الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » الخلاف أسبابه وآدابه

الخلاف أسبابه وآدابه

المقدمة

إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه, ونستغفره, ونستهديه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له .

وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه, وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا .

أما بعد . . .

فيقول سبحانه : (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) هود (118-119) .

قال بعض العلماء : أي للاختلاف خلقهم .

والصحيح أن الله – سبحانه وتعالى – خلق الخلق للعبادة ؛ لأن الله -تعالى- يقول : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات (56) . فخلقهم سبحانه للعبادة لا للاختلاف, لكن من سنته – سبحانه وتعالى – في الكون أنه ميز بين كل شيء ، فميز بين الأطعمة والأمزجة والألوان والأفكار .

فجعل الحلو والحامض, وجعل الظلمة والنور, وجعل الليل والنهار, وجعل الحار والبارد .

وجعل – سبحانه وتعالى – من آياته التي تثبت تدبيره للكون سبحانه وتعالى وخلقه له, وبديع صنعه فيه : اختلاف الألسنة والألوان, فقال سبحانه : ( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ) الروم (22) فتبارك الله أحسن الخالقين, وسبحان الذي يُغير ولا يتغير .

وكما أن الخلاف يقع في الكون بأكمله ، فهو لا شك واقع في المجتمع الصغير بدءا بالأسرة ، ثم القرية ، ثم المدينة ، ثم الشعب ، ثم الأمة ، ثم المعمورة .

فلا بد أن يقف الإنسان بتعقل أمام سنة الله – سبحانه وتعالى – في الاختلاف .

وقد اخترت الحديث عن هذا الموضوع ( الاختلاف ) لأنه قد كثر في عالم الشباب, وانتشر مع التنابز والفرقة والخوض في الأعراض والنيل من الفضلاء . فكان لا بد لعلماء الإسلام ودعاته أن يتصدوا لهذه الظاهرة المتفشية .

ولقد تأملت الخلاف بأنواعه واستعرضته أمام خاطري فرأيت أن سبب الخلاف العام هو وجود الخطأ ، فهو ( أي الخطأ ) بوابة الخلاف الرئيسة حتى وإن كان هناك – حقيقة – أبواب رئيسة أخرى تكبر بوابة الخطأ قد تكون هي سبب الخلاف الحاصل ؛ مثل : بوابة الحسد أو البغض أو غير ذلك من الأسباب ، ولكن يظل الخطأ هو السبب المتفق عليه سواء كان ذلك حقيقة أو تلبيسا لإخفاء حقيقة لا يحب المخالف أن يظهرها ، فيفرغ ما بداخله بحجة أن فلانا أخطأ أو انحرف عن الطريق ، والله وحده هو الذي يعلم السرائر ، ولكن يجب أن نذكر أنفسنا بقوله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كان هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه والأجر والحساب عند الله علام الغيوب .

فأقول : ما دام أن الخطأ والوقوع فيه هو البوابة الأم لوقوع الخلاف ، لذلك كان لازما على من أراد أن يتكلم عن ردة الفعل أن يدرس ويسأل عن الفعل أصله . وهنا نقول بأن الخلاف ردة فعل لفعل أو لسبب الوقوع في الخطأ . إذا لا بد أن نقدم بين يدي هذا الموضوع ( الخلاف أسبابه وآدابه ) كلمةً عن الخطأ تمهيدا فقط ، حتى لا يطغى على موضوع الكتاب .

إن الخطأ أمر متوقع ومأخوذ في الحسبان في إمكانية حدوثه بكل أشكاله وصوره ودرجاته من بني آدم إلا من عصمه الله تعالى ، وقد جاءت السنة المطهرة بتحقيق ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم : كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون .

وهذا الحديث لو شرحناه شرحا وافيا لكان كافيا لتوضيح الخطأ من حيث واقعية حدوثه ، ومن حيث إنه الضابط العظيم الذي يربط بإذن الله المرجئة والجبرية وأشباههم أو حتى من كان على غير ملة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : خير الخطائين التوابون حتى لا يفهم أن حتمية الخطأ على ابن آدم ذريعة للوقوع في مخالفات شرعية على مختلف أشكالها أو على الأقل الاستمرارية في ممارسة الأخطاء, وحتى لا يفهم الحديث خطأ فإن الحديث الشريف لا يعني تساهل الإنسان بالوقوع في الأخطاء بحجة أنه خطّاء ، فلم يفهم الصحابة والسلف الصالح – رضي الله عنهم- هذا الفهم الغريب ، بل كانوا يسعون في الأرض إصلاحاً وطاعةً لرب العباد ، وإذا أخطؤوا تابوا ، ولكن من رحمة الله – تعالى – على الإنسان أنه إذا أخطأ رجع وتاب ، فإن خير الخطائين التوابون ، وبالتالي فإن حصول الخطأ من الناس وارد ؛ فهم ليسوا بمعصومين وإنما المعصوم هم الأنبياء والرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام .

أولا- المرحلة القبلية للخطأ وأقصد بذلك المرحلة التي تسبق الحكم بخطأ الشيء : 1 – التحري والتبين والتثبت من الخبر :

وقد أمرنا الله – تعالى – بضرورة التبين والتثبت من الأخبار لقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) الحجرات (6) . ولقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) النساء (94) .

ولقوله تعالى : ( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) الإسراء (36)

ولقوله صلى الله عليه وسلم : كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع .

وقد ذكر الإمام النووي – رحمه الله تعالى – في كتابه رياض الصالحين باب الحث على التثبت فيما يقوله ويحكيه حديثا عن سمرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حدَّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين .

ومن التثبت طلب سند الكلام ؛ أي تقول للناقل : من أخبرك بهذا الكلام ؟ أو ما مستندك ؟ وهذه الخصيصة من أهم خصائص أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فتجدها في العلاقات الاجتماعية بين الناس ، وتجدها في طلب العلم بكل فنونه ، فهم على سبيل المثال لا يقبلون قول أي إنسان في علم الحديث ما لم يعرف عند علماء الرجال وهذا نوع من التثبت والتحقق .

قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى : ” الإسناد من الدين ، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء فإذا قيل له من حدثك بقي ” أي اتضح وانكشف .

2 – معرفة حال الناقل :

وهنا يتأتى وزن ناقل الخبر من حيث القبول أو الرد, ومن ذلك الصدق والعدالة والضبط والإتقان والأمانة والاحتياط من مرض التحاسد بين الأقران والمعاصرين ، وفي ذلك يقول الإمام الذهبي – رحمه الله تعالى – في ترجمة عفان الصفار : ( كلام النظير والأقران ينبغي أن يتأمل ويتأنى فيه ) .

وكما مر معنا في النقطة السابقة فإن معرفة حال الناقل ضرورة لا بد منها في تلقي الأخبار سواء الشرعية وهي الأصل والأهم ، أو حتى الأخبار الاجتماعية التي تدور داخل المجتمعات ؛ وذلك لأن المعرفة التامة بحال القائلين تخرج – بإذن الله تعالى- أولئك الكاذبين المرجفين قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) الحجرات (6) . كذلك من معرفة حال الناقل ومعرفة ظروفه المحيطة سواء النفسية الداخلية أو الخارجية فربما يكون سبب نقل هذه المعلومة الخاطئة من هذا الثقة أمراً خارجاً عن إرادته وأهليته قال تعالى : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) النحل (106) . ولا أريد أن أطيل كثيراً لعل الصورة وضحت ، ولكن المهم هنا معرفة حال الناقل سواء كان فرداً أو جماعة معرفة تامة .

3 – عرض هذا الأمر على الأصول :

الخطوة الثانية – بعد التثبت أن هذا الأمر حصل فعلاً – ينبغي عرض هذا الأمر الذي أرى أنه خطأ على الأصول (كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ) بالفهم النبوي الشريف وفهم الصحابة الكرام ، فإنه سوف يتضح هذا الأمر فإن كان صحيحاً أقر وإن كان خطأ رفض أو صُحح .

يقول تبارك وتعالى : ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) النساء (59) . والرد إلى لله – تعالى – هو الردُّ لكتابه الكريم ، والرد للرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد لسنته المطهرة صلى الله عليه وسلم .

ومن لوازم معرفة الأصول المعرفة الصحيحة العرض على العلماء لأنهم (ورثة الأنبياء) ، وهم أهل الذكر الذين أمرنا الله – تعالى – بسؤالهم لقوله سبحانه : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) النحل (43) وبالتالي يتضح الأمر جلياً بإذن الله تعالى .

4 – الروية وعدم التسرع في الحكم :

ينبغي عدم التسرع في إطلاق الأحكام على الناس حتى نرى الحقيقة جلية ونسلك المسالك الشرعية في معالجة الأخطاء ، ولا نتعجل النتائج فقد دعا الأنبياء والرسل – عليهم الصلاة والسلام – أقوامهم سنين طويلة ، وذلك لأن التسرع في إطلاق الأحكام وبخاصة غير المحببة ربما يكون فيه ظلمٌ وتعدٍّ على الآخرين ؛ لأن بناء الحكم ينبغي له التأني والمرور بخطوات سابقة تجعلك بإذن الله – تعالى – قوي الموقف في هذه القضية ، حتى وإن كان هذا القائل كافرا ، يقول شيخ الإسلام : ” والظلم محرم في كل حال فلا يحل لأحد أن يظلم أحداً ولو كان كافرا ” .

5 – معرفة حال الفاعل وظروفه :

ومن ذلك أن يسأل الشخص المقصود بالأمر بما وصل إلينا عنه ، ويأخذ رأيه ، ويقول له : يا فلان ، وصلنا عنكم كذا ولم نصدق ، فنحن نعرف منهجكم ونعرف فضلكم في سبيل الخير ، وكل ذلك بلين ورحمة وتواضع وابتسامة ، قال – تعالى – في رسوله صلى الله عليه وسلم : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) آل عمران (159) .

وهذا منهج سلوكي يجب أن نتبعه ما دمنا مسلمين متابعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه بعد ذلك سوف يوضح لك هذا الشخص وجهة نظره ورؤيته للأمر ، أو ينفي علاقته بتلك المخالفة ، أو حتى يقلع عن المخالفة فوراً بلا حوار ، فلعل الرجل لديه شبهة أو قرأ فكرة منحرفة خدشت سلوكه ومبادئه ، أو طرأ عليه طارئ لا تعلمه فوق استطاعته كان سبباً فيما سمعتَ أو نُقل إليك من خلاف عنه, وفي قصة حاطب – رضي الله عنه – عندما كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخطة الرسول صلى الله عليه وسلم : ( وهذا فعل خطير ) ، وأراد عمر – رضي الله عنه – قتله لأنه رأى أن هذا العمل نفاق ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لحاطب : ما هذا يا حاطب ؟ ) ، قال : لا تعجل عليَّ يا رسول الله ، إني كنت امرءاً من قريش ولم أكن من أنفَسِهم ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة ، فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي . وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني, فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (إنه قد صدقكم) ، فقال عمر : دعني يا رسول الله فأضرب عنقه . فقال صلى الله عليه وسلم : إنه شهد بدرًا وما يدريك لعل الله – عز وجل – اطلع على أهل بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم .

إذاً لا بد من معرفة رأي المخالف ومعرفة تصوره حتى يكون حوارنا على أسس سليمة ومتينة .

ثانيًا – المرحلة البعدية للخطأ

وهذه المرحلة تأتي بعد مشوار طويل من التحقق والرجوع والتأصيل والنظر ، فإذا ثبت أن الأمر المنقول كان خطأ فإنه يجب تصحيحه بالطرق الشرعية ، وتنحصر هذه المرحلة في ضرورة الوصول للمخالف وتصحيح الأمر إلى الصواب سواء بطريق مباشر أو غير مباشر ، ولنعلم أن صاحب هذا الخطأ يعد مخالفاً وإن كان الخلاف يسيرا ، فإننا نتكلم عن مبادئ وبالتالي دخلنا في دائرة الخلاف سواء كان الخلاف سائغاً أو غير سائغ ، وينتقل الأمر إلى مواجه تتطلب آداباً سيأتي ذكرها لاحقاً بمشيئة الله تعالى .

وقبل الشروع في الحديث عن الخلاف أود الإشارة إلى أنني تركت التقسيمات والتنويعات سواء للأخطاء أو للخلاف فإن الأخطاء فيها ما هو كبير جداً يدخل في المعتقدات ، ومنها ما يدخل في العبادة والسلوك وما إلى ذلك .

وكذلك الخلاف منه ما هو سائغ كالخلاف بين المذاهب السنية في مسألة فرعية في الفقه مثلاً ، ومن الخلاف ما هو غير سائغ بل محرم كخلاف الكفار والمبتدعة ونحو ذلك .

وذلك حتى لا أطيل المقام وحتى لا أكرر كثيرا مما كتب ، وإنما يستطيع القارئ – إن شاء الله تعالى – أن يعرف النوع والدرجة عند حديثي عن الأسباب والآداب للخلاف ، فليس من المعقول أن يفهم القارئ عند حديثي عن أسباب الخلاف أن الحسد من أسباب الخلاف المحمود أو المساغ لا, بل أحسبه يفهم أن هذا من أسباب الخلاف المحرم ونحو هذا . والله أعلم .

أسباب الخلاف أولا – وجود الخطأ أصلا إن وجود الخطأ كما ذكرنا آنفا سبب قوي في نشوء الخلاف ، يكبر الخلاف معه ويصغر ، وهو يشكل علاقةً مطردةً ، لذلك أهل السنة والجماعة على خلاف مع الفِرَق المبتدعة سواءً الأشاعرة أو المعتزلة أو القدرية أو الجبرية أو الرافضة أو الخوارج أو الصوفية ، وذلك بسبب أخطاء تلك الفرق المبتدعة ، والخلاف معهم ليس بدرجة الخلاف الذي يكون مع الزنادقة والكفرة والملاحدة ، كما أن الخلاف هنا مع ضخامته ضد أهل الضلال والزيغ ، فإنك تجده محجماً بين المذاهب السنية الأربعة المالكية والأحناف والشافعية والحنابلة ، وذلك لأن الأخطاء الواقعة كانت في مسائل فقهية فرعية ، فهم لم يختلفوا بحمد الله في مسائل عقدية كالمبتدعة ، وبالتالي كان الخلاف بينهم صغيراً وبسيطاً ، يتحقق فيهم قوله صلى الله عليه وسلم : إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر . ولكن يظل خلافاً يجب رده للكتاب والسنة .

ثانياً – البغي والعدوان

البغي بغير علم وبغير هدي, فإنك تجد بعض الناس يحب أن يبغي على الآخرين, لأن من طبيعته العدوان, فهو كبعض الحيات التي تحتوي على السم, فإذا لم تلدغ في السنة مرة ماتت . فتجد بعض الناس كهذه الفصيلة مع الآخرين .

فهو كما يقول زهير بن أبي سلمى : ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يُهـدَّم ومن لا يظلم الناس يُظلمِ وهذا البيت أوله صواب, ولكن آخره خطأ ؛ لأنه يدعو إلى الظلم والعدوان .

والذي يخالف دائماً بهوى, وبدون حق يبغضه الخالق . والذي يحب أن يخالف بحق فله مكانته ورأيه .

قال سبحانه وتعالى :(وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) آل عمران (19) .

وقال سبحانه : ( جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) البقرة (89)

فاليهود يشهدون أن محمدا – عليه الصلاة والسلام – رسول من عند الله ، فلما جاءهم بالعلم كفروا بغياً وعدواناً .

ثالثًا – الحسد

قال سبحانه وتعالى :( حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) ( البقرة (109)

والحسد يسري في أهل المهن المتشابهة ,والمتقاربين في السن ، والزملاء والأقران ، إلا من رحم الله ، فتجد الشيخ يخالف الشيخ ، والطالب يخالف الطالب ، والمهندس يخالف المهندس ، والطبيب يخالف الطبيب ، والشاعر يخالف الشاعر . .

وكثير من الأشياء لها أضداد تخالفها حتى الحديد وهو أقوى الأشياء .

قيل لأحد الحكماء : ما أقوى شيء خلقه الله ؟

قال : أقوى شيء خلقه الله – سبحانه وتعالى – هو الجبال .

قالوا : وما أقوى من الجبال ؟

قال : الحديد .

قالوا : وما أقوى من الحديد ؟

قال : الريح .

ولذلك يقول سبحانه وتعالى : ( تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) الأحقاف (25)

وأثبت ذلك العلم الحديث .

قالوا : فما أقوى من الريح ؟ قال : الصمت .

فالصمت أقوى من الريح, ولذلك يقول ( البردوني ) يُحيي الرسول عليه الصلاة والسلام ويحيي دعوته : بُشرى من الغيب ألقت في فم الغارِ وحيًــا وأفضــتْ إلــى الدنيــا بأســرارِ بشـرى النبـوة طافت كالشذا سحرًا وأعلنـــت فـــي الدنـــا مـــيلادَ أنــوارِ وشــقَّت الصمـتَ والأنسـامُ تحملهـا تحـــت الســـكينة مــن دارٍ إلــى دارِ

فالمقصود : أن الحسد يحمل بعض الناس إلى أن يخالف غيره , ولو كان الحق مع المخالف . وهذا مذهب بني إسرائيل, والعياذ بالله ، فهم يحسدون الناس كما قال سبحانه وتعالى : ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) النساء (54) .

وبنو الإسلام يقع فيهم الحسد كما يقع في غيرهم ، ولو كانوا مؤمنين .

وكثيرًا ما يقع الحسد بين الأقران : إن العرانيين تلقاها محسدةً ولا ترى لِلِئام الناس حُسَّادا وكتب ابن الوزير العالم اليمني لعمه رسالةً يشكو فيها من حسد الأقران ، فرد عليه عمُّه وقال : وشكوت من ظلم الوشاة ولن تجد ذا ســـــؤددٍ إلا أصيـــــب بحسَّـــــدِ لا زلـــت يــا ابــن الكــرام محسَّــدًا والتافــه المســكين غــير محسَّــدِ وقيل للحسن البصري : أيحسد المؤمن ؟

قال : ويلك !! أنسيت قصة أبناء يعقوب لما حسدوا يوسف عليه السلام ؟

قال : فماذا أفعل ؟

قال : إذا حسدت فلا تبغ .

رابعًا – الكبر

وهذا أوضحه ، وقد عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : الكبر بطر الحق وغمط الناس بطر الحق أي ردّه ، وغمط الناس : أي احتقارهم .

فتجد بعض الناس ، لا ينظر إلى الآخرين لأجل هذا الكبر .

تقول له : السلام عليكم ورحمة الله . . . فلا يرد لأنه من فصيلةٍ أخرى ، فدمه دم آخر . فإذا نصحته غضب عليك ، وأخذته العزة بالإثم ؛ لأنه يرى أن مثله لا ينصح .

فهذا هو رد الحق وبطره .

وما حمل أبا جهل على رد دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا الكبر ، وكذلك الوليد بن المغيرة ، وكذلك الطغاة من قبلهما كفرعون وقارون وهامان .

لقد كان أبو جهل يعلم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم صادق ورسولٌ من عند الله عز وجل, لكنه كان يقول : إذا قال بنو هاشم : عندنا النبوة فماذا نقول ؟ فانظر إلى الكبر والعياذ بالله .

قال سبحانه وتعالى : (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) الأنعام (33) .

وقال تعالى :( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) الأعراف (146) .

فالمتكبر يرد الحق ويخالفه لأنه يرى أنه ليس بإمكانه أن يتنازل لك ليسمع منك الحوار ، ويسمع منك المناظرة لحاجة في نفسه .

في حين أنه ينبغي للإنسان أن يقرر في نفسه للناس مبدأ التواضع للآخرين ، وقبول الحق منهم, ولو كانوا أقل منه علمًا أو تقوى .

خامسًا – التعصب للأشخاص والمناهج

فبعض الناس إذا أحب شخصًا تولع به ، فلا يكاد يبصر إلا رأيه أو اجتهاداته ، ولو كانت خاطئة .

وهذا المنهج غير صحيح ؛ لأن المعصوم هو محمد صلى الله عليه وسلم ، وكل أحد منا يرد من قوله ويؤخذ إلا محمدًا صلى الله عليه وسلم .

والكتب كلها يقع فيها اختلاف إلا القرآن الكريم : ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) النساء (82) .

وبعض الناس يرى أن منهجه ووسيلته وطريقته هي الصائبة فقط, ولا أصوب منها ، أما غيرها فخطأ ، وأنه يجب على الناس أن يمضوا على منهجه , وأن يسلموا لطريقته ، وأن يسلِّموا لما يقول .

وهذا ليس بصحيح . ولذلك يقول أهل هذا المبدأ كما وصفهم الله تعالى : ( وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ) النساء (51) . وكما قال – تعالى – عن الكافرين المتعصبين لآبائهم بالباطل : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ) البقرة (170) .

فأبو جهل مثلا يقول : كيف يكون الحق مع بلال ومع صهيب ومع ابن مسعود وهم ضعفاء الناس في نظره ، وما علم الجاهل أنهم من سادات الأمة رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين .

قال رجل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه : يا علي ، أتظن أن الحق معك والباطل مع طلحة والزبير وعائشة ؟ يعني في معركة الجمل .

قال : ويلك !! اعرف الحق تعرف أهله ، ولا تعرف الحق بالرجال .

فالتعصب للأشخاص والمناهج مصيبة ، وقد أضرت بالأمة الإسلامية وأخرت ركبها وأشغلتها بالخلافات والردود ، حتى أحاط بنا الأعداء من كل جانب ,يستثنى من ذلك إذا كان هذا التعصب لأمر كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ، فهو حق لا بد من التمسك به .

سادساً – ضيق الأفق

فبعض الناس ضيق الأفق ، لا يتسع صدره للمحاورة ولا للنقاش, فهو يغلق عليك الطريق منذ أول وهلة مقرراً رأيه ومسفها لما سواه .

يقول الله سبحانه وتعالى : سورة التوبة الآية 6 وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ التوبة (6) ، أي : اتركه حتى يسمع النور ، واتركه حتى يسمع الوحي ، واجعل له فرصة حتى يظهر لك ما في صدره .

ولا يفوتنا هنا : قصة عتبة بن ربيعة وهو من رؤساء الشرك في قريش, عندما ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحاوره ، فتركه صلى الله عليه وسلم حتى انتهى وفرغ من قوله وهو يعلم أنه باطل وإفك وزور .

ثم قال صلى الله عليه وسلم : أفرغت يا أبا الوليد .

وكأنه صلى الله عليه وسلم مستعد لسماع محاضرة ودرس أطول من هذا المشرك .

لأنه صلى الله عليه وسلم يريد هداية الناس ، فلا بد أن يسمع منهم ليعرف عللهم فيعالجهم بموجبها .

فما بالك إذا كان المحاور لك أخا من إخوانك المؤمنين ؟ أفلا يكون أحق بالسماع من ذلك المشرك؟

يقول الشافعي : قولنا صواب يحتمل الخطأ, وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب .

ويقول : والله ما ناظرت أحداً إلا وددت أن يصيب وخفت عليه أن يخطئ, أو كما قال .

وكان إذا ناظر أحداً يدعو ويقول : اللهم سدده ، اللهم ثبته .

ولذلك رفع الله الشافعي وأمثاله .

سابعاً – فساد التصور وضعفه

فإن بعض الناس عنده فساد في تصور الأمور وإدراكها, فمثلاً : هو يجعل الصغائر من المعاصي كبائر .

فإسبال الثياب مثلاً يعدها بعض العلماء كبائر لقوله صلى الله عليه وسلم : ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار لكنها ليست من الموبقات السبع التي عدها صلى الله عليه وسلم ، ثم إن صاحبها لا يكفر بها ، فتجد بعض الناس يكبر هذه المسألة ، ويضخمها لفساد تصوره ، وينسى غيرها مما هو أهم منها , كمسائل العقيدة وأمور التوحيد ، وإن كان الإسبال محرماً شرعاً .

أو أنه يحمل الآيات والنصوص على غير محملها كما فعل الخوارج ، فهم يحملون آيات الكفار على المؤمنين فيستحلون دماء المسلمين عياذاً بالله .

وأما أهل السنة فإنهم يحملون آيات الكفار على الكفار وآيات المؤمنين على المؤمنين ، وينزلون الأمور منزلها الشرعي من غير إفراط ولا تفريط ومن غير غلو ولا جفاء .

ثامناً – إلزام ما لا يلزم

فتجد بعض المخالفين يقول : قال العالم الفلاني كذا وكذا ، ومعنى كلامه كذا وكذا ، إذا فهو كذا وكذا .

فمثلاً : وجد من الناس من يستمع الغناء في هذا الزمن . فيقول بعضهم : من سمع الغناء ورضي به فهو فاسد .

ومن كان فاسداً ، ورضي بالفساد في بيته فهو ديوث . . .

ومن كان ديوثاً فهو لا يدخل الجنة ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ثلاثة لا ينظر الله – عز وجل – إليهم يوم القيامة : العاق لوالديه ، والمرأة المترجلة ، والديوث .

فانظر كيف بنى, وقرر, وألزم, وأدخل الناس النار, لأنه بنى على قواعد واحتمالات لم يتبينها من المحكوم عليه ، مع العلم بأن الغناء محرم شرعاً .

تقول : له رحمة الله واسعة ، والله غفور لذنوب العباد .

فيقول في نفسه : المرجئة يقولون : إن الله غفور بالعباد ، والمرجئة يسهِّلون المعاصي ، إذا فهذا مرجئ ، فهو إذا مبتدع أو زنديق .

وكذلك في مسألة التكفير تجد الغلاة المكفرة كفروا بعض المسلمين واتجهوا بعد ذلك إلي من لم يكفرهم من المسلمين فكفروهم ويحتجون بالقاعدة الشرعية : “من لم يكفر الكافر فهو كافر” . والقاعدة صحيحة لكن الفهم الخارج عن فهم السلف كان سبباً في وقوعهم في تكفير أهل الإسلام نسأل الله السلامة .

تاسعاً – غلبة العاطفة على العقل

خاصة في سن الشباب الذي ما بين العشرين إلى الثلاثين . فتجد الشباب يندفع بعاطفته الجياشة وكلامه الناري ، مستخدماً العبارات الثقيلة التي تجنح به عن قبول الحق ، لأنه لم يتدبر فيه بعقله بل بعاطفته .

ونحن نريد عاطفة الشباب, وعقول الشيوخ ، لأن عاطفة الشيوخ بعقول الشباب تموت ، فلا ترى فيها من يأمر ، أو ينهى أو يدعو إلا من رحم الله .

فمثلاً : يخطئ بعض الناس في محاضرة ما في الحكم على حديث ، فيقول أحد الشباب : لماذا يقول بأن هذا الحديث صحيح ، وهو ضعيف ، فهذا يدل على عدم معرفته بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهجره للسنة ، وعدم اهتمامه بالأثر الشريف .

وهذا حماس وعاطفة لا داعي لها . بل الواجب : أن يبين بأنه قد أخطأ في الحديث , عارضاً وجهة نظره بحب وود وهدوء .

بل يقع أكبر من ذلك في مسائل عقدية بسبب الحماس المندفع وغير المؤهل شرعاً ، والعقل يأتي تبعاً للشرع لأن الإسلام – ولله الحمد – جاء لأهل العقول ، فإن المجنون مرفوع عنه القلم والتكاليف ، قال تعالى : ( وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) العنكبوت (43) .

عاشراً – حب الخلاف لذاته

يقول أحد الشعراء : مشغوفة بخلافي لو أقول لها يـوم الغديـر لقـالت ليلة الغارِ وهكذا فإن بعض الناس لا يرتاح إلا أن يخالف من أمامه . فهو يجلس معك, فإذا استمع رأيك خالفك .

مثلا تقول : هذا الأمر يجوز .

فيقول : لا يجوز اعتباطاً .

تقول : نذهب .

يقول : نجلس !

تقول : اليوم حار .

يقول : اليوم بارد !

وهذا كله فقط لمخالفتك ولذلك جعلوا من آداب الصحبة : ألا تخالف صاحبك إلا في معصية لقوله صلى الله عليه وسلم : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

يقول ابن المبارك رحمه الله : وإذا صاحبت فاصحب ماجداً ذا عفــــافٍ وحيــــاءٍ وكــــرمْ قولـه للشـيء لا إن قلتَ لا وإذا قلـــت نعــم قــال نعــمْ والمقصود طبعاً في غير معصية الله تعالى .

ويقول في مقطوعة أخرى : وإذا صــــاحبت قومـــاً أهـــل ودٍّ فكن لهم كذي الرحم الشفيقِ ولا تــــأخذ بزلــــة كــــل قــــومٍ فتبقــى فـي الزمـان بلا رفيـقِ الحادي عشر – عدم التثبت في الأقوال والأفعال

يقول تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) الحجرات (6) .

فكثير من الناس يبني أحكامه على غير معرفة للرأي الآخر, فإذا سمع مثلاً أن داعية من الدعاة قال كذا وكذا . قام على المنبر بخطبة رنانة ليرد عليه .

فيظهر له بعد الخطبة أنه ما قال ذلك .

فيسقط في يده ، ويضع نفسه في موقف محرج لا داعي له ؛ لأنه اعتمد في رواياته على الأخبار الكاذبة !

وأهل السنة من منهجهم أنهم إذا بلغهم الخبر ، تثبتوا من صاحبه ، وشافهوه وراسلوه ليعرفوا مقصوده حتى يردوا ويحاورا على بينة .

يقول تعالى :( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) الإسراء (36) .

فوصيتي لإخواني : أنهم إذا سمعوا خبرًا من رجل أو من داعية ، أو من طالب علم ، أو مفكر, أو من مسؤول أن يتثبتوا ويتأكدوا ، حتى لا يكونوا عرضة للتهم ولا للمجازفة ولا للعجلة والطيش .

الثاني عشر – اختلال التوازن المعرفي والعلمي

وهذا الذي أقصده في الخلاف المذهبي المعتبر, فإن اختلال التوازن بين الأطراف في التحصيل المعرفي أو العلمي أو القدرة على الاستنباط قد يكون سبباً في نشوء خلاف سائغ ، ولكن الواجب هو اتباع الحق عند أي طرف ، فإن بعض العلماء قد لا يصله الدليل ، أو يفهم من النص خلاف ما يفهم غيره من العلماء ، أو يرى أن النص منسوخ أو لا يحتج به لأنه لم يثبت لديه ، في حين أنه ثابت لدى غيره من العلماء ، والحل هو كما قال تعالى : ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) النساء (59) .

والرد إلى الله تعالى هو الرد لكتابه المطهر .

والرد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الرد إلى سنته المطهرة ، وبهذا يتحقق التوازن ويزول الخلاف بمشيئة الله تعالى .

الثالث عشر – اتباع الهوى

وهذه المسألة طامة كبرى وورطة عظيمة ، وذلك لأن صاحب الهوى صعب الاقتناع ، شديد الدفاع ، وقليل من أتباع الهوى من يعودون إلى الجادة إلا من رحم ربك . واتباع الهوى على صنفين :

أما الصنف الأول : فهم الكفرة المردة الجحدة الذين قال الله تعالى فيهم :( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) البقرة (89) .

وقال – سبحانه وتعالى – عنهم : ( فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) الأنعام (33) .

والآيات والأحاديث في هذا السياق والدلالة كثيرة جدًّا ، والمقصود هو إيصال المراد وتوضيح المسألة .

أما الصنف الثاني : فهم المبتدعة المنحرفة عن طريق السلف وفهمهم في تطبيق السنة ، فهؤلاء ابتدعوا في دين الله – تعالى – ما لم يأذن به الله ولم يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنشئوا طقوساً ومراسيم واحتفالات وهيئات ما أنزل الله بها من سلطان ، بحجة التقدير والتوقير ، وربما الحب الظاهر دون اتباع ولا دليل ولا برهان ، وإذا أتيت تحاور الشخص منهم كأنك اعتديت على أمر مسلّم بصحته وسنيته ودليله .

فتدخل معه في نقاش طويل والصواب أن يختصر معه الطريق ويقال له : يا هذا يقول تعالى :( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) البقرة (111) ، ويقول صلى الله عليه وسلم : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد أي مردود على صاحبه غير مقبول ، وذلك لأن الشريعة كملت وما مات صلى الله عليه وسلم إلا وقد بلغ الرسالة كاملة . يقول تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) ( المائدة (3) .

والسؤال : أين الدليل من الكتاب والسنة على حجية عملك أو قولك هذا ؟ والجواب لا دليل فقط اتباع الهوى . فيكون هذا الصنف , والصنف الأول سببين في نشوء الخلاف ، وإن كان الصنف الأول ( وهم أتباع الهوى الكفرة ) خلافهم مع المسلمين خلاف جذري ، أما الخلاف الناشئ مع صنف المبتدعة فهو خلاف بحسب بدعته ؛ فإن البدع كما ذكر أهل العلم بدع مكفِّرة وبدع مفسقة . فإن الذي يطوف بالقبور ويسأل الأموات من دون الله تعالى ، ويذبح لغير الله – تعالى – معتقداً نفعاً منهم أو ضرًّا ، وبُيِّن له الحق فأصر وألح واتبع هواه ، فهذا بدعته مكفرة ، يقع معه ومع أضرابه خلاف كبير ؛ لأن الخلاف على أصل من أصول العقيدة وهو العبادة التي هي حق الله تعالى الخالص . فمعنى لا إله إلا الله أي إفراد الله عز وجل بالعبادة ، فلا معبود بحق سواه سبحانه وتعالى ، ومعنى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أي إفراد محمد صلى الله عليه وسلم بالاتباع لا الهوى ولا أي شخص سواه صلى الله عليه وسلم .

والخلاف مع أهل البدع – كما هو معروف بالتجربة والبرهان – خلاف صعب للغاية ؛ لأن المبتدع يرى أنه على حق ، فإذا ما تم الحوار معه تلعثم وانسحب دون رجوع عن قوله وفعله إلا من رحم الله ، ولكن للإنصاف نجد بعض الجهلة يقلدون المبتدعة في أمور ربما يكون بعضها شركية فإذا ما نصح وبين له الخطأ وأن هذا العمل مخالف لسنة المعصوم صلى الله عليه وسلم ، فإنهم في الغالب يعودون إلى الحق ، ولكن مقصودي الخلاف مع أشياخهم وضلالهم فإنهم سائرون على خطى الشيطان في بدعتهم ، إلا من تداركه الله برحمة منه وفضل . نسأل الله الهداية واتباع الحق والبعد عن الضلال والهوى .

الرابع عشر – عدم الانسجام الروحي والتناكر

وهذا سبب فطري ولا يلام عليه المسلم إذا كان أصل الحب في الله تعالى موجوداً, ولا يؤدي ذلك إلى ظلم أو تعدٍّ أو بغض أو أي شكل من أشكال الحرام .

قالت عائشة رضي الله عنها : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف .

وأنا أكتفي بنقل كلام الخطابي في شرح هذا الحديث : ” كما في شرح البخاري للكرماني ” .

يقول الخطابي : ” فيه وجهان أحدهما أن تكون إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشر ، وأن الخيِّر من الناس يحن إلى شكله والشرير يميل إلى نظيره ، فالأرواح إنما تتعارف بسبب طباعها التي جبلت عليها من الخير والشر . فإذا اتفقت الأشكال تعارفت وتآلفت ، وإذا اختلفت تناكرت وتنافرت ، والأخرى أنه روي أن الله – تعالى – خلق الأرواح قبل الأجساد فكانت تلتقي ، فلما ألبست بالأجساد تعارفت بالذكر الأول ، فصار كل منها إنما يعرف وينكر على ما سبق له من العهد المتقدم ” .

آداب الخلاف أولاً – الإخلاص والمتابعة

يجب وجوباً على المسلم في جميع أمره أن يتحقق فيه شرطان : الإخلاص لله تعالى ثم متابعة محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك موضوعنا ومحور حديثنا ( الخلاف ) ، فإنهما ( الإخلاص والمتابعة ) من آدابه ، بل هما الأساسان اللذان يجب أن ينطلق منهما الحوار في مواجهة الخلاف وعرضه وتحليله ، وبالتالي إزالته بإذن الله تعالى . فيجب أن يكون القصد من الحوار هو وجه الله تبارك وتعالى ، لا من أجل أن تتناقل الألسنة أن فلاناً محاور جيد أفحم المخالفين بالحجة والبرهان وجعلهم في ورطة ، وأحرج موقفهم وكشف عوارهم .

لا ، بل يكون القصد هو رضى الرحمن وحده ، سواء رضي الناس أم غضبوا ، وكذلك يكون الحوار على سنة محمد صلى الله عليه وسلم وبأسلوبه الكريم ، فإن الله تعالى يقول : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) الأحزاب (21) ، فإن كنت قائداً فهو أسوتك ، وإن كنت جندياً فهو أسوتك ، وإن كنت معلماً فهو مدرستك ، وإن كنت طالباً فهو معلمك ، وإن كنت زوجاً فهو مثالك في الحياة الزوجية والأسرية ، وإن كنت مقاتلاً فهو معك يعلمك ، وإن كنت داعية بالحسنى فهو أستاذك, فالمقصود أنه صلى الله عليه وسلم قدوة الأمة الصالحة لكل زمان ومكان ، فلا تستطيع أن تعمل عملاً أو تسلك طريقاً خيّراً إلا تجده أمامك ليرشدك الطريق ، فكان لزاماً علينا معشر المسلمين وقد حققنا الشرط الأول وأخلصنا العمل لله تعالى دون شريك أن نحقق الشرط الثاني ؛ وهو تحقيق المتابعة الخالصة له صلى الله عليه وسلم ، حتى تكون جميع أمورنا في هذه الحياة قائمة على بناء سليم قويم ، ومن ذلك فنون الحوار في التعامل مع الخلاف وأهله بأدب وروية حتى يسير على أسس الحوار العلمي الصحيح بإذن الله تبارك وتعالى .

ثانياً – أن تتمنى للمخالف العودة إلى الطريق الصحيح

وهذا العنصر مهم جداً ، وهو أمنيتك أن يعود المخالف للجادة ، حتى وإن كان هذا المخالف يقع في جانب الخلاف المذموم المحرم, ومن ذلك خلاف الكافرين أو خلاف المبتدعة بجميع طوائفهم, بل يجب عليك – أيها المحاور – بحق أن تُعمل جهدك في تحقيق هذا الهدف وهو العودة الحقة للطريق المستقيم لقوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه : فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم .

وقد عاتب الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم لشدة ما وجد من حزن وأسى على المخالفين ليكونوا مسلمين ، وحتى يفوزوا برضى الرحمن وينجوا من عذابه يقول سبحانه وتعالى لنبيه : (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ) الكهف (6) ، والذي أريد أن أقوله إن من آداب الخلاف أن يكون فيه شفقةٌ على المخالف أن يظل على خطئه .

هذا الشعور والأدب هو من سمات سلفنا الصالح الذين خلَّد الله ذكرهم ، فلا تجد أحداً منهم إلا وتمنى أن يكون مخالفُه محقاً وإن كان ذلك على حسابه ، بشرط أن يكون حقاً فعلاًَ . أما بعض منا الآن وللأسف الشديد همه هو إظهار [ص-21] حجته والسعي الحثيث لإسكات المخالف ، دون شعور أو رجاء أن يعود به لدائرة الاجتماع والطريق القويم . ورحم الله الإمام الشافعي القائل : ما ناظرت أحداً من الناس ( يعني المخالفين ) إلا تمنيت أن يجعل الله الحق على لسانه!

ثالثاً – أن تسمع الحجة والرأي

فقبل أن تُصدر أحكامك على المخالف يجب عليك أن تحاوره وتسمع رأيه وحجته

رابعاً – إيراد الدليل

لأن التهويل والكلام وحده لا يكفي ولا يجدي .

قال تعالى : (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا) الأنعام (148)

ويقول سبحانه :( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) البقرة (111) .

ويقول تعالى : ( مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) الزخرف (86) .

فلا بد أن يكون عندك دليل ووثائق وبراهين تدمغ بها خصمك, وتظهر حجتك ورؤيتك .

خامساً – الهدوء في الرد

وذلك بأن لا يصل الأمر إلى رفع الصوت ، لأن رفع الصوت لا يكون إلا في الخطب والمواعظ التي تستلزم ذلك .

قال تعالى :( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) لقمان (19) .

وصاحب الباطل أحياناً يرفع صوته في الحوار ، حتى يظهر للناس أنه محق .

أما صاحب الحق فهو متزن ، يوصل كلمته في تمكن واطمئنان لأنه صادق .

سادساً – ذكر جوانب الاتفاق قبل الاختلاف

فإذا أتيت مثلا إلى كافر مشرك وثني تريد أن تجادله في ألوهية الله عز وجل ، فابدأ معه أولا فيما تتفق أنت وهو فيه ، وهو وجود الله – مثلاً – وآياته ومخلوقاته .

قال تعالى : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) الزمر (38)

فإذا جلس معك تقول له : مَنْ خلق السماوات والأرض ؟ فيقول : الله .

فتقول : أنا وإياك متفقان أن الله خلق السماوات والأرض .

فتتدرج معه ، ثم تقول : فمن يستحق العبادة بعد ذلك ؟

حينها يقف ، وربما يجيبك بأحد جوابين :

إما أن يقول : يستحقها الله ، فالحمد لله .

أو يقول : يستحقها الوثن وهو أنواع .

فتقول : الوثن لا يسمع ، ولا يبصر ، ولا يرى ، ولا يرزق ، ولا يخلق ، فكيف يستحق العبادة ؟!

حينها سوف يجيبك بالحق .

قال تعالى :( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ) آل عمران (64)

أي لنلتق على كلمة نتفق عليها ، وهي قوله تعالى بعد ذلك : ( أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ) ( آل عمران (64) .

وهكذا في فن التعامل مع المخالف أيًّا كان خلافه ، لأن في ذلك تسهيلَ وصوله – بإذن الله – تعالى إلى الطريق الصحيح بأقل كلفة ومؤونة معنوية كانت أو مادية .

سابعاً – التواضع في الرد

قال تعالى : (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) سبأ (24) .

[ص-23] فتظهر نفسك في البداية أنك لست جازماً بالحق, لتستدرج المخالف فتقول : أنا رأيي – وقد يكون رأيي خطأ – أن الموضوع كذا وكذا, فإنه حينئذ سيستأنس المخاطب, ويدلي بحجته, ويتأمل حجتك, لعلها أن تكون صائبة, فيجدها صائبة .

يقول أهل الإيمان في القرآن للكفار :( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) سبأ (24), ومعلوم أن أهل الإيمان هم الذين على هدى وأهل الكفر هم الذين على ضلال مبين ، ولكنه سحب المخالف للتأمل في الأدلة لما يرى من تواضع خصمه .

ثامناً – تحديد محل الخلاف

فبعض الناس يهيج ويغضب على غير مبدأ, وعلى غير نقطة خلاف . فهو لا يعلم لماذا اختلف مع زميله!

يقول العارفون : لا بد من تحديد نقطة الخلاف, حتى تتكلم أنت وهو على شيء محدد ، فيضبط كل واحد كلماته ويختارها بعناية .

وهذا هو منهج القرآن الكريم الذي يحدد مثلا الخلاف مع الكفار في اليوم الآخر, ثم يبدأ يحاورهم فيه .

تاسعاً – الرد إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم

قال تعالى :( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) النساء (59) .

فالرد إلى الله تعالى يكون بالرد إلى كتابه الكريم . والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يكون بالرد إلى سنته المطهرة .

فإذا اختلفت أنت ورجل في قضية ما ، فقل له : نحتكم إلى الكتاب والسنة ثم إلى أهل العلم الذين يبينون الكتاب والسنة بفهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم .

وحينها تسمعون الحكم الصريح من الكتاب والسنة ، لأن الله تعالى يقول : ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) الأنعام (38) .

[ص-24] ويقول سبحانه وتعالى : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) الأنبياء (7)

ويقول سبحانه وتعالى : ( إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ) النساء (83) .

عاشراً – التحاكم إلى صاحب أهلية في الحكم

فأنت إذا اجتمعت واختلفت أنت وزملاء لك, فالأحسن أن تقول نحكِّم فلاناً العالم الداعية بيننا .

وقد حدث مثل هذا في السيرة : عن عبد الله بن حنين رضي الله عنه أن ابن عباس رضي الله عنهما و المسور بن مخرمة رضي الله عنه اختلفا ، فقال ابن عباس : يغسل المحرم رأسه ، وقال المسور : لا يغسل المحرم رأسه ، فاحتكموا إلى أبي أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطاطأه حتى بدا رأسه ، ثم قال لإنسان يصب عليه : اصبب, فصب على رأسه ، ثم حرك رأسه بيده ، فأقبل بهما وأدبر ، وقال هكذا رأيته صلى الله عليه وسلم يفعل .

وعن سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الخفين . وأن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – سأل عمر عن ذلك فقال له نعم : “إذا حدثك سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تسأل عنه غيره” .

فلك أن تختار شخصاً من الأساتذة أو العلماء أو الدعاة بشرط أن يكون صاحب أهلية ، فتحكِّمه في المسألة المختلف فيها ، ثم تسمع أنت وإياه للحكم .

الحادي عشر – تجنب النيل من الشخص والتشفي من عرضه

كان ابن قدامة ( صاحب المغني ) إذا أراد أن يناظر أحداً تبسَّم في وجهه .

وكان أحد العلماء يقول : هذا والله يقتل الناس بتبسمه .

يقول المتنبي : ومـا قتـل الأحـرار كـالعفو عنهم ومن لك بالحرِّ الذي يحفظ اليدا [ص-25] والمعنى : أن التبسم والأريحية والهدوء يمتص حماس الخصم ، وقد يكون سبباً في منازلته لك بالإنصات والتقدير ، وبالتالي بإزالة الخلاف بحول الله .

وهذا هو المنهج القرآني الكريم ، فإن الله – تعالى – في نداءات كثيرة يقول عن اليهود والنصارى : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ)(سورة آل عمران الآية 64) وهو منهج الرسول صلى الله عليه وسلم – كما مر معنا – في حواره صلى الله عليه وسلم مع عتبة بن ربيعة المشرك ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تجنب النيل من شخصه وعرضه ، بل على العكس كنَّاه فقال له : أفرغتَ يا أبا الوليد ؟ ، كذلك عندما أخبر صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ – رضي الله عنه – عن الكلام الآثم من ذلك المنافق ( عبد الله بن أبي بن سلول ) فإنه صلى الله عليه وسلم – مع الأذى من ذلك المنافق – إلا أنه صلى الله عليه وسلم كناه بأبي الحباب .

ولكن حتى يكون طرحنا صحيحاً موافقاً للكتاب والسنة ، فإنه إذا تجاوز الأمر حده وبلغ السيل منتهاه ، وأصبح من المصلحة الشرعية النيل من هذا الشخص السيئ المتعدي الطاغي ، فإنه يُنال منه ويُنصر دين الله عز وجل ، وهذا – أيضاً – منهج قرآني كريم ، كما في قوله تعالى : ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) المسد (1) ، فإن الله – تعالى – ذكره باسمه وأهانه .

الثاني عشر – أن يحدد نوع الخلاف, هل هو في مسألة قطعية أو ظنية ؟

لأن خلاف التضاد, لا يعذر صاحبه عند أهل السنة .

مثل من ينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة ، كرجل يقول : أركان الإسلام أربعة .

فتقول : هي خمسة . وتذكرها له بالدليل .

فيقول : لا بل أربعة . ويذكرها ويسقط ركناً منها عامداً .

فهذا ليس بخلاف عند أهل السنة, بل هو ردَّةٌ وكفر .

وأما خلاف التنوع ومسائله ، فهي المسائل التي فيها سعة ؛ كالمسائل الفقهية التي يكثر فيها الخلاف في كل آن وحين . مثل الإشارة بالأصبع في التشهد ، أو وضع اليد في الصلاة ، أو صلاة التراويح, أو غيرها مما كثر فيه الخلاف وطال . والحل فيها ما قاله صلى الله عليه وسلم : إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر .

[ص-26] فلذلك تدعو للناس في هذه الحالة بالأجر وتلتمس لهم العذر ، ولا يجوز للمخالف في مسائل الفرعيات أن يعنف على من خالفه ، ولكن يظل الحق مع صاحب الدليل القطعي الأثري .

وقد أطال شيخ الإسلام في رسالته ” رفع الملام عن الأئمة الأعلام “, في ذكر أعذار العلماء في خلافاتهم مع بعضهم الآخر ، ودافع عنهم دفاعاً شديداً ، فارجع إليها فإنها رسالة نفيسة .

الثالث عشر – الإنصاف مع المخالف ولو كان عدواً لك .

قال تعالى : ( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) المائدة (8)

ولذلك تجد من لا يقيم هذا المبدأ في حياته يغضب منك إذا ذكرت صفة حسنة في عدو لك وله . كأن تذكر تفوق الدول الغربية في مسائل التعليم المادي, أو في سهولة إنجاز المعاملات, أو نحوها من الأمور الدنيوية .

وهذا ليس به بأس ؛ لأنه من ذكر المزايا الدنيوية لهذه الدول والتي تفوقوا فيها ، ولا دخل له من قريب أو من بعيد بالولاء والبراء ، كما يزعم بعض الناس ، لأننا نعلم أن أشد الناس عداوة لنا هو من عادانا بسبب الدين :

كل العداوات قد ترجى إماتتها إلا عداوة من عاداك في الدينِ .

ولذلك قال عمرو بن العاص – رضي الله عنه – في الروم : إن فيهم أربع خصال :

1 – أنهم أحلم الناس عند فتنة .

2 – وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة .

3 – وأوشكهم كرة بعد فرة .

4 – وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف .

5 – وخامسة حسنة جميلة : وأمنعهم من ظلم الملوك . .

وأما مسألة أهل البدع وذكر محاسنهم ، فإنها مسألة أخرى غير هذه ، وهي مما طال فيه الجدال بين الدعاة والشباب في هذا الزمان .

والصواب فيها – إن شاء الله – أن أهل البدع ليسوا على شاكلة واحدة ، فمنهم الذي اجتهد عن حسن نية في اختياراته وترجيحاته, ويظن أنه على منهج أهل السنة ، ولكنه ضل الطريق لحكمة إلهية . فهذا نعذره ونبين خطأه مع ذكر محاسنه كالحافظ ابن حجر ، والنووي والقاضي عياض ونحوهم .

وآخرون استمرؤوا البدع ونابذوا أهل السنة عن علم ، وعن بغي وعدوان .

[ص-27] فهؤلاء لا نذكر محاسنهم أبداً ، لأن في ذلك تلبيساً على المسلمين ، بل نحذر منهم ونفضحهم . وهذا كحال الجعد بن درهم ، والجهم بن صفوان ، والعلاف ، والنظام ، وغيرهم من دعاة البدعة ورءوسها ، قديماً ومن سار على دربهم حديثاً .

أما من يستخدم هذا المنهج الأخير مع دعاة الإسلام ، وأهل الفضل ، فهو خاطئ : أقلـــــوا عليهـــــم لا أبـــــا لأبيكمـــــو من اللوم أو سدوا المكان الذي سدّوا

الرابع عشر – إحسان الظن

إذا تأكد لديك يقيناً نهائياً أن هذا الأمر المخالف أو الخاطئ صدر من أخيك المسلم فلان ، فإن من أولويات ردود الفعل لديك أن تحسن الظن بأخيك المخطئ وأن تتهم نفسك أولاً حتى تسمع رأيه ، ولقد أمرنا الله – تعالى – بهذا في كتابه الكريم بقوله سبحانه :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) الحجرات (12) .

وقوله تعالى :( لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا) النور (12) فالواجب كما ظننت – أيها المؤمن – بنفسك الخير أن تظن بأخيك المؤمن خيراً ، لأنه ربما يصلك الخبر صحيحاً من طرقه ، ولكن يكون المعنى على غير الذي فهمت تماماً ، فالواجب هو إحسان الظن ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الظن فقال عليه الصلاة والسلام : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث .

وكذلك ما رواه البخاري عن شكوى أهل الكوفة في عمار رضي الله عنه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن عمارا لا يحسن الصلاة بهم ، وهم لم يصيبوا في ذلك فإن عمارا رضي الله عنه صحابي صلى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، فردَّ على شبهتهم بأنه كان يصلي بهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر رضي الله عنه : ( وهذا هو الشاهد) “ذاك ظننا بك يا أبا إسحاق ” .

إذا من أولويات أدب الخلاف حسن الظن بالمسلمين ؛ لأن المسلم الأصل فيه السلامة ما لم يأتٍ قادح يقدح فيه ، أما غير المسلم فإن هذا الأمر لا يشترط توفره ؛ لأن الأصل فيه عكس ذلك ، ولكن يأخذ الأمر ويقدر بقدره مع كامل الحيطة والحذر والصدق والعلم والعدل وسلامة النقل .

الخامس عشر – اختلاف الخلاف :

وأقصد من هذا أن الخلاف ليس على وتيرة واحدة وليس كتلة واحدة يقدر بقدر واحد ويحاور بأسلوب واحد ، لا ، فإن الخلاف عموماً على ضربين مختلفين تماماً ولا يلتقيان ألبتة ما داما كذلك :

فأولها : الخلاف المحرم وهو المذموم المنهي عنه وهذا غير سائغ أبداً ، وهو بكل بساطة خلاف أهل الباطل على مختلف مستوياتهم ودركاتهم ، وأشد أهل هذا النوع هم الملاحدة والكفار والمنافقون بجميع نحلهم وأديانهم الباطلة ، ثم يأتي بعدهم أهل الزيغ والبدع المكفرة ، ثم أهل البدع المفسقة ، وهكذا ، وليس مقصودي هنا التعداد وإنما توضيح الفكرة .

وأما النوع الثاني من الخلاف : فهو الخلاف السائغ الذي أشار إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله : إذا حكم الحاكم فاجتهد . . . . . الحديث .

وفي معنى الحديث الشريف أنه ربما يجتهد هذا الحاكم صاحب الأهلية في الاجتهاد فلا يصيب ، أي يخالف الصواب ومع ذلك فله أجر .

فإذا عرفنا أقسام الخلاف وفهمناها جيداً أدركنا بمشيئة الله تعالى تصنيف المخالفين التصنيف السليم الصحيح ، فلا يصح إطلاقاً أن نخلط في الحوار وإقامة الحجة بين النوعين ؛ لأن في ذلك ظلماً وإجحافاً على المسلمين القاصدين الخير ، ولكن على كل حال يجب توضيح المنهج الحق الذي ارتضاه الله تعالى لعباده .

السادس عشر – ضع نفسك في محل المخالف

لأنك إن وضعت نفسك في مكان المخالف فإنه سيكون بإذن الله تعالى عوناً أدبيًّا لك في تحقيق بقية الآداب السابقة في أصول الحوار وفن التعامل مع المخالفين, فأنت تحب أن ينصحك الآخرون بأسلوب هادئ ومستور, وإن أمكن بالتلميح لا بالتصريح, كذلك تحب أن يبتسم لك الناس ولا يغلظون لك القول ، ولا يظهرون أنفسهم بأنهم أعلم منك ، ولا يشهرون بك في المجالس ، ولا يتهمونك بالانحراف ، وغير ذلك من الآداب التي يحبذها كل إنسان !

فإذا اتفقنا على ذلك ، فلماذا لا نجعل هذه الأمور نصب أعيننا وفي ذاكرة كل واحد منا في أسلوب التعامل مع بعضنا الآخر أو حتى مع غيرنا ؟! فإذا ما اتضح لك أن هذا المخالف للصواب لا يجدي معه ذلك فإن الخلاف يقدر بقدره – كما أسلفنا – على حسب نوعيته ، ويتعامل مع المخالف على ضوء التعاليم الشرعية كما مر معنا ، المهم هو تحقيق المبدأ الشرعي الذي أمرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه “من الخير وأن لا ننسى أبداً قول الله تعالى : (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ) النساء (94) .

-- د . عائض القرني

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*