الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » اليسر والسماحة في الإسلام

اليسر والسماحة في الإسلام

اليسر والسماحة

في الإسلام إعداد أ د . فالح بن محمد الصغير كلية أصول الدين – جامعة الإمام

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين ، وبعد :

إن الإسلام هو الدين الذي اختاره الله – تعالى – لعباده ، منذ أن خلق الخليقة الأولى آدم عليه السلام ، يقول الله تعالى : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ )(سورة آل عمران الآية 19 ) . ويقول أيضًا : ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ )(سورة آل عمران الآية 85) . وجعل لهذا الدين محورًا واحدًا إلى يوم القيامة ، هو توحيده جل وعلا ، وهو المحور الذي كان يدعو إليه الأنبياء والرسل أقوامهم وأتباعهم ، يقول جل ثناؤه : (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)(سورة النحل الآية 36 ) . وقال تعالى : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)(سورة الذاريات الآية 56) .

ولكن أحكام هذا الدين كانت تختلف من رسالة إلى أخرى ، وكانت تلك الأحكام مقتصرة على أقوام وأفراد في زمان ومكان محددين ، ولا تدوم أحكام أية رسالة بعد وفاة نبيها لأمد طويل ، فسرعان ما يعتريها التحريف والتبديل ، فيفسد التوحيد عند الناس ، وتعم المعاصي والمظالم ، حتى يرسل الله تعالى نبيًّا آخر يجدد للناس دينهم ، ويردهم إلى توحيد الله وهديه ، هكذا كانت سنة الله – تعالى – في الأمم السابقة .

حتى بعث الله – تعالى – آخر رسله صلى الله عليه وسلم ومعه آخر رسالة ، فجاءت هذه الرسالة عامة للإنس والجن ، والأبيض والأسود ، والعرب والعجم ، وهي الرسالة التي حملت مضمونين جديدين ، هما الرحمة والعالمية ، لقوله تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(سورة الأنبياء الآية 107 ) .

إن هذا الدين العالمي الذي يخاطب الناس كافة ، بجميع أعراقهم وأطيافهم ، في كل أرجاء الأرض ، لا بد أن يتميز بصفات وخصائص تتناسب مع أحوال الناس وظروفهم في البلاد المتفرقة من العالم ، فجاء يحمل في أحكامه وتشريعاته التيسير والسعة ، فلا تخلو فريضة من الفرائض ولا شعيرة من الشعائر إلا وقد أضفى عليها الله – تعالى – من اليسر ما يجعل الإنسان قادرًا على تطبيقها والقيام بها على الصورة التي أرادها الله – تعالى – ورسوله صلى الله عليه وسلم ، لأنه – عز وجل – لا يكلف النفس فوق طاقتها أبدًا : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)(سورة البقرة الآية 286 ) .

وتتوضح لنا هذه الحقيقة في رسالة الإسلام بشكل أكثر عندما تتم المقارنة بين ما كانت عليها الأمم السابقة من المشقة والعنت ، وما صارت عليه أمة الإسلام من يسر وسهولة ، يقول الله تعالى : ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(سورة الأعراف الآية 157) .

فقد خفف الله – تعالى – عن عباده الأغلال والأثقال التي كانت ترافق شرائعهم فتثقل بها كواهلهم ، وتصعب معها حياتهم ، وهذا فضل كبير من الله – تعالى – لهذه الأمة ، ولم يكن ذلك أمرًا عارضًا وإنما لحكمة يعلمها الله ، أرادها لعباده تمشيًا مع فطرهم وإعانتهم في أداء طاعاتهم وعباداتهم ، ومن ثم تحقيق مصالحهم في شؤونهم كلها ، فكل حكم أو تشريع يحمل معه مصلحة للناس في أنفسهم وأموالهم وأولادهم ، وغيرها .

وإذا أردنا أن نخوض في أعماق مبدأ التيسير والسماحة في دين الله – تعالى – فإننا سنجد أنفسنا أمام بحر زاخر من الشواهد والنصوص والأحداث التي تقر هذا المبدأ وتحث المسلمين على انتهاجه واتباعه ، لذا سنتحدث عن هذا المبدأ الإسلامي العظيم من خلال بعض المعالم التي برز فيها واضحا وجليًّا بشيء من الإيجاز ، وذلك حسب ما يتطلبه المقام ؛ إذ إن هذا البحث كتب بناء على طلب : (المؤتمر العالمي عن موقف الإسلام من الإرهاب ) الذي ترعاه جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض .

وقد جاءت عناصر البحث في :

– مفهوم اليسر .

– الدين الإسلامي قائم على اليسر والسماحة .

– مرتكزات منهج اليسر في الشريعة الإسلامية .

– مجالات التيسير والسماحة في الإسلام .

– القواعد الشرعية المستنبطة من النصوص الواردة في التيسير .

– آثار الابتعاد عن منهج التيسير .

– خلاصة البحث .

وأسأل الله – تعالى – أن ينفع بهذا ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

وكتبه

فالح بن محمد بن فالح الصغير

الرياض 1424هـ

ص . ب 41961 الرياض 11531

falehmalsgair@yahoo . com

مفهوم اليسر

اليُسْرُ لغة : ضد العُسْرِ . ومنه ” الدِّين يُسْرٌ ” أي سهلٌ سَمْحٌ قليل التشديد .

أما في الاصطلاح : تطبيق الأحكام الشرعية بصورة معتدلة كما جاءت في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، من غير تشدُّد يُحرِّم الحلال ، ولا تميُّع يُحلِّل الحرام .

ويدخل تحت هذا المسمى السماحة والسعة ورفع الحرج وغيرها من المصطلحات التي تحمل المدلول نفسه .

وسنتحدث عن اليسر والسماحة في ضوء العناصر الآتية :

أولاً – الدين الإسلامي قائم على اليسر والسماحة

إن الدين الإسلامي بمجمله قائم على اليسر ورفع الحرج ابتداء من العقيدة وانتهاء بأصغر أمور الأحكام والعبادات بشكل يتوافق مع الفطرة الإنسانية وتتقبله النفس البشرية من غير تكلف أو تعنت ، وهذا ما أشار إليه الله تعالى في مواطن كثيرة من كتابه العزيز منها قوله تعالى : (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(سورة الحج الآية 78 ) وقوله أيضًا : (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(سورة البقرة الآية 185 ) وقوله عز وجل : ( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا )(سورة النساء الآية 28) .

وتلت هذه الآيات الكريمات السنة النبوية بأحاديث كثيرة تحمل معاني اليسر في أمور الدين وعدم التنطع والتشدد في العبادات والطاعات ، فقد أشار عليه الصلاة والسلام إلى أن من أهم ما تميزت به رسالة الإسلام عن غيرها من الرسالات السماوية السابقة هي السماحة واليسر كما في قوله صلى الله عليه وسلم : إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة .

والمتمعن في السيرة النبوية يجد أن سلوك النبي صلى الله عليه وسلم وتعامله مع صحابته مبني على منهج التيسير والسماحة ، والشواهد أكثر من أن تعد أو تحصى ، ولكن نكتفي بسرد حادثة وقعت لأحد الصحابة وجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، يريد مخرجًا لها وهو صحابي فقير لا يملك قوت يومه ، وهي تغني عن جميع ما كان يقع للصحابة من إحراجات .

يقول أبو هريرة رضي الله عنه : بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال : يا رسول الله هلكت ، قال : ما لك؟ قال : وقعت على امرأتي وأنا صائم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تجد رقبة تعتقها؟ قال : لا ، قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال : لا ، فقال : فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال : لا ، قال : فمكث النبي صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر – والعرق : المكتل – قال : أين السائل ؟ فقال : أنا ، قال : خذها فتصدَّق بها فقال الرجل : أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها – يريد الحرتين – أهل بيت أفقر من أهل بيتي ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال : أطعمه أهلك .

1 – الرخصة

الرخصة في اللغة : التيسير والتسهيل ، أو اليسر والسهولة ، والرخص ضد الغلاء ، وفلان يترخص في الأمر إذا لم يستقص ، ويتعدى بالهمزة والتضعيف .

أما في الاصطلاح فقد عرفها البيضاوي بأنها : “الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر” .

والرخصة قاعدة عظيمة من قواعد هذا الدين حيث تشمل جميع أمور الدين وجوانبه في العقيدة والعبادة والمعاملة والعقوبات وغيرها . وهي منحة وصدقة من الله – تعالى – لعباده ، كما قال عليه الصلاة والسلام : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته .

ويمكن وصف الرخصة بأنها من أهم معالم اليسر في هذا الدين ، وأن الله – تعالى – إنما أجازها ليخفف عن عباده وطأة بعض التكاليف ، ويعذرهم عما لا يطيقونه ، لذلك يستحب إتيان هذه المنحة والعمل بها في مواضع الجواز ، يقول عليه الصلاة والسلام : إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته .

ويمكن الإشارة إلى بعض هذه الرخص التي بيّنها الله ورسوله عليه الصلاة والسلام للأمة من خلال الأمثلة الآتية :

أ – الرخصة في السفر : وذلك بقصر الصلاة الرباعية المفروضة ، والجمع بين صلاتي الظهر والعصر وكذا المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير . وكذلك الإفطار فيه ، لقوله تعالى :( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)( سورة البقرة الآية 184) .

وقوله صلى الله عليه وسلم : ليس من البر الصوم في السفر .

ب – التيمم بالتراب عند عدم وجود الماء أو عند تعذر استعماله ، لقوله تعالى : ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(سورة المائدة الآية 6) .

ج – الرخصة في الحيض والنفاس ، وهما عذران للصلاة والصيام ومسّ المصحف والطواف بالنسبة للمرأة .

2 – الأصل في الأشياء الإباحة

ومن أهم المرتكزات التي قام عليها منهج التيسير في الإسلام أن الأصل في الأشياء حلها وإباحتها ، وليس منعها وحرمتها ، فكل ما خلق في هذا الكون مسخرٌ للإنسان ومهيأ للاستمتاع به ، ما لم يكن فيه نهي صريح ، يقول الله تعالى : (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ)(سورة الجاثية الآية 13 ) .

وبما أن الشارع قد بيّن ذلك فلا يحق لأحد أن يحرم هذا المباح ، فإنه بذلك يدخل في نطاق التنطع والتعنت المنهي عنه ، ومن أجل ذلك جاء التحذير الرباني بالنهي عن تحريم الأمور المباحة أو تحليل المحرم ، فقد كان هذا السؤال سببًا لإخراج الناس من الدين الحق ، وإحلال غضب الله عليهم ، كما حدث لبعض الأمم السابقة ، يقول الله تعالى : ( يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ *قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ )(سورة المائدة الآية 101-102) .

ويقول عليه الصلاة والسلام : إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته .

3 – الخطأ والنسيان والإكراه

تظهر سماحة الإسلام في توافقه مع الفطرة الإنسانية السليمة التي خلقها في نفس الإنسان ، ومن هذه الفطرة الخطأ الذي يقع فيه الإنسان في معظم أحواله من غير قصد ، وكذلك ما يعتريه من النسيان ، وهو ما ذكره الله – تعالى – على لسان المؤمنين الذين قالوا : (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)(سورة البقرة الآية 286 ) قال الله تعالى : ” قد فعلت ” .

وأما الاستكراه فهو أمر خارج عن إرادة الإنسان ، لا يستطيع كل إنسان أن يتحمل ما قد يتعرض له من أذى أو ضرر أو تهديد بالقتل أو قطع عضو وغيره ، فحينها رخص له الشارع أن يتنازل عن بعض مفاهيمه الدينية تخلصًا من الحال التي يعانيها ، والعذاب الواقع عليه كما حصل لعمار بن ياسر رضي الله عنهما ، حينما ذكر آلهة قريش بخير ونال من رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت وطأة التعذيب ، وقتل أبواه أمام عينيه ، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام : (كيف تجد قلبك؟) ، قال : مطمئنًا بالإيمان ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن عادوا فعد ) .

وما ذلك إلا رحمة بالعباد وتيسيرًا عليهم ، لأن الخطأ والنسيان من الأمور الفطرية التي لا يسلم منها أحد ، وأما الإكراه فلأن قوة التحمل تختلف من إنسان لآخر ، من أجل ذلك جاء هذا التشريع الرباني بهذه الصورة الميسرة التي تناسب أطباع الناس وفطرهم .

4 – النهي عن الغلو في الدين

إن دين الله – تعالى – يحمل في تطبيقه السعادة والعدالة للناس ، ولا يحمل الشقاء والعذاب ، فالإنسان الذي يأخذ هذا الدين كما أراده الله – تعالى – باعتدال وفهم ووعي ينال السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة ، وأما الذي يشادّ فيه ويتشدد في غير موضع التشدد ، ويحرم الحلال والمباح ، فإنه ينال الشقاء والعذاب في الدنيا والآخرة ، يشير إلى هذا المعنى ربنا – عز وجل – في أول سورة طه قائلا : ( طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)(سورة طه الآية 1-2) .

ويقول عليه الصلاة والسلام : هلك المتنطعون قالها ثلاثا .

والمتنطعون كما فسره النووي رحمه الله : المتعمقون المشدِّدون في غير موضع التشديد .

فقبول الطاعة غير مرتبط بمدى التعب والنصب ، لأن الله – تعالى – لا يحب أن يطاع بغير ما أنزله على عباده ، فالذي يعبد الله ليلًا ونهارًا بشكل يخالف منهج الله – تعالى – لا تقبل عبادته مهما أتعب نفسه وأرهقها ، والله – عز وجل – في غنى عن أعمال العباد ، ولكنه – جل شأنه – يفرح عندما يرى عباده على دينه القويم ، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة قال : من هذه؟ قالت : فلانة ، تذكر من صلاتها قال : (مهْ عليكم بما تطيقون فوالله لا يَمَلُّ الله حتى تَملوا ) وكان أحب الدِّين إليه ما داوم صاحبه عليه .

ويقول أنس بن مالك رضي الله عنه : دخل النبي صلى الله عليه وسلم فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال : ما هذا الحبل؟ قالوا : هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلقت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا حُلُّوه ليُصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد .

5 – التوبة

والتوبة من الأسس المتينة التي يرتكز عليها منهج التيسير في الإسلام ، وهي سبب من أسباب ثبات المؤمن وبقائه على دين الله تعالى ، حيث تزيل عن كاهله هموم المعاصي وأثقال المخالفات ، وتدفعه للعمل دومًا نحو الأفضل ، يقول الله تعالى :( قُلْ يا عبادي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )( سورة الزمر الآية 53) .

والتوبة سبب لمحبة الله – تعالى – للإنسان عندما ينيب إليه بعد أن عصاه ، ويندم على فعله :(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)( سورة البقرة الآية 222 ) .

ويؤيد هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام : لله أشد فرحا بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها .

وينبغي ألا يستكثر الإنسان على ربه بالتوبة إذا عصى ، أو يصارع نفسه ويدخلها في مستنقعات الوسواس الخناس إذا اقترفت يداه ذنبًا أو وقعت عينه على معصية ، بأن يقول : إن الله – تعالى – لن يغفر لي بعد هذا ، فهذه معصية كبرى ، وعقيدة فاسدة ، وسوء ظن بالله جل شأنه ، وهو باب من أبواب الشيطان لئلا يعود إلى ربه مرة أخرى ويعمل الأعمال الصالحة ، يقول عليه الصلاة والسلام : والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم .

ويقول عليه الصلاة والسلام : كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون .

ومن يسر هذا الدين وسعته ورحمته أن الله – تعالى – جعل الأعمال الصالحة مكفرات لخطايا بني آدم ، لقوله تعالى : ( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)(سورة الفرقان الآية 70) .

وقوله عليه الصلاة والسلام لأبي ذر رضي الله عنه : اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن .

وقد وردت أحاديث كثيرة تبين الأعمال التي تكفر السيئات وتحط منها ، وترفع الدرجات وتزيد منها عند الله تعالى ، نذكر بعضها :

أ – الوضوء ، فإنه يكفر عن المسلم ذنوبه وخطاياه ما اجتنبت الكبائر ، لقوله صلى الله عليه وسلم : من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره .

ب – الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ، وكذلك صوم رمضان ، فإنها جميعا تكفر خطايا ابن آدم وترفع من درجاته وشأنه عند الله تعالى ، يقول عليه الصلاة والسلام : الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر .

وعن أبي قتادة الأنصاري – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم عرفة فقال : ( يكفر السنة الماضية والباقية ) ، وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال : “يكفر السنة الماضية .

ج – أن كل ابتلاء ومصيبة يبتلى بها المسلم فهي كفارة له ، لقوله عليه الصلاة والسلام : ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه .

1 – في العقيدة

تميز الدين الإسلامي عن غيره من الأديان والعقائد بوضوح العقيدة وسهولة الإيمان بالله تعالى ، حيث أمر الناس بعبادة الله وحده ، وأنه الإله الواحد الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوًا أحد ، بيده ملكوت السموات والأرض ، لا معبود سواه ، وأنه لا وساطة بين العباد وخالقهم ، ولا شركاء معه ، فليس في العقيدة الإسلامية ألغاز لا يعرفها إلا فئة من الأحبار والرهبان ، وليس فيها غموض وغبش كما في العقائد الأخرى من تجزئة الواحد إلى ثلاثة ، وليس فيها استهانة بالعقل الإنساني ليعبد أحجارًا وأشخاصًا وحيوانات كما في البوذية وغيرها ، وإنما هي عقيدة في غاية من اليسر والسماحة ، فَهِمَها الأعرابي الذي يعيش في الصحراء حينما قال : البعرة تدل على البعير ، والأثر يدل على المسير ، فليل داج ، وسماء ذات أبراج ، ألا يدل على الواحد القهار ، أو كما قال .

ومعلوم أن الغموض وعدم الفهم في العقيدة يوقع الإنسان في الحرج والضيق ، ويهوي به إلى الضلالات والشركيات ، فلا يعرف ربه المعرفة السليمة ، ولا يعرف سبيل الوصول إليه إلا من خلال الوسائط ، بشرًا كانوا أم حجرًا أم خشبًا ، فيأخذ تصورًا فاسدًا عن الله تعالى ، فتتلوث أعماله بهذا التصور ، وتتطاير في الهواء هباء منثورًا كما قال الله تعالى : ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)(سورة الفرقان الآية 23) .

هذا في جملة التصور العقدي وهو كذلك في جزئيات العقيدة كأركان الإيمان الستة .

2 – في العبادات

يظهر مبدأ اليسر والمسامحة جليًّا في العبادات أكثر من غيرها من أمور الدين ، حيث إنها سلوك ظاهر ، فجميع العبادات قائمة على هذا المبدأ الذي خصّ الله تعالى به هذه الأمة من غيرها من الأمم ، المفروضة منها والنوافل ، يقول عليه الصلاة والسلام : عليكم بما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا .

ويمكن أن نشير إلى بعض هذه المظاهر في العبادات الآتية :

أ – في الطهارة :

يظهر مبدأ اليسر والمسامحة في الطهارة واضحًا لأنه المدخل إلى العبادات ، واليسر فيها أمر ضروري ، لأن المسلم يتوضأ في اليوم والليلة خمس مرات ، ويغتسل من الجنابة كذلك ، ويتعرض لبعض النجاسات هنا وهناك ، فإن الشدة في الطهارة توقعه في الضيق والحرج ويجعل نفسه تمل من العبادة نفسها فضلا عن الطهارة ، كما هي حال كثير من المصابين بالوسوسة أثناء الوضوء أو الطهارة أو وقوع بعض النجاسات على الثوب وغيرها ، وهذا ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو جزء من سماحة هذا الدين ويسره ، وفضل من الله – تعالى – على عباده ليندفعوا نحو الطاعة وأداء العبادات بالصورة المطلوبة ، حيث يقول عليه الصلاة والسلام في طهارة الماء : إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه .

ويقول عليه الصلاة والسلام عن ماء البحر : هو الطهور ماؤه الحل ميتته .

ويتبين يسر هذا الدين في الطهارة من قصة الأعرابي الذي بال في المسجد فقام الناس ليقعوا به ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوه وهريقوا على بوله سَجْلا من ماء أو ذَنوبًا من ماء ، فإنما بُعثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا معسِّرين .

ومن اليسر في الطهارة أيضًا إذا تعلقت قذارة بالنعلين فإن مسحهما بالأرض يطهرهما لقوله عليه الصلاة والسلام : إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما .

ومن يسر هذا الدين في الطهارة أن النجاسة الواقعة على الثوب تزال بالماء وهذا فيه يسر كبير إذا قورن بما كانت عليه بنو إسرائيل من قبل حيث كانوا يكلفون بقص ما أصيب بالنجاسة من الثوب .

وصور اليسر والسماحة في التطهير ، لا نستطيع حصرها في هذا المقام .

ب – في التيمم :

ومن اليسر في هذا الدين أن المسلم إذا لم يجد ماء ليتوضأ به أو كان به مرض أو جرح لا يستطيع أن يتوضأ بالماء ، فله أن يتيمم بالتراب ، فضلا من الله تعالى وتسهيلا عليه ، لقوله تعالى : ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(سورة المائدة الآية 6) .

بخلاف ما كانت عليه الشرائع السابقة ، حيث لا تقبل صلاة من غير تطهر بالماء .

وجاء تأكيد هذا الأمر في السنة النبوية في قوله عليه الصلاة والسلام : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة .

ج – في الصلاة :

ويمكن بيان بعض صور التيسير في الصلاة من خلال النقاط الآتية :

– أن فرضيتها خمس مرات في اليوم والليلة ، فلا تأخذ وقتًا طويلًا ، ولا تشغل الإنسان عن أداء أعماله اليومية ، وإنما هي لقاءات مع الله تعالى يجدد فيها المؤمن العهد مع ربه على الطاعة والاستقامة والصلاح ، وقد فرضت في البداية خمسين صلاة عند المعراج بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ثم صارت خمس صلوات بأجر خمسين صلاة ، وفي ذلك سماحة ورحمة .

– مشروعية الجمع والقصر في الصلاة أثناء السفر أو المطر أو المرض ، وذلك للظروف التي يمر بها الإنسان في هذه الحالات من قلة في الماء أو البرد أو خوف من الطريق أو زيادة في المرض ، لذلك جعل الإسلام فيه الصلاة بشكل آخر يتناسب مع هذه الظروف فأجاز له الجمع والقصر ، حيث قصرت الصلوات الرباعية إلى ركعتين فقط .

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة .

ويتغير وضع الصلاة وكيفيتها كذلك في حالة الخوف في الحرب أو هجوم سبع أو سيل أو نحوه ، ويسهل أمرها وتقصر ، لما في ذلك من مصلحة على المسلمين وحماية لهم من عدوهم الذين قد يغدرون بهم أثناء الصلاة ، وتسمى هذه الصلاة بصلاة الخوف ، قال تعالى : ( وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا)(سورة النساء الآية 101) . ثم ذكرت في الآية الآتية كيفية أداء هذه الصلاة على دفعتين .

وهناك أحاديث وشواهد كثيرة بشأن قصر الصلاة ، وذلك لوجود ظروف يصعب معها القيام بأداء هذه الصلوات كما هي في الأحوال الطبيعية .

– جواز الصلاة في أي مكان من الأرض ، حيث لم تكن جائزة عند الأمم السابقة إلا في المعابد والصوامع ، يقول عليه الصلاة والسلام : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة .

– تخفيف الصلاة وعدم الإطالة فيها ، لأن صلاة الجماعة تجمع بين الصغير والكبير والمريض ، فينبغي مراعاة ذلك ، وهذا ما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يحذر أصحابه منه ، يقول جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه : أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل فوافق معاذا يصلي فترك ناضحه وأقبل إلى معاذ فقرأ بسورة البقرة أو النساء فانطلق الرجل وبلغه أن معاذا نال منه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه معاذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا معاذ ، أفتان أنت أو أفاتن ثلاث مرار فلولا صليت بسبح اسم ربك والشمس وضحاها والليل إذا يغشى فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة .

ويقول عليه الصلاة والسلام : إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطوّل فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوّز في صلاتي ، كراهية أن أشق على أمه .

– رفعت الصلاة عن الحائض والنفساء ، ولا تقضى بعد الطهر ، وهذا يسر ولطف على المرأة ، حيث تعاني في فترة الحيض والنفاس آلامًا ودماء ، يصعب معها الصلاة ، وقد تطول هذه المدة فيشق القضاء ، فجاءت الرحمة الربانية على المرأة بهذا التيسير ، ولم يطلب منها قضاء تلك الصلوات الفائتة عنها بعد ذلك .

– مشروعية سجود السهو لجبر الخلل الذي يحصل في الصلاة ، ولم تطلب إعادتها .

كل هذا اليسر وهذه السماحة جاءت في الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين وهو الصلاة التي هي أعظم الأعمال العملية ، وفي هذا شاهد كبير ودليل ناصع على يسر هذا الدين وسماحته في العبادات .

د – في الزكاة :

وتتبين مظاهر اليسر والتسهيل في أداء فريضة الزكاة من خلال الأمور الآتية :

– أنها لم تأت على جميع الممتلكات والعقارات والأموال ، وإنما اقتصرت على بعض الأصناف مثل : بهيمة الأنعام ، والأثمان ، والزروع ، وعروض التجارة .

– ثم أنه يشترط في الأصناف التي تجب فيها الزكاة أن تبلغ النصاب ، وهي في الفضة مائتي درهم ، وفي الذهب عشرين مثقالا ، وسائمة الإبل عن خمس ، والبقر عن ثلاثين ، والغنم عن أربعين ، والحبوب والزروع والثمار عن خمسة أوسق . وقد أوضحت ذلك الأحاديث الكثيرة .

– ومن يسر الإسلام أيضًا في أداء هذه الفريضة أنه لم يجعل دفع الزكاة إلا مرة واحدة في السنة ، وذلك بعد أن يحول عليه الحول .

– ومن ذلك أن مقدار المال الواجب دفعه للزكاة قليل جدًّا بالنسبة للمال الذي يوجب فيه الزكاة ، بحيث لا يؤثر فيه كثيرا ، ولا يتأثر بذلك صاحبه .

هذا فضلا عن كيفية تعامل الإسلام مع زكاة الزروع ، حيث أوجب العشر في التي تسقى بماء المطر ، ونصف العشر بالتي تسقى بالنضح والآبار ، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وما سقي بالنضح نصف العشر .

إن مثل هذه الشروط والأوصاف للزكاة يجعل صاحب المال يسارع إلى إخراج زكاة ماله عن طيب نفس ، دون ضجر أو ملل أو تثاقل .

هـ – في الصيام :

ويمكن سرد بعض صور التيسير في فرضية الصيام من خلال بيان النقاط الآتية :

– أن الصيام لم يفرض إلا في شهر واحد من السنة وهو شهر رمضان ، لقوله تعالى : سورة البقرة الآية 184 أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ . وهذا تيسير وسعة في زمن هذا الفرض ، يستطيع المؤمن أداءه بصورة مقبولة من غير عنت ولا مشقة .

– أن وقت الصيام من الفجر إلى غروب الشمس ، ولا يجوز الزيادة في هذا الوقت ، من أجل ذلك نهي عن صوم الوصال وهو وصل صيام يومين أو ثلاثة متتاليات ، لما في ذلك من مشقة وعنت على النفس ، وخطورة على الإنسان ، يقول عليه الصلاة والسلام : لا وصال يعني في الصوم .

– من أفطر خطأً أو ناسيًا فإنه يكمل صومه ، ولا حرج عليه ، فإنما أطعمه الله وسقاه ، يقول عليه الصلاة والسلام : من أكل ناسيا وهو صائم فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه .

– جواز الإفطار عند السفر أو المرض ، لقوله تعالى : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )(سورة البقرة الآية 185 ) .

– أن من لم يستطع الصوم يقضي أو يطعم إن لم يستطع القضاء .

و – في الحج :

تتضح صور السماحة في الحج من خلال النقاط الآتية :

– الاستطاعة في الزاد والراحلة ، وأن لا يكون عليه دين أو التزام مالي آخر من حقوق الآخرين ، لقوله تعالى : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)(سورة آل عمران الآية 97) .

– وجوبه في العمر مرة واحدة ، لأن فيه المشقة والعناء ، فيصعب على المؤمن أن يؤديه كل عام ، يقول أبو هريرة رضي الله عنه : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا ، فقال رجل : أكلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ، ثم قال : ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه .

– التخيير بين المناسك الثلاثة : التمتع ، والقران ، والإفراد .

– التخيير في الترتيب بين الأعمال الثلاثة يوم العيد ، الرمي والحلق والطواف ، وهذا فيه تيسير على الحاج الذي يعاني من زحمة الناس والمواصلات والأسفار ، يقول ابن عباس رضي الله عنهما : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم زرت قبل أن أرمي ، قال : لا حرج . قال آخر : حلقت قبل أن أذبح قال : لا حرج . قال آخر : ذبحت قبل أن أرمي ، قال : لا حرج .

ويقول عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – في رواية مسلم : فما رأيته صلى الله عليه وسلم سئل يومئذ عن شيء إلا قال افعلوا ولا حرج .

– كل خلل في واجبات الحج من غير قصد يجبر بفدية ، وحجه صحيح إذا كان القصور من هذا الوجه فقط .

– ومن اليسر والسماحة في هذا الركن المبارك ، أن الله – تعالى – جعله سببًا لمغفرة الذنوب والخطايا ، وقد وعد الرسول صلى الله عليه وسلم الحاج بالجنة وأنه يرجع كيوم ولدته أمه ، وصفحته بيضاء ناصعة خالية من السيئات والذنوب : من حجّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه . ويقول أيضًا : والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة .

وقد جعله الله – تعالى – من الأعمال الفاضلة التي تلي الإيمان بالله والجهاد في سبيله ، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل ؟ قال : ( إيمان بالله ورسوله ) . قيل : ثم ماذا؟ . قال : ( ثم جهاد في سبيل الله ) . قيل : ثم ماذا؟ قال : (حج مبرور .

4 – في المعاملات

لم يقتصر التيسير في الإسلام على العقيدة والعبادة بل تعداه إلى المعاملات التي تأخذ مساحة واسعة من حياة الإنسان العملية ، فالتجارة والصناعة والزراعة والتعليم وغيرها ، يدخل جميعها تحت مظلة المعاملات ، والناس في المعاملات أكثر عرضة للمعاصي والآثام ، لأن المحرك لها هو المال ، ومعلوم مدى تأثير المال في نفس الإنسان وطباعه وسلوكه ، لذلك كانت النصوص القرآنية والنبوية تترى في اتباع التيسير والمسامحة في المعاملات ، يقول عليه الصلاة والسلام : رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى .

ويقول أيضًا : من أقال مسلما أقاله الله عثرته يوم القيامة .

ويمكن بيان بعض صور التيسير في المعاملات من خلال المحاور الآتية :

أ – ففي البيع أجاز الإسلام للمتبايعين الخيار في عدد من المواضع كما إذا كانا في مجلس البيع ، رفعا للحرج الذي قد يقع فيه أحدهما ، لأنه ربما يحصل ضرر كبير إذا تم هذا العقد ، يقول عليه الصلاة والسلام : إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع .

ب – ثم إن هذا الدِّين حرم الربا الذي فيه ظلم للناس واستغلال لظروفهم ، وسبب في إفشاء الفقر والغنى الفاحشين ، وسبب لزرع الأحقاد والضغائن بين أبناء المجتمع الواحد ، فحرم الله الربا وأباح القرض الحسن ، يقول الله تعالى :( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ)( سورة البقرة الآية 276) . ويقول جل ثناؤه : ( وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا )(سورة المزمل الآية 20) .

ج – كما حرم هذا الدين احتكار الطعام والسلع واحتجازها في وقت تشتد حاجة الناس إليها ، يقول عليه الصلاة والسلام : لا يحتكر إلا خاطئ .

ويقول عليه الصلاة والسلام : من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم فإن حقا على الله – تبارك وتعالى – أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة .

د – التيسير على المدين المعسر : وهو مبدأ عظيم جاء به الإسلام ، رحمة بحاله وتقديرًا لظروفه القاسية ، وهو عنصر قوي من عناصر التكافل الاجتماعي بين أبناء الأمة ، حيث يجعل من المجتمع وحدة متينة ، قائمة على الحب والوئام ، والتعاون والتراحم ، وهو تطبيق عملي لقوله تعالى : (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(سورة البقرة الآية 280 ) .

إن هذا المبدأ المبارك في التيسير على المدين المعسر يفتقده العالم المعاصر في ظل هذا التطور الحضاري الهائل ، ومع وجود الجمعيات العالمية الكبرى التي تعنى بشؤون الإنسان وحرياته وحقوقه ، وهو وصية الرسول عليه الصلاة والسلام منذ أربعة عشر قرنًا لأصحابه وللأمة من بعدهم في قوله : من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه .

ويقول عليه الصلاة والسلام في قصة رجل من الأمم السابقة كان يتجاوز عن المعسرين : كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه .

5 – في العقوبات

لقد تميزت الشريعة الإسلامية عن غيرها من الشرائع والقوانين في التشريع الجنائي ووضع العقوبات المناسبة لأفعال الناس التي تضر بالأنفس والأموال والأعراض وغيرها ، حيث أضفت الشريعة على هذه العقوبات ألوانًا من السماحة واليسر ، بحيث تتقبلها النفس الإنسانية في كل أحوالها بل تطالب بها إذا وقعت مثل تلك الأفعال ، ويمكن أن نبين هذه السماحة والسعة من خلال بيان عقوبتين فقط ، وهما :

أ – عقوبة قتل النفس :

إن قتل النفس بغير حق يعد من أكبر الجرائم وأعظمها عند الله تعالى ، يقول الله عز وجل :(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)( سورة الأنعام الآية 151 ) .

وقد جعل الله – تعالى – قتل النفس الواحدة بمثابة قتل الناس جميعًا ، وإحياء نفس بمثابة إحياء لجميع الناس ، يقول الله تعالى : ( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)(سورة المائدة الآية 32) .

ويقول عليه الصلاة والسلام : لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم .

فقتل النفس فعل شنيع وجريمة عظيمة ، لا بد أن يكون له عقاب يتناسب مع هذا الجرم والفعل ، فكان حكم [ص-21] الله القتل مقابل القتل ، لقوله عز وجل : ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)(سورة المائدة الآية 45) .

ويظهر يسر الإسلام وسماحته في تطبيق العقوبة على القاتل من خلال النقاط الآتية :

– لا يؤخذ أحد بجريرة أحد ، أي أنه لا يعاقب إلا القاتل نفسه ، وليس لأهله وذويه وقبيلته شأن في فعله وتطبيق العقوبة عليه ، بدون تعسف أو تعد ، بخلاف ما كانت عليه الجاهلية ، حيث كانت تشب حروب وتنتهك أعراض ، ويقتل بالرجل أكثر من الواحد ، كلها بسبب جريمة قتل وقعت لأحد أفرادهم ، لقوله عز وجل : ( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا)(سورة الإسراء الآية 33) .

– إن من يسر الإسلام وسماحته أن جعل المجال مفتوحًا أمام ولي أمر المقتول وخيره بين إحدى ثلاث : القصاص أو الدية أو العفو ، لقوله صلى الله عليه وسلم : من أصيب بدم أو خبل (الخبل الجراح) فهو بالخيار بين إحدى ثلاث : إما أن يقتص أو يأخذ العقل أو يعفو ، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه فإن فعل شيئا من ذلك ثم عدا بعد فقتل فله النار خالدا فيها مخلدا .

– ومن يسر الإسلام أيضًا وسماحته قبل تطبيق هذه العقوبة أنه يغري أهل المقتول بما عند الله تعالى ، إذا تجاوزوا عن القاتل وعفوا عنه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ما عفا رجل إلا زاده الله به عزا ولا نقصت صدقة من مال ولا عفا رجل قط إلا زاده الله عزا .

وكان هذا شأن السلف الصالح من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم ، فقد روي أن رجلا من قريش كسر سن رجل من الأنصار فاستعدى عليه معاوية فقال القرشي : إن هذا دق سني . قال معاوية : كلا إنا سنرضيه . قال فلما ألح عليه الأنصاري قال معاوية شأنك بصاحبك ، وأبو الدرداء جالس فقال أبو الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من مسلم يصاب بشيء في جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه بها خطيئة قال فقال الأنصاري : [ص-22] أأنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ . قال : نعم سمعته أذناي ووعاه قلبي يعني فعفا عنه .

– من سماحة الإسلام ويسره أنه اشترط في جواز تطبيق القصاص اتفاق أولياء الدم جميعا على هذا القصاص ، فإذا وُجد من بينهم من عفا عن القاتل وإن كانت امرأة فإن الحكم يسقط ، ويمنع القصاص .

وكذلك إذا كان من بين أولياء الدم من لم يبلغ سن التمييز أو كان غائبًا ، فإنه ينتظر بلوغه أو عودته من غيبته لأخذ رأيه ، فإن عفا عن الجاني فإن الحكم يسقط ، وقد يأخذ ذلك سنينًا وأعوامًا ، وفي ذلك حكمة ربما ينسى هؤلاء الأولياء حنقهم على دمهم وتتخفف الوطأة عليهم ، فيكون العفو حينها أقرب إلى القصاص .

ب – عقوبة الزنا :

وجريمة الزنا من الجرائم الأخلاقية التي تفسد الأسر والمجتمعات وتضيع الأنساب وتفشي الضغائن والأحقاد ، لذلك كانت هذه الجريمة من الكبائر التي توعد الله فاعلها بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة ، لقوله عز وجل : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)(سورة النور الآية 19 ) .

وعقوبة الزاني الرجم للمحصن والجلد لغير المحصن ، وفي هذا يسر وسماحة ، وذلك بتناسب العقوبة مع طبيعة الزاني نفسه ، فالزاني الثيب أعظم جرمًا من الزاني غير المحصن ، لذلك جاءت عقوبته أقسى وأشد وهي الرجم .

ومن يسر الإسلام وسماحته في إنفاذ العقوبة على الزاني أنه طلب شهادة أربعة أشخاص على الفاحشة ، وهذا من باب التحري الزائد ، وتجنبًا لتطبيق العقوبة ، وحتى لا يقع الناس في أعراض غيرهم ، ليس هذا فحسب وإنما حدد عقوبة للذي يقذف الآخرين ويتهمهم بالزنا من غير أن يحضروا أربعة أشخاص فحينها ينال عقوبة القذف ، يقول الله تعالى :( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)( سورة النور الآية 4) .

ومن أجل إقرار هذا المبدأ لدى الأمة كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحاول تجنب تطبيق حد الزاني ، أو يوجد للمعترف بالزنا أعذارًا لعله يتراجع عن اعترافه ، فقد أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فناداه فقال : يا رسول الله ، إني زنيت . فأعرض عنه حتى ردد عليه أربع مرات فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أبك جنون ؟ . قال : لا . قال : فهل أحصنت ؟ قال : نعم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اذهبوا به فارجموه . قال ابن شهاب : فأخبرني من سمع جابر [ص-23] بن عبد الله . قال : فكنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى فلما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه .

وقد عمل الإسلام على تخفيف وقوع الزنا ومحاولة الستر على مرتكبها ، وأن تتم التوبة بينه وبين الله تعالى ، فالأمر يرجع إلى الله تعالى يوم القيامة إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه .

رابعًا – القواعد الشرعية المستنبطة من النصوص الواردة في اليسر

استنبط علماء الأصول من النصوص الواردة في سماحة الإسلام ويسره ، بعض القواعد وجعلوها معالم لعلم الأصول ، ونذكر منها قاعدتين أساسيتين ، هما :

1 – ” المشقة تجلب التيسير ” .

ومعنى هذه القاعدة الأصولية أن الأحكام التي ينشأ عن تطبيقها حرج على المكلف ومشقة في نفسه أو ماله ، فإن الشرع قد أجاز له عدم القيام بها .

وتعتمد هذه القاعدة الشرعية على الأدلة الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام التي سبقت الإشارة إليها خلال البحث من خلال بيان يسر الإسلام وسعته ورحمته بالعباد في العبادات والمعاملات وإتيان الرخص وغيرها .

والمشقة التي تجيز فعل المحظور وتجلب التيسير تلك التي فوق طاقة البشر ، فلا تتحملها النفس البشرية ، وإذا أخذ بها الإنسان تعرض للأذى والضرر في أساسيات حياته من النفس والمال والعقل والعرض .

وانبثقت عن هذه القاعدة الأصولية قواعد فرعية أخرى مثل : “إذا ضاق الأمر اتسع” ، أو “إذا اتسع الأمر ضاق” وغيرهما .

2 – “الضرورات تبيح المحظورات” .

والأصل الذي اعتمدت عليه هذه القاعدة الأصولية قوله تعالى : (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)(سورة الأنعام الآية 119 ) .

[ص-24] ويلحق بهذه القاعدة قاعدة أخرى هي بمثابة ضابط وقيد لها ، وهي : ” الضرورات تقدر بقدرها ” أي أن المباح من فعل المحظورات يكون قدر حاجة الإنسان بحيث ينتفي الضرر الذي يهدده ، فلا يتجاوز هذا القدر ، وإلا وقع في المعصية ، كالمقبل على الهلاك من العطش فلا يجوز له أن يشرب الخمر فوق ما يكسر عطشه ويخلصه من الموت ، فإن فعل ذلك فإنه آثم ويتحمل وزر شرب الخمر .

خامسًا – آثار الابتعاد عن منهج التيسير للابتعاد عن منهج التيسير آثار خطيرة على الفرد والمجتمع ، ومنها : 1 – التكليف بما لا يطاق :

إن أي تشدد زائد في تطبيق أحكام هذا الدين وتكاليفه ، وأي تجاوز للخط الذي رسمه الله – تعالى – لعباده ، سيعرض صاحبه للوقوع في الحرج والمعصية ، وقد بيّن ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام لأولئك النفر الذين حاولوا أن يكلفوا أنفسهم ما لا تطيق ، يقول أنس بن مالك رضي الله عنه : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . قال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا . وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر . وقال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا . فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا ، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني .

إن طبيعة الإنسان وفطرته لا تتحمل المداومة على القيام بأعمال تناقض هذه الطبيعة والفطرة ، فالنوم فطرة وغريزة لا بد للإنسان أن يشبعها ، فالذي يقل نومه لا يستطيع القيام بأعماله العلمية والدعوية والمعيشية في النهار ، وقد ذكر الله – تعالى – أنه راحة وسبات للإنسان في أكثر من موضع في كتابه العزيز : سورة النبأ الآية 9 وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا .

وكذلك الزواج الذي به تدوم الحياة ويزداد النسل البشري ، وهي سنة لا ينفك عنها الإنسان ، والذي يريد أن يمتنع [ص-25] عن الزواج يناقض فطرته ، ويسهم في تدمير الحياة ، ويخالف شرع الله – تعالى – الذي أوجب مبدأ الزواج وحث عليه في نصوص كثيرة من الكتاب والسنة النبوية .

والأمر الثالث الذي أشار إليه الحديث الامتناع عن الأكل والصيام المستمر ، فهذا أيضًا ثقل على النفس وعبء لا يتوافق مع فطرة الإنسان وغريزته التي تميل إلى الاستمتاع بطيبات الله التي أخرجها لعباده من هذه الأرض .

فمن أجل ترسيخ مبدأ اليسر والسماحة في تطبيق هذا الدين أسرع النبي صلى الله عليه وسلم لإحضار هؤلاء النفر وبيان الخطأ الكبير الذي حاولوا أن يقعوا فيه ، وأخبرهم بعد ذلك أنه عليه الصلاة والسلام أخشاهم لله وأتقاهم له ، ولكنه لا يفرط في شيء على حساب آخر ، فينام ويصلي ، ويتزوج النساء ، ويصوم ويفطر ، وهذا هو الاعتدال والسماحة والسعة التي جاء بها هذا الدين العظيم .

2 – الفهم الخاطئ لهذا الدين :

إن الذي يتجاهل منهج التيسير والمسامحة في الإسلام يولد لديه قصور في فهم هذا الدين ، لأنه لم يفهم هذا الدين كما أراده الله – تعالى – لعباده ، وكما بيّنه لهم رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا الفهم الخاطئ مع مرور الزمن يمتد ليغوص في مجمل أمور الدين ومجالاته ، فلا يتوقف عند بعض العبادات أو أحكام معينة وإنما يتغلغل إلى الداخل حتى يتولد لدى صاحبه تصورات وأفكار بعيدة عن روح هذا الدين ، ويدعو الناس إليها ، ويحسب أنه يحسن صنعًا .

وهذه كانت حال الكثيرين ممن زهدوا في الدنيا فهجروا الطيبات ، وامتنعوا عن الزواج وتركوا الأموال والأولاد ، بقصد التفرغ للعبادة والدعوة ، فأدخلهم ذلك في ضلالات الشرك وترهات التصوف ، وأدخلوا في الدين ما ليس منه من الطقوس والبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان . وما ذلك كله إلا بسبب تشددهم وتنطعهم الذي أدى إلى فهم خاطئ لهذا الدين وعدم إدراك منهج اليسر والسماحة فيه .

3 – الأثر السلبي على الدعوة إلى الله :

تميل النفس البشرية دائمًا إلى السماحة والسعة في كل شيء ، وتضيق ذرعًا بالمشقة والعنت في كل شيء أيضًا ، كما تميل هذه النفس إلى أولئك الناس الذين ينتهجون السماحة في حياتهم وتتعلق بهم أكثر من الذين ينتهجون خلاف ذلك .

ومعلوم أن من أهم عوامل نجاح الدعوة إلى الله – تعالى – أن يألف الناس الداعية ويحبوه ، وذلك من خلال فهمه لدين الله – تعالى – وطريقته لنقل هذا الدين بالصورة التي أرادها الله – تعالى – ورسوله عليه الصلاة والسلام ، وهو أمر ضروري في الدعوة ، فإن كان الداعية ممن ينتهجون السماحة والسعة في تبليغ الإسلام ومبادئه ، ولا يحمل الناس فوق طاقاتهم كما كان يفعل الرسول عليه الصلاة والسلام ، فإنه على خير ودعوته تسير نحو النجاح والتوفيق ، وأما إذا شدد على الناس وكلفهم بما لا يطيقون ، كأن ينكر عليهم كل شيء ولو كان مباحًا ، ويحرم عليهم ما لم يحرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فإن هذا الداعية إنما ينفخ في الهواء ويسير نحو الفشل المؤكد ، لأنه بذلك خالف الشرع وطبائع البشر ، وتجاهل فطرهم ورغباتهم وحاجاتهم ، وتقول أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – بكل وضوح : ما خُيّر رسول [ص-26] الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه .

فالتشدد الذي في غير موضع التشدد ينفّر الناس من الدين ، ويجعلهم يسلكون مناهج أخرى في الحياة غير منهج الله ، وهذه هي طبيعة البشر ، تريد اليسر والسعة والسماحة ولا تطيق غيرها .

يقول أبو هريرة رضي الله عنه : بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دعوه وهريقوا على بوله سَجْلا من ماء أو ذَنوبًا من ماء ، فإنما بُعثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا معسِّرين .

فلينظر الدعاة الذين يخالطون الناس ويعلمونهم أمور دينهم إلى هذا الموقف العظيم للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو القدوة والأسوة لنا إلى يوم الدين ، ليعلموا مدى الفسحة والسعة التي جعلها الله في دينه ، والحكمة في دعوة الناس إليه ، فهذا الأعرابي قادم من البادية لا يعرف للمسجد حرمة ولا قداسة ويظنه كسائر الأمكنة ، فأراد أن يقضي حاجته فيه ، فقام عليه الصحابة ليضربوه وينهروه على هذه الفعلة ، فأوقفهم رسول الرحمة عليه الصلاة والسلام وجعله يكمل تبوله ، ثم أمرهم أن يريقوا على بوله دلوًا من الماء لتطهير المكان ، ثم أخذ الأعرابي برفق ولين ، وعلّمه أن هذه الأماكن بيوت الله أقيمت للذكر والصلاة ولا يجوز إحداث النجاسات فيها ، فحينها أحس الأعرابي بخطئه وندم على فعلته ، وأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحكمته ولطفه معه ، مقابل سلوك الصحابة معه ومحاولتهم ضربه وتأديبه ، فلم يسعه إلا أن يقول : اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي لقد حجرت واسعا يريد رحمة الله .

ومن أجل ذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا وأبا موسى رضي الله عنهما باليسر عندما بعثهما إلى اليمن فقال : يسّرا ولا تعسّرا ، وبشّرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا .

وهو القائل عليه الصلاة والسلام : إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة .

[ص-27] 4 – ومن الآثار الخطيرة :

القول على الله تعالى ، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل ، وتحميل الشرع ما لا يحتمل وفي هذا جناية أيما جناية ، جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : فمن رغب عن سنتي فليس مني ومن ثمَّ يوصف الدين بما ليس فيه .

خلاصة البحث

من خلال هذا السرد الموجز عن سماحة الإسلام ويسره في تطبيق الأحكام والقيام بالعبادات وغيرها ، نخلص إلى بعض النتائج والوصايا التي نجملها فيما يأتي :

1 – أن مبدأ اليسر والسماحة ثابت في هذا الدين ، وهو مقصد عظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية ، لا ينكره إلا الجاهلون بأحكام الإسلام وحقيقة رسالته ، وهو مبدأ مأخوذ من النصوص الكثيرة الواردة في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وآثار الصحابة والتابعين رضي الله عنهم .

2 – وسطية هذا الدين في كل جوانبه ، في العقيدة والعبادة والمعاملة والسلوك وغيرها ، وهو امتثال لقوله تعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(سورة البقرة الآية 143) .

3 – الابتعاد عن هذا المنهج يورث آثارًا سلبية وأضرارًا خطيرة على عمل الإنسان وسلوكه في دينه ودنياه ، وربما يخرجه عن الصراط السوي إلى السبل المتفرقة ، والأفكار المنحرفة ، فتفتح أبواب البدع والمحدثات على هذا الدين ، ثم إن هذا الابتعاد عن منهج اليسر يؤثر تأثيرًا خطيرًا في حركة الدعوة إلى الله تعالى ، ولا سيما بين أولئك الناس الذين يكونون حديثي عهد بهذا الدين .

4 – وأخيرًا إن تقرير مبدأ المسامحة والتيسير في الدين لا يعني :

– الإخلال بمقاصد الشريعة والدين ، فلا يفهم من مبدأ التيسير أنه تفريط أو تسيب في تطبيق أحكام هذا الدين وتنفيذ أوامره ، لأن هذا اليسر لا يكون في إثم أو معصية كما روت أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – في حديث سابق : ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه . فيجب ملاحظة ذلك والحذر منه .

[ص-28] – ولا يعني هذا المبدأ تجاوز الحلال والحرام أو الإخلال بالمفاهيم الإسلامية والآداب العامة ، لأنه مبني أصلا على النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الواضحة ، فليس في تقرير هذا المبدأ ابتداع أو إدخال أمر جديد في الدين ، لقوله تعالى : (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(سورة البقرة الآية 185 ) . وقوله تعالى :( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)( سورة الحج الآية 78) .

– ولا يعني إقرار هذا المبدأ تحكيم الأهواء والرغبات ، وتحقيق المصالح الشخصية من وراء ذلك ، فقد يستغله ضعاف الإيمان لتحكيم أهوائهم ورغباتهم ويجعلون هذا يسرًا أو سماحة ، بل اليسر والسماحة يجب أن تكون مبنية على مصادر التشريع الأصلية وهي القرآن الكريم والسنة والنبوية والإجماع .

وأخيرًا أسأل الله – تعالى – أن يرزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال ، وأن يرزقنا الفقه في الدين على بصيرة ، وأن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا إنه سميع قريب مجيب .

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

وكتبه

فالح بن محمد بن فالح الصغير

الرياض 1424هـ

ص . ب 41961 الرياض 11531

falehmalsgair@yahoo . com

ثبت المراجع

* القرآن الكريم .

* الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية ، للإمام جلال الدين بن عبد الرحمن السيوطي ، ط1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت – لبنان 1403هـ ، 1983م .

* جامع الترمذي ، إشراف صالح بن عبد العزيز آل الشيخ . ط1 ، دار السلام ، الرياض 1420هـ ، 1999م .

* سنن ابن ماجه ، إشراف صالح بن عبد العزيز آل الشيخ . ط1 ، دار السلام ، الرياض 1420هـ ، 1999م .

* سنن أبي داود ، إشراف صالح بن عبد العزيز آل الشيخ . ط1 ، دار السلام ، الرياض 1420هـ ، 1999م .

* سنن النسائي ، إشراف صالح بن عبد العزيز آل الشيخ . ط1 ، دار السلام ، الرياض 1420هـ ، 1999م .

* شرح القواعد الفقهية ، أحمد الزرقا ؛ قدّم له نجله مصطفى الزرقا ، وعبد الفتاح أبو غدة ، ط1 ، دار الغرب الإسلامي ، 1403 ، 1983م .

* صحيح البخاري . ط2 ، دار السلام ، الرياض 1419هـ ، 1999م .

* صحيح مسلم . ط1 ، دار السلام ، الرياض 1419هـ ، 1998م .

* المستدرك على الصحيحين ، للحاكم النيسابوري ، طبعة دار الفكر .

* مسند الإمام أحمد ، بيت الأفكار الدولية للنشر والتوزيع ، 1419هـ ، 1998م .

* المعجم الوسيط ، إخراج إبراهيم مصطفى ، أحمد حسن الزيات ، حامد عبد القادر ، محمد علي الجار ؛ إشراف عبد السلام هارون .

-- أ د . فالح بن محمد الصغير

المرفقات

المرفقات المرفقات

التعليقات

  1. بحث فى غاية الروعة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*