الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » الغلو والمناهج

الغلو والمناهج

الغلو والمناهج

يقع على المؤسسات التعليمية ومناهجها مسؤولية تحصين الناشئة والشباب من التحديات الفكرية والثقافية والتقنية والأمنية والوصول بهم إلى بر الأمان في ظل الصراعات المتلاطمة التي يعيشها العالم اليوم .

وقد كانت ـ وما تزال ـ سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية مثالاً يحتذى به؛ لأنها تهدف إلى غرس العقيدة الإسلامية وتربية النشء على تعاليم الإسلام وقيمه وآدابه .

ومن هذا المنطلق فإن تفعيل دور التعليم في بناء الشخصية المتزنة أمر ضروري ومهم، ولعل هذا البحث يسهم في توضيح هذا الدور ، وتبصير المعلمين والطلاب بالاتجاه الصحيح، وعدم الانسياق مع الفكر المنحرف الذي يدمر البلاد والعباد .

وتتضح أهمية هذا البحث في كونه محاولة لمواجهة الغلو والانحراف والغزو الفكري والممارسات المخالفة للاتزان والوسطية والقيم المزيفة وذلك بتفعيل دور التعليم وأدواته وطرقه ووسائله في بناء الشخصية المتزنة الصالحة بتفكيرها واتزانها ووسطيتها .

وقد استخدم الباحث في هذا البحث المنهجين التاليين :

1- المنهج التاريخي : وذلك للاستفادة من تطبيقات التربية الإسلامية في العقد الأول للدولة الإسلامية ، واستخلاص الأسس والقيم التي يقوم عليها بناء الشخصية المتزنة ، ووسائل إعدادها في مؤسسات التعليم المختلفة .

2- المنهج الوصفي : وذلك للوصول للإجابة عن تساؤلات البحث لبناء الشخصية المتزنة، وعرض مفهوم الشخصية في اللغة والاصطلاح ، وذكر أهم العناصر التي تتكون منها الشخصية عند علماء التربية وعلم النفس ، والأنماط التي تكونت منها الشخصية التي اتصفت بها ، وبيان وسائل بنائها ، وإعداد البيئة الصالحة لذلك .

والتعليم لا يهدف إلى تحصيل الحقائق والمعلومات فقط وإنما يتعدى ذلك إلى تعليم المهارات ، وأساليب التفكير ، والاتجاهات والقيم .

ولأن المناهج الدراسية هي المناهج نفسها التي كانت تدرس قبل عشرات السنين لم يطرأ عليها إلا بعض التعديل؛ فلماذا اختلفت الأمور في هذه الأيام؟ ولماذا سرى بين صفوف شبابنا هذا الفكر الظلامي المدمر الضال؟

إن ربط ما يحدث من تطرف وغلو بمناهج التعليم يفتقر إلى دليل لإثبات صحة هذا الربط فنحن إذا افترضنا أن المناهج عامل مؤثر وموجد للغلو والتطرف فإنه يتحتم على هذا الافتراض أن تكون النسبة الغالبة ممن يتعرضون إلى هذا المؤثر (المنهج) يتسمون بهذه السمة أي الغلو والتطرف ، إذا ما اتبعنا الأسلوب العلمي للحكم على الأمور ، وبناءً عليه فإذا وجدنا خللاً في النتيجة بحيث لم يتسم الأغلبية بالغلو والتطرف فإنه لا يجوز علميًا أن نعزو الأسباب للمناهج ، ووجود قلة متطرفة وهم ذوو فكر مخالف لما تحمله مناهجنا ؛ ما يعني أنهم يتلقون فكرهم المنحرف من خارج هذا المنهج ، وقد يكون عدد من المعلمين يحاولون فرض آرائهم الشخصية ووجهات نظرهم الخاصة والتي قد لا توافق المنهج المعتمد ، فمناهج التعليم السعودي معتدلة ووسطية وهذا لا يمنع أن يتم فيها بعض التغيير ، مع ضرورة التفريق بين الثابت والمتحول في تلك المناهج ، والثوابت واضحة وملتزمون بها ، وبالمقابل هناك جزئيات قابلة للتحويل .

ولعل الخلل يكمن في نوع التعليم وطرائقه ، ومدى تأثيرهما في أنماط السلوك وفي تغير عمليات التفكير ، فنظام التعليم وبرامجه وطرائقه لم يستطع أن يؤثر في السلوك ، ولا يغير النظرة إلي الواقع والمحيط المادي التي اكتسبها التلميذ منذ طفولته في أسرته ومحيطه الاجتماعي؛ لأن العلوم ليست مجرد مجموعة من المعارف يحفظها المتعلم ويقوم بتذكرها وتقديمها في اختبار تحريري ، كما أنها ليست سلسلة من تجارب يتم أداؤها في المختبر فقط ، بل إن العلوم نشاط تعليمي يتناول القيام بمجموعة من الأنشطة العلمية تتضمن الملاحظة والتمعن في الكون ، والبحث والاستقصاء بعمليات علمية يمارسها التلاميذ للوصول إلى تأكيد لحقائق ومفاهيم معروفة أو إلى حقائق جديدة ، وربما حقائق أفضل ، وتصحيح مفاهيم خاطئة.

ولا يكفي لأجل تجديد التعليم إدراج مواد جديدة في المناهج ، بل الأمر يحتاج إلى تصور دقيق للتفكير العلمي ، وتطوير خصائص المتعلم ، وطرائق التدريس التي ما زالت تقليدية؛ لا علاقة لها بأية نظرية علمية ، ولا تتأسس على معرفة حقيقية بنفسية التلميذ أو بقدراته العقلية والمعرفية ، فما هو شائع في مدارسنا طرق تدريس تقليدية متوازنة تعتمد بقدراته العقلية والمعرفية ، فما هو شائع في مدارسنا طرق تدريس تقليدية متوازنة تعتمد أساسًا على «محورية دور المعلم الذي يلقن ويقرر ويحدد وينظم ، وعلى تصور المتعلم وسلبيته في مواقف النشاط والتعلم لكونه عنصرًا منفعلاً فقط ، وعلى تجزيئية المواد الدراسية وترتيبها وفق اعتبارات منطقية» .

ولعل المدرسة بهذا تستطيع أن تسهم في بث التفكير السليم ومحاربة التفكير المنحرف .

ولذلك لابد من أن يكون تطوير المناهج عملية مستمرة متطورة ، وإن شباب الأمة هو أملها المرتجى وعليه أن يجتهد في تحصيل العلم والمعرفة ويعد نفسه إعدادًا صالحًا للقيام بواجبه ؛ ليكون قادرًا على مجابهة تحديات الحضارة ومناهجها المتباينة ، والتعليم من أهم الوسائل والمقاييس في بناء النهضات والمجتمعات ، وللمدرسة دور حيوي بارز في عملية التربية والتعليم ، والتربية ـ كما يقال ـ هي عملية تنمية الطفل في أسلم الأجواء تنمية بدنية ليشب سليمًا قويًا معافى عن الأمراض والعلل وتنمية عقله وفكره ومستوى إدراكه حتى يشب صادق الحكم بعيد النظر سليم الخلق حميد الصفات .

كما أنه لابد من تفعيل دور الأنشطة الطلابية في أثناء الدراسة ، وفي الإجازات لوجود ارتباط بين متغيرات وقت الفراغ وانحراف الشباب ، حيث يكون لهدف من هذه الأنشطة ليس ملء وقت فراغ الطالب فقط بل ينبغي أن تهدف إلى مضامين نفسية واجتماعية وقيمًا صحيحة وسليمة وذلك عندما نأخذ في الحسبان النظرة الشمولية للأنشطة والتنوع الكبير فيها واختلاف الإقبال عليها من قبل الطلاب .

ولأن الثروة الحقيقية للأمم تكمن في كمية الأفكار البناءة التي تخلصها من قيود الضرورات على الوجه الأكمل ، وتعلمها حل المشكلات وإبصار دروب الفعل التي تسلكها؛ ولأن قدرات الناس العقلية على التحليل والتركيب وإدراك المترابطات متفاوتة ، فإن مستوى التربية الاجتماعية وثراء المناخ العام أكثر تحكمًا في جدوى التفكير وفاعلية من تميز القدرات الخاصة ، وهذا ما يجعل إمكانات التفكير أكثر مساحة وأسهل تحقيقًا ، ولهذا التفكير أساليب عدة منها :

(1) أسلوب حل المشكلة و (2) التفكير الإبداعي و (3) التفكير الناقد .

وقد توصل الباحث إلى عدد من النتائج جاء من أهمها ما يلي :

1- أن الدين الإسلامي وسطًا في التصور والاعتقاد ، وفي التفكير والشعور ، وفي الارتباطات والعلاقات ، لا يغلو في التعبد أو التجرد الروحي .

2- أن الدين الإسلامي يحث على التوازن والاتزان في جميع أنشطة الإنسان في الحياة .

3-أن الإسلام جمع بين الثبات على الأهداف والغايات (الأصول والكليات) وبين التطور في الوسائل والأساليب (الفروع والجزئيات) .

4- أن مناهج التربية الإسلامية التي تدرس في المملكة العربية السعودية تشكل خطوة إيجابية وأساسية في تعليم الأجيال.

5- إن الشخصية المتزنة هي المبنية على الأسس والمبادئ التي جاءت بها الشريعة الإسلامية السمحة بتربيتها على حب الخير والسعي له والعمل به ، وكره الشر واجتنابه ، واكتساب الأخلاق الفاضلة المحمودة ، والبعد عن الأفعال المذمومة .

6- اعتماد طرق التدريس في مدارسنا على الطرق التقليدية والتي أظهرت عدم فاعليتها في ظل التقدم العلمي .

ضعف مستوى ربط المؤسسة التعليمية بالمجتمع وظروفه ومشكلاته . 7- عدم تفعيل دور الأنشطة غير الصفية ، بحيث أصبحت في مدارسنا مضيعة للوقت والجهد .

كما توصل الباحث إلى عدد من التوصيات جاء من أهمها ما يلي :

1- الحرص على مناهج التربية الإسلامية ، وضرورة الاستمرار في هذه التغذية الفكرية السليمة والصحيحة .

2- ضرورة تطوير مناهج التعليم والاستفادة من الطفرة العلمية والمعلوماتية تمشيًا مع متغيرات العصر واحتياجاته .

3- أن يصبح المنهج الدراسي شاملاً لكل حياة الطفل ، فلا يقتصر الاهتمام على جانب واحد من جوانب شخصيته ؛ وهو الجانب العقلي المعرفي ، وإنما يوجه الاهتمام إلى الطفل ككل وإعداده للحياة وسط الجماعة التي يعيش بينها بالاهتمام بجوانب تحصيل الحقائق والمعلومات ، وتعلم المهارات المتنوعة ، وتعلم أساليب التفكير السليم ، والاتجاهات والقيم الصحيحة .

4- ضرورة احتواء المناهج على ما يعزز الوسطية والاعتدال والاتزان من الغلو والانحراف .

5 – ضرورة التفريق بين الثابت والمتحول عند تغيير أو تطوير المناهج وذلك بالالتزام بالثابت منها .

6- لا بد من تصحيح الفكرة الخاطئة عن مناهجنا ، لأن مناهجنا التي تدرس لطلابنا وطالباتنا تحث على الفكر المعتدل وعلى نبذ التطرف وكره الآخر .

7- العمل على إعداد المعلم الإعداد الجيد في المجالين التربوي والعلمي ، حيث إن «معلم الضرورة» لم يعد مقبولاً في الوقت الراهن بالنسبة للتعليم العام ؛ لأن نجاح التعليم يشترط فيه توافر المعلم المعد الإعداد الجيد ، والذي تقع عليه مسؤولية تبصير الطلاب بالاتجاه السليم وذلك عن طريق التوجيه الصحيح .

8- ضرورة تطوير طرق التدريس والوسائل والتقنيات التعليمية ، وعدم التركيز على التدريس التقليدي الذي أظهر عدم فاعليته في ظل التقدم العلمي الذي نعيشه .

9 – أن يتحمل جميع منسوبي التعليم مسؤولياتهم الكبيرة أمام الله أولاً ، ثم أمام الوطن والمواطن والمجتمع .

10 – ضرورة الاهتمام بمبدأ الشورى وتطبيقه بتشكيل مجالس له في مدارس التعليم العام والجامعات من الطلاب أنفسهم؛ لترسيخ هذا المبدأ بينهم وعدم الاعتماد على النفس في اتخاذ القرار ، وكذلك لمعرفة احتياجاتهم ورغباتهم والعمل على تحقيقها .

11 – الحذر والتيقظ من كل ما يحاك ضد بلادنا وأمنها ومواطنيها ومكتسباتها الحضارية ، وأن يكون الجميع صفًا واحدًا في وجه كل المخربين والمنحرفين فكريًا وأخلاقيًا .

د. إبراهيم بن عبد العزيز الدعيلج

-- د. إبراهيم بن عبد العزيز الدعيلج

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*