الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » الجذور التاريخية لحقيقة الغلو والتطرف والإرهاب والعنف

الجذور التاريخية لحقيقة الغلو والتطرف والإرهاب والعنف

مقدمة

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما أما بعد :

فإن الله – عز وجل – تعبدنا بهذا الدين : الإسلام ولم يرض لنا عنه بديلا : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)(سورة المائدة الآية 3 ) بل لا يقبل – سبحانه – من الناس دينا يدينون به غيره : ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ )(سورة آل عمران الآية 19) وقال : ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)0سورة آل عمران الآية 85)

وهذا الإسلام دين وسط بين الأديان ، والمسلمون حقا هم الوسط بين الأمم ، وكذا أهل السنة والجماعة : أهل الاستقامة هم الوسط بين فرق الإسلام ، قال سبحانه في آية البقرة : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)0سورة البقرة الآية 143 ) فالأمة الوسط الذين هم على العدل والقسط وعلى منهاج الاستقامة والسنة .

وفي هذا البحث أتحدث عن الجذور التاريخية لحقيقة الغلو والتطرف والإرهاب والعنف ، والذي اشتمل على مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول .

ففي المقدمة خطبة البحث ، وخطته ، وطرف من أهميته في تميُّزِ هذه الأمة وخصوصية دينها الإسلام بالعدل والوسطية من خلال منهاج السنة والاستقامة التي أبانها لها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – .

وفي التمهيد تحديد لحقيقة مصطلحات البحث :

1 – أولا في معنى الغلو وحقيقته ، وما جاء من النصوص الشريفة في الوحيين تحذيرا منه .

2 – ثانيا في معنى التطرف وحقيقته .

3 – ثالثا في معنى الإرهاب وحقيقته , وتحديد مصطلح الإرهاب المعاصر .

4 – رابعا في معنى العنف وأقسامه .

5 – خامسا في العلاقة بين الغلو والتطرف والإفراط ونحوهما .

6 – سادسا في الفرق بين الاستقامة والغلو والتطرف والإرهاب .

ثم جاء الفصل الأول : في تاريخ التطرف والغلو الديني ، واشتمل على :

1 – أولا : الغلو في قوم نوح – عليه السلام – وآثاره .

2 – ثانيا : الغلو والتطرف لدى اليونان وآثاره .

3 – ثالثا : الغلو والتطرف لدى أهل الكتاب وآثاره .

وذلك من خلال التطرف والغلو الديني المتعلق بالعقيدة والفكر والشريعة .

ثم جاء الفصل الثاني : في نشأة التطرف والغلو في الدين عند المسلمين, تأثرا بمن قبلهم من الأمم والديانات ، واشتمل على :

1 – أولا : غلو الخوارج وأهم مظاهره ، مع بيان أثر غلو الرافضة ، وأثر اليهود فيه .

2 – ثانيا : علاقة نشأة الغلو والتطرف لدى المسلمين بالعقائد القديمة .

3 – ثالثا : تطرف المعتزلة وغلوهم ، وآثاره .

ثم جاء الفصل الثالث : في التطرف والغلو في باب الأسماء والأحكام وآثاره . مشتملا على خمسة مباحث :

1 – أولا : ما المراد بالأسماء والأحكام وأثرهما .

2 – ثانيا : الفرق الغالية في هذا الباب وأقوالها .

3 – ثالثا : مناقشة أقوال الغلاة .

4 – رابعا : الرد على الوعيدية من الخوارج والمعتزلة في استدلالهم بآية النساء .

5 – خامسا : أثر الغلو في الأسماء والأحكام لدى الوعيدية .

هذه مضمونات هذا البحث وفصوله ومباحثه ، فإن وُفقت للصواب والعدل من القول ، فهو من توفيق ربي وهدايته ، وإن كان غير ذلك فمن نفسي والشيطان ، وأعوذ بالله من ذلك وأستغفر ربي وأتوب إليه . والله المسؤول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجه ، ومقربا للزلفى لديه ، وهو – سبحانه – الموفق والهادي إلى سواء السبيل ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الفصل الأول

معنى الغلو وحقيقته وبيان بعض المصطلحات المرادفة معنى الغلو

بالرجوع إلى المصادر والمعجمات اللغوية ظهر أن الغلو هو : مجاوزة الحد وتعديه .

قال الجوهري في الصحاح :

(( غلا في الأمر يغلو غلوا ، أي جاوز فيه الحد )) .

وقال الفيروزآبادري في القاموس :

(( غلا غلاء فهو غالٍ وغَلِيّ ضد الرخص . . . وغلا في الأمر غلوا جاوز حدّه)) .

ووافقه الزبيدي في تاج العروس .

وقال ابن منظور في اللسان :

(( . . . . أصل الغلاء : الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء . . . . . يقال : غاليت صداق المرأة أي أغليته . ومنه قول عمر رضي الله عنه : (( ألا لا تغالوا في صدقات النساء )) وفي رواية : (( لا تغالوا في صداق النساء )) . أي لا تبالغوا في كثرة الصداق .

وغلا في الدين والأمر يغلو غلوا : جاوز حدّه .

قال : قال بعضهم : غلوت في الأمر غُلوا وغلانية وغلانيا إذا جاوزت في الحد وأفرطت فيه ، ويُقال للشيء إذا ارتفع : قد غلا .

قال ذو الرمة : فمـا زال يغلـو حـبُّ ميَّةَ عندنا ويزداد حتى لم نجد ما نزيدها

وقال الفيومي في المصباح المنير :

(( . . . . وغلا في الدين غُلوا من باب قعد وتصلب وتشدد حتى جاوز الحد وفي التنزيل : (لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ )(سورة النساء الآية 171 )وغالى في أمره مغالاة بالغ )) .

وقال ابن فارس في المعجم :

(( غلو : الغين واللام المعتل أصل صحيح في الأمر يدل على ارتفاعٍ ومجاوزة قدرٍ, يُقال : غلا السعر يغلو غلا وذلك ارتفاعه ، وغلا الرجل في الأمر غُلوا إذا جاوز حدّه ))ا هـ . وكذا نحوه في المجمل .

ومما سبق يتبين أن الغلو في سائر استعمالاته يدل على ” الارتفاع والزيادة ومجاوزة الأصل الطبيعي أو الحد المعتاد ” .

ومنه قوله – صلى الله عليه وسلم – في حديث أبي ذر : (( . . . . أي الرقاب أفضل قال : أغلاها ثمنا وأنفعها عند أهلها متفق عليه .

وحديث النعمان بن بشير – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : أهون أهل النار عذابا يوم القيامة رجل على أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل متفق عليه .

فغلا الثمن : إذا ارتفع وزاد سعره .

وغلت القدر : إذا زادت حرارتها وارتفعت .

وغلا في مشيه : إذا أسرع وزاد فيه .

وتغالى اللحم : ارتفع وذهب ، ومنه قول لبيد بن أبي ربيعة : فإذا تغالى لَحمُها وتحسَّرت وتقطَّعـت بعد الكلال حِذافها

وعليه فحقيقة الغلو :

هو : الزيادة ومجاوزة الحد الشرعي الواجب .

قال تعالى : ( لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ)(سورة النساء الآية 171)

وقال سبحانه في آية المائدة :( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)( سورة المائدة الآية 77)

وقال سبحانه في آيات عديدة جاءت في النهي عن الطغيان ” وهو غلو في الغي ” كما قال تعالى في آخر سورة طه لبني إسرائيل : ( وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي)(سورة طه الآية 81) وقوله عن فرعون وملئه في غير ما آية : (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)(سورة النازعات الآية 17 ) وقال عن الخاسر صاحب الجحيم ( فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا )(سورة النازعات الآية 37-38) الآية ، وقال في آخر سورة هود : (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )(سورة هود الآية 112 )

ومما ورد في السنة أيضا : ما رواه أحمد بإسناده عن عبد الرحمن بن شبل قال سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه ، ولا تجفوا عنه ، ولا تأكلوا به . . . . .

وفي حديث ابن عباس – رضي الله عنه – قال : قال لي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – غداة العقبة وهو على ناقته : القط لي حصى ، فلقطت له سبع حصيات هن حصى القذف ,فجعل ينفضهن في كفه ويقول : أمثال هؤلاء فارموا ، ثم قال : يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين ؛ فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين . رواه أحمد وابن ماجه والحاكم وغيرهم .

فمما سبق يتبين أن الكتاب والسنة يخصصان عموم اللغة ، وأن الغلو هو : (( الإفراط في مجاوزة المقدار المُعتبر شرعا في أمرٍ من أمور الدين )) .

معنى التَطّرف

التطّرف هو تفعَّل – بتشديد العين – من طرف يطرف طَرَفا بالتحريك ، وهو الأخذ بأحد الطرفين والميل لهما : إما الطرف الأدنى أو الأقصى ومنه أطلقوه على الناحية وطائفة الشيء . . ومفهوم التطرف في العرف الدارج – في هذا الزمان – : الغلو في عقيدة أو فكرة أو مذهب أو غيره يختص به دين أو جماعة أو حزب .

ولهذا فالتطرف يُوصف به طوائف من اليهود ومن النصارى , فثمة أحزاب يمينية متطرفة أو يسارية متطرفة . فقد وصفت بالتطرف الديني والحركي والسياسي .

ووصف الغلو بالتطرف له وجهه المسوغ له بأخذ أحد الطرفين ، كما قال الأول : لا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد كـــلا طــرفي قصــد الأمــور ذميــمُ ولكن الوصف الشرعي للتشدد في الدين والغلو فيه يجب أن يكون مرجعه إلى الشرع نفسه لا اصطلاح الناس ومفاهيمهم وإطلاقاتهم ، كما دل عليه حديث ابن عباس – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال في الحج : أمثال هؤلاء فارموا ، وإياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين رواه أحمد وابن ماجه والحاكم وصححه . .

معنى الإرهاب

الإرهاب لغة : مصدر مأخوذ من رَهب كعلم يرهب رهبا ورهبانا وأرهابا بالفتح والكسر ، وهو الإخافة والتخويف .

ويدور معنى الإرهاب شرعا على شدة الخوف والتخويف الواقع على الفرد أو على الجماعة وهو في حقيقته وحكمه نوعان :

(1) إرهاب مشروع بصريح القرآن في آية الأنفال في قوله تعالى : ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ*وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )(سورة الأنفال الآية 60-61)

فإن إخافة العدو الكافر المعاند لدعوة الله بالجهاد في سبيل الله وإرجافه بالعدة والقوة من مقاصد الجهاد الإسلامي ، ليكف شره ، وينتهي عن ظلمه ، ولعله أن يهتدي إلى دين الله عز وجل . وهذا الحكم خاص بالمحاربين من الكفار أو البغاة .

(2) إرهاب غير مشروع ، بل هو محرم وممنوع : في تخويف الآمنين وإدخال الرعب والفزع عليهم ، سواء كانوا مسلمين أو مستأمنين أو معاهدين أهل ذمة أو غيرهم . فهو على المسلمين حرابة وعلى غيرهم ظلم ! وهو في الجميع إفساد في الأرض جاء النهي عنه صريحا في القرآن والسنة وفي إجماع العلماء .

فمناط ذلك على الظلم ، حيث تخويف الآمن وإرهابه ظلم واعتداء ، وهو محرم بإجماع الملل والشرائع السماوية . فقد روى الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح عن أبي ذر – رضي الله عنه – يرفعه إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : قال الله عز وجل :

يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا .

وفي صريح القرآن قوله تعالى من سورة يونس : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(سورة يونس الآية 44) وقوله في سورة الممتحنة : ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )(سورة الممتحنة الآية 8)

هذا فضلا عما ورد من أدلة شريفة في وجوب الوفاء بالعهد وإيفاء الوعد ، وتحريم قتل النفس بغير حق, وتحريم قتل المرأة والوليد والراهب والشيخ الكبير من الكفار .

تحديد مصطلح الإرهاب المعاصر

وقد صدر في تحديده بيان عن مجمع الفقه الإسلامي في رابطة العالم الإسلامي بمكة في دورته السادسة عشرة ، المنعقدة في شوال من عام 1423هـ بمكة المكرمة ، حيث حدَّدوا الإرهاب بتحديد سبقوا به جهات عالمية عديدة غالطت في معناه ودلالاته ، وجاء في بيانهم أن :

(( الإرهاب هو العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول بغيا على الإنسان في دينه ، ودمه ، وعقله ، وماله ، وعرضه ، ويشمل صنوف التخويف والأذى والتهديد والقتل بغير حق ، وما يتصل بصور الحرابة وإخافة السبيل وقطع الطريق ، وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس ، أو ترويعهم بإيذائهم ، أو تعريض حياتهم ، أو حريتهم ، أو أمنهم, أو أقوالهم للخطر ، ومن صنوفه إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد مرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة ، أو تعريض أحد الموارد الوطنية ، أو الطبيعية للخطر .

فكل هذا من صور الفساد في الأرض التي نهى الله – سبحانه تعالى – المسلمين عنها قال تعالى : ( وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ )(سورة القصص الآية 77) .

والإرهاب في المصطلح العربي المعاصر : لا يفرق بين المحقق والمبطل – فمقاومة المحتل والرد عليه تسمى إرهابا عندهم والاستسلام له يسمى سلاما وتعاونا . بل ولو طال بهم زمان لسموا كل مسلم إرهابيا .

معنى العنف

بالرجوع إلى المعجمات اللغوية في مادة العنف وجد أنها مثلثة العين : بالرفع والفتح والكسر وهو ضد الرفق . وهو الشديد في القول والفعل .

وحقيقة العنف : أنه الشدة في قول أو رأي أو فعل أو حال ! وهو ما يُولد ما يسمى بالعنف العقدي ، والعنف العلمي والعنف الفكري في الرأي والفهم والتصور ؟! إذا العنف نتيجة للغلو والتطرف . .

ومما جاء في ذم العنف والشدة قوله – صلى الله عليه وسلم – : ليس الشديد بالسرعة ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب .

العلاقة بين الغلو والتطرف والإفراط ونحوهما

الغلو – في الحقيقة – أعلى مراتب الإفراط في الجملة . فالغلو في الكفن مثلا هو المغالاة في ثمنه والإفراط فيه .

والغلو أخصّ من التطرف ؛ إذ إن التطرف هو مجاوزة الحدِّ , والبعد عن التوسط والاعتدال إفراطا أو تفريطا ، أو بعبارة أخرى : سلبا أو إيجابا ، زيادة أو نقصا ، سواء كان غلوا أم لا ، إذ العبرة ببلوغ طرفي الأمر , وهو الغلو في قول القائل : لا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد كـــلا طــرفي قصــد الأمــور ذميــمُ فالغلو أخص من التطرف باعتبار مجاوزة الحد الطبيعي في الزيادة والنقص ، في حال النقص يسمى غلوا إذا بالغ في النقص ، فيقال : غلا في النقص ، كما في قول اليهود جفاء في حق المسيح ابن مريم عليهما الصلاة والسلام . وكذلك في الزيادة إذا بالغ فيها كقول النصارى في المسيح ابن مريم غلوا .

والتطرف : الانحياز إلى طرفي الأمر ، فيشمل الغلو ، لكن الغلو أخص منه في الزيادة والمجاوزة ، ليس فقط بمجرد البعد عن الوسط إلى الأطراف .

أو بمعنى آخر : كل غلو فهو تطرف, وليس كل تطرفٍ غلوا .

الفرق بين الاستقامة و( الغلو والتطرف والإرهاب ) :

في الواقع لا تلازم بين التمسك بالنصوص والغلو ؛ فقد كان الصحابة رضي الله عنهم أشدَّ الناس تمسكا واقتضاء لنصوص الشريعة ، ومع هذا لم يحصل منهم غلو أو تشديد ، خلا في قضايا عينية في حياة النبي – صلى الله عليه وسلم – أرشد عليه الصلاة والسلام أصحابه إليها وعلَّمهم وبيّن لهم طريق العبادة المعتدل ، فانتهوا . وسببه هو موافقة هذا الاستمساك منهم – رضي الله عنهم – لعلم صحيح, وفهم سليم ، وهمة حريصة على العلم والبصيرة ، فنجوا من الغلو فضلا عن الاستمرار فيه ، لكن لما بعد الناس عن زمان الأفاضل ، وصار الدين غريبا , وأطبق الجهل على كثير من أهل الإسلام ، صار المتمسك بسنة المصطفى – صلى الله عليه وسلم – العاضُّ عليها بنواجذه منبوذا مُستهزءا به في تلك المجتمعات ، وأطلقوا عليه عبارات النبز كالمتزمتين والغالين والمتطرفين والأصوليين والإرهابيين . . . . ونحوها من الألقاب التي روجتها بعض وسائل الإعلام عن أعداء الإسلام !

والواقع أن التمسك بنصوص الكتاب والسنة ، وفهمها فهما صحيحا يعد عند هؤلاء المتهاونين بأحكام الشريعة الغافلين عنها ، غلوا وتطرفا ، وذلك بالنظر إلى ما هم عليه من تفريط ظاهر ، وقصور في إظهار منهج الإسلام .

ولنأخذ مثالا يوضح ما سبق : فدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية اتهمت من كثير من الناس – بتكفير الناس – الذي هو مظهر من مظاهر الغلو البارزة – أو أنهم خوارج . . . . . . ونحوها من ألقاب تفيد مجاوزة اعتدال الإسلام وسماحته , وينبزونهم بألفاظ هي في الشريعة وصف لأقوام متشددين لا فقه لهم ولا نظر وهي من ذلك براء براءة الذئب من دم يوسف – عليه السلام – ، لكن ما حيلة من شرق بها إلا ذلك . والملحوظ أن المتمسكين بمدلولات النصوص الشرعية يكونون غلاة متشددين بنسبتهم إلى المفرطين الذين يحملون الإسلام وصفا , وعند نسبتهم إلى ميزان الشريعة لا نجد عندهم معنى التمسك المطلوب ، وهو الاستقامة على أحكام الكتاب والسنة .

فالمقصرون يلمزون المتمسكين بالغلو والتطرف والإرهاب أو التشدد ، على أن ما هم عليه هو اعتدال الإسلام وتوسطه ، وما أظهروه هو الاعتدال ، وهو في الحقيقة ليس كذلك ؛ إذ هو التقصير والتفريط في بعض شعائر الإسلام وأحكامه . أما الاعتدال والتوسط فهو في دين الله ومنهاج دينه ، ولا يخفى أن من يتهم أحدا بالتطرف أو الغلو ونحوهما ، غايته التنفير والتحذير منهم وليس لكونهم متجاوزين لحدود الشريعة ووسطية الإسلام ، كما هو الحال فيمن اتهم دعوة الشيخ السلفية الإصلاحية بذلك ؟!

أعني أن هذه الدعاوى ليست من باب الأسماء والأحكام ، أو لتبين معاني شرعية بقدر ما هي لأغراض وأهواء ذاتية أو محدودة . فتكون بذلك من تحميل مصطلحات الشارع ما لا تحتمل ، ومن استعمال المعاني الشرعية في الأغراض الشخصية الضيقة والغايات السياسية المحدودة !

أولا – الغلو في الصالحين من قوم نوح عليه السلام

وذلك أن سبب بعثة نوح – عليه السلام – إلى قومه وجود الغلو فيهم بالصالحين ، حيث كان الغلو سببا في كفرهم وشركهم مع الله في عبادته غيره ، فلقد غلا قوم نوح قبل مجيئه إليهم في رجال كانوا صالحين فغلوا في محبتهم حتى عبدوهم من دون الله , ثم إنهم صوَّروا لهم أصناما تكون رمزا لعبادتهم حتى ظهرت بدعتهم إلى جاهلية العرب قبل مجيء الرسول – صلى الله عليه وسلم – . كما قال تعالى : ( وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا)(سورة نوح الآية 23)

حيث أخرج البخاري بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما ، قال في هذه الآية : (( صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعدُ ، أما ودّ فكانت لكلب بدومة الجندل ، وأما سواع فكانت لهذيل ، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطفان . . . وأما يعوق فكانت لهمذان ، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم , ففعلوا فلم تُعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخ العلمُ عُبدت ))ا هـ والأنصاب جمع نصب وهو الصنم يُنصب للميت لتخليد ذكراه . هذه في الحقيقة تمثل مظهرا جليا من الغلو ، في باب الغلو في الأشخاص .

ثانيا – الغلو والتطرف لدى اليونان

لماذا الوثنية اليونانية بالذات لتاريخ التطرف والغلو بها قديما ؟

إن إيراد هذا السؤال مهم ، فلماذا العناية ببيان وثنية هؤلاء القوم ؟ إنه انقداحُ ذهن وتلمسٌ من قوله تعالى في سورة براءة : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)(سورة التوبة الآية 30)

فذكر سبحانه في هذه الآية مشابهة قول اليهود والنصارى في دعواهم البنوة لله عز وجل مَن قبلهم مِن الكافرين الذين قالوا مقالات هي أصل لهذه المضاهاة .

قال ابن كثير – رحمه الله – على قوله : سورة التوبة الآية 30 يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ

أي : يشابهون من قبلهم من الأمم ، ضلوا كما ضل هؤلاء .

ونقل ابن الجوزي في تفسيره “زاد المسير” .

وفي قوله تعالى : ( يُضاهِئُونَ ) قراءتان : بالهمزة وهي لعاصم وحده , وبقية السبعة ((يضاهون)) بلا همز : وانظر : ” السبعة ” لابن مجاهد 314 ، و” القراءات العشر المتواترات ” 192 ، ” النشر ” 1 / 406 ، و” التيسير ” 118 عن الزجاج قوله : ( يُضَاهِئُونَ ) يشابهون قول من تقدمهم من كفرتهم ، فإنما قالوه اتباعا لمتقدميهم .

ثم قال ابن الجوزي : وفي قوله : سورة التوبة الآية 30 الَّذِينَ كَفَرُوا هاهنا ثلاثة أقوال :

أحدها : أنهم عبدة الأوثان ، والمعنى أن أولئك قالوا : الملائكة بنات الله ، قاله ابن عباس .

الثاني : أنهم اليهود ، فالمعنى أن النصارى في قولهم : المسيح ابن الله ، شابهوا اليهود في قولهم : عزير ابن الله . قاله قتادة والسدي .

والثالث : أنهم أسلافهم ,تابعوهم في أقوالهم تقليدا ,قاله الزجاج وابن قتيبة . ا . ه .

ونحوه ما حكاه القرطبي والشوكاني في تفسيرهما عند هذه الآية وقبلهما الحافظ ابن جرير الطبري على آية براءة . وعلى كلٍ فالأقوال الثلاثة ليست متعارضة ، وليس الخلاف بينها اختلاف تضاد ، بل هو من قبيل اختلاف التنوع ، إذ المعنى يحتمل أحد الأقوال كما يحتملها جميعا .

ومما يدخل في معنى الذين كفروا من قبل اليهود والنصارى : مَن سبقهم من الأمم ، التي شابهت مقالة اليهود والنصارى في دعوى البنوة لله مقالتهم .

وهذه المقالة – بتولّد الآلهة وكون لها أبناء – عقيدة وثنية صريحة واضحة عند الأمة اليونانية القديمة !

فلذا دخل اليونانيون الوثنيون في مفهوم الآية ومنطوقها من هذا الاعتبار فهم ممن كفر قبلُ . وهو أيضا مظهر جلي للغلو والتطرف الديني الذي أورث العنف والتكفير والإرهاب لمن لم يوافقهم في العقيدة الوثنية .

هذا فضلا عن تأثير الوثنية اليونانية على من بعدها من الأمم حيث ظهر تأثيرهم الوثني على اليهود والنصارى وفرق وعلى بعض الفرق الضالة من الجهمية والمعتزلة والمتكلمين وقبلهم الفلاسفة . . . فضلا عن تأثيرهم في غيرهم من الأمم الوثنية المشركة من المجوس والهندوس والرومان . . . . إلخ .

فإذن في تجلية الغلو والتطرف والانحراف الوثني في العقيدة اليونانية بيان للذين كفروا من قبل ومبلغ معرفتهم بربهم ، المتمثل في أدنى دركات الجهل ، والعمى عن رب العالمين ,وإن بلغوا مبلغا متقدما في العمران المادي للدنيا بما خلفوه من تراث مادي بارز .

والموضوع أيضا من دلالة قوله تعالى : ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)(سورة الأنعام الآية 11) وقوله (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ)(سورة يوسف الآية 109 ) وقوله ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(سورة الروم الآية 9) وقوله : ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ)(سورة الروم الآية 42)

وقوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا)(سورة فاطر الآية 44)

وقوله : ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ )(سورة غافر الآية 21)

وقوله تعالى في آخر السورة :( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )( سورة غافر الآية 82)

ولا شك أن اليونانيين وغيرهم من متقدمي الغلاة والمتطرفين في دينهم داخلون في مطلوب التفكر والاعتبار والاتعاظ ومحاذرة طريقهم ومناهجهم في الآيات .

ثالثا – التطرف والغلو لدى أهل الكتاب

ثم وجد بعد ذلك نوع من الغلو عند بني إسرائيل من يهود ونصارى كما سبق في قوله تعالى في سورتي النساء والمائدة : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ)(سورة النساء الآية 171) كما وجد الغلو في التكفير عند كل من اليهود للنصارى والعكس قال الله تعالى :(وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ)( سورة البقرة الآية 113 ) حتى أدى بهم الأمر إلى استباحة دماء وأعراض كل منهما الآخر فاليهود تُقرُّ مبدأ القتال لأنه مرتبط بوجودهم وبقائهم وأنهم أبناء الله وأحباؤه وما سواهم أميون يجوز أن يفعلوا بهم ما شاؤوا على مبدئهم الخبيث أنهم شعب الله المختار وكما قصَّ الله عنهم في قولهم :( وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)( سورة آل عمران الآية 75) وخدم لهم مسخرون لأجلهم .

والنصارى تقرر أنها وارثة اليهودية بشريعة عيسى – صلى الله عليه وسلم -, كما ونقموا على اليهود لأنهم صلبوا عيسى – صلى الله عليه وسلم – كما يظنون .

سورة المائدة الآية 18 وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ الآية [المائدة : 18]

فأهل الكتاب – ولا سيما اليهود – عندهم مظاهر الغلو والتطرف واضحة جلية في مناحٍ شتى في التغالي والكبر والعجب والتيه على الناس جميعا مسلمين ونصارى وغيرهم .

وأيضا في عقيدتهم وتميزهم عن الناس بالدعاوى الباطلة من كونهم أبناء الله وأحباءه, وزعمهم أنهم شعب الله المختار ، وأنه ليس عليهم فيما يفعلون في غيرهم من الظلم والبغي والاعتداء حرج وسبيل .

وأعظم مظاهر تطرفهم وغلوهم ما كان في جناب الله – عز وجل – من وصفه سبحانه وتعالى بالنقائص , وإضافة العيوب إليه ، ومما فضحهم الله به في القرآن :

1 – قولهم إن الله فقير ونحن أغنياء ، كما في آخر سورة آل عمران : (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ *ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ *الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(سورة آل عمران الآية 181 -183)

2 – ووصفهم الله بالبخل والطمع ، كما في سورة المائدة في قوله تعالى : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)(سورة المائدة الآية 64)

3 – وعيبهم الله بالتعب والإعياء في خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، مما أكذبهم الله بقوله في سورة ق ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ)(سورة ق الآية 38)

4 – ومن إرهابهم : قتلهم أنبياء الله ورسله إليهم وفسادهم وإفسادهم في الأرض وفي حكم الله ، مما تواردت عليه آيات كثيرة في القرآن من أولها قوله تعالى في سورة البقرة : ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)(سورة البقرة الآية 61)

أولا – غلو الخوارج

وذلك أنهم سعوا بالفتنة والخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان – رضي الله عنه – ، بدء بخروج قوليٍّ عليه بالسعاية بالفتنة والبغي عليه ، ثم خرجوا عليه بالفعل بحصاره وشتمه وذمه ثم بقتله – رضي الله عنه – ، ولمَّا قتل عثمان – رضي الله عنه – ظلما وعدوانا وغدرا ظهرت الفتن ، وثارت أعاصير الشبهات ، وأقبلت الفتن مهرولة يحمل رايتها الغلو والتطرف والإرهاب الممنوع للآمنين المطمئنين من المسلمين خصوصا ، فكان غلو الخوارج وتشددهم وخاصة في التكفير وموقفهم من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – ، فكانت مظاهر تطرف الخوارج وإرهابهم يتمثل في غلوهم في دينهم من خلال أصولهم العقدية التي اشتهرت عنهم بعد هذه المرحلة التأريخية ، حيث تأصلت أصولهم ، وظهرت قواعدهم في عقيدتهم وفي تعاملهم مع المسلمين من خلال :

التكفير للمسلمين : ولاة وعلماء وعامة بمجرد حصول الذنب من أيٍ منهم ، ومنه حكموا على علي بن أبي طالب وقبله عثمان بن عفان وعلى معاوية ومن معهم رضي الله عنهم بالكفر في أعيانهم , ثم أفرد هذا عندهم إلى كل صاحب ذنب من المسلمين . فإنه بمجرد حصول الذنب منه يكفر عينا ويخرج من الملة إلا أن يتوب فعليه الدخول في الدين مجددا .

ترتب على التكفير الخروج على المُكفرين بالسيف ، وبالقتال ، وهو استحلال دماء المُكفرين وأعراضهم وأموالهم .

( وسيأتي لهذين الأصلين مزيد بيان ومناقشة في الفصل الثالث : الغلو التطرف في باب الأسماء والأحكام ) .

هذا وزادوا في أواخر المائة الأولى وأوائل الثانية بإنكار السنة والتعويل على القرآن فقط بزعمهم ، فأنكروا حدَّ الرجم لعدم وروده في القرآن ، وإلزام المرأة الحائض بقضاء الصلاة أثناء عذرها بالحيض أو النفاس كما تقضي الصوم!

تنبيه :

حصل تلاقح عقدي بين المعتزلة والخوارج في مسائل الحكم على الناس بالإيمان والكفر ، كما حصل تلاقح عقدي بينهما في باب أسماء الله وصفاته ، حيث فشى بين طوائف الخوارج ولا سيما الإباضية القول بخلق القرآن ، وإنكار رؤية الله في الدار الآخرة ، وفي الجنة .

حصل هذا بتتبع كتب القوم ، واستقراء مصادر العقيدة مما يضيق المقام عن تعدادها ولشيخ الإسلام ابن تيمية قصب التميز والتنويه عن هذا .

ثم ظهرت غالية السبائية – نسبة إلى عبد الله بن سبأ الصنعاني اليهودي ابن السوداء أول من أوقد الزندقة في الإسلام – في ذات علي – رضي الله عنه – ، فقد قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في مختصر سيرة الرسول – صلى الله عليه وسلم – .

(( وفي أيامه – يعني عليا – خرجت المغالية وادعوا أن في علي الإلهية ، قال الحافظ ابن حجر : ورد من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال : قيل علي : إنَّ هنا قوما على باب المسجد يزعمون أنَّك ربهم ، فدعاهم عليّ وقال لهم :

ويلكم إنما أنا مثلكم آكل الطعام كما تأكلون وأشرب كما تشربون ، إن أطعت الله أثابني وإن عصيته خشيت أن يعذبني فاتقوا الله وارجعوا ! فأبوا ! فلما كان الغد غَدَوا عليه ، فجاءه قُنبر فقال : قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام . فسأل فأدخلهم . فقالوا كذلك ، فلما كان اليوم الثالث قال : لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة . فأبوا إلا ذلك .

فقال : يا قنبر ائتني بفَعَلة معهم مرورهم – عمالا معهم أدوات حفرهم – فخدَّ لهم أخدودا بين المسجد والقصر وقال لهم : احفروا فأبعدوا في الأرض وجاء بالحطب فطرحه في النار في الأخدود وقال : إني طارحكم فيها أو ترجعوا . فأبوا أن يرجعوا . فقذف بهم حتى احترقوا وقال : لما رأيت الأمر أمرا منكرا أوقدت ناري ودعوت قُنبرا وإسناده حسن .

وفي الصحيح أن ابن عباس لما بلغه تحريقهم قال :

[ص-21] لو كنت أنا لم أحرقهم لقول النبي – صلى الله عليه وسلم – : لا تعذبوا بعذاب الله . ولقتلتهم لقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : من بدل دينه فاقتلوه . فبلغ ذلك عليا فقال : صدق ابن عباس )) . ا هـ .

وهذه المحاولة مشهورة في التاريخ ذكرها جمع من أهل المقالات ، ولولا الإطالة لأحلت إلى كتبهم ، وقد وقفت على قول لبعض المعاصرين وهذا القول ظهر أخيرا من أعداء الإسلام من المستشرقين وأذنابهم ، ولا يبعد أن يكون النفي له أصل متقدم معتمد على نفي الرافضة له ، مع أن النوبختي مؤرخ الرافضة وسارد فرقهم قد ذكر ابن سبأ ، وذكر فرقته السبئية في كتابه : فرق الشيعة ، ص 22, 23 . ينكر فيه هذه القصة ويدَّعي أنها :

(( خبر مختلق من أساسه ولم يرد على صورة فيها ثقة ، في كتاب معتبر من كتب التاريخ . . . . وينتهي بنا المطاف إلى فائدة عظيمة هي أن السبئية ركام من التهم أُلقيت على جماعة . . . . . إن عن قصد أو عن غير قصد )) .

والجواب عليه : من فمك أدينك ؛ فهذه القصة ليست مختلقة بل توارد عليها جمع من المؤرخين وكُتَّاب المقالات – كما ذكرت بعضا منهم في كتابك . والأعجب من هذا أن رويت بإسناد حسن كما قاله الحافظ ابن حجر .

بل حديث ابن عباس في البخاري قرينة واضحة على وقوع تلك الحادثة . وعليه فلا مدخل من هنا على تكذيب هذه الحادثة لمن نظر وتعقل .

وبعد هذا ندرك كيف كانت هذه الطغمة الفاسدة – من الخوارج والسبئية – أول مظاهر الغلو والتطرف الحقيقي وأكثرها رواجا على غلاة الرافضة خاصة ، وباقي الفرق الإسلامية عامة . وحسبك أن تنظر إلى كتاب واحد من كتب الملل والمقالات لترى أثر ذلك ! ولم نعتد بغلو الخوارج وحده فقط على أنه أول مظاهر التطرف والغلو الديني للآتي :

1 – أن غلوهم أخف بكثير من غلو هؤلاء السبئية بعلي – رضي الله عنه – ديانة وعقيدة وأثرا ؟!

[ص-22] 2 – الخوارج وقعوا فيما وقعوا فيه عن سفه ونقص في عقولهم وبصيرتهم وعلومهم . فلم يكن قصدهم إفساد الدين والمسلمين – قطعا – كما هو الحال عند غلاة الرافضة . فعليه فأجلى مظاهر الغلو والتطرف ، ومنشؤه عند المسلمين هو غلو السبئية نسبة إلى عبد الله بن سبأ الهمذاني اليهودي الصنعاني المكنى بابن السوداء – الذي أسلم في عهد عثمان وقاد الفتنة بين الصحابة وبين علي ومن معه ، وكان ناشر مقولة الغلاة في تأليه عليّ – وقد نفاه عليّ إلى ساباط المدائن حيث لم يصرح أمامه بقوله بإلهيته .

إذن يمكن القول بأن أول نشأة الغلو والإرهاب الممنوع والتطرف في الإسلام بهذا الفكر ، وتلك العقائد ؛ إنما كان بسبب عبد الله بن سبأ اليهودي أبعده الله . كأثر بولس اليهودي في إفساد ملة النصارى ؟!

ثانيا : علاقة نشأة الغلو والتطرف لدى المسلمين بالعقائد القديمة

إذا تقرر أن أول غلو نشأ عند المسلمين ، وأثر في القرون اللاحقة هو غلو عبد الله بن سبأ في ذات علي – صلى الله عليه وسلم – ، وأن ابن سبأ شخصية حقيقية تكاد مصادر العقائد تجمع على أنه أول من دعا إلى فكرة تقديس علي ثم آل بيته ؛ وإنه يهودي أصلا – وكانت بعض العقائد القديمة موجودة عند فرق الإسلام والغلاة ، خاصة الرافضة – لما كان هذا موجودا جعل بعض المعاصرين يبحث في نظريات الغلو والتطرف الديني عند المسلمين من أين جاءت ؟

فمن قائل : إنها من أصل هندي أو مجوسي أو يهودي أو نصراني أو من أصل عربي .

والواقع أن ما عند الغلاة هو حصيلة أغلب تلك العقائد – مع التأثر الملحوظ باليهود – خاصة أنه دين أول فرقة غالية في الإسلام .

وإليك قول أعرف الناس بالرافضة وهو الإمام الشعبي التابعي الجليل (104هـ ) . فقد روى أبو القاسم اللالكائي الطبري بسنده إلى عبد الرحمن بن مالك بن مِغول عن أبيه قال : (( قال الشعبي : يا مالك لو أردت أن يعطوني رقابهم عبيدا أو أن يملؤوا بيتي ذهبا – يعني الرافضة – على أن أكذب لهم على عليّ لفعلوا ، ولكن والله لا أكذب عليه أبدا . [ص-23] يا مالك : إنني قد درست هذه الأهواء كلها فلم أر قوما هم أحمق من الخشبية – من فرق الرافضة – لو كانوا من الدواب لكانوا حُمرا ، ولو كانوا من الطير لكانوا رخما . وقال : أحذرك الأهواء المضلة وشرها الرافضة ؛ وبذلك أن من يهود من يغمصون الإسلام لتحيا ضلالتهم ، كما غمص بولس بن شاؤول ملك اليهود دين النصرانية ، لم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله ، ولكن مقتا لأهل الإسلام ، وطعانا عليهم ، فأحرقهم علي بن أبي طالب بالنار ، ونفاهم من البلدان : منهم عبد الله بن سبأ نفاه إلى ساباط ، وعبد الله بن يسار نفاه إلى خازر وأبو الكَروَّس وابنه إلى الجابية .

وذلك أن محنة الرافضة محنة اليهود ، قالت اليهود : لا يصلح الملك إلاَّ في آل داود ، وقالت الرافضة : لا تصلح الإمامة إلا في آل علي .

وقالت اليهود : لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال ، أو ينزل عيسى من السماء . وقالت الرافضة : لا جهاد حتى يخرج المهدي ، ثم ينادي مناد من السماء .

واليهود يؤخرون صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم ، وكذلك الرافضة .

والحديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم .

واليهود يولون عن القبلة شيئا ، وكذلك الرافضة .

واليهود تسدل أثوابها ، وكذلك الرافضة .

وقد أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – برجل قد سدل ثوبه فَقمَّصه عليه أو عطفه عليه .

واليهود حرفوا التوراة ، وكذلك الرافضة حرفوا القرآن .

واليهود يستحلون دم كل مسلم ، وكذلك الرافضة .

واليهود لا يرون الطلاق ثلاثا شيئا ، وكذلك الرافضة .

واليهود لا يرون على النساء عدة ، وكذلك الرافضة .

واليهود يبغضون جبريل ويقولون : هو عدونا من الملائكة ، وكذلك صنف من الرافضة – هم الغرابية – يقولون : غلط بالوحي على محمد .

وفضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين :

سئلت اليهود من خير أهل ملتكم ؟ قالوا : أصحاب موسى .

وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم ؟ قالوا : حواريو عيسى .

[ص-24] وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم ؟ قالوا : أصحاب محمد .

أُمروا بالاستغفار لهم فسبوهم ، فالسيف مسلول عليهم إلى يوم القيامة لا يثبت لهم قدم ولا تقوم لهم راية ولا تجتمع لهم كلمة ، دعوتهم مدحوضة وجمعهم متفرق ، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله عز وجل )) ا هـ .

وإليك ما قاله أبو بكر الباقلاني في كتابه فضائح الباطنية – يسر الله بعثه – بواسطة شرح الطحاوية قال فيه :

(( ولهذا كان الرفض باب الزندقة كما حكاه القاضي أبو بكر الطيب عن الباطنية وكيفية إفسادهم لدين الإسلام قال : فقالوا للداعي : يجب عليك إذا وجدت من تدعوه مسلما أن تجعل التشيع عنده دينك وشعارك ، واجعل المتصل من جهة ظلم السلف لعلي وقتلهم الحسين والتبري من تيم وعدي – قبيلتي أبي بكر وعمر – وبني أمية وبني العباس مع أنهم من آل البيت . وقل بالرجعة وأن عليا يعلم الغيب يُفوض إليه خلق العالم ! . وما أشبه ذلك من أعاجيب الشيعة وجهلهم ، فإذا أنست من بعض الشيعة عند الدعوة إجابة ورشدا ، أوقفته على مثالب عليّ وولده رضي الله عنهم . . . . . )) ا هـ .

وأخذ الغلاة من الرافضة عن المجوس أهل فارس – كما في حديث أبي هريرة في الموقف من الغلو – حيث صرَّح النبي – صلى الله عليه وسلم – أنهم يأخذون عن فارس والروم .

ومن العقائد التي تأثر بها الغلاة القول بالوصيَّة أتى بها ابن سبأ حيث قال : إن عليا وصي رسول الله من عقائد يهود أنهم يقولون : إن يوشع بن نون وصيٌ لموسى – عليه السلام – .

وأخذوا من اليهود التشبيه – تشبه الخالق بالمخلوق – حيث قالت اليهود :( يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ)( سورة المائدة الآية 64) وقالوا : (إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ)(سورة آل عمران الآية 181 ) ومتقدمو الرافضة مشبهة مجسمة ومن أشهرهم هشام بن الحكم الرافضي, والجواليقي .

وقالوا برفع عليّ إلى السماء وكذَّب ابن سبأ من قال بموته ، وأنه لو أُتي بدماغه في صرة أو بسبعين صرة لم يصدق بموته ، وأنه سينزل إلى الأرض . كقول أهل الكتاب في إيليا – عيسى – عليه وسلم – وهو عقيدة الرجعة .

[ص-25] وقالوا : إنه فوق السحاب ، وإن الرعد صوته ، والبرق سوطه يضرب به السحاب .

وأخذوا القول بنفي القدر وأن العبد يخلق فعل نفسه ، وهو قول فرقة من اليهود تسمى الفروشيم .

وأخذوا من النصارى والهنود الحلول والتناسخ .

وغيرها من العقائد التي أفسدت عليهم دينهم ، ولا أخص بذلك غلاة الشيعة بل كل من أتى بفكر غالٍ ، كالمعتزلة وغلاة القدرية والحلولية والاتحادية والباطنية وعموم الزنادقة قبحهم الله !

ثالثا – تطرف المعتزلة وغلوهم ، وأثره

وظهر غلوهم في ثلاثة مناحٍ في باب الأسماء والصفات حيث أنكروها على الله ، وعطلوها سبحانه منها مشابهة منهم للجهمية ، وهو أصلهم المسمى عندهم (( بالتوحيد )) وفي باب القدر بإنكار قدر الله ومشيئته لأفعال خلقه ، كما على أصلهم المسمى عندهم (( بالعدل )) .

والمنحى الثالث وهو أخطر ما عندهم ما يتعلق بالأسماء والأحكام من جهة أسماء الناس في الدنيا هل هم مسلمون أو فاسقون أو كفار ؟ وأحكامهم في الآخرة هل هم في الجنة أو النار ؟

وهو ما تحور حول أصولهم :

1 – الأصل الثالث وهو ((إنفاذ الوعد والوعيد )) بجعل صاحب الكبيرة مخلدا في النار .

2 – الأصل الرابع وهو (( المنزلة بين المنزلتين )) يكون صاحب الذنب في الدنيا ليس بمسلم ولا كافر ، بل بمنزلة بينهما ، يطلقون عليها اصطلاحا خاصا بهم هو الفاسق . .

3 – الأصل الخامس : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

ويقف هذا الأصل عندهم على الخروج على السلاطين وولاة الأمور إذا وقعوا في معصية ، خروجا باليد وبالسيف إذا [ص-26] قدروا عليه .

وهو ثمرة مذهب الخوارج في إعمال السيف على صاحب الذنب مما صدق عليهم جميعا وصف الوعيدية .

هذا والفصل القادم ، وهو الثالث يوضح تطرف المعتزلة وغلوهم في هذه الأصول وآثارها ، مما يضرب بالتكفير والقتال في تاريخ المسلمين من خلالهم .

الفصل الثالث

التطرف والغلو في باب الأسماء والأحكام وآثاره أولا – ما الأسماء والأحكام ؟

هذا المصطلح حادث لم يكن معروفا عند الرعيل الأول من السلف الصالح, وإن كان موجودا بمعناه وأحكامه .

فالأسماء : هو ما يسمى العبد به في الدنيا من الأسماء الدينية : مؤمن ، كافر ، فاسق , عاصٍ ، منافق . . . . .

والأحكام : هو ما يُحكم عليه به في الآخرة : في الجنة أو مخلد في النار أو غير مخلد فيها .

وهذا المبحث هو ثمرة الخلاف في مسمى الإيمان وحقيقته ، ومسمى الكفر وحقيقته فكل من كان له قول في الإيمان تجد له في نهاية قوله تقريرا في حكم العبد في الآخرة ، واسمه في الدنيا .

لأجل هذا سيكون الكلام ابتداء على الغلو في باب الإيمان بين الطوائف ويتضمن الأسماء والأحكام كنتيجة له .

فأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الإيمان يكون بثلاثة أمور :

1 – قول باللسان .

2 – اعتقاد بالقلب والجنان .

3 – عمل بالجوارح والأركان .

مع زيادته بطاعة الرحمن ، ونقصانه بالمعصية , وأصل هذا القول مستفاد من استقراء الكتاب والسنة ، وفهم الصحابة لهما ، ودلالة لغة العرب لألفاظهما .

وعليه فالعبد عند أهل السنة بمقتضى النصوص اسمه في الدنيا مؤمن ما لم يكن صاحب كبيرة مُفسِّقة أو مُكفِّرة .

فإن كانت له مُفسقة فيسمونه مؤمنا ناقص الإيمان بحسب معصيته ، أو مؤمنا فاسقا, ويعامل معاملة المسلمين إلا في الشهادة ونحوها ، وهو يوم القيامة من أهل الجنة تحت مشيئة الله إن شاء عذبه بكبيرته أو غفر له برحمته ، وإن عذبه بها فإنه لا يخلد في نار جهنم لأنه مسلم معه أصل الإيمان .

وإن كانت بدعة مُكفرة فيقام عليه حكمُ الردة ، ويسمونه كافرا لإجراء أحكام الكافر عليه ، وهو يوم القيامة – أي الكافر – مخلد في النار ، لكنهم لا يشهدون لمعين – ولو أقيم عليه حدُّ الردة – أنه من أهل النار المخلدين فيها ؛ لعدم اطلاعهم على ما ختم الله به عمله من توبة نصوح .

وكذلك الشهادة بالإيمان ؛ لا يشهدون لمعين بأنه من أهل الجنة ، إلا من نصَّ عليهم الدليل كالعشرة المبشرين بالجنة [ص-28] وعكاشة بن محصن ونحوهم رضي الله عنهم أجمعين .

ثانيا – الفرق الغالية في هذا الباب

اتفق الخوارج والمعتزلة وهم الوعيدية ، مع أهل السنة على تعريف الإيمان وفارقوهم في تطبيقه حتى غلو أو تطرفوا في الأسماء والأحكام .

فغلت الخوارج وقالت : صاحب الكبيرة اسمه في الدنيا كافر حلال الدم والمال, وحكمه يوم القيامة أنه مخلد في نار جهنم .

وقالت المعتزلة : هو – أي صاحب الكبيرة – في منزلة بين المنزلتين ليس بمؤمن ولا كافر ، هذا في الدنيا وربما يسمونه فاسقا ، لكن على غير معناه عند أهل السنة والجماعة ؛ بل فسقا ينقله عن مرتبة الإيمان ولا يدخله إلى دركة الكفر , وحكمه يوم القيامة أنه خالد مخلد في النار .

فاختلافهم مع الخوارج في اسمه في الدنيا ، فلم يصرحوا بقول الخوارج مع أنهم وافقوهم في الحكم الأخروي الذي يكون نتيجة لما قبله من عمل ؛ ولهذا سُموا (( مخانيث الخوارج )) ؟! .

وقالت الجهمية ، والصالحية – أصحاب أبي الحسن الصالحي المعتزلي – والثوبانية ، والغسانية – أتباع يونس بن عون النميري – ، والشبيبية – أتباع محمد بن شبيب – ، وكذا قال غيلان بن مسلم الدمشقي ؛ قالوا :

الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله ورسوله بالقلب فقط ، وإن لم يكن معه قول اللسان أو عمل الجوارح ؛ فكل عارف لله بقلبه في الدنيا هو من أهل الجنة . والعكس بالعكس .

ولذا قال ابن القيم في النونية حاكيا مذهب جهم وأضرابه : قـــــالوا وإقـــــرار العبــــاد بأنــــه خــلاقهم هــو منتهــى الإيمـان والناس في الإيمان شيء واحد كالمشـط عنـد تمـاثل الأسـنان وهؤلاء هم المرجئة المحضة .

وقالت الكرامية – أصحاب محمد بن كرام السجستاني الزاهد ، – وقول النجارية – أتباع الحسين بن محمد النَّجار من المعتزلة ، – وهم مقاتل بن سليمان وأتباعه ؛ قالوا :

الإيمان هو مجرد النطق بالتوحيد بلسانه .

فمن نطق بالتوحيد عندهم فهو مؤمن كامل الإيمان وهو في الآخرة في جنان النعيم .

والكرامية في المشهور عند العلماء هم من عامة المرجئة , أو قل من عوامهم ومتوسطيهم !

وقالت الأشاعرة ، وهو ظاهر قول الماتريدية :

إن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط .

فافترقوا عن المرجئة المحضة بزيادة التصديق على إقرار القلب !

[ص-29] وعلى قول الأشاعرة والماتريدية يُحمل قول شارح الطحاوية .

(( فمنهم من يقول : إن الإقرار باللسان ركن زائد ليس بأصلي ، وإلى هذا ذهب أبو منصور الماتريدي رحمه الله , ويروى عن أبي حنيفة – رضي الله عنه – )) ا هـ .

قلت : أما قول أبي حنيفة فهو غريب عنه ، إذ إن المشهور عنه رحمه الله كما في شرح الفقه الأكبر قوله : (( الإيمان هو الإقرار والتصديق , وإيمان أهل السماوات لا يزيد ولا ينقص من جهة المؤمن به ، ويزيد وينقص من جهة اليقين والتصديق ، والمؤمنون مستوون في الإيمان والتوحيد ، متفاضلون في الأعمال )) ا هـ .

وهذا الذي اشتهر عند الحنفية وذكره شارح الطحاوية هو ما قرره أبو جعفر الطحاوي الحنفي في عقيدته ، ولذا يسمون عند أهل العلم (( مرجئة الفقهاء)) .

أما قول أبي منصور الماتريدي فلم أقف عليه ، ولو صح لكان خلافه مع الجهمية – أصحاب المعرفية ؛ بأن الإيمان معرفة بالقلب بالله ورسوله – خلافا لفظيا إذ إن اللسان ركن زائد ليس أصليا .

وعلى هذا فالمرجئة مراتب هي :

1 – المرجئة المحضة ، القائلون بأن الإيمان هو المعرفة بالقلب فقط ، والكفر هو الجهل .

2- عوام المرجئة (( الكرامية )) القائلون بأن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط .

3- الأشاعرة والماتردية : القائلون بأن الإيمان هو التصديق بالجنان .

4- مرجئة الفقهاء القائلون بأن الإيمان هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان .

ثالثا – مناقشة أقوال الغلاة

قول الجهمية أظهر من أن يناقش فهو أفسد الأقوال ؛ لأن من لوازمه الشهود بالإيمان لأكفر خلق الله ، مَن كفرهم الله في كتابه ، كإبليس وفرعون وقومه وأمية بن خلف . . فلازم قولهم أنهم مؤمنون ؛ لأنهم جميعهم مقرون بالله وبرسوله في قلوبهم ، كما حكاه الله عنهم في غير ما آية في كتابه العزيز . كما قال سبحانه عن إبليس : ( قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)(سورة الحجر الآية 39) وقال في سورة ص : ( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)(سورة ص الآية 82) وقال سبحانه عن فرعون وآله في سورة النمل [ص-30] ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)(سورة النمل الآية 14) وقال سبحانه في آخر سورة الإسراء : ( قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا )(سورة الإسراء الآية 102)

أما الخوارج والمعتزلة فمن أظهر شبههم التمسك بقوله تعالى : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا )(سورة النساء الآية 93 )

فقالوا : هذا مؤمن ارتكب معصية وكبيرة بقتله مؤمنا آخر عدوانا وتعمدا ، فالله تعالى جعله مخلدا في ناره ، ولا يخلد في النار إلا الكافر ؛ فدل على أنه كافر مخلد في النار بكبيرته ، وعلى هذا باقي المعاصي .

رابعا – الرد على الوعيدية من الخوارج والمعتزلة

والرد على الوعيدية من الخوارج والمعتزلة في استدلالهم بآية النساء من عدة وجوه :

1 – أن الله ذكر الخلود في الآية ولم يذكره على التأبيد كقوله عن أهل الجنة : سورة البينة الآية 8 خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ

وكقوله عن أهل النار في ثلاثة مواضع من القرآن في أواخر النساء والأحزاب والجن سورة البينة الآية 8 خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا فصرّح سبحانه فيها بالخلود مع التأبيد .

فعليه يكون المراد بالتخليد في هذه الآية المكث الطويل ، خاصة أن معصية قتل النفس التي حرم الله من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله ، كما دل عليه حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – في السبع الموبقات وهو عند مسلم ، فدل على عظم هذا الجرم وكبره لا على كفر فاعله !

2 – إن الله تعالى في أحكام القصاص سمى القاتل أخا للمقتول ، كما في قوله تعالى : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ )(سورة البقرة الآية 178 )

[ص-31] فلو كان القاتل كافرا لما جاز أن يسميه الله أخا للمؤمن ؛ لأن الأخوة مودة ولا تكون إلا للمؤمن ( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ )(سورة المجادلة الآية 22)

3 – كما أنه يجوز العفو في القصاص إلى الدية ، وإلى لا شيء تكرما وتفضلا, فلو كان القاتل كافرا مرتدا ، لم يجز إسقاط الحد عليه بالعفو ، للحديث من بدل دينه فاقتلوه ولحديث لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة .

4 – القاتل لو أقيم عليه الحد يُصَلَّي عليه ، ويُغَسَّل ، ويدفن مع المسلمين في مقابرهم وتجوز الصدقة عنه . . . . وعليه إجماع السلف .

ولو كان كافرا ترتبت عليه أحكام المرتدين ولم يجز له ما سلف من الأحكام المخصوصة بالمسلمين فقط .

5 – قال بعض العلماء كابن جرير وغيره : إن الآية خاصة في الذين يستحلون القتل ، فإن كان كذلك فهو كافر لا شك فيه ، لكن ظاهر الآية يبعد عن هذا التأويل والتفسير !

6 – وعلى سبيل التَّنزل فهذه الآية خاصة بمن يقتل مؤمنا متعمدا فلا يدخل معها غيرها من المعاصي كالسرقة والرجم والقذف . . . . . . إلخ .

7 – عموم قوله تعالى : في آيتي النساء : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ )(سورة النساء الآية 48)

ولا شك أن القتل دون الشرك بالله إجماعا ؛ فهو داخل تحت المشيئة في هذه الآية .

أما عن شبهة الكرامية في قولهم : إن الإيمان هو القول باللسان فقط ؛ لأن الله دعا الناس إلى الإقرار به ، وبالكتب المنزلة ، [ص-32] كما في قوله تعالى :( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ)( سورة البقرة الآية 136) فالله لم يأمرنا هنا إلا بالقول , فدل على أن الإيمان يتوقف عليه .

فالجواب عنهم : كذلك من وجوه :

1 – غاية ما تدل عليه الآية الأمر بالإيمان بالله والكتب السماوية والأنبياء من قبل الله ، وألا يفرق بين رسله فيُؤمن ببعض ويُكفر ببعض ، فليس في الآية دلالة على اقتصار الإيمان على القول فقط .

2 – الآية اللاحقة لها مباشرة فيها : ( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا)(سورة البقرة الآية 137) ؛ أي آمن أهل الكتاب وغيرهم بمثل ما آمنتم به أنتم من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله . . . . وبعضها لا يكون إلا بالقلب فدل على عدم اقتصار الإيمان على القول المجرد .

3 – في هذه الآية تنويه بأهم أنواع الإيمان ولم تستغرق الآية جميع أنواع الإيمان (( بالله وملائكته . . . . )) وشعب الإيمان كثيرة ، وفي باقي النصوص تكميل لجميع أنواع الإيمان ؛ قال تعالى : ( وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ)(سورة البقرة الآية 177) وغيرها ، فالقرآن يؤخذ جميعه لا بعضه ، وكذلك السنة ، حيث وردت نصوص تكفر من اعتقد الإيمان بكل مراتبه الست ثم لا يصلي ، أو استحل معصية ظاهرة الحرمة ، قطعية الدلالة على حرمتها .

4 – هذا القول يعارض قوله تعالى : ( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا )(سورة الحجرات الآية 14)

فنفى الله عن الأعراب الإيمان مع أنهم نطقوا بكلمة التوحيد , لكن لم يدخل الإيمان إلى قلوبهم ، إلا إن قصدوا بذلك الإسلام – أي بالإيمان الإسلام – فلا تعارض بين الآيتين .

5 – يلزم من قولكم : إن الإيمان مجرد النطق باللسان فقط ، الحكم على المنافقين الذين شهدوا بألسنتهم أنهم مؤمنون كاملو الإيمان ، وهذا خلاف صريح الكتاب ؛ قال تعالى : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا)()سورة النساء الآية 145) ولغيرها من الآيات الدالة على كفرهم وتكذيبهم وأن مآلهم إلى النار .

[ص-33] 6 – كما يلزم من هذا القول أن من به عيب كالأخرس ، ولا يستطيع أن يتكلم بلسانه – مع تصديق قلبه وإيقانه بالإيمان – يلزم أنه كافر ، وهذا خلاف إجماع المسلمين .

وعلى كل ، فإن قصر الإيمان على مجرد النطق به – مع لزومه ابتداء – قول باطل مخالف لظاهر النصوص من الكتاب والسنة وإجماع المسلمين ، وفعل الرسول – صلى الله عليه وسلم – مع من يسلم حديثا .

أما عند القائلين بأن الإيمان هو التصديق ، وهو قول الأشاعرة والماتردية , فهو باطل أيضا .

– لأنه لو كان كذلك لما صح وجوب تلفظ الكافر بالتوحيد – الشهادتين – عند دخوله الإسلام ، وهو ما فعله النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه والمسلمون بعدهم مع مريد الإسلام من الكفرة .

– وأيضا لما صح تكفير أحد من الناس ، يأتي بناقض من نواقض الإسلام, أو يترك الصلاة عمدا أو تهاونا . . . . ما دام عنده تصديق بالقلب وحده !

فإن هذين مما يبينا فساد قولهم وبعده عن الصواب .

وكذلك قول مرجئة الفقهاء بأن الإيمان هو : الإقرار والتصديق ، يخالف عمل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والمسلمين بعده من فرضية عمل الإيمان بالصلاة والحج والصوم والجهاد وربط كثير من الأعمال بالإيمان .

بل هم يعارضون قولهم فيما يقررونه في فقههم بوجوب العمل بدءا من كتاب الطهارة إلى نهاية أبواب الفقه ، فلو لم تكن هذه من الإيمان ، فما الحاجة من بحثها والعلم والعمل بها ؟ كما وأنهم من أوسع المذاهب الأربعة في تقرير أبواب حكم المرتد وبيان الأقوال والأعمال التي يرتد بها المؤمن عن الإسلام . هذا فضلا عن ترتيبهم الجزاءات والعقوبات الشرعية في الدنيا والآخرة على ترك الأعمال .

خامسا – أثر الغلو في الأسماء والأحكام

مضى قول الخوارج إن الفاسق كافر في الدنيا ، مخلد في النار يوم القيامة ، يجوز سلب ماله ، واستحلال دمه , واسترقاقه ، وتطليق زوجته منه ولا تجوز الصلاة عليه أو دفنه مع المسلمين . . . . . وهو في الآخرة يائس من رحمة الله ، للجزم بأنه كافر ومخلد في نار جهنم .

أما المعتزلة فيوافقونهم في حكم يوم القيامة ، وهو الحكم الأخروي , دون حكم الدنيا . فهؤلاء ضيقوا على الناس بمحاسبتهم بكبائرهم ومعاصيهم ، فكم يبقى في الدين من رجل بعد هذا التشدد والتعسير ؟! حيث من يبرئ نفسه من الوقوع في المعاصي أو ترك الواجبات . .

ولا يزال خطر أولئك الخوارج مستمرا , حتى ظهرت في هذا الزمان طائفة تنادي بأفكارهم ، وتؤصل أصولهم ، وهي جماعة شكري أحمد مصطفى (1398ه) في بلاد مصر وهي جماعة التكفير والهجرة وقد تأثر بهذه الجماعة وأقوالها [ص-34] طوائف من قليلي العلم والبصيرة من الشباب العاطفي المندفع ، وطوائف من الدعوات الحركية وحزب التحرير وغيرهم . ومن أقوال شكري . في مرتكب المعصية :

(( لم يحدث أن فرقت الشريعة بين الكفر العملي والكفر القلبي ، ولا أن جاء نص واحد يدل أو يشير أدنى إشارة إلى أن الذين كفروا بسلوكهم غير الذين كفروا بقلوبهم واعتقادهم ، بل كل النصوص تدل على أن العصيان لله عملا والكفر به سلوكا واقعا ، هو بمفرده سبب العذاب والخلود في النار والحرمان من الجنة ))ا هـ .

وحسبي أن أشير إلى آثار تلك الفرقة في الناس :

1- اعتزال أفرادها المجتمع المصري لأنه كافر ؛ ولأنه راضٍ بالكفر .

2 – تصفية وقتل كل من خالفهم أو رد عليهم – ومنهم ذهبي مصر – لأن من خالفهم فهو كافر ، حيث قامت عليه الحجة فلم يقتنع بها ، وتجرى عليه أحكام المرتد .

3 – عندهم كل من لم يحكم بغير ما أنزل الله يكون كافرا كفرا مخرجا عن الملة جملة ، دون التفصيل ، كما هي طريقة المحققين من أهل السنة في وجوب التفصيل .

4 – التكفير بالمعاصي والحكم على صاحبها لخلود بها في نار جهنم .

وهذا من أعظم المسوغات لحصول التكفير والتفجير والقتل واستباحة الدماء والأعراض والأموال والسعي في الأرض فسادا ، وتخويف الآمنين ، وإشاعة الفوضى والخوف بين المجتمعات الآمنة .

5 – تشويه صورة سماحة الإسلام بين الناس – ووافق ذلك لمزهم بالتطرف, والإرهاب ، التشدد وجماعة التكفير والهجرة – وتفرق المسلمين ، وبث الفوضى والخوف وعدم الأمن بينهم ، وهذا مشاهد في أماكن شتى عند أضراب هؤلاء ، ومع الأسف الشديد أنهم يعتقدون أن تصرفهم هذا ديانة لله وجهادا ، وجهلا بالعلم والدين ومقاصده !

6 – دعواهم بأنهم جماعة المهدي المنتظر ، لاتحاد الزمان الذي أخبر عنه النبي – صلى الله عليه وسلم – بوجود المهدي فيه مع زمانهم الذي يعيشون فيه ؟!

وهكذا كل قول أو طائفة تنتحل مثل أفكار الخوارج ومعتقداتهم لا بد أن ينتج عنه نظير ما ينتج عن هذه الطائفة من الآثار غير المحمودة طبعا وعقلا فضلا, عن الشرع الحنيف .

مع التنبيه إلى أنه لا يستلزم أن من شابه الخوارج – أو غيرهم من الفرق – في بعض أصولها أن يكون منهم أو منتسبا إليهم ، ولكن الحكم العدل في هذا أن يقال : إنه شابه الخوارج في أصلهم كذا وكذا .

والله أعلم ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

الخاتمة

الحمد لله وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه :

وبعد هذا التطواف في ثنايا هذا البحث بين تمهيده وفصوله ومباحثه , ومن خلال التنقل في تواريخه بدء من غلو قوم نوح – عليه السلام – إلى وثنيات اليونان إلى غلو أهل الكتاب :

اليهود والنصارى ، ثم تأثيرهم في فرق المسلمين , ونشأة الغلو فيه في الغلو في الأسماء والأحكام ، وفي الغلو في الأشخاص والبقاع , تحصلت هذه النتائج مشمولة بتوصيات ، كان أهمها الآتي :

أن الغلو في الدين هو مجاوزة الحد ، وهو مذموم في الشريعة ، والتطرف معنى عام ، والغلو أخص منه .

والإرهاب نوعان : مشروع بالجهاد في سبيل الله ، وممنوع بتخويف الآمنين من المسلمين وغيرهم . وسبق الشريعة بتحديد معناه من خلال معاني الحرابة والسعي في الأرض فسادا ، وتحريم الظلم .

استخدام مصطلحات الغلو والتطرف والإرهاب في غير مواضعها ، إذا اتهم المسلمون أو الإسلام عقيدة أو شريعة بأنه مصدر لها . وأن هذا من التشويه وتغيير الحقائق .

الغلو والتطرف الديني قديم في البشرية متمثلا في غلو قوم نوح في صالحيهم ، وغلو اليونانيين في آلتهم وغلو أهل الكتاب .

تأثير العقائد ممن قبلنا على طوائف من المسلمين في نشئ الغلو فيهم . وظهر هذا واضحا في الرافضة وفي الجهمية والمعتزلة ، وفي الخوارج .

أن الغلو والتطرف المذموم بحمل السلاح على المسلمين ووضع السف فيهم ناشئ مبتدع ، ظهر لدى الخوارج ثم تطروهم والمعتزلة من خلال أصولهم الثلاثة :

1 – إنفاذ الوعيد .

2 – والمنزلة بين المنزلتين .

3 – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

(7) آثار الغلو والتطرف بالإرهاب الممنوع العنف ، مرده إلى فهم سيء لمسائل الأسماء والأحكام : في اسم الناس في الدنيا من حيث الإسلام أو الفسق والمعصية أو الكفر والنفاق ، ثم حكمهم في الآخرة هل هم من أهل الجنة ؟ أو من أهل النار ؟ أو من يدخل النار ثم يخرج منها إلى الجنة ؟ .

(8) ثم إن مسائل الغلو مما يولد بعضها بعض ، حيث هي دائرة تبدأ ضيقة ثم تتوسع فتنال العقيدة والقول والفعل ، ويحصل من جُرَّائها الفساد والإفساد في الدين والحياة ، وواقع الغلاة يشهد بكل هذا ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

أهم الأسباب في علاج الغلو والتطرف الديني بالعلم الشرعي الصحيح .

وبمعرفة أسبابه والحذر من الهدى المورث للبغي والظلم والعدوان في الفهم والمعتقد والقول والفعل والله المستعان .

-- د . علي بن عبد العزيز بن علي الشبل

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*