسالات خاصة بالأقوام الذين يبعث فيهم الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه ، وليست عامة لكل البشر كما قال الله تعالى : سورة المائدة الآية 48 لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ولهذا قد يوجد في الزمن الواحد أكثر من نبي ، كل يبعث في قومه خاصة .

[ص-78] أما رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ودينه الخاتم – الإسلام – فإنها عامة لكل الخلق لا تختص بأمة دون أمة ، ولا بموطن دون موطن ، بل كل الخلق بعد بعثته صلى الله عليه وسلم أمة واحدة هي أمة الدعوة ، والرسول واحد والدين واحد : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )(سورة سبأ الآية 28 ) .

ويقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : ( فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ : . وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً ، وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ ) .

كما أن هذه الرسالة خالدة باقية إلى نهاية هذه الدنيا محفوظة بحفظ الله لكتابها من التغيير والتبديل : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(سورة الحجر الآية 9) .

وجاء في الحديث الصحيح : لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ .

وقد جاء هذا الدين هداية للبشرية كلها ورحمة بها كما يدل على ذلك قوله تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(سورة الأنبياء الآية 107 ) .

وهذه الرحمة تشمل جوانب عديدة ، من أهمها :

( 1 ) أن الله رفع به عذاب الاستئصال للكافرين وهم أمة الدعوة .

( 2 ) أن الله جعل في دينه سعادة الدنيا لمن التزم به لما فيه من سعة ، ويسر ، وحق ، وعدل ، وخلاص من القلق والحيرة ، [ص-79] وجعل فيه سعادة الآخرة بالفوز برضوان الله ، ودخول الجنة ، والتمتع بما أعده الله فيها للمتقين .

رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي ” صَحِيحِهِ ” عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ . قَالَ : إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً .

وروى ابن جرير ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(سورة الأنبياء الآية 107 ) أَنَّهُ قَالَ : ” مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ الرَّحْمَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ عُوفِيَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا أَصَابَ الْمَاضِينَ مِنَ الْخَسْفِ وَالْقَذْفِ . . “

وإذا قاتل المسلمون الكفار المعادين فإنه لا يجوز لهم قتل النساء والأطفال ، ولا الشيوخ ولا الرهبان في صوامعهم .

وإن دينا هذه حقيقته ، وهذا مقصده لا يسعه إلا أن يكون سمحا سهلا مع الخلق أجمعين ، من كان منهم من أتباعه ومن لم يكن ، حتى الأحوال التي تقتضي الشدة والحزم فإنها تنطوي على جوانب من السماحة واليسر لا يوجد لها نظير في غيره .

ومن ذلك إقامة الحدود والقصاص على من وقعوا فيها ، فإنه لا يجوز لعنهم ولا مجاوزة العقوبة المقدرة في حقهم ، ومن ذلك أيضا ذبح البهائم لأكلها ، فإنه لا بد للذابح من مراعاة عدم تعذيبها : إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ .

ولما كان جانب التعامل في هذه الحياة من أهم الجوانب لاتصاله بعلاقات الناس ، وأحوالهم وأخلاقهم فإن الشريعة الإسلامية المطهرة أولته عناية فائقة تنم عن مصدر هذا الدين ، وأنه الهداية الإلهية لهذه البشرية بكل ما فيها من خير ورحمة ، ويسر وسماحة .

ويمكن أن نذكر هنا أهم الركائز التي توضح بجلاء سماحة هذا الدين مع كل أحد حتى المخالفين : أولا : تكريم بني آدم

يدل لذلك قوله تبارك وتعالى : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا )(سورة الإسراء الآية 70) قال المفسرون في بيان معنى التكريم في الآية : كرمهم بالعقل والنطق وتسخير الأشياء ، وتناول الطعام بالأيدي ، وحملهم في البر والبحر على المراكب المختلفة .

ورزقهم من الطيبات ، أي من الزروع والثمار واللحوم والألبان والطعوم المشتهاة ، والمناظر الحسنة ، والألبسة المختلفة الأنواع والألوان ، وفضلهم على سائر المخلوقات بسبب النعم المتقدمة كما أنه بين لهم أن كل ما خلق في ظاهر الأرض أو باطنها ، إنما هو لمصلحتهم ومن أجلهم : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)(سورة البقرة الآية 29) .

وأقسم سبحانه على خلقه للإنسان في أحسن صورة ، وأتم شكل في سورة التين ، فقال :( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ )( سورة التين الآية 1-4) .

وقال الله تعالى بعد ذكر قصة ابني آدم ، وقتل أحدهما الآخر معظما شأن إزهاق النفوس بغير حق ، وحاثًّا على إحيائها واستبقائها : (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا )(سورة المائدة الآية 32 ) قال قتادة رحمه الله : ” عظيم والله وزرها ، عظيم والله أجرها ” أي قتلها ، وإحياؤها .

ثانيا : محبة الخير للناس وهذه سمة ظاهرة في هذا الدين

، وأصل أصيل في أحكامه وتشريعاته ، دلت على ذلك آيات وأحاديث عديدة :

( 1 ) منها ما ذكر في كتاب الله كثيرا من توجيه خطابات الدعوة إلى الهدى ، والتذكير بنعم الله ، وحقه على خلقه إلى الناس : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)(سورة البقرة الآية 21)( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ)( سورة النساء الآية 1) .

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى)(سورة الحجرات الآية 13) . وإلى بني آدم : ( يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ * يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ)(سورة الأعراف الآية 26-27) ( يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)(سورة الأعراف الآية 35) .

( 2 ) ومنها قوله تعالى : ( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)(سورة الزمر الآية 7) فالله سبحانه لا يأمر عباده بالكفر ، ولا يحبه لهم .

( 3 ) ومنها قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ! إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ . .

ثالثا : العدل والإنصاف

وهاتان خصلتان شريفتان تنبئان عن سر من أسرار عظمة هذا الدين ، حيث أوجب العدل والإنصاف لكل أحد ، حتى ولو كان مخالفا ، تأصيلا لاتباع الحق ، ونبذا للهوى الذي يعمي صاحبه عن الخير ، ويحمله على الجور ، ويحجبه عن كثير من الفضائل والمنافع ، والحياة البشرية بكل تقلباتها واختلافاتها ، لا يضبط مسيرتها ، ولا يحصن أهلها ، ويؤمن حقوقهم إلا إقامة العدل والإنصاف ، فإذا ما اهتزت هذه الركيزة اضطربت الأحوال ، وسرى الفساد في جنبات هذه الحياة فانقلب نعيمها بؤسا ، وبرها قطيعة ، وما هذا البؤس الذي تتجرع البشرية بعامة ، والمسلمون بخاصة مرارة كأسه إلا نتيجة للتفريط والعدوان على هذا الأصل ، ولا يكاد يقيم هذا إلا من انتصر على هواه ونفسه ، وتطلع إلى معالي الأمور – وأعظمها طاعة الله – وإن الناظر المنصف ليستطيع التمييز بين مراتب الناس وأقدارهم بملاحظة التزامهم بهذا الميزان من عدمه ، ولهذا لا غرابة أن يتبوأ هذا المعنى الكريم من الشريعة المكان الذي يليق به ، فإن السماوات والأرض قامتا بالعدل ، وقد جاءت نصوص كثيرة في كتاب الله ، وفي سنة رسوله عليه السلام تأمر بالعدل في الأقوال والأفعال ، وتدعو إليه ، وتحذر من مغبة مخالفته منها :

قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)(سورة النساء الآية 135) وقوله . ( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ)(سورة المائدة الآية 8) وقوله : (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى)(سورة الأنعام الآية 152 ) وقوله :( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى)( سورة النحل الآية 90) .

كما أكدت آيات الكتاب على الإنصاف وعدم غمط ذوي الحقوق حقوقهم ، فقال تعالى عن أهل الكتاب بعد أن حكى ظلمهم وكفرهم وتكذيبهم لأنبيائهم ومخالفاتهم العديدة منصفا أهل الاستقامة منهم بالثناء عليهم : ( وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا )(سورة آل عمران الآية 75)[ص-83] (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)(سورة آل عمران الآية 199) وقال جل ذكره : سورة هود الآية 85 وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فلا يجوز لأحد من المسلمين أن يغمط من يخالفه حقه ، ولا أن يعامله بغير العدل .

رابعا : تحريم الظلم

لأنه عدوان وبغي على حقوق الآخرين ، فيدفعهم ذلك إلى الانتقام إن قدروا عليه ، وهنا تشيع الفوضى والاحتراب ، وقد يطول السجال بين المظلوم ومن ظلمه ، فيقع الضرر عليهما ، وقد يدخل في هذه الدائرة من لا ناقة له فيها ولا جمل ، وإن لم يستطع المظلومون الانتقام ظلت قلوبهم تغلي بالحقد والكراهية على الظالمين ، فلا يلقى المجتمع رشدا ولا يشيع الوئام بين الناس ، وتحرم هذه الفئات من ثمرات التعاون البناء ، والتواصل المثمر .

ولشناعة الظلم ، شدد الله النكير على فاعله وتوعده بالعذاب الأليم ، والحرمان من الهداية . ( وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا)(سورة الفرقان الآية 19) ( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )(سورة الشورى الآية 42)( إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(سورة الأنعام الآية 144) ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)(سورة الأعراف الآية 33) .

وقال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه : يَا عِبَادِي ! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا ، فَلَا تَظَّالَمُوا . . .

[ص-84] وقال النبي عليه الصلاة والسلام : وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ويقول : وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين .

والبعد عن الظلم واجب على كل مسلم لكل أحد حتى ولو اختلف معه ، بل حتى ولو كان كافرا ، وأن دعوة المظلوم من الدعاء المستجاب .

خامسا : الرحمة والتيسير

وهو أمر متسق مع إرادة الله الخير بعباده ، ومراعاة حاجات النفوس حتى لا تنفر من الخير ، أو تستثقل السعي إليه ، والعمل به ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(سورة البقرة الآية 185) ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)(سورة الشرح الآية 5-6) .

ويقول رسولنا الكريم في وصيته لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما عندما بعثهما إلى اليمن : يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا ، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا ، فإنما بعثتم ميسرين .

وكان هذا هو منهجه عليه الصلاة والسلام ، وهو الأسوة والقدوة لأمته كما تحكي ذلك عنه زوجه أم المؤمنين عائشة [ص-85] رضي الله عنها : مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا . . .

إن من يتأمل ذلك كله يوقن أن كثيرا من تصرفات المسلمين حتى بعض الخاصة منهم تفتقر إلى مراجعة دقيقة لأحكام الشرع وآدابه وأخلاقه ، وسيرة رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم فقد أولع أناس بالتشديد والتضييق على الخلق مع عدم وجود مستند شرعي واضح لفعلهم ظنا منهم أن هذا هو الأوفق لالتزام الشريعة ، وقد جانبهم التوفيق في ظنهم هذا ؟ لأن منهج الشرع الراشد وجادته الواضحة في التزام التيسير حين لا يترتب على ذلك تضييع حقيقي ولا تفريط في حدود الشرع .

والصواب كما يروى عن المأمون رحمه الله : في الأسد لا في الأشد ، والشريعة عدل كلها ورحمة كلها .

يقول الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله : ” التشديد يحسنه كل أحد ، وأما الفقه فهو الرخصة من الثقة ” .

فمن وقع في خلاف منهج الشرع فقد تحمل ما لا طاقة له به . وتبرز أهمية التزام هذا الأصل في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام ، وفي دعوة المخالفين إلى تصحيح مخالفتهم .

سادسا : التوضيح والتبيين

إن الالتزام بالركائز المتقدمة لا يعفي من مسئولية توضيح الحق وتبيينه للمخالف ، قياما بحق الله الذي ألزم به رسوله عليه الصلاة والسلام والقادرين على ذلك من أمته : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)(سورة المائدة الآية 67)(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ)( سورة آل عمران الآية 187 ) .

والعلماء هم ورثة الأنبياء ، ومن المسلم به أن حجة الله لا تقوم على الخلق إلا بالبيان والدعوة ، وكم من مخالف حجبه جهله عن معرفة الحق ، وكم من مخالف حالت شبهته بينه وبين النور والهدى ، ولهذا كان حقا على القادرين القيام بهذا [ص-86] الواجب لعموم الخلق كل بحسب حاجته ، وقد رفع الله العذاب عمن وجد له عذر صحيح حال بينه وبين بلوغ الدعوة الصحيحة إليه( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)( سورة الإسراء الآية 15) وهذا وإن كان واردا في أهل الفترة الذين كانوا قبل بعثة الرسول عليه السلام إلا أنه يدخل فيه أيضا كل من لم تبلغه دعوة الرسول حتى بعد البعثة .

ولا يحكم على أحد بكفره ولا بفسقه حتى تتحقق فيه الشروط التي تبيح الحكم عليه بذلك ، وحتى تنتفي الموانع من الأعذار والشبه ونحوها .

سابعا : الالتزام بالخلق الحسن في معاملة المخالفين

الخلق منظومة متكاملة مؤصلة في منهج الإسلام ورد الأمر بها ، وامتداحها ، والثناء على أهلها ، إضافة إلى ترتيب الأجر الجزيل عليها ، وهذا كله يدل المنصف على عظمة هذا الدين وسموه ، وتفرده عن مناهج البشر .

إن الذي خلق الخلق ، وركب فيهم فطرهم وغرائزهم هو الذي شرع لهم هذا المنهج ، وهذا دليل على أنه المنهج الأحكم والأصلح للتعامل مع البشر عموما ، والمخالف على وجه الخصوص ، كما أن العقل السليم يدل على صحته وصلاحيته أيضا ، ذلك أن النفوس البشرية بحاجة إلى من يسوسها بحكمة وروية حتى يستطيع التأثير فيها ، وقيادتها إلى الهدى ، ومن أحق بذلك من الدين الذي رضيه العليم الحكيم ؟!

إن نظرة فاحصة منصفة لما أمر به نبي الله وكليمه موسى عندما أرسل هو وأخوه هارون عليهما السلام إلى أعتى أهل الأرض وأفجرهم وأكفرهم الذي عاث في الأرض فسادا ، وقتل ذكور بني إسرائيل واستحيا نساءهم ، وزعم أنه الإله ، لتدلنا على قيمة هذا الأمر ، وأهميته في التخاطب والبلاغ ، فقد أمرهما الله أن يترفقا في مخاطبة هذا الجائر العاتي لعله أن يستجيب ويهتدي : ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)(سورة طه الآية 44) ولم يكن رد فرعون ، ولا موقفه غائبا عن علم الله المحيط قبل أن يصل إليه موسى ويكلمه بالأسلوب الذي أمره الله به ، ولكنه المنهج الحق الذي يؤسس للتبليغ والدعوة ، بالنسبة لموسى عليه السلام ولغيره .

وقد أمر الله بني إسرائيل بالتزام هذا المنهج أيضا : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)(سورة البقرة الآية 83) [ص-87] وأمر الله سبحانه رسوله عليه السلام أن يأمر عباده المؤمنين بقول الأحسن معللا ذلك بأن تركه مدخل من مداخل نزغات الشيطان : (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ)(سورة الإسراء الآية 53 ) وهذا الأمر الكريم الذي تجاوز مدلوله الكلام الحسن إلى الأحسن – هكذا – بصيغة التفضيل له دلالته البالغة على أهمية الأسلوب الراقي ، واللفظ الراقي في مخاطبات المؤمنين ومحاوراتهم بعضهم مع بعض ومع غيرهم من المخالفين .

ونجد أيضا في سنة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم دراري متقدة في نصوص كثيرة تزكي هذا الأمر ، وتكشف عن قيمته ، وترغب فيه في معاملة الخلق عموما ، من أمثال قوله عليه الصلاة والسلام : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ ، وقوله : اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا ، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلِقٍ حَسَنٍ ، وقوله : أَنَا ضَمِينٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ ، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا ، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ .

ويدخل في هذا المرتكز أيضا ، كل ما هو معدود من محاسن الأخلاق والشيم التي تسمو بصاحبها ، وتفتح له بإذن الله مغاليق قلوب العباد .

ثامنا : فتح باب الحوار لبيان الحق وتثبيته وسماع ما عند الآخر والتأمل فيه

حتى لا يشعر بالتسلط والتعسف في فرض الرأي عليه وهذا مما يسهل معرفته بالحق ، وييسر عليه التزامه إن كان طالبا له راغبا فيه .

[ص-88] والحوار أسلوب راق للإقناع والبيان تعارف على قبوله أهل العقول الراجحة ، والأفكار المستقيمة ، وهو إلى ذلك نوع من المجادلة بالحق ، وقد وردت في الكتاب الكريم والسنة المطهرة أمثلة عديدة لحوارات منهجية مفيدة ، منها محاورة إبراهيم عليه السلام مع قومه ومحاورة موسى مع فرعون ومحاورة قوم موسى المؤمنين مع قارون .

كما أنه قد وردت الدعوة إلى الحوار مع أهل الكتاب في القرآن الكريم فيما أمر الله به رسوله عليه الصلاة والسلام في قوله : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)(سورة آل عمران الآية 64) .

وفي سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام أمثلة كثيرة لهذه الحوارات مع الكفار ومع الجهلة ، ومع غيرهم مما يدل على أنه أمر مشروع ، وأنه يتبوأ مكانة عالية في منهج الإسلام السمح في معاملة المخالفين ، وربما ظن البعض أن الحوار مع المخالف نوع من الضعف أو أنه مدعاة لإضفاء صفة الشرعية على بعض الأمور المخالفة للشريعة ، وهذا أمر غير مسلَّم ، فإن الحوار وسيلة ، ولا يلزم منه حصول المحذور إذا ضبطت هذه الوسيلة ، وحققت شروطها ، بل إن القبول بالحوار دليل على التمكن والثقة عند المحاور بما يحمله من الأفكار والمعتقدات ، وما يلتزم به من الأحكام والأخلاق .

أما تسلل الأفكار المنافية ، وتسويغ بعض المخالفات فإنه أمر يحصل بأسباب كثيرة لا يلزم أن يكون الحوار منها .

تاسعا : الصبر

وهو كما يعرَّف : حبس النفس على ما تكره ، تطلعا لما هو أفضل من الأجر عند الله ، إذا كان في سبيل تحصيل رضوان الله كما لو كان في طريق دعوة غير المسلمين إلى الإسلام ، أو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإصلاح الناس والمجتمع ؛ حيث لا يبعد مقابلة الإنسان لما يكره ، والصبر والاحتساب هنا يهون على الداعي إلى الله ما يلقاه ، ويلفت نظر الناس إلى التفكر والتدبر فيما يدعو إليه ، ولا تحصل هذه الفضيلة إلا إذا تسامح الدعاة واحتملوا الأذى ، ولم يقابلوا السيئة بمثلها ، ومثل هذه الأمور تدخل في منهج معاملة المخالف دخولا أوليا ، وهي تنطوي على رحمة بالمخالف ، ورغبة في إصلاح [ص-89] حاله ، وإيصال الخير له ، ولو أن التعامل مع المخالف عري عن هذا المعنى لانقطعت سبل الاتصال معه ، وحل محلها كل ما يدعو إلى الانتصار لنفس ، أو إيثار الراحة والدعة ، وهذا خلاف الواجب الشرعي في البيان والدعوة الذي أمر الله سبحانه وتعالى به رسوله والمؤمنين ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(سورة النحل الآية 125) ( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)(سورة الشورى الآية 43) ( وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ)(سورة لقمان الآية 17) .

وقال الرسول عليه الصلاة والسلام : الْمُسْلِمُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُمْ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ .

وعندما رجع الرسول عليه السلام منكسرا حزينا من الطائف بسبب المقابلة السيئة التي قابله بها أهلها ، ورميهم له بالحجارة حتى أدموا عقبيه صلى الله عليه وسلم ، وشتمه وإيذائه ، جاءه جبريل عليه السلام يخبره أن ملك الجبال نزل لأول مرة إلى الأرض ، أرسله الله جل وعلا يستأمر رسوله عليه الصلاة والسلام في أن يطبق على أهل مكة الأخشبين لتكذيبهم لله ولرسوله ، فكان جوابه عليه الصلاة والسلام بالرفض ، متذرعا بالصبر ، مؤملا أن يكتب الله لهم ولأعقابهم طاعة الله والدخول في هذا الدين قائلا : إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا .

عاشرا : علاقة المسلمين مع غير المسلمين

أساس هذه العلاقة قوله تعالى :( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)( سورة الممتحنة الآية 8-9) .

فالبر والقسط مطلوبان من المسلم للناس جميعا حتى لو كانوا كفارا ما لم يحولوا بين الناس وبين دعوة الإسلام ، أو يقاتلوا المسلمين أو يعتدوا عليهم . ولأهل الكتاب من بين غير المسلمين منزلة خاصة ، حيث نهى الله عن مجادلتهم في دينهم إلا بالحسنى : ( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)(سورة العنكبوت الآية 46) .

وأباح الإسلام الأكل من ذبائحهم ، ونكاح النساء المحصنات منهم :( وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ)( سورة المائدة الآية 5) .

وهذا الحكم في أهل الكتاب وإن كانوا في غير دار الإسلام ، أما الذين يقيمون في دار الإسلام بالعهد والجزية فلهم حق الرعاية ، والحماية ، بل والإعالة عند العجز ، والشيخوخة والفقر . .

جاء في عقد الذمة الذي كتبه خالد بن الوليد رضي الله عنه في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وبمحضر من عدد كبير من الصحابة رضوان الله عليهم لنصارى الحيرة في العراق : ” وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات ، أو كان غنيا فافتقر ، وصار أهل دينه يتصدقون عليه ، طرحت جزيته ، وعيل من بيت مال المسلمين [ص-91] هو وعياله ” .

ورأى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه شيخا يهوديا يسأل الناس ، فسأله عن ذلك فعرف أنه محتاج بسبب عجزه وكبر سنه فأمر له ، ولأمثاله بما يكفيهم من بيت مال المسلمين ، وقال : ” ما أنصفناه إذ أخذنا منه الجزية شابا ، ثم نخذله عند الهرم ” .

ولهم حق العمل والاكتساب بالعمل عند غيرهم أو بالعمل لحساب أنفسهم .

كما أن لهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية في أماكنهم الخاصة من غير تثريب عليهم ، ومن غير إجبارهم على الدخول في الإسلام .

خاتمة

إن البشرية عادت في هذا الزمن إلى شريعة الغاب أو كادت . ظلم هنا ، وقتل هناك ، ودمار وهلاك ، واستباحة للحرمات في ظل ضعف الاستمساك بالدين ، وفي ظل غياب القيم الإنسانية بسبب عبادة المادة ، والتخبط في أوحال الشهوات والملاذ .

وما أحوج البشرية وهي في هذا التيه إلى إظهار فضائل دين الله الذي ارتضاه لعباده ، والتعريف به ، ورد عاديات الأدعياء المتقولين ، والأعداء المتطاولين عليه ، وهذا أمر يدخل في صميم واجب الدعوة الذي أمر الله به رسوله عليه الصلاة والسلام – وهو أمر للمؤمنين جميعا – ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) ( سورة النحل آيه 125 ) . وفي صميم واجب البيان الذي أخذه الله على أهل العلم خاصة ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ) ( سورة آل عمران : آية 187 ) .

وإن التقاعس عن هذا الواجب ، أو التفريط فيه ، لن يورث إلا زيادة في سوء فهم الناس للإسلام ، ويسهل عليهم قبول التهم التي توجه له ، ويتيح للمتربصين شن الغارة على الإسلام وأهله ، وتوظيف كل أساليب المكر والبغي والعدوان للنيل من شرع الله المطهر ، وصد الخلق عنه .

وإن المؤسسات التي تتبوأ القيادة العلمية والدعوية في بلدان العالم الإسلامي مطالبة بأداء هذا الواجب أكثر من غيرها ، بالعمل على إبراز هذه المعاني السامية التي انطوى عليها ديننا الحنيف ، والعمل على تأصيلها ، وتعريف الناس بها عبر وسائل الإعلام المختلفة ، وبلغات العالم الحية ، كما أن كل قادر مؤهل لذلك مطالب أيضا ببذل ما في وسعه قياما بحق دينه عليه ، وسعيا في سبيل إصلاح الخلق مسلمين وغير مسلمين . وبالله التوفيق .

-- د. حمزة بن حسين الفعر

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*