الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو2

بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو2

المحور الأول

الوسطية والاعتدال في القرآن والسنة أدلة الوسطية في القرآن والسنة

للدكتور محمد بن عمر بازمول

أدلة الوسطية في القرآن والسنة

إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم .

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )(سورة آل عمران الآية 102)

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)(سورة النساء الآية 1)

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا )(سورة الأحزاب الآية 70-71)

أما بعد :

فإن أصدق الكلام كلام الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار .

ثم أما بعد : فهذه ورقات أفردتها في تقرير بعض من أدلة الوسطية من القرآن العظيم والسنة النبوية ، أتقدم بها في ندوة ” أثر القرآن الكريم في تحقيق الوسطية ودفع الغلو ” ، التي ستنعقد في مكة المكرمة ، ضمن فعاليات مسابقة الملك عبد العزيز الدولية لحفظ القرآن الكريم وتلاوته ، وتفسيره في 3 – 11 / 8 / 1424 هـ .

سائلا الله المزيد من التوفيق والهدى والرشاد للقائمين على هذه الندوة ، وأن يجعل سبحانه وتعالى جهودهم في موازين حسناتهم ، إنه سميع مجيب .

مدخل

الإسلام وسط بين الأديان من خصائص الإسلام الوسطية والتوازن .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ( ت 728 هـ ) رحمه الله : ” قد خص الله تبارك وتعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بخصائص ميزه الله بها على جميع الأنبياء والمرسلين ، وجعل له شرعة ومنهاجا أفضل شرعة ، وأكمل منهاج مبين .

كما جعل أمته خير أمة أخرجت للناس ؛ فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها ، وأكرمها على الله من جميع الأجناس .

هداهم الله بكتابه ورسوله لما اختلفوا فيه من الحق قبلهم . وجعلهم وسطا عدلا خيارا ؛ فهم وسط في توحيد الله وأسمائه وصفاته ، وفي الإيمان برسله ، وكتبه ، وشرائع دينه من الأمر والنهي والحلال والحرام .

فأمرهم بالمعروف ، ونهاهم عن المنكر ، وأحل لهم الطيبات ، وحرم عليهم الخبائث ، لم يحرم عليهم شيئا من الطيبات كما حرم على اليهود ، ولم يحل لهم شيئا من الخبائث كما استحلتها النصارى .

ولم يضيق عليهم باب الطهارة والنجاسة كما ضيق على اليهود ، ولم يرفع عنهم طهارة الحدث والخبث كما رفعته النصارى ، فلا يوجبون الطهارة من الجنابة ، ولا الوضوء للصلاة ، ولا اجتناب النجاسة في الصلاة ، بل يعد كثير من عبادهم مباشرة النجاسات من أنواع القرب والطاعات ، حتى يقال في فضائل الراهب : ” له أربعون سنة ما مس الماء ” ! ولهذا تركوا الختان ، مع أنه شرع إبراهيم الخليل عليه السلام وأتباعه .

واليهود إذا حاضت المرأة عندهم ، لا يؤاكلونها ولا يشاربونها ، ولا يقعدون معها في بيت واحد ، والنصارى لا يحرمون وطء الحائض ، وكان اليهود لا يرون إزالة النجاسة ، بل إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه بالمقراض ، والنصارى ليس عندهم شيء نجس يحرم أكله ، أو تحرم الصلاة معه .

وكذلك المسلمون وسط في الشريعة فلم يجحدوا شرعه الناسخ لأجل شرعه المنسوخ ، كما فعلت اليهود . ولا غيروا شيئا من شرعه المحكم ولا ابتدعوا شرعا لم يأذن به الله ، كما فعلت النصارى .

ولا غلوا في الأنبياء والصالحين كغلو النصارى ، ولا بخسوهم حقوقهم كفعل اليهود .

ولا جعلوا الخالق سبحانه متصفا بخصائص المخلوق ، ونقائصه ، ومعايبه من الفقر والبخل والعجز كفعل اليهود ، ولا المخلوق متصفا بخصائص الخالق سبحانه التي ليس كمثله فيها شيء كفعل النصارى .

ولم يستكبروا عن عبادته كفعل اليهود .

ولا أشركوا بعبادته أحدا كفعل النصارى .

وأهل السنة والجماعة في الإسلام كأهل الإسلام في أهل الملل ، فهم وسط في باب صفات الله عز وجل بين أهل الجحد والتعطيل ، وبين أهل التشبيه والتمثيل ، يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسله من غير تعطيل ولا تمثيل ، إثباتا لصفات الكمال ، وتنزيها له عن أن يكون له فيها أنداد وأمثال ، إثبات بلا تمثيل ، وتنزيه بلا تعطيل ، كما قال تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )(سورة الشورى الآية 11) رد على الممثلة ، ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(سورة الشورى الآية 11) رد على المعطلة .

وقال تعالى :( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ )( سورة الإخلاص الآية 1-4)

فالصمد : السيد المستوجب لصفات الكمال .

والأحد : الذي ليس له كفو ولا مثال .

وهم وسط في باب أفعال الله عز وجل بين المعتزلة المكذبين للقدر ، والجبرية النافين لحكمة الله ورحمته وعدله ، والمعارضين بالقدر أمر الله ونهيه وثوابه وعقابه .

وفي باب الوعد والوعيد ، بين الوعيدية الذين يقولون بتخليد عصاة المسلمين في النار ، وبين المرجئة الذين يجحدون بعض الوعيد وما فضل الله به الأبرار على الفجار .

وهم وسط في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الغالي في بعضهم الذي يقول فيه بإلهية أو نبوة أو عصمة ، والجافي فيهم الذي يكفر بعضهم أو يفسقه وهم خيار هذه الأمة “ا هـ .

وقال – رحمه الله – : ” وكذلك في سائر أبواب السنة ، هم وسط ؛ لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان ” ا هـ .

أدلة الوسطية

من القرآن العظيم والسنة النبوية الأدلة على وسطية أمة الإسلام فلا إفراط ولا تفريط ، لا غلو ولا جفاء ، كثيرة من القرآن العظيم ، والسنة النبوية ، أذكر منها الأدلة التالية :

أولا : الأدلة من القرآن العظيم

( 1 ) قول الله تبارك وتعالى : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)(سورة الفاتحة الآية 6-7)

ووجه دلالة الآية : أنه سبحانه وصف الصراط المستقيم بأنه غير صراط المغضوب عليهم ، وهم اليهود أهل الغلو في الدين ، وغير صراط النصارى ، وهم أهل الغلو في الرهبانية والتعبد ، حتى خرجوا عن حدود الشرع ، ليس فقط في العبادة بل حتى في الاعتقاد ، يقول تبارك وتعالى : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا) ( النساء : 171 ) .

فإذا كان الصراط المستقيم غير صراط اليهود والنصارى ، وكان صراط اليهود والنصارى صراط غلو في الدين ، دل ذلك على أن الصراط المستقيم صراط لا غلو فيه ، فهو بين طرفين : إفراط وتفريط ، وهذا هو معنى الوسطية التي هي منهاج الدين الإسلامي .

( 2 ) قال الله تبارك وتعالى : ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ( البقرة : 213 ) .

يمتن الله سبحانه على عباده المؤمنين أن هداهم إلى الصراط المستقيم ، الذي هو سبيل الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن يتبعه ، قال تعالى :( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ( الأنعام : 153 ) .

وللغواية والضلال سبل ، كما قال تبارك وتعالى : ( وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) ( الأعراف : 86 ) .

وكل سبيل غير سبيل الحق فهو معوج ، كما قال تعالى : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) ( آل عمران : 99 ) ، وقال تعالى : ( الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ ) ( الأعراف : 45 ) .

وسبيل الحق هو سبيل الرشد ، وهو الصراط المستقيم ، كما قال تعالى : (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) ( الأعراف : 146 ) ، وقال تعالى :(وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ) ( غافر : 38 ) .

فالصراط المستقيم وسط بين السبل ، التي أشارت إليها الآيات السابقات . وعليه فإن هذه الأمة وسط بين الأمم .

فوصف الأمة بكونها هديت إلى صراط مستقيم ، وأنها على صراط مستقيم ، وصف يقتضي الوسطية لها في دينها ، بين السبل المعوجة ، ذات اليمين وذات الشمال .

( 3 ) قال الله تبارك وتعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) ( البقرة : 143 ) .

وقد تتابعت كلمة المفسرين في أن وصف الأمة بالوسط ، يراد به كونهم عدولا خيارا ، ويدل عليه الأمور التالية :

1 – أن الله سبحانه وتعالى وصف هذه الأمة في موضع آخر بالخيرية ، فقال تعالى : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) ( آل عمران : 110 ) .

2 – أن هذا التفسير جاء فيه حديث صحيح مرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن أبي سعيد الخدري قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُقَالُ لَهُ : هَلْ بَلَّغْتَ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ يَا رَبِّ . فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ : هَلْ بَلَّغَكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ . فَيَقُولُ : مَنْ شُهُودُكَ ؟ فَيَقُولُ : مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ ، فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) قال : عدلا سورة البقرة الآية 143 لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا .

3 – أن هذا التفسير هو الذي يطابق السياق ، فإن الله تعالى يقول : سورة البقرة الآية 143 لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فالمناسب لكونهم شهداء على الناس أن يثبت لهم وصف الخيرية والعدالة .

فأمة الإسلام جعلت أمة وسطا : عدلا خيارا ؛ والعدل الخيار يتضمن الدلالة على كونهم بين الإفراط والتفريط .

قال الطبري ( ت 310 هـ ) رحمه الله : ” وأرى أن الله تبارك وتعالى إنما وصفهم بأنهم وسط ؛ لتوسطهم في الدين فلا هم أهل غلو فيه – غلو النصارى الذين غلوا بالترهب ، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه – ولا هم أهل تقصير فيه – تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله ، وقتلوا أنبياءهم ، وكذبوا على ربهم ، وكفروا به – ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه ، فوصفهم الله بذلك ، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها ” ا هـ .

والمعنيان متداخلان ، ولا تمانع بينهما ، فلا مغايرة بين الحديث وبين ما دل عليه معنى الآية ؛ وذلك أن [ الوسط في الأصل اسم لما يستوي نسبة الجوانب إليه كمركز الدائرة ، ثم استعير للخصال المحمودة البشرية ، لكن لا لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والإعواز والأوساط محمية محوطة ؛ فإن تلك العلاقة بمعزل من الاعتبار في هذا المقام ، إذ لا ملابسة بينها وبين أهلية الشهادة التي جعلت غاية للجعل المذكور ، بل لكون تلك الخصال أوساطا للخصال الذميمة المكتنفة بها من طرفي الإفراط والتفريط ؛ كالعفة التي طرفاها الفجور والخمود . وكالشجاعة التي طرفاها الظهور والجبن . وكالحكمة التي طرفاها الجربزة والبلادة . وكالعدالة التي هي كيفية متشابهة حاصلة من اجتماع تلك الأوساط المحفوفة بأطرافها ثم أطلق على المتصف بها مبالغة كأنه نفسها ، وسوى فيه بين المفرد والجمع ، والمذكر والمؤنث رعاية لجانب الأصل كدأب سائر الأسماء التي يوصف بها .

وقد روعيت هاهنا نكتة رائقة : هي أن الجعل المشار إليه عبارة عما تقدم ذكره من هدايته تعالى إلى الحق الذي عبر عنه بالصراط المستقيم ، الذي هو الطريق السوي الواقع في وسط الطرق الجائرة عن القصد إلى الجوانب ، فإنا إذا فرضنا [ص-21] خطوطا كثيرة واصلة بين نقطتين متقابلتين ، فالخط المستقيم إنما هو الخط الواقع في وسط تلك الخطوط المنحنية .

ومن ضرورة كونه وسطا بين الطرق الجائرة كون الأمة المهدية إليه أمة وسطا بين الأمم السالكة إلى تلك الطرق الزائغة أي متصفة بالخصال الحميدة خيارا وعدولا مزكين بالعلم والعمل . والله أعلم .

ومن فوائد هذه الآية الإرشاد إلى أن كل خير ينفع الناس ، فقد أمر الله به ، ودعا إليه ، وكل شر وفساد فقد نهى الله عنه وأمر بتركه ، وهذا ضرورة كون هذه الأمة موصوفة بالخيرية ، وأنها هديت إلى الصراط المستقيم .

وهذا الوصف بالوسطية ثبت في نصوص عديدة ، تؤكد معنى التوسط وعدم الغلو في مظاهر الدين ، من ذلك :

( 4 ) نهيه عن الغلو في الحكم بين الناس ، حيث أمر بالعدل ، والظلم خلاف العدل ، وهو ميل إلى أحد الطرفين على حساب الآخر ، قال الله تبارك وتعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) ( النساء : 58 ) ، وقوله تبارك وتعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) ( المائدة : 8 ) .

والآيتان دليل على أمر الله تبارك وتعالى بما هو مقتض لخيرية هذه الأمة ، وكون أهلها عدولا ؛ فأمر بالحكم بالعدل ؛ ليس فقط في حكمهم بعضهم على بعض ، بل حتى في حكمهم على أعدائهم .

والعدل في الحكم مع الأعداء من مظاهر هذه الخيرية التي خص الله عز وجل بها هذه الأمة .

( 5 ) نهيه عن الغلو في دعاء الله عز وجل ، و ” الدعاء هو العبادة ، حيث أمر بالتوسط فيه دون الجهر وفوق [ص-22] المخافتة ، فقال الله تبارك وتعالى : ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) ( الإسراء : 110 ) .

والأمر بابتغاء السبيل بين ذلك يعني أن يكون الدعاء تضرعا دون الجهر وفوق السر ، فهذا مظهر من مظاهر الأمر بالتوسط في العبادة ، التي هي الدعاء .

( 6 ) نهيه عن الغلو في طلب الدنيا ، فلم يأمر بترك الدنيا ، والخروج إلى الفيافي ، كما لم يأمر بالاستغراق فيها ، وكأن الإنسان لا محل له إلا هذه الحياة الدنيا ، إنما أمر بالتوسط ، فالدنيا بلغة يتبلغ بها الإنسان للآخرة ، يأخذ منها بما أحله الله سبحانه وتعالى ، ويعيش فيها فيما أباحه الله سبحانه وتعالى ، ويستعد بذلك للآخرة ، قال الله تبارك وتعالى : ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) ( القصص : 77 ) .

وهذه الآية فيها دليل على أن ترك التوسط والاعتدال فساد في الأرض ، ألا تراه يقول : ( وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) فإذا كان العمل في الدنيا وترك السعي للآخرة فسادا في الأرض ، فمن باب أولى ترك أمور الصراط المستقيم – وعنوانها تمام صالح الأخلاق – فساد في الأرض .

( 7 ) نهيه عن الغلو في النفقة بالمال ، حيث يقول تبارك وتعالى : (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) ( الفرقان : 67 ) ، وقوله تبارك وتعالى : ( وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) ( الإسراء : 29 ) .

[ص-23] قال ابن قيم الجوزية ( ت 751 هـ ) رحمه الله : ” والفرق بين الاقتصاد والتقصير أن الاقتصاد هو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط .

وله طرفان هما ضدان له : تقصير ومجاوزة .

فالمقتصد قد أخذ بالوسط وعدل عن الطرفين ، قال تعالى : ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)(سورة الفرقان الآية 67) وقال تعالى : ( وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ )(سورة الإسراء الآية 29) وقال تعالى : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا)(سورة الأعراف الآية 31 ) والدين كله بين هذين الطرفين .

بل الإسلام قصد بين الملل .

والسنة قصد بين البدع .

ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه .

وكذلك الاجتهاد هو بذل الجهد في موافقة الأمر ، والغلو مجاوزته وتعديه .

وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان :

فإما إلى غلو ومجاوزة .

وإما إلى تفريط وتقصير .

[ص-24] وهما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا من مشى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترك أقوال الناس وآراءهم لما جاء به ، لا من ترك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم .

وهذان المرضان الخطران قد استوليا على أكثر بني آدم ، ولهذا حذر السلف منهما أشد التحذير ، وخوفوا من بلي بأحدهما بالهلاك .

وقد يجتمعان في الشخص الواحد ، كما هو حال أكثر الخلق يكون مقصرا مفرطا في بعض دينه غاليا متجاوزا في بعضه . والمهدي من هداه الله “ا هـ .

( 8 ) نهيه عن تحريم الطيبات ، وهو من الغلو في التزهد ، ونهيه عن الإسراف ، وهو من الغلو في الاستغراق في الدنيا وملذاتها ، والصراط المستقيم بينهما ، يقول تبارك وتعالى : (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) ( الأعراف : 31 – 33 ) .

( 9 ) ومن الأدلة على وسطية الدين وسماحته ، قوله تبارك وتعالى :(مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ( المائدة : 6 ) ، ويقول تعالى : ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ( البقرة من الآية 185 ) ، ويقول تعالى : ( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) ( النساء من الآية 28 ) .

[ص-25] ويقول تبارك وتعالى : ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) ( الحج : 78 ) .

ووجه الدلالة : أن وصف الله سبحانه وتعالى الدين بأنه يسر ، وبأن الله ما جعل علينا فيه من حرج ، وأن الله يريد أن يخفف عنا ، كل هذا يدل على أن الغلو في الدين غير مطلوب ، بل ليس هو من الدين ، وأن التوسط هو سمة الدين ومنهاجه ، والوسطية بين طرفين : تشدد وتساهل . وهل يؤخذ عند الاختلاف بأخف القولين أو بأثقلهما ؟ .

ذهب بعض الناس إلى الأخذ بأخف القولين وأيسرهما استدلالا بهذه الأدلة .

وذهب آخرون إلى الأخذ بالأشد .

والذي يظهر أن المراد بهذه النصوص هو أن الدين يسر ، أي : ما جاء وثبت في الشرع ، فهو يسر ، وليس المراد أن اليسر هو الدين .

وأن سماحة الشريعة ويسرها إنما جاءت مقيدة بما هو جار على أصولها ، والقول باتباع الأيسر مطلقا إنما هو اتباع هوى النفس وما تشتهيه ، دون الرجوع إلى الدليل ، وذلك ينافي أصول الشريعة . وهو مؤد إلى إسقاط التكاليف جملة ؛ لأن التكاليف كلها فيها ما يشق على النفس ، فإذا كانت المشقة حيث لحقت في التكليف تقتضي الرفع بهذه الأدلة ؛ لزم ذلك في جميع التكاليف ، فلم يبق للعبد تكليف ، وهذا محال ، فما أدى إليه مثله ، فإن رفع الشريعة مع فرض وضعها محال .

والذين قالوا : نأخذ بالأشد ؛ ذهبوا إليه لأنه الأحوط ، وهؤلاء خالفوا أدلة أصحاب القول الأول ، ثم الاحتياط هو : ” الاستقصاء والمبالغة في اتباع السنة ، وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، من غير غلو ومجاوزة ، ولا تقصير ولا تفريط ، فهذا هو الاحتياط الذي يرضاه الله ورسوله ” .

وعليه فإن الاحتياط هو الترجيح عند الاختلاف ، فالمجتهد والمتبع والعامي يسلكون مسلك الترجيح عند الاختلاف لكل واحد منهم بحسبه ، فلا يرجح الأيسر ، ولا يرجح الأثقل ، وإنما يرجح ما جاء به الدليل ، فإن لم يتبين الدليل [ص-26] رجعوا جميعا إلى استفتاء النفس والقلب .

ثانيا : الأدلة من السنة

( 1 ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا ثُمَّ قَالَ : هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ . ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ، ثُمَّ قَالَ : هَذِهِ سُبُلٌ مُتَفَرِّقَةٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ، ثُمَّ قَرَأَ : (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)(سورة الأنعام الآية 153 ) .

وتقدم تقرير دلالة وصف ما كان عليه صلى الله عليه وسلم بأنه الصراط المستقيم ، وأنه يقتضي معنى الوسطية والخيرية ، التي بين طرفي التفريط والإفراط .

قال ابن تيمية رحمه الله : ” أصل الدين أن الحلال ما أحله الله ورسوله ، والحرام ما حرمه الله ورسوله ، والدين ما شرعه الله ورسوله ، ليس لأحد أن يخرج عن الصراط المستقيم ، الذي بعث الله به رسوله ، قال الله تعالى : ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ( الأنعام : 153 ) ، وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه خط خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ، ثم قال : هذه سبيل الله ، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ، ثم قرأ : (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ )

وقد ذكر الله تعالى في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما ما ذم به المشركين ، حيث حرموا ما لم يحرمه الله تعالى [ص-27] كالبحيرة والسائبة ، واستحلوا ما حرمه الله كقتل أولادهم وشرعوا دينا لم يأذن به الله ، فقال تعالى :( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) ( الشورى : من الآية 21 ) ، ومنه أشياء هي محرمة جعلوها عبادات كالشرك والفواحش مثل الطواف بالبيت عراة وغير ذلك ” . ا هـ .

( 2 ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ .

ووجه الدلالة في هذا الحديث : أن الوسطية هي الخيرية ، ومحاسن الأخلاق ومكارمها هي الوسط بين طرفين ؛ وكل ما يدعو إليه الدين هو من مكارم الأخلاق التي هي أوساط للخصال الذميمة المكتنفة بها من طرفي الإفراط والتفريط .

ولا ينازع في أن الغلو خلق ليس من مكارم الأخلاق ، فصح أن الدين لم يأت به ، لأنه إنما جاء لصالح الأخلاق ومكارمها .

(3) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا . فَقَالُوا : وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ .

قَالَ أَحَدُهُمْ : أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا .

وَقَالَ آخَرُ : أَنَا أَصُومُ الدُّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ .

وَقَالَ آخَرُ : أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا .

فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ : أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّي [ص-28] أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي .

ووجه الدلالة : أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين أن التشدد في العبادة ليس من سنته ؛ فإذا كان التشدد في العبادة ليس من سنته ، فمن باب أولى التشدد والمبالغة والغلو في الأمور الأخرى .

قال ابن حجر العسقلاني ( ت 852 هـ ) رحمه الله : ” قَوْلُهُ : فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي المراد بالسنة : الطريقة ، لا التي تقابل الفرض . والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره .

والمراد : من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني ، ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله تعالى ، وقد عابهم بأنهم ما وفوه بما التزموه ، وطريقة النبي صلى الله عليه وسلم الحنيفية السمحة ، فيفطر ليتقوى على الصوم ، وينام ليتقوى على القيام ، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل .

وقوله : ” فَلَيْسَ مِنِّي ” إن كانت الرغبة بضرب من التأويل يعذر صاحبه فيه ، فمعنى : ” فَلَيْسَ مِنِّي ” أي : على طريقتي ، ولا يلزم أن يخرج عن الملة ، وإن كان إعراضا وتنطعا يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله ، فمعنى : ” فَلَيْسَ مِنِّي ” : ليس على ملتي ؛ لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر .

وقال الطبري : فيه الرد على من منع استعمال الحلال من الأطعمة والملابس ، وآثر غليظ الثياب وخشن المأكل .

قال عياض : هذا مما اختلف فيه السلف : فمنهم من نحا إلى ما قال الطبري ، ومنهم من عكس واحتج بقوله تعالى : ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا )(سورة الأحقاف الآية 20) قال : والحق أن هذه الآية في الكفار ، وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالأمرين .

قلت : لا يدل ذلك لأحد الفريقين إن كان المراد المداومة على إحدى الصفتين ، والحق أن ملازمة استعمال الطيبات تفضي إلى الترفه والبطر ، ولا يأمن من الوقوع في الشبهات ؛ لأن من اعتاد ذلك قد لا يجده أحيانا ، فلا يستطيع الانتقال عنه فيقع في المحظور كما أن منع تناول ذلك أحيانا يفضي إلى التنطع المنهي عنه ، ويرد عليه صريح قوله تعالى [ص-29] ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)(سورة الأعراف الآية 32)

كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها ، وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلا ، وترك التنفل يفضي إلى إيثار البطالة وعدم النشاط إلى العبادة وخير الأمور الوسط ” . ا هـ .

( 4 ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ . هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ . هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ .

والمتنطعون هم – كما قال شراح الحديث – المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم .

والحديث ظاهره خبر عن حال المتنطعين ، إلا أنه في معنى النهي عن التنطع وهو دليل على أن التوسط والاعتدال في الأمور هو سبيل النجاة من الهلاك ؛ فإنه إذ ذم التنطع وهو المغالاة والمجافاة وتجاوز الحد في الأقوال والأفعال ، فقد دل على أن المطلوب هو التوسط ، وذلك متصور في الطرفين ؛ فمثلا شأن الدنيا من تشدد في طلبه والسعي وراءه دون الآخرة ، فقد تنطع في طلبها ، وهلك ، ومن تشدد في مجافاتها والغلو في تركها والبعد عنها ، فقد تنطع ، وهلك ، والتوسط بينهما هو المطلوب .

( 5 ) وذكر أن الغلو في التعبد من سمات طائفة تمرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية .

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ !

فَقَالَ : وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ ، قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ .

فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ !

فَقَالَ : دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ [ص-30] فَمَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ وَهُوَ قِدْحُهُ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ .

قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ ، وَأَنَا مَعَهُ فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ ، فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي نَعَتَهُ .

فهؤلاء غلوا في العبادات – والعبادات الدينية أصولها الصلاة والصيام والقراءة – بلا فقه ؛ فآل الأمر بهم إلى البدعة ، فقال : يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، وأمر بقتلهم ، فإنهم قد استحلوا دماء المسلمين وكفروا من خالفهم ، وجاءت فيهم الأحاديث الصحيحة .

( 6 ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ ، فَسَدِّدُوا ، وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا ، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ .

[ والمُشَادَّةُ بالتشديد : المغالبة ، يقال : شَادَّهُ يُشَادُّهُ مُشَادَّةً إذا قَاوَاهُ ، والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب .

قوله : ” فَسَدِّدُوا ” أي : الزموا السداد ، وهو الصواب من غير إفراط ، ولا تفريط ، قال أهل اللغة : السداد التوسط في العمل .

قوله : ” وَقَارِبُوا ” أي : إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه .

قوله : ” وَأَبْشِرُوا ” أي : بالثواب على العمل الدائم وإن قل ، والمراد : تبشير من عجز عن العمل بالأكمل ، لأن العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره ، وأبهم الْمُبَشَّرَ به تعظيما له وتفخيما .

قوله : ” وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ ” أي : استعينوا على مداومة العبادة لإيقاعها في الأوقات المنشطة .

[ص-31] وَالْغَدْوَةُ بالفتح : سير أول النهار ، وقال الجوهري : ما بين صلاة الغداة ، وطلوع الشمس .

وَالرَّوْحَةُ بالفتح : السير بعد الزوال .

وَالدُّلْجَةُ : بضم أوله وفتحه وإسكان اللام : سير آخر الليل ، وقيل : سير الليل كله ، ولهذا عبر فيه بالتبعيض ؛ ولأن عمل الليل أشق من عمل النهار . وهذه الأوقات أطيب أوقات المسافر ، وكأنه صلى الله عليه وسلم خاطب مسافرا إلى مقصد فنبهه على أوقات نشاطه ، لأن المسافر إذا سافر الليل والنهار جميعا عجز وانقطع ، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة . وحسن هذه الاستعارة أن الدنيا في الحقيقة دار نقلة إلى الآخرة ، وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة ] .

والحديث نص في أن الدين يسر ، وأن الدين قصد وأخذ بالأمر الوسط ، فلا يفرط المرء على نفسه ، ولا يفرط .

( 7 ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الْأَدْيَانِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ قَالَ : الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ .

والحديث نص في أن الإسلام حنيفية سمحة ، والسماحة تتنافى مع الغلو والتشدد فيه .

( 8 ) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ .

والحديث يأمر بالتيسير وترك التنفير والتعسير ، مما يستلزم ترك الغلو وطلب الوسط ، إذ اليسر هو السماحة وترك التشدد ، وخير الأمور الوسط . وقد بوب البخاري على الحديث في كتاب الأدب ” باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : يسروا ولا [ص-32] تعسروا ، وكان يحب التخفيف واليسر على الناس ” .

وقد أخذ العلماء بهذا الأمر ، فقعدوا قاعدة فقهية هي من قواعد الفقه الكبرى والتي عليها مدار الفقه الإسلامي ، وهي قاعدة : ” المشقة تجلب التيسير ، ومن فروعها : ” الضرورة تبيح المحظورة ” ، ” الرضى بأهون الضررين لدفع أعلاهما إذا لم يكن من أحدهما بد ” .

( 9 ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ : هَاِت الْقُطْ لِي ، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ ، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ قَالَ : بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ .

الْغُلُوُّ هُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي الشَّيْءِ وَالتَّشْدِيدُ فِيهِ بِتَجَاوُزِ الْحَدِّ ، وَفِيهِ مَعْنَى التَّعَمُّقِ يقال : غَلَا فِي الشَّيْءِ يَغْلُو غُلُوًّا ، وَغَلَا السِّعْرُ يَغْلُو غَلَاءً إِذَا جَاوَزَ الْعَادَةَ ، وَالسَّهْمُ يَغْلُو غَلْوًا ، بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ ، إِذَا بَلَغَ غَايَةَ مَا يُرْمَى .

والحديث نص صريح في النهي عن الغلو في الدين ، فمنهاج الدين وسبيله هو السماحة والتيسير وترك التشدد في حدود ما جاء في الشرع .

ومن فوائد الحديث تنبيهه على قضية خطيرة جدا ، وهي أن الغلو في الدين من أسباب هلاك الأمم قبلنا ، فالقصد القصد .

[ص-33] وتعظيم الأمر والنهي من الدين ، ومن التعظيم لهما ترك الغلو فيهما .

قال صاحب منازل السائرين رحمه الله : تعظيم الأمر والنهي : وهو أن لا يعارضا بترخص جاف ، ولا يعرضا لتشدد غال ، ولا يحملا على علة توهن الانقياد ” .

قال ابن قيم الجوزية رحمه الله : ” هاهنا ثلاثة أشياء تنافي تعظيم الأمر والنهي :

أحدها : الترخص الذي يجفو بصاحبه عن كمال الامتثال .

والثاني : الغلو الذي يتجاوز بصاحبه حدود الأمر والنهي .

فالأول تفريط والثاني إفراط .

[ ومن علامات تعظيم الأمر والنهي أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حد يكون صاحبه جافيا غير مستقيم على المنهج الوسط .

مثال ذلك : أن السنة وردت بالإبراد بالظهر في شدة الحر ، فالترخيص الجافي أن يبرد إلى فوات الوقت أو مقاربة خروجه فيكون مترخصا جافيا ، وحكمة هذه الرخصة أن الصلاة في شدة الحر تمنع صاحبها من الخشوع والحضور ويفعل العبادة بتكره وضجر ، فمن حكمة الشارع أن أمرهم بتأخيرها حتى ينكسر الحر فيصلي العبد بقلب حاضر ويحصل له مقصود الصلاة من الخشوع والإقبال على الله تعالى .

ومن هذا نهيه أن يصلي بحضرة الطعام أو عند مدافعة البول والغائط ، لتعلق قلبه من ذلك بما يشوش عليه مقصود الصلاة ، ولا يحصل المراد منها ، فمن فقه الرجل في عبادته أن يقبل على شغله فيعمله ثم يفرغ قلبه للصلاة ، فيقوم فيها وقد فرغ قلبه لله تعالى ونصب وجهه له وأقبل بكليته عليه ، فركعتان من هذه الصلاة يغفر للمصلي بهما ما تقدم من ذنبه .

والمقصود أن لا يترخص ترخصا جافيا .

ومن ذلك أنه أرخص للمسافر في الجمع بين الصلاتين عند العذر ، وتعذر فعل كل صلاة في وقتها لمواصلة السير وتعذر النزول أو تعسيره عليه ، فإذا أقام في المنزل اليومين والثلاثة أو أقام اليوم فجمعه بين الصلاتين لا موجب له لتمكنه من فعل كل صلاة في وقتها من غير مشقة ، فالجمع ليس سنة راتبة كما يعتقد أكثر المسافرين أن سنة السفر الجمع سواء وجد عذر أولم يوجد ، بل الجمع رخصة ، والقصر سنة راتبة ، فسنة المسافر قصر الرباعية سواء كان له [ص-34] عذر أولم يكن ، وأما جمعه بين الصلاتين فحاجة ورخصة فهذا لون وهذا لون .

ومن هذا أن الشبع في الأكل رخصة غير محرمة ، فلا ينبغي أن يجفو العبد فيها حتى يصل به الشبع إلى حد التخمة والامتلاء ، فيتطلب ما يصرف به الطعام فيكون همه بطنه قبل الأكل وبعده ، بل ينبغي للعبد أن يجوع ويشبع ويدع الطعام وهو يشتهيه ، وميزان ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : ثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ ولا يجعل الثلاثة الأثلاث كلها للطعام وحده .

وأما تعريض الأمر والنهي للتشديد الغالي ؛ فهو كمن يتوسوس الوضوء متغاليا فيه حتى يفوت الوقت أو يردد تكبيرة الإحرام إلى أن تفوته مع الإمام قراءة الفاتحة أو يكاد تفوته الركعة . أو يتشدد في الورع حتى لا يأكل شيئا من طعام عامة المسلمين خشية دخول الشبهات عليه ، ولقد دخل هذا الورع الفاسد على بعض العباد الذين نقص حظهم من العلم حتى امتنع أن يأكل شيئا من بلاد الإسلام ، وكان يتقوت بما يحمل إليه من بلاد النصارى ، ويبعث بالقصد لتحصيل ذلك فأوقعه الجهل المفرط والغلو الزائد في إساءة الظن بالمسلمين ، وحسن الظن بالنصارى ، نعوذ بالله من الخذلان .

فحقيقة التعظيم للأمر والنهي أن لا يعارضا بترخص جاف ، ولا يعرضا لتشديد غال ، فإن المقصود هو الصراط المستقيم الموصل إلى الله عز وجل بسالكه ] .

وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان :

إما إلى تفريط وإضاعة .

وإما إلى إفراط وغلو .

[ فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين ؛ فإنه يأتي إلى قلب العبد فيستامه ، فإن وجد فيه فتورا وتوانيا وترخيصا أخذه من هذه الخطة فثبطه وأقعده وضربه بالكسل والتواني والفتور وفتح له باب التأويلات والرجاء وغير ذلك ، حتى ربما [ص-35] ترك العبد المأمور جملة .

وإن وجد عنده حذرا وجدا وتشميرا ونهضة وأيس أن يأخذه من هذا الباب أمره بالاجتهاد الزائد وسول له : إن هذا لا يكفيك وهمتك فوق هذا ، وينبغي لك أن تزيد على العاملين ، وأن لا ترقد إذا رقدوا ، ولا تفطر إذا أفطروا ، وأن لا تفتر إذا فتروا ، وإذا غسل أحدهم يديه ووجهه ثلاث مرات فاغسل أنت سبعا ، وإذا توضأ للصلاة فاغتسل أنت لها ، ونحو ذلك من الإفراط والتعدي ، فيحمله على الغلو والمجاوزة وتعدي الصراط المستقيم كما يحمل الأول على التقصير دونه ، وأن لا يقربه ، ومقصوده من الرجلين إخراجهما عن الصراط المستقيم هذا بأن لا يقربه ، ولا يدنو منه ، وهذا بأن يجاوزه ويتعداه .

وقد فتن بهذا أكثر الخلق ، ولا ينجي من ذلك إلا علم راسخ وإيمان وقوة على محاربته ولزوم الوسط ، والله المستعان ] .

ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه ، كالوادي بين جبلين ، والهدى بين ضلالتين ، والوسط بين طرفين ذميمين ، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له ، فالغالي فيه مضيع له ؛ هذا بتقصيره عن الحد ، وهذا بتجاوزه الحد .

وقد نهى الله عن الغلو بقوله :( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ)( سورة المائدة الآية 77) ( المائدة : من الآية 77 ) . والغلو نوعان :

نوع يخرجه عن كونه مطيعا ، كمن زاد في الصلاة ركعة أو صام الدهر مع أيام النهي أو رمى الجمرات بالصخرات الكبار التي يرمى بها في المنجنيق أو سعى بين الصفا والمروة عشرا أو نحو ذلك عمدا .

وغلو يخاف منه الانقطاع والاستحسار ، كقيام الليل كله ، وسرد الصيام الدهر أجمع بدون صوم أيام النهي ، والجور على النفوس في العبادات والأوراد الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : إِنَّ [هَذَا] الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ يعني استعينوا على طاعة الله بالأعمال في هذه الأوقات الثلاثة ، فإن المسافر يستعين على قطع مسافة السفر بالسير فيها .

[ص-36] وقال : لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ [ فَلْيَقْعُدْ ] رواهما البخاري .

وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا وهم المتعمقون المتشددون .

وفي صحيح البخاري عنه : عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا .

وفي السنن عنه أنه قال : إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ وَلَا تُبَغِّضَنَّ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ أو كما قال .

وقوله : وَلَا يُحْمَلَا عَلَى عِلَّةٍ تُوهِنُ الِانْقِيَادَ .

يريد : أن لا يتأول في الأمر والنهى علة تعود عليهما بالإبطال ، كما تأول بعضهم تحريم الخمر بأنه معلل بإيقاع العداوة والبغضاء والتعرض للفساد فإذا أمن من هذا المحذور منه جاز شربه .

[ص-37] وقد بلغ هذا بأقوام إلى الانسلاخ من الدين جملة . وقد حمل طائفة من العلماء أن جعلوا تحريم ما عدا شراب خمر العنب معللا بالإسكار ، فله أن يشرب منه ما شاء ما لم يسكر .

ومن العلل التي توهن الانقياد : أن يعلل الحكم بعلة ضعيفة لم تكن هي الباعثة عليه في نفس الأمر ؛ فيضعف انقياد العبد إذا قام عنده أن هذه هي علة الحكم ، ولهذا كانت طريقة القوم عدم التعرض لعلل التكاليف خشية هذا المحذور .

وفي بعض الآثار القديمة : ” يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَقُولُوا : لِمَ أَمَرَ رَبُّنَا ؟ وَلَكِنْ قُولُوا : بِمَ أَمَرَ رَبُّنَا ؟ .

وأيضا فإنه إذا لم يمتثل الأمر حتى تظهر له علته لم يكن منقادا للأمر ، وأقل درجاته أن يضعف انقياده له .

وأيضا فإنه إذا نظر إلى حكم العبادات والتكاليف مثلا ، وجعل العلة فيها هي جمعية القلب والإقبال به على الله فقال : أنا أشتغل بالمقصود عن الوسيلة ، فاشتغل بجمعيته وخلوته عن أوراد العبادات فعطلها ، وترك الانقياد بحمله الأمر على العلة التي أذهبت انقياده .

وكل هذا من ترك تعظيم الأمر والنهي ، وقد دخل من هذا الفساد على كثير من الطوائف ما لا يعلمه إلا الله ، فما يدري ما أوهنت العلل الفاسدة من الانقياد إلا الله ، فكم عطلت لله من أمر ، وأباحت من نهي ، وحرمت من مباح ، وهي التي اتفقت كلمة السلف على ذمها “ا هـ .

الخاتمة

إن كل أمور الشرع تدل بوضوح أنه دين الحنيفية السمحة ، دين اليسر ؛ فلا غلو في الدين .

إلا أن هاهنا قضية مهمة يحسن أن أذكر بها في ختام هذه الرسالة ، وهي : أن هذه الأدلة تقرر سماحة الدين ويسره ووسطيته ، وأنه دين ينافي الغلو والتشدد ، بمعنى أن ما ثبت كونه من الدين فهذه صفته ، لا بمعنى أن يأتي شخص ما بعقله وتفكيره فما رآه وسطا قال : هو الدين !

فالوسطية في الدين ، أي ما ثبت أنه دين فهو يسر .

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ ، فما ثبت أنه من الدين فهو اليسر وهو الحنيفية السمحة ، وهو الذي لا تشدد في أخذه ، ولا غلو فيه ، ولا عسر فيه .

وقال صلى الله عليه وسلم : إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالَغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ ، فقال : الدِّينُ يُسْرٌ فما ثبت أنه من الدين فهو يسر .

وصل اللهم على محمد وعلى آل محمد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد .

-- د. محمد بن عمر بازمول

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*