الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو3

بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو3

المحور الأول

الوسطية والاعتدال في القرآن والسنة مظاهر الوسطية في الإسلام

للدكتور سليمان بن إبراهيم العايد

مظاهر الوسطية في الإسلام

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسوله الأمين ، وبعد :

الحديث عن مظاهر الوسطية في الإسلام حديث ذو شجون ، لأنها كثيرة متغلغلة في جميع عقائده ، وفرائضه ، وشرائعه ، ولو أردنا الحديث عنها حديثا شاملا لكتبنا كل ما كتب عن الإسلام من عقائد ، وأحكام ، عبادات ومعاملات ، علاقات وسياسات . . إلخ ، ولكنا في مقام لا يتسع إلا لقليل مما في شرائع الإسلام الواسعة ، وأحكامه الشاملة ، التي تشمل حياة الإنسان كلها .

إن الإسلام هو الدين الحق ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ )(سورة آل عمران الآية 19)( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ )(سورة آل عمران الآية 85)

وهو الدين الخاتم الذي تكفل الله بحفظه ، وإظهاره . ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ )(سورة الصف الآية 9)

وقد اصطفى الله لخير الأديان وأكملها خير الأمم وأكملها على تفاوت في خيرية أفرادها ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)(سورة فاطر الآية 32) بعد قوله ( وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ)(سورة فاطر الآية 31)

[ص-41] فالأمة ثلاث فئات ، أو ثلاثة أصناف ، رتبت في الآية على حسب كثرتها وقلتها ، فالطائفة الأولى ( الظالمون لأنفسهم ) هم الأكثر ، ثم يأتي الأقل ، وهم – ما بين مقتصد إلى سابق – أفراد من هذه الأمة المصطفاة .

وقد أكمل الله لهذه الأمة دينها على يد محمد صلى الله عليه وسلم ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)(سورة المائدة الآية 3) بعد أن أيأس الله ( عز وجل ) الكفار من أن يبطلوا هذا الدين أو يغلبوه( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ)( سورة المائدة الآية 3) وانظر تفسير القاسمي ( 6 / 1829 – 1830 ) . وجعل أمة هذا الدين خير أمة أخرجت للناس (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )(سورة آل عمران الآية 110 )

وهذا كامن في سر دينها أكمل الأديان وأوفاها ، وهو دين رباني بعقائده ، وأصول شرائعه ، ترك للبشر الاجتهاد في تنفيذه ، وتطلب أفضل الطرق لتحقيقه واقعا في الأرض ، بحسب طاقتهم وما أمكنهم الله فيه من العلم ، وجعل هذا واجبا لازما في عنق هذه الأمة إلى قيام الساعة (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ )(سورة يوسف الآية 108 )

وما جعله الله بهذه المنزلة ، وهذه المثابة إلا لما يحمله من مزايا ذاتية ، أهمها الوسطية ، والحديث عنها – كما أسلفنا – متشعب ، ذو فروع ، لا يمكن الإتيان عليها كلها في مقالة أو كلمة ، ولكن لنا أن نبرز أهم مظاهر الوسطية في الجوانب التالية : الفردية ، والاجتماعية ، والتشريعية :

( 1 ) الجانب الفردي

إذ حمل الإسلام الإنسان مسئولية عمله ، ولم يحمله مسئولية عمل غيره ، مهما بلغت القرابة ، ما [ص-42] لم يكن طرفا أو سببا .

( أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)(سورة النجم الآية 36-39) ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا* مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)(سورة الإسراء الآية 13-15)

وهذه القيمة لها أثرها في حياة الإنسان وسلوكه ، وتحمله المسئولية ، وتحقيق العدالة والمساواة بين الخلق ، وهي أصل ومبدأ من مبادئ الإسلام الراسخة ، تقصر دونه كل المبادئ والقيم الأخرى ، وقد رتب على هذا أن الجزاء مرتب على العمل ، فلا أحد يظلم بحمل وزر غيره ( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى)(سورة فاطر الآية 18) إلا إذا سلكت سبيل المضلين ( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ )(سورة العنكبوت الآية 13) فإنهم يحملون أثقال إضلال الناس مع أثقال ضلالهم ، وذلك كله من أوزارهم ، القاسمي ( 14 / 4979 ) .

ولا أحد يعطى ثمرة عمل غيره ليحرم منها العامل ، ولا يستحق أحد المكافأة إلا بعمل صالح ، لا ينفعه في ذلك نسب أو حسب أو جاه ، وهذه مبادئ لو طبقت في واقعنا العملي الحيوي لكان للمسلمين شأن آخر ، وإنما أتي المسلمون من الغفلة عنها .

ومما يتعلق بالمسئوليات التوزيع العادل للمسئولية الاجتماعية قال صلى الله عليه وسلم : ( أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ ، أَلَا فَكُلُّكُمْ [ص-43] رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) . أخرجه البخاري ومسلم ، واللفظ لمسلم ( كتاب الإمارة ح 20 ) .

وقد دأب كثير من الناس على رمي غيرهم بالتقصير ونسيان أنفسهم تزكية لها ، وكأنهم غير مسئولين ، إن كل فرد في هذا المجتمع يحمل جزءا من المسئولية العامة فيه ، مهما صغر هذا الجزء ، إذ كل مسلم على ثغرة من ثُغُر الإسلام ، فلا يؤتين الإسلام من قبله .

ولو أصلح كل واحد نفسه ، وقام بالواجب عليه نحو غيره من نصح وأمر بمعروف ، ونهي عن منكر ، وسائر ما أمر به الشارع ، وحده من الحقوق ، لم يكن ثمة خلل ، لكن أكثر القوم يتخلون عن مسئوليتهم ، ويستبدلون بها كلاما في النقد ، يوزع على حملة المسئولية ، من ولاة وعلماء وأصحاب شأن ، وكأنهم المعنيون ب (مَنْ قَالَ هَلَكَ الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ) . إن الذين لا يعملون ولا يشعرون بوطأة العمل ، وثقل المسئولية هم أجرأ الناس على النقد غير البصير ، وهم أجرأ الخلق على إدانة غيرهم ، وتبيان ما يظنون قصورا وعيبا فيهم ، لأن المشغول بالعمل الجاد معني بإتقان عمله ، وإصلاح نفسه ، ودرء عيوبها ، لا يشمت بمقصر ، ولا يفتات على محسن ، ولا يبهت بريئا ؛ لأن له من دينه وشغله صارفا عن الاشتغال بغيره وذمه ، ينظر إلى المحسنين فيدعو لهم بالتوفيق وأن يكون مثلهم ، وينظر إلى المقصرين ، فيدعو لهم بإقالة عثراتهم ، وأن يعافيهم مما ابتلاهم به ، في حين ينظر البطَّالون إلى المقصرين فيشمتون بهم ، ويشيعون عنهم قالة السوء .

وقد أتم الإسلام هذه القيمة بأحكام تتعلق بالغيبة والبهتان ، والحسد والضغينة والتحقير ، فعالج هذه علاجا خلقيا ، ليس هذا مقام بسطه .

قد يستغرب البعض إقحام المسئولية في مظاهر الوسطية ، وليته يذكر ما تنادي به بعض الطوائف من تقسيم الخلق إلى أصحاب الحقيقة وأصحاب الشريعة ، ومن إسقاط الواجبات الشرعية عن بعض ، ومن تحمل بعض آخر المسئولية عن آخرين ، ومن زعم البعض العصمة لمتبوعيهم .

ومن مظاهر الوسطية في مصادر العلم الشرعي غلو فئة حتى لا تقر بغير القرآن مصدرا ، ويجرها ذلك إلى إنكار السنة ، وعدم الانقياد لها ، أو جهلها وإهمالها ، وكان هذا مبدأ نشأة الخوارج الذين غلوا في القرآن حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تَسْمَعُ لِصَوْتِهِمْ دَوِيًّا كَدَوِيِّ النَّحْلِ ) .

غير أنهم أهملوا سنته صلى الله عليه وسلم ، فكان أن عملوا بمتشابه القرآن ، وعموماته ومطلقاته التي تحتاج إلى سنته ترفع تشابهها ، [ص-44] أو تخصيص يخصص عمومها ، أو قيد يقيد مطلقها ، وهذه الطائفة تتكرر في كل زمان ، ولعلها الفئة التي أشار إليها عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) بقوله : (( إِنَّهُ سَيَأْتِي أُنَاسٌ يَأْخُذُونَكُمْ بِشُبُهَاتِ الْقُرْآنِ ، فَخُذُوهُمْ بِالسُّنَنِ ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ )) ( شرح السنة للبغوي 1 / 192 تحقيق صقر ) . والمتأمل في كثير من مسائل الضلالة ، يجدها تعود إلى هذا الباب .

وهذا العمل يؤدي إلى غلو الإنسان بنفسه ، وأن يضعها في مكانة فوق ما تستحقه ، حتى إنه ليظن أنه أحاط بالشريعة علما ، وليس لديه إلا أقل القليل من نصوص لعله لم يحسن فهمها ، ولم يع فقهها ، ثم يحاكم الأمة إلى علمه هذا ، ويرفض كل فقه أو علم لدى من سبقوه في أبواب العلم والفقه لرجال أفنوا أعمارهم ، وأخلصوا تجاربهم له ، ظنا منه أن هؤلاء قد حيل بينهم وبين الفهم السليم والفقه الراشد .

( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا)(سورة النساء الآية 83) (( وفي هذا إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها ، فيخبر بها ويفشيها وينشرها ، وقد لا يكون لها صحة )) [ ابن كثير 2 / 321 ] .

وهذا نظير ما يفعله كثير من المبادرة والتسابق إلى نشر أشياء وأخبار وأقوال وإشاعات لم يتأكد من صحتها ، ولعلها نقلت على غير وجهها ، أو فصلت عن سياقها ، أولم تقع ، ومع ذلك يظنون معهم العلم كله ، وما معهم إلا ظنون وإشاعات وشيء من الأخبار ، الله أعلم بصحتها .

وكان اللائق بهم أن يضعوا أنفسهم موضع السائل سؤال التبين والتعلم فيما يحتاج إليه من أمر الدين ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)(سورة النحل الآية 43) ( فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ)(سورة يونس الآية 94) وبالسؤال تتبين الحقيقة وتتأكد .

وكل هذا إنما يقع لمخالفة القصد والتوسط في تحصيل العلم ونشره وأيا كان هذا العلم .

لا أريد أن أدخل في صفات طالب العلم ، ولا في صفات العلم النافع ، ولا واجبات أهل العلم ، لأن هذا معروف مقرر [ص-45] ويخرج بنا عن أصل الكلام . وإنما أريد أن أؤكد ما يقوله أهل العلم من أن من (( أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقيق به أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام )) ( الموافقات 1 / 56 ) وما قيل من (( أن العلم كان في صدور الرجال ، ثم انتقل إلى الكتاب ، وصارت مفاتحه بأيدي الرجال )) ( الموافقات ص 57 ) وهذا يفهم منه أن العالم لا بد (( أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم لأخذه عنهم ، وملازمته لهم )) ( الموافقات 1 / 58 ) .

فالعلم لا يتكون من القراءة وحدها ، وإنما يتكون من الخلطة بأهل العلم ومجالستهم ، وهو ما يفقد لدى كثير من المنتسبين للعلم .

وكل انحراف أو زيغ في طريقة تحصيل العلم أو التأدب بآدابه ، أو أداء حقه وواجبه ، إنما مرده إلى شيء من الغلو في طريقة من طرق العلم ، تفقد نوره وبهاءه ، وتذهب ببركته .

( 2 ) الجانب الاجتماعي والإنساني

لا يمكن للإنسان مسلما كان أو غيره أن يعيش وحده منعزلا عن المجتمع ، مفردا لا يختلط بغيره ؛ لأن الإنسان مدني بالطبع ، ويتعين على المسلم أن يكون إيجابيا في هذه الحياة ، وعنصرا مؤثرا ( الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُمْ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ ) كما جاء في بعض الآثار .

وقد أساء بعض من غلا مفهوم العزلة ، واستجاب لسلبية لم تأمر بها شرائع الإسلام ، بل فيها تحريف وسوء فهم ل (( بخاصة نفسك )) كما أن بعض الناس حاول أن يؤسس لعزلة نفسية ، من شأنها أن تشعر المعتزل بتميز ما عن سائر المجتمع ، وهي ذات آثار على النفس ، وعلى مفاهيم الشخص غير مستساغة ولا مقبولة ؛ لأنها تغرس لدى المعتزل استعلاء لا يليق بخلق المؤمن ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )(سورة القصص الآية 83)

ثم إن الإسلام نظم العلاقة بين أطراف المجتمع الحاكم والمحكوم ، فجعل للحاكم حق الطاعة ما لم يأمر بمعصية ، وحق النصح ، وحرم غشه . وجعل للمحكوم على الحاكم حق الرحمة والرأفة ، والنصح بأن يبحث ، ويتطلب له ما فيه خيره ومصلحته في الدنيا والآخرة ، فإذا قام كل طرف بما عليه استقامت الحياة وآتت ثمارها وأكلها بإذن ربها .

[ص-46] فحرم على المحكوم أن يخرج على حاكمه ، حتى إنه أمر بقتل من جاء المسلمين وهم مجمعون على رجل واحد يشق وحدتهم ، وينتزع الولاية ، وحرم على الحاكم غش الرعية ، حتى جاء الوعيد بحقه في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ ، فَارْفُقْ بِهِ) ( أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإمارة ح 19 ) .

وقوله : ( مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً ، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) ( أخرجه البخاري ومسلم في صحيحه كتاب الإمارة ح 21 ) .

فجعل عقاب الحاكم إليه ، وعقابه أنكى ، ولئلا يتطاول الناس ، وجعل عقاب المحكوم إلى خلقه لئلا يتجرءوا على ولاتهم ، وبهذا تستقيم ، وتستقر الأوضاع .

وقد أتي المسلمون من خلل في هذا الجانب ، والإعراض عن ضوابطه الشرعية بمصائب كثيرة ابتداء من فتنة الدار إلى عصرنا الحاضر ، فتجد من لا يرى طاعة الحاكم بالمعروف من طاعة الله ، وتجد من يلتمس عيوبا وأوجه القدح ، ويتأول أشياء وأعمالا على ما تزينه له نفسه باسم الإسلام والإصلاح على نحو مما تعمله الأحزاب السياسية .

ومن العلائق الاجتماعية ما رتبه الإسلام بين المسلمين ، وما أوجبه من حقوق لبعضهم على بعض ، وهي حقوق متكافئة ، للمسلم مثل ما عليه ، وهي حقوق – لو أديت – تكفل استقرار المجتمع المسلم [ص-47] وتوازنه ، وتحفظ عليه الضروريات الخمس ( الدين ، النفس ، النسل ، المال ، العقل ) وتبني مجتمعا يسوده الحب والألفة ، يعرف كل فرد فيه مكانه وحدود مسئوليته ، وواجبه ، بحيث لا يتعدى ذلك أو يقصر عنه ، وقد حدد الإسلام مسئولية الفرد في المجتمع بمثال حي ، جاء في السنة النبوية : ( مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا ، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا ، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقُوا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ ، فَقَالُوا : لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا ، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا ، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا ، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا ) ( أخرجه البخاري في كتاب الشركة ح 2493 والشهادات ح 2686 ) فليس في المجتمع المسلم عنصر مهمل يخلى من المسئولية ، فكل موكل بألا يؤتى الإسلام من قِبَلِهِ . ولو وعى المسلمون هذه الحقيقة لتخلصنا من كثير مما نعاني منه في حياتنا الاجتماعية ، وهذه الصورة تحفظ المجتمع المسلم .

‌ولا يقف الأمر عند هذا الحد ، بل يبني الإسلام علاقة متوازنة بين المسلمين وغيرهم من حيث الحقوق والواجبات ؛ إذ البشرية كلها فريقان ( فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ)(سورة التغابن الآية 2) والمؤمنون بعضهم أولياء بعض ، غير أن هذه الولاية لا يلزم منها إعطاؤهم حق الظلم لغيرهم والكفار بعضهم أولياء بعض ، ولكن الكفار لا يجوز ظلمهم أو سلب حقوقهم ، بل لهم حقوق شرعت ، وطرائق في معاملتهم سنت ، ومظالم لو وقعت تعين رفعها ( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)(سورة المائدة الآية 8) بل نهينا عن الاعتداء مع منع الحقوق ( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا)(سورة المائدة الآية 2)

إن كثيرا من الخطاب الإسلامي الشائع على ألسنة بعض الدعاة والشباب يفقد توازنه مع غير المسلمين ، وكأنه يوجب نمطا واحدا من المعاملة والخطاب ، وما من شك أنهم أصناف وفئات ، وللخطاب مقتضيات ومقامات ، وللمتكلم أحوال وصفات ، كلها توجب تعدد الخطاب وأن يكون مناسبا . لم يكلف محمد صلى الله عليه وسلم إرغام الناس على الدخول في الإسلام ( أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)(سورة يونس الآية 99) وفرق بين العرب في جزيرة العرب وغيرهم ، فلم يقر المشركين العرب في الجزيرة على شركهم ، وإن سوغ أخذ الجزية من عرب أهل الكتاب في غير الجزيرة ، وقد نظم الإسلام العلاقة بين المسلمين وأهل الذمة ، والمعاهدين والمحاربين من أهل الكتاب وغيرهم تنظيما لا مزيد عليه ، غير أنه يحلو لكثير من المشتغلين بالدعوة أن يبرزوا وجها واحدا من هذه المعاملة ويدعوا الباقي ، مما يجعل المسلمين هدفا لأعدائهم ، وهم ليسوا مؤهلين لمعاداة أهل الأرض لأوضاع لا تخفى على أحد ، وهذا كله من غيبة الفقه ، ونزوع البعض إلى نمط واحد من الخطاب ، وكأنه المتعين ، على الرغم من اختلاف المقامات والمقتضيات .

إن الله حرم على المؤمنين موالاة الكفار ، لكنه لم يمنع البر والإحسان إليهم ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(سورة الممتحنة الآية8- 9 )[ص-48] وقد ترك أمر الإحسان إليهم ، واصطناع المعروف لديهم لتقدير المصلحة ، أما الصنف الأول فالبر به والإحسان إليه هو الأولى لظهور المصلحة وغلبة الظن بتحققها .

وقد تؤخذ آيات في طوائف من الكفار ، وتطبق على آخرين ، والأمر مختلف ( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )(سورة التوبة الآية 5)

هذا في مشركي العرب في جزيرة العرب ، أما أهل الكتاب ففيهم ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ )(سورة التوبة الآية 29)

( 3 ) تفاوت الشرائع

ليست الشرائع على درجة واحدة ، فهناك ما هو ركن ، وما هو واجب ، وما هو مستحب . . الخ ، وكذلك المحظورات ذات درجات .

فالشرائع من شعب الإيمان ، والمحظورات من شعب الكفر ، ومن أصول أهل السنة أنه يمكن أن يجتمع في الشخص الواحد كفر وإيمان ، ويكون الشخص مؤمنا ، في حين يسوي أهل الغلو بين شرائع الإسلام ، فيكفرون بكل ذنب ولو كان دون الشرك ، في حين خالف المرجئة ، واكتفوا بمجرد التصديق ، وقالوا : لا يضر ذنب مع التصديق . والوسط : هو قول أهل السنة ، كما هو معلوم مفصل في موضعه .

ومن مظاهر الوسطية في الإسلام عدم إلزام الناس طريقة واحدة ، أو نمطا واحدا من أنماط البر ، فهناك الصائم ، والقائم ، والذاكر ، والعالم ، والمجاهد ، وفاعل المعروف ، والمتصدق . الخ ، وكلهم يؤدي شيئا من الإسلام ، ومجموع أعمالهم تمثل [ص-49] شريعة الإسلام الواسعة الشاملة ، وهذا التنوع ليس مسوغا لتنقص ، ولا يدل على تمايز عند الله ، وللجنة أبواب ثمانية ، كل باب لضرب من ضروب البر .

وهذا يفتح بابا واسعا في النظر والدعوة ؛ إذ علينا أن نفيد من جميع المسلمين ذكورهم وإناثهم ، محسنهم ومقصرهم ، كما كان يفعل سلف هذه الأمة ، ففي جيش سعد ، كان أبو محجن الثقفي ، وكان القصاص ، والقراء ، والفرسان . . الخ ، كل منهم يؤدي ما أقدره الله عليه ، والله يتولى جميع عباده .

إن ما يقال إن بعض المنتسبين للدعوة يفعله من رفض من لديه شيء من التقصير والإخلال أمر يجب أن نراجع فيه أنفسنا ، ليتوحد الصف الإسلامي بكافة شرائحه كل بإمكانه ، هذا بفكره ، وذاك ببدنه ، وآخر بماله ، ورابع برأيه ، وخامس بدعائه . . الخ ، ولنتخلص من تصنيف الناس إلى بر يصلح لكل عمل ، وفاجر لا يصلح مطلقا .

وبعد . إن الوسطية ليست شعارا يرفعه مدعوه بل هي ممارسة عملية في واقع الحياة . (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا)(سورة النساء الآية 123 )

والمعنى – كما قال ابن كثير – (( إن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني ، وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه ، ولا كل من قال : إنه هو الحق سمع قوله بمجرد ذلك ، حتى يكون له من الله برهان )) ( تفسيره 2 / 370 ) .

إن الوسطية هي سمة الإسلام في عقائده ، وشرائعه ، وأنظمته . وأخلاقه . فهو وسط بين الغلو والتقصير : في عقائده بين التشبيه والتعطيل ، والجبر والقدر مثلا ، وفي التربية والسلوك بين الأمن والإياس . ( ينظر شرح الطحاوية 586 – 588 ) .

فيعبد الله بالحب والخوف والرجاء ، وتلك عبادة المؤمنين . ( ينظر شرح الطحاوية 372 ) .

إن الوسطية في الإسلام مؤسسة تأسيسا محكما ، ولا تتم صورتها إلا بمراعاة ما يلي :

1 – الشمول الذي يجعل الإسلام مهيمنا على الحياة كلها بأنظمتها وأنشطتها المختلفة ، وبأعمال الإنسان المتنوعة ، فلا يشذ عن الدين أي عمل يعمله ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)(سورة الأنعام الآية 162)

[ص-50] 2 – التوازن بين الأطراف المختلفة ؛ بحيث لا يحصل حيف لطرف على طرف ، ولا لجانب على جانب .

3 – تحقيق المقاصد الشرعية بحسب مرتبتها وأولويتها من ضروري ، وحاجي ، وتحسيني بحسب التمايز المتحقق ، ولا تجوز التسوية بين هذه الدرجات إلا عند من لا فقه لديه ، وحديثي العهد بالعلم .

4 – اتساع الصدور لاستيعاب المخالف فيما يسوغ فيه الخلاف ، خاصة المجتهد ، ومن يمكن التماس عذر له .

5 – وضوح الأصول الاعتقادية ، لتكون منطلقا لغيرها من الأعمال .

تم بحمد الله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسوله الأمين .

-- د.سليمان بن إبراهيم العايد

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*