الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » التفجيرات والاغتيالات

التفجيرات والاغتيالات

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)(سورة آل عمران الآية 102) ( يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )(سورة النساء الآية 1)( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا )(سورة الأحزاب الآية 70-71) أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخيرَ الهدْي هدىُ محمد- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة.

فلا شك أن العلماء كانوا- ولازالوا- يَئِنُّون ويَشْكُون من إعراض كثير من الناس عن طاعة الله عز وجل، وانغماسهم في المعاصي واللهو والبدع، بل انغماس طوائف منهم في الشرك الأكبر، عياذاً بالله من فتنة المحيا والممات.

وذلك لأن العلماء يدركون أن هذا الحال جالب للفساد في الأرض، والعذاب الشديد في الآخرة، والله عز وجل يقول: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )0سورة الروم الآية 41)

ولعلمهم أن الكفر والفسوق والعصيان سبب في محق الخير، وحلول النقمة، وتَحوّل العافية والنعمة، كما قال تعالى: ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ )(سورة إبراهيم الآية 7) ، وقوله تعالى: ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)(سورة النحل الآية 112) والنعم إذا شُكِرتْ قَرَّتْ، وإذا كُفِرَتْ فَرَّتْ، وشُكْر النعم إنما يكون بطاعة الله عز وجل فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر.

* ولقد فرح المؤمنون بعامة، والدعاة المخلصون بخاصة، بعودة كثير من المسلمين – لا سيما الشباب منهم- إلى الاستقامة، وطلب العلوم الشرعية، والدعوة إلى الله تعالى، وإحياء ما اندرس أو انطمس من السنن والفضائل: فلقد عَمَرَتْ بهم المساجد، وازدحمت بهم مجالس العلم، وزخرت المكتبات الإسلامية بنتاجهم العلمي المبارك: هذا في العقيدة، وذاك في الحديث وعلومه، وذلك في الفقه وأصوله، ونحو ذلك من العلوم النافعة، والخيرات الواسعة: من بناء المساجد، وإحياء المراكز العلمية، ودعوة الكفار للإسلام، وطباعة كتب السنة ونشرها في جميع أنحاء العالم، وانتشار الأعمال الخيرية هنا وهناك وهنالك…… إلى أمور أخرى من الخير لا يعلمها إلا الله تعالى.

* إنك -والله- لتشعر بالخير العميم، والأمل العظيم للأمة؛ عندما ترى أكثر عُمَّار المساجد من الشباب، بعد أن كانوا في ضياع وخراب!!!

فمنهم الإمام والخطيب، ومنهم المؤذن والمقيم، وقد امتلأت الجامعات الإسلامية والمراكز العلمية الدعوية بشباب الأمة، وحُقِّقَتْ رسائل جامعية، تدل على مهارات علمية، وعقول ذكية، وظهر الحجاب في الشوارع والمساجد، وراجت سوق الكتاب والشريط اللذَيْن يحملان العلم الشرعي، أو الموعظة البليغة، ونحو ذلك، وكثر رهبان الليل، وانتشرت الفضيلة، وتقهقرت الرذيلة، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

لكن هذه الفرحة – وللأسف- لم تدم طويلاً، فسُرْعان ما تقلَّص هذا المدُّ المبارك، عندما ذرّ قرن التحزب الممقوت بين الجماعات، والتناحر المذموم بين الطوائف، وَرَفَعَ الغلو في صفوف أهل الحق عقيرته، وادَّعى أصحاب هذه الأفكار أنهم – وحدهم- أهل السنة، ومن سواهم فإنما هو دَعِيٌّ لا يُفْرحُ به!!

وهذا الغلو – الواقع في صفوف أهل الحق- قد أخذ صورتين متنافرتين، مع وجود تشابه بينهما في عدة أمور، كما سيأتي- إن شاء الله تعالى-.

فالصورة الأولى للغلو: غلو من أقام الأحزاب السرية، والتكتلات البدعية، وهيج العامة والدهماء، على الحكام والأمراء، واشتغل بذكر عيوبهم ومثالبهم، وإشاعة ذلك من فوق المنابر وغيرها من وسائل الإعلام الأخرى – فضلاً عن المجالس الخاصة، وهم في ذلك على مراتب بين مُقِلٍّ ومستكثر، ومُظهِر ومُتسَتِّر- فأوغر صدور العوام على الحكام، وحرَّضهم على الخروج والمواجهة، وأسقط هيبة الملوك والرؤساء أمام العامة والدهماء، وأظهرهم جميعاً- بلا استثناء- في صورة الذئاب التي تنهش في جسد الإسلام- كذا، ولم يُفَصِّل- وزعزع مبدأ السمع والطاعة للحكام في المعروف، وأثار الفتن، وقلقل الأمن والاستقرار – على ما في المجتمعات الإسلامية من عوج وجور عن الجادة، وعلى ما عند كثير من الحكام من إعراض أو غفلة – وكفَّر الحكام وأعوانهم، بل تسلسل به الأمر، حتى كفَّر بعضُهُمْ الموظَّفين والجنود والطلاب في المدارس، بحجة أنهم في نظام الطاغوت، أو دين الملوك والرؤساء!! ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد؛ بل طعن في كبار العلماء المخالفين له، ورماهم- على أحسن الأحوال- بالسطحية، والجهل بالواقع، وإلا فبعضهم أو كثير منهم يصرح بأنهم علماء سلطة، باعوا دينهم بِعَرَض من الدنيا، وبعضهم يقول: هم عبيد العبيد، وبعضهم يقول: هم أصحاب ذيل بغلة السلطان، بل بعضهم قد كفَّرهم، وغير ذلك مما لا يجوز التفوّه به في حق علمائنا أهل العلم والحلم، أهل السنة والجماعة، فـ سورة الكهف الآية 5 كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ !!!

واعلم أن هذا خلاف منهج أهل السنة والجماعة، واتباع لمنهج أهل البدعة والفُرقة، وسيأتي تفصيل هذا كله – إن شاء الله تعالى-.

وأما الصورة الثانية للغلو في صف أهل الحق: فهم قوم شغلوا أنفسهم بتعقب وتتبع أخطاء أهل السنة، ونشرها في الناس، مع التشنيع والتجديع، وربما سموا ما ليس بخطأ أصلاً: بدعة، ومروقاً من السلفية!!وأمروا بهجْر مخالفهم- وإن كان أقوم منهم قيلاً، وأهدى سبيلاً- وأمروا بهجْر من لم يهجْره، وهَجْرِ من لم يهجر من لم يهجره……….. وهكذا!! حتى جعلوا المهجور الأول- سواء كان هجْره بحق أو بباطل- كالتيار الكهربائي، من لمسه؛ صُعِق، ومن لمس المصعوق؛ يُصْعَق، وهكذا!!!

وإذا تكلموا على المخالفين من أهل البدع والأهواء؛ لم يتكلموا باعتدال أهل السنة وإنصافهم وعلمهم، بل أسرفوا وتجاوزوا الحد، مما لا يجعل لكثير من كلامهم قبولاً عند العقلاء المنصفين، وقد قال الله عز وجل: ( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)(سورة المائدة الآية 8) وقال سبحانه: ( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا )(سورة الأنعام الآية 152) وقال عز وجل:( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ )( سورة النحل الآية 90) .

ولقد استفاد أهل المنهج الأول من تهور هؤلاء، وظهروا بصورة المظلوم البريء أمام من يثق بهم، فيالله، كم من إنسان ارتمى في أحضانهم، ظاناً أنه ينصر الحق وأهله، ويدفع عنهم ظُلْمَ الظلمة، بسبب غلو هذه الطائفة!!!

ولعلَّ تهاون الطائفة الأولى في التعامل مع أهل البدع الكبرى، وتهوينهم من شأن بِدَعهم، وتلميعهم دعاتهم، وفي مقابل ذلك: تراهم قد أسرفوا في الكلام على الحكام- الذين لم يحكموا بما أنزل الله في كثير أو قليل- بدون تفصيل أو ضوابط شرعية؛ فلعل كل ذلك كان سبباً من جملة أسباب ظهور هذا الغلو عند الطائفة الثانية، حتى أدى بهم الأمر إلى هَجْر كثير من أهل الحق، بدعوى أنهم مبتدعة، وإلى رمْي من حذَّر من المنكرات الشائعة بدون تصريح أو تلميح بالطعن في الأمراء- مع كونه سليم الصدر في باب السمع والطاعة لولاة الأمور- فيرمونه بأنه خارجي خبيث، يُهَيِّج على أهل الحل والعقد!!وليس الأمر كذلك، فالعقلاء الصادقون من المسئولين؛ لا يقبلون من مجامل مداهن أن يجعل الباطل حقاً، والمنكر معروفاً، وأن يتـزلَّف إليهم بما يُغضب الله ويُسخطه، فلا إفراط ولا تفريط!!!

وقد قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز – رحمه الله – بعد ذكره ذم من يذكر عيوب الحكام على المنابر، فقال:”….. وإنكار المنكر: يكون مِنْ دون ذِكْر الفاعل، فيُنْكر الزنا، ويُنْكر الخمر، ويُنْكر الربا، مِنْ دون ذِكْر مَنْ فَعَلَهُ، ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها، من غير أن يُذْكر أن فلاناً يفعلها، لا حاكم ولا غير حاكم….” اهـ.

أقول هذا هو الأصل في إنكار المنكر، والله أعلم.

إذاً فقد وقع إفراط وتفريط في هذا الأمر: فهناك مَنْ يُشَهِّر بعيوب الحكام، ويثير عليهم الخواص والعوام، وهناك من إذا سمع رجلاً يقول: الربا حرام، والبنوك الربوية لا يجوز التعامل معها بالربا، أو نحن نخاف أن تحل بنا عقوبة – من الله- بسبب ظهور المنكرات، فاتقوا الله أيها المسلمون، وطهَّروا بيوتكم، ومجالسكم، وغير ذلك من المنكرات…. الخ، فإذا سمع من يعظ الناس بهذا؛ قال: هذا يُهيِّج على ولاة الأمور!! فتأمل ما قاله سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – فإنه العدل والوسط، والله تعالى يقول: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا )(سورة البقرة الآية 143) .

* وهاتان الفرقتان – على التنافر الشديد بينهما، وعلى صِدْق وإخلاص في كثير من أتباعهما -؛ قد تشابهت أحوالهم في أمور كثيرة- شعروا أو لم يشعروا- منها:

1 – وقوعهم في الغلو والتنطع، وقد ذم الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك ذماً شديداً، كما سيأتي – إن شاء الله تعالى-.

2 – الجهل – عند كثير منهم- بمقاصد الشريعة وقواعدها الكلية، أو عدم التوفيق في مراعاة ذلك؛ مما يجعلهم لا يبالون بعواقب أقوالهم وأفعالهم!!! كما أن كثيراً منهم – يجهل معاني كلام أهل العلم في التكفير والتفسيق والتبديع والهجر وغير ذلك، أو يسيء إنزاله على المعيَّن، فينسب إلى العلماء ما ليس من مذاهبهم!!

قال شيخ الإسلام – رحمه الله – في رده على من أطلق الهجْر وعدمه:” وكثير من أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمة، خرج على سؤال سائل قد علم المسئول حاله، أو خرج خطاباً لمعيَّن قد عُلم حاله، فيكون بمنـزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إنما يثبت حُكْمُها في نظيرها، فإن أقواماً جعلوا ذلك عاماً….” اهـ من” مجموع الفتاوى” ( 28\213 ) .

3 – قلة مراعاة منهج أهل السنة- القائم على العلم والعدل- في التعامل مع المخالف، مما أدى إلى تضليل المخالف وتبديعه، ورمْيه بالركون إلى الدنيا، أو اللهث وراءها، وإن كان الخلاف قد يقع في المسائل الاجتهادية، التي يسوغ فيها الخلاف، والمخالف فيها بين أجر وأجرين، ومغفور له خطؤه!!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كما في” مجموع الفتاوى” ( 19\ 73- 74 ) مبينا بعض أصول أهل البدع:”….. وهذا أصل البدع التي ثبت بنص سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإجماع السلف أنها بدعة: هو جَعْل العفو سيئة، وجعل السيئة كفْراً، فينبغي للمسلم أن يحْذَر من هذين الأصليْن الخبيثين، وما يتولَّد عنهما من بُغْض المسلمين، وذمِّهم، ولعْنهم، واستحلال دمائهم وأموالهم….” اهـ.

فيا لله، كم رأينا مِنْ هؤلاء الشباب مَنْ جَعَلَ مسائل الاجتهاد من جملة مسائل العقوبات والأصول، يُعْقد عليها الولاء والبراء، وكم رأينا من كفَّر بمعصية دون حياء أو خجل، وكذا من كفَّر بها لكن بقيود مُحْدثة، وأوصاف مخترعة، لا تبْعُد كثيراً عن مذهب أهل الأهواء الأوائل – كما سيأتي إن شاء الله تعالى-.

وكم رأينا ما ترتب على هذا الانحراف مِنْ لَعْن وتضليل وتبديع وتكفير، وهجْرٍ وشرٍّ، واستحلال للدماء والأموال والأعراض، وتفريق بين المرء وزوجته – بدون حق – كما هو فعل شياطين الإنس والجن!! فالله المستعان!!!

4 – بَذْلُ الجهد والمال والجاه في التشنيع على المخالف، ومحاولة إسقاطه بأي وسيلة، حتى خرج النـزاع ـ في كثير من الأحوال- عن كونه ابتغاء مرضاة الله، والانتصار لحرمات الله؛ إلى الانتصار للأهواء والأشخاص، وهذه فتنة في الدين، ولا يجوز التشبه بأعداء الله في إنفاق المال والجهد في الانتصار للأهواء، وقد حكم الله بهزيمة من كان كذلك، فقال: ( فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ)(سورة الأنفال الآية 36) والله المستعان.

5 – لقد أَحْدَثَتْ كل من الطائفتين مسألة أو مسائل، وجعلتها مناط الولاء والبراء بينها وبين الآخرين، فمن خالفهم فيها؛ فلا يُقْبل منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ، ولا تنفعه شفاعة الشافعين عندهم!!! ومن وافقهم عليها؛ فقد أدى ما عليه، وليس عليه – عندهم- بعدها شيء، ولو خالف فيما هو أعظم!!هذا لسان الحال، وهل الحزبية المذمومة إلا كذلك؟! وصدق الله عز وجل القائل: ( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)(سورة فاطر الآية 8) والقائل: ( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ)(سورة محمد الآية 14) والقائل سبحانه: ( أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )(سورة الملك الآية 22) .

فمما أحْدَثَتْ إحداهما: ما يسمونه بمسألة:” الحاكمية” وأطلق دعاة هذه الطائفة القول بتكفير من حكم بغير ما أنزل الله دون تفصيل – وإن كان بعضهم قد يفصِّل، إلا أنه لا يُنكر على الآخرين الذين لم يفصِّلوا-، وجعلوا مخالفهم في ذلك -وإن كان من أهل العلم- فاسد المعتقد والقصد، لاهثاً وراء شهوته، مُعْرضاً بدنياه عن آخرته!!

ومما أحْدَثَتِ الطائفة الأخرى ما يسمونه بمسألة:” المنهج” وبَدَّع دعاتها كثيراً من أهل السنة – وإن كانوا من أهل العلم والتقى- بزعم فساد منهجهم، واستباحوا الوقوع في الأعراض، بدعوى:” إحياء علم الجرح والتعديل”!! فنعوذ بالله أن نكون ممن زُيِّن له سوء عمله فرآه حسناً!!

وعلى كل حال: فقد وقع كل من الطائفتين فيما لا يُحمد من الحزبية، والله المستعان.

وقد رد كثير من طلبة العلم على من غلا فيما يسمونه بـ” المنهج” ردوداً كثيرة، فكشف الله بها الحق – والحمد لله تعالى- وظهر لكثير من طلاب الحق مبلغ هؤلاء من العلم بطريقة السلف!! وصرف الله بها الكثير من طلاب العلم عن هذا الغلو، والفضل في ذلك وغيره لله وحده القائل: ( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)(سورة النحل الآية 53) فأسأل الله أن يجعل كتاباتي وأقوالي وأعمالي خالصة لوجهه الكريم، جالبة لي ولأهلي وذريتي جميعاً وإخواني الحياة الطيبة في الدارين.

كما رددت على من غلا في مسألة” الحاكمية” وعلى مثيري الفزع والتفجيرات ردوداً متفرقة قبل ذلك، وهذا الكتاب خاص بمناقشة هذه الأفكار – إن شاء الله تعالى- فأسأل الله أن يرزقني فيه التوفيق والسداد، وأن لا يجعل عَجْزي وتقصيري وضَعْفي حائلاً بيني وبين الهدى والرشاد، وأن ينفع به في الدنيا والآخرة.

6 – أن في كلتا الطائفتين من لا يألو جهداً في استصدار فتاوى من كبار العلماء تؤيد ما هم عليه – ولو في الظاهر، أو لمدة مؤقتة- ويتخذون لذلك وسائل مُرِيبة، وطرقاً عجيبة، وذلك في كيفية إلقاء السؤال على العلماء، وكذا يُنْـزلون عمومات فتاوى العلماء على من يريدون، انتصاراً لرأيهم، وخَسْفاً بمخالفهم، ويطيرون بذلك كل مطار، ومع ذلك: فإذا خالفهم العلماء؛ غمزوا فيهم بأساليب ظاهرة وملتوية، والله تعالى يقول: سورة البقرة الآية 235 وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ويقول سبحانه: سورة فاطر الآية 43 وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى… .

7 – أن كُلاً من الطائفتين يمتحن الناس بمقالاتهم المحْدَثة، واجتهاداتهم الخاطئة، ومشايخهم وقادتهم الذين يصيبون ويخطئون، فمن قال بقولهم، أو مدح مَنْ يمدحون؛ رفعوه فوق قدره، ومن خالفهم، أو ذم بحق مَنْ يمدحونه بباطل؛ نزل مِنْ أعينهم، وَوُجِّهت إليه سهامهم، وحطوا مِنْ شأنه، فمرة يكون عميلاً جاسوساً، أو مغفلاً لا يدري ما يدور حوله!! وأخرى يكون دسيسة على الدين، حزبياً متستراً، أَخْبَث من على وجه الأرض!!( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ )( سورة المؤمنون الآية 71) .

ومعلوم أن امتحان الناس بهذه الأمور؛ من عمل أهل البدع، لا من عمل أهل السنة:

فقد قال شيخ الإسلام – كما في” مجموع الفتاوى” ( 3\413- 414 ) – في رده على من يمتحن الناس بيزيد بن معاوية:” فالواجب الاقتصار في ذلك، والإعراض عن ذكْر يزيد بن معاوية، وامتحان المسلمين به، فإن هذا من البدع المخالفة لأهل السنة والجماعة….” اهـ.

وفي ( 3 \ 415 ) قال:” وكذلك التفريق بين الأمة وامتحانها بما لم يأمر الله به ولا رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم” اهـ.

وفي ( 3\416 ) ذكر الأسماء التي يسوغ التسمي بها، مثل انتساب الناس إلى إمام: كالحنفي والشافعي والحنبلي…. أو مثل الانتساب إلى القبائل: كالقيسي واليماني، وإلى الأمصار: كالشامي والعراقي والمصري، ثم قال:” فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها، ولا يوالي بهذه الأسماء، ولا يعادي عليها، بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم، من أي طائفة كان” اهـ.

وفي ( 20\164 ) قال:” وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصاً، يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها، غير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا ينصب لهم كلاماً يوالي عليه ويعادي، غير كلام الله ورسوله، وما أجمعت عليه الأمة، بل هذه مِنْ فعْل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً، يُفرِّقون به بين الأمة، ويوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون….. فمن ابتدع أقوالاً ليس لها أصل في القرآن، وجعل مَنْ خالفها كافراً، كان قوله شراً مِنْ قول الخوارج” اهـ.

8 – أن مِنَ الطائفتين مَنْ قد طعن في كثير من كبار العلماء المخالفين له!! وتقاسموا مقالة السوء في العلماء الذين لهم قدم صِدْق في الأمة، فطائفة قالت: هم عملاء، جبناء، ضعفاء، فُتنوا بالقصور والسيارات الفاخرة، وهم تَبَعٌ للحكام، وعبيد العبيد، وعلى أحسن الأحوال: فهم – عند بعضهم- سطحيون، لا يفقهون الواقع، وإن كانوا مخلصين صادقين!!

وطائفة قالت في بعض هؤلاء الكبار- إذا خالفوهم-: هم لا يعرفون مسائل” المنهج” والجرح والتعديل، ونحن المتخصصون في معرفة منهج أهل السنة من مناهج أهل البدع، ونحن أعلم الناس بالحزبية ومناهجها، وإن هؤلاء العلماء مُلَبَّس عليهم، وسلفيتنا أقوى من سلفيتهم!! وعلى أحسن الأحوال: فهم – عند بعضهم- حولهم حزبيون، والعلماء يحسنون الظن بالحزبيين، فيخدعونهم، بل وبعض هؤلاء الكبار من أهل البدع والضلال، وهو قطبي، أو إخواني بنّائي، أو إخواني على الخط العام، ونحو ذلك من العبارات الشائعة بينهم وبين طلابهم!!

وعلى كل حال: فقد عمل هذان السهمان عملهما في جسد توقير العلماء وإجلالهم!! وقد أثخنت هاتان الطائفتان في الصف – شعرا أم لم يشعرا- فسقطت مرجعية كثير من كبار العلماء في نظر الشباب هؤلاء وأولئك، وإن تمسك كل منهما بنتفة من كلام العلماء؛ فلمقاصد أخرى – عند البعض- والله تعالى يقول: ( يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ )(سورة الطارق الآية 9) ويقول: ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ )(سورة غافر الآية 19) ويقول سبحانه: ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ )(سورة البقرة الآية 235) .

9 – أن كُلاًّ من الطائفتين يَدَّعي أنه قد أحيا فرائض ميتة!! ويا ليته كان كذلك- فهم وإن نفعوا في أبواب أخرى- فقد هدموا كثيراً مما يَدَّعون إحياءه!!

فطائفة تَدَّعي أنها أحيت علم العقيدة، وقررت” لا إله إلا الله” في القلوب والأذهان، بعد تحريرهم مسألة” الحاكمية” -حسب نظرتهم- وأنهم أحيوا عَلَمَ الجهاد بهذه التفجيرات والاغتيالات!!! فهدموا بذلك كثيراً من الخير – كما سيأتي إن شاء الله تعالى-.

هذا، وإن كان الكلام في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله؛ من مسائل العلم الشرعي، إلا أنه لا يجوز الخوض فيها إلا للمتأهلين، وبالضوابط الشرعية، والنظر في مآلات ذلك، ودون إفراط أو جفاء، شأنها في ذلك شأن جميع المسائل العلمية، والله أعلم.

وأخرى تَدَّعي أنها أحيت ما يسمونه بـ” عِلْم المنهج” وعِلْم الجرح والتعديل، والواقع أنهم قد فتحوا باب العصبية المقيتة لآرائهم وشيوخهم، وطاشت سهامهم في أعراض وعقائد أهل الحق، وإن رمَوْا أهل الباطل بسهم – مع إسرافهم وتجاوزهم في كثير من الأحيان- فقد رمَوْا أهل الحق بالمجانيق!!! فلا الإسلام نَصَروا، ولا العدو كَسَروا، والله المستعان.

وعلى كل حال: فصدق الله عز وجل القائل: ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )(سورة القصص الآية 50) ويقول سبحانه: ( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى)0سورة النجم الآية 23) .

10 – أن كثيراً من الطائفتين قد وقع في فتنة الاعتقاد الباطل ثم الاستدلال، وهذا مخالف لما عليه أهل الحق، فترى البعض يرفعون عقيرتهم بأمرٍ ما، فإذا حُوققوا، وطُلِبتْ أدلتهم على قولهم؛ استدلوا بكُسَيْر وعُوَيِر وثالثٍ ما فيه خير، وهذا من شؤم الاعتقاد قبل الاستدلال!!

* وبعد الكلام على هاتين الصورتين من صور الغلو في هذا العصر، وذِكْر كثير من وجوه الشبه بينهما- دون رغبة في التشابه منهما، ولا قصد مني للاستيعاب- وبعد الإشارة إلى أنه لا يلزم من ذلك نفي إخلاص الكثير من الطائفتين، إلا أن الإخلاص وحده لا يكفي، فلا بد من صحة الاتباع، وسلامة الطريق، كما لا يلزم من ذلك أنهم ليس لهم جهود أخرى نافعة، إلا أن هذا لا يُسَوِّغُ السكوت عن أخطائهم.

وليس تحذيري من أخطائهم؛ مُسَوِّغاً لادِّعاء ما ليس فيهم، أو قلْب حقهم باطلاً، وحسنتهم سيئة؛ فإن هذا كله ينافي العدل الذي أُمِرْنا به، كما أن ما عندهم من جوانب صحيحة؛ لا يُسوِّغ التقليل من خطورة مناهجهم التي يسيرون عليها، فالإنصاف عزيز، وأهله قلة سورة ص الآية 24 وَقَلِيلٌ مَا هُمْ .

واعلم أنه لا يلزم من ذلك أن المخالفين جميعاً على درجة واحدة في كل ما سأذكره عنهم أو غيره، ولاشك أن لكل حال حكماً، فبعض الأحوال تجعل صاحبها من أهل الأهواء، وبعضها يكون المرء مخطئاً فيما ذهب إليه، ويُخشى عليه إن تمادى به هذا الحال السيئ؛ أن يلحق بركب أهل الأهواء.

ولما كان المقام مقام دفع فِكر مخالف للسنة – وإن تفاوتت درجاته-؛ ذَكَرْتُ الكثير من مقالاتهم، دون عزو هذا القول أو ذاك لفلان أو غيره، فالمقام ليس مقام إثبات قول بعينه أو نفيه عن فلان أو غيره، إنما المراد بيان أقوال مخالفة، وآثار هذه الأقوال في الصفوف، فاحتجت إلى حشد الكثير من هذه الأقوال، وإن تعدد أو تنافر القائلون ببعضها، وقد يُنكر بعضهم أن هذا القول أو ذاك من أقوالهم، وهذا نفي بمجرد علمه فقط، ومن علم حجة على من لا يعلم ( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ )(سورة يوسف الآية 76) والله تعالى أعلم وأحكم.

وبعد هذا كله؛ فهناك عدة أمور أقدمها بين يدي موضوع هذا الكتاب- إن شاء الله تعالى- ومنها:

* الأول: أن الغلو بجميع صوره – وهو مجاوزة الحد الشرعي – مَنْهِيٌّ عنه، لأنه تَقَدُّمٌ بين يدي الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد نهى الله عز وجل عن ذلك، فقال: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )(سورة الحجرات الآية 1) وما ذُمَّ الغلو إلا لأنه يؤدي إلى ظُلْمِ العبدِ نَفْسَهُ وغَيْره، وتضييع العبد بعضَ ما أوجبه الله عليه، وقد يكون ما ضيَّعه أوجب مما غلا فيه، والغلو سبب في الانقطاع عن العمل، وصَدٌّ عن سبيل الله، وتنفير للناس عن الدين، وتشويه لسماحة الإسلام وجماله، وطَيٌّ لفراش شمولية هذا الدين!!!

وقد وردت أدلة متنوعة في ذم الغلو، فمن ذلك:

أ‌- ما جاء في النهي عن الغلو صراحة، كما في قوله تعالى: ( قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)(سورة المائدة الآية 77) وقال تعالى: ( يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ )(سورة النساء الآية 171) وقال سبحانه: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا)(سورة هود الآية 112 ) .

ب‌- وقوله صلى الله عليه وسلم: إياكم والغلو في الدين .

وقال أيضاً: هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون فهذه نصوص صريحة في ذم الغلو.

‌ج- ومنها ما جاء في الحضِّ على التيسير، ورَفْعِ الحرج والعَنَتِ، والحثِّ على الرفق، وذم العنف- وفي هذا ذم للغلو والتنطع أيضاً- ومن ذلك قوله تعالى: ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(سورة الحج الآية 78) وقوله تعالى: ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(سورة البقرة الآية 185) وقوله تعالى: ( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ)(سورة النساء الآية 28) فكل صور الغلو لا يريدها الله عز وجل، لأنها عُسر، وليست بيُسر ولا تخفيف.

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: بُعِثْتُ بالحنيفية السمحة .

وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن هذا الدين يُسْر، ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا….. الحديث ، وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن الله رفيق يحب الرفق، ويُعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن الرفق لا يكون في شيء؛ إلا زانه، ولا يُنْـزَع من شيء؛ إلا شانه وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: من حُرم الرفق؛ حُرم الخير وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إذا أراد الله بأهل بيت خيراً، أدخل عليهم الرفق .

‌د- ومنها الأمر بالتوسط وعدم الإفراط أو التفريط : فأهل الإسلام وسط بين الملل، وأهل السنة وسط بين الفرق والنِّحل، قال تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا )(سورة البقرة الآية 143) فلا تُعْتَمد إلا شهادة العدل الوسط، وهذه صفة للأمة المسلمة، فمن غلا؛ شابه اليهود، ومن جفا؛ شابه النصارى، فنعوذ بالله من المغضوب عليهم ومن الضالين.

وقد نهى الله عز وجل عن الانحراف عن الجادة في كل شيء، حتى في الأكل والشرب، فقال سبحانه:( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا )( سورة الأعراف الآية 31) وقال تعالى في شأن النفقة: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا )(سورة الفرقان الآية 67) وقال سبحانه: ( وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا )(سورة الإسراء الآية 29) .

ولم يرخص رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في رمي الجمرات بالكبير من الحجارة، وعدَّه غُلوّا، ولم يُرخِّص لعبد الله بن عَمرو في اشتغاله عن أهله بالعبادة، وحَثَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عزم على الصيام أبداً، وكذا من عزم على تَرْك النوم، وتَرْك النكاح، على التوسط في الأمر، ثم قال لهم: من رغب عن سنتي؛ فليس مني فلم يرخص في مجاوزة الحد حتى في العبادة والزهد، فكيف بمن يتجاوز الحد؛ فيستحل دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، أو يجر على الدعوة شراً؟!! وقد قال الله تعالى: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)(سورة البقرة الآية 208) وقال سبحانه: ( خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ )(سورة البقرة الآية 63) .

* الأمر الثاني: أن الغلو أو البغي في هذا الزمان: قد وقع من بعض المنتسبين للأديان كلها، كما وقع من اللادينيين أيضاً، فمحاولة ربط الغلو والبغي بالمنتسبين للإسلام فقط؛ محاولة ماكرة، ويدفعها الواقع العملي العالمي: فما يقع للمسلمين في فلسطين من تدمير وتخريب، وحرقٍ وتشريد، وإبادة وتهويد؛ أليس من العدوان والبغي في الأرض بغير الحق؟!!

وما جرى من الصِّرْب، ونصارى الفلبين، والوثنيين في الهند وغير ذلك ضد المسلمين؛ أليس من الجور والظلم، والتسلط على عباد الله؟!!

وضَرْب المدن والشعوب – قديماً وحديثاً- بالأسلحة الفتاكة والمدمرة الشاملة؛ أليس من الظلم المبين، والبغي الأليم؟!!

ومع أن ما يجري من بعض أفراد المسلمين، من تفجير وفساد – على نكارته وفُحْشِه، ونُشْهِد الله على إنكاره- إلا أن هذا الفساد ما جرى إلا من آحاد وطوائف قليلة في الأمة، شذَّت – بتأويلات خاطئة، وتعبئة فاسدة- عن سواء السبيل، وأما كبار العلماء ومن تبعهم من الدعاة وطلاب العلم- وهم المرجع الموثوق به عند الكثير من الأمة- وكذا جمهور المسلمين وعامتهم؛ فلا يرضون بهذا: إما لأنه اعتداء على حق مسلم معصوم الدم والمال والعرض، أو لأنه اعتداء على غير مسلم له عهد وأمان، أو لأنه اعتداء على غير مسلم ليس له أمان؛ إلا أنه لا يؤاخذ بجريرة غيره، أو لأن هذا الفساد لا ينكأ عدواً، ولا يقتل صيداً- وإن كان ضد محارب بعينه- إنما يجرّ على المسلمين الويلات والشرور التي لا طاقة لهم بها، فيشرع عندئذ الصبر واتخاذ الوسائل الشرعية، التي سيأتي ذكرها بمشيئة الله، والله تعالى أعلم.

ومع أن ما يجري من هذه الطوائف المسلمة الضعيفة في العدد والعتاد؛ يُقابَلُ ببغي وغطرسة من دول منظمة، تملك الطاقات الهائلة من الأسلحة والموارد، وتملك إعلاماً قادراً على تشويه الأمور، وقلب الحقائق!! ومع أن بغيها ليس على أفراد قلائل- وإن كان البغي لا يجوز أصلاً- بل تظلم شعوباً كاملة، وتغير دولاً وأنظمة – حقاً كانت أو باطلة-؛ إلا أن هذا كله لا يُتَعرض له إلا مِنْ طَرْف خَفي، أو مع استحياء وخجل شديديْن، بل ربما عُدَّ ذلك منقبة وفخراً!!

وكأن الأمر كما قيل: قَتْلُ امرئ في غابة جريمة لا تُغْتَفر وقتلُ شعبٍ كاملٍ قضيةٌ فيها نظر ويجب أن يُعلم أن هذه الأحوال الجائرة، سبب من أسباب فتنة التفجيرات والاغتيالات، فقوبل الباطل بالخطأ، ولو قوبل بالحق، لكان خيراً وأقوم.

* إن كلامي هذا لا يُسوِّغ الغلو من بعض المسلمين، فالغلو محرم شرعاً وعرفاً وعقلاً، وقد سبق ذِكْر أدلة ذلك، ولكن المراد بيان أن العلاج للغلو والفساد يجب أن يكون جذرياً وشاملاً بالطريقة الشرعية، فلا يُدْفع الباطل إلا بالحق، كما قال تعالى: ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ )(سورة الأنبياء الآية 18) ويقول الله سبحانه: ( وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ )(سورة الشورى الآية 24) ولا نعالج الفساد بغلو آخر؛ فتكون هناك رَدَّةُ فعل أخرى؛ فيتسع الخرق على الراقع من المخلصين الصادقين، والدعاة المؤْثِرين لمنهج أهل السنة والجماعة، أهل الاعتدال، والعلم بالحق، والرحمة بالخلق، وإلا فنحن – معشر أهل السنة- وإن ظُلِمْنا؛ فلا نرد الظلم إلا بطريقة السلف الصالح، والنظر في قدرة المسلمين وضعفهم، وما تؤول إليه أمورهم – على تفاصيل في ذلك- وعلى كل حال: فحسبنا الله ونعم الوكيل على كل من ظلمنا، ونعوذ بالله من شره، وندفع به في نحره، والله عز وجل لا يَذِلُّ وليُّه، ولا يَعِزُّ عدوُّه، والله المستعان، وعليه التكلان.

* الأمر الثالث: أرى أن يُعالَجَ هذا الفكر المخالف للسنة باعتدال وإنصاف – وإن كانت آثاره سيئة جداً على الأمة- فنحن مأمورون بالعدل، كما في قوله تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا)(سورة الأنعام الآية 152 ) وقوله عز وجل: ( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى )(سورة المائدة الآية 8) ولأن الاعتدال سهل الوصول إلى القلوب عند العقلاء – وإن كان من عدو- وإذا أنصفْتَ الخصم؛ فقد فتحتَ له باب استقامة، فتبرأ بذلك ذمتك، وتسلم الأمة من شر هذا الفكر، ويشرح الله صدر مخالفك إلى التراجع إلى الحق، ومعلوم أن مقارعة الحجة بالحجة- مع الرفق في ذلك-؛ خير من العكس – لاسيما والردود على هذا الفكر وحملته قد كثرت جداً، وقد استفاضت في كشف عواره في عدة جوانب.

وحرصاً على إيصال الحق بدلائله وبراهينه إلى كثير من الذين اغتروا بهذا الفكر وشبهاته، ورغبة في إعانة كل من خُدِع ببعض الشبهات، وخشيةَ الإعراض من المخالفين عن سماع نصائح مشايخنا وكبار العلماء في هذه الأمة؛ آثرت اختيار هذا الأسلوب- ما أمكن – في مناقشة هذا الفكر ومن تأثر به، وبالله التوفيق.

ولا يلزم من ذلك تركُ الأحكام الشرعية على كل من يستحق العقوبة شرعاً، فهذا أمر آخر.

ولو تصورنا أن مِنْ هؤلاء الذين قد وقعوا في هذا الفكر المخالف للسنة بعضَ أبنائنا، أو إخواننا، أو قرابتنا؛ فكيف كنا سنعالج ما وقعوا فيه؟!

إن العلماء يعاملون أبناء الأمة برحمة وعلم، وأهل السنة هم أهل العلم بالحق والرحمة بالخلق، والله عز وحل يقول: ( رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا )(سورة غافر الآية 7) فلا بد من العلم الشرعي الذي يحرر بدقة وأمانة ووضوح مقدار الانحراف عن الحق، بدون إفراط أو تفريط، ولابد من الحلم الذي تبرأ به الذمة، وتنتفع به الأمة.

إن من الخطأ أن يُظَن أن الدعوة إلى فتح باب المناقشة العلمية؛ تعني غض الطرف عن أحكام وآثار التفجيرات والاغتيالات، أو تمييع حُكْم من قام بشيء من ذلك!! إننا مأمورون بالقيام بأمر الله عز وجل من جميع جوانبه.

ولقد رأيت بعض من تظاهر بعلاج المشكلة، فجانب الإنصاف في كيفية علاجه، بل قد وقع في الكيد للدعاة إلى الله جميعاً، واتخذ أعمال هؤلاء الشباب ذريعة لنفث سمومه، وتشويه الدين وحملته جميعاً!!! كما يظهر ذلك من بعض المقالات في الصحف وغيرها!!

كما أن البعض الآخر قد سلك مسلكاً مقابلاً، ولم يعالج المشكلة من جميع جوانبها، مما أدى إلى إعراض الكثير – حتى من الموافقين – عن الاستفادة من جهده في هذا الباب – وإن كان جهداً مشكوراً-!!

وبين هذين المسلكين مسالك أخرى، ذات مراتب متفاوتة، والحق وسط بين طرفين، ومقبول من كل أحد، والباطل مردود على كل أحد – مع شكري لكل من سعى في بيان الحق، والدفاع عن السنة والأئمة، ودعائي بأن يهدي الله الجميع سواء السبيل-.

والمسلمون في كل مكان يعانون من آثار هذا الفكر – وسيأتي ذلك مفصلاً إن شاء الله تعالى- وعلاج هذا الفكر لا يكون بسلوك مسلك الإفراط أو التفريط، فإن هذا أو ذاك يزيدان المخالف إصراراً على قوله، ومن ثَم تزيد التضحيات والمصائب في الأمة!! وإنما يكون العلاج بإنصاف وتجرد- مع الوضوح والحزم – سورة البقرة الآية 269 وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا والمرء لا يبرئ نفسه من التقصير، لكني أسأل الله الذي بيده قلوب العباد، أن يمسك قلبي ويحفظه بسلامة الإيمان، وصحة القصد، واستقامة الحجج والبراهين، وأن يدفع عني حظوظ نفسي الأمارة بالسوء، وأن يجنبني سخطه وعقابه، وشر عباده، إنه على كل شيء قدير.

* الأمر الرابع: إن كتابي يعالج فتنة التفجيرات التي وقعت في عدة أقطار من العالم الإسلامي وغيره، في هذه الأيام وغيرها – مع إدراكي التفاوت بين كثير من المجتمعات، ودورها في أسباب وآثار وعلاج هذه الفتنة -.

وعلى ذلك: فليس كتابي خاصاً ببلد معين، مقتصراً على أحوال أهله فقط، ولذلك فسأذكر ما حضرني من أسباب هذه الفتنة، ومقالات الشباب وأدلتهم هنا وهناك وهنالك،- وإن لم يوجد بعضها في بعض البلدان – حتى يكون العلاج عاماً نافعاً بمشيئة الله عز وجل، وحتى لا تبقى قيمة الكتاب العلمية مرتبطة بأحداث بلد معين، سائلاً المولى عز وجل أن يُذهب جميع الفتن عن المسلمين في كل مكان.

* الأمر الخامس: كنت قد قاربت على الانتهاء من هذا الكتاب، وقبل المراجعة الأولى؛ أُتي لي بكتاب:” مشكلة الغلو في الدين في العصر الحاضر: الأسباب- الآثار- العلاج” للدكتور عبد الرحمن بن معلا اللويحق- حفظه الله تعالى – وهو عبارة عن رسالة” دكتوراه” في ثلاث مجلدات، فعندما تصفحت الكتاب؛ رأيت فيه ما يجعله رحلة الطالبين، وروضة الناظرين في التحذير من الغلو الذي وقع فيه الشباب، وهو حقاً موسوعة علمية زاخرة بالنقولات الشرعية والتاريخية في هذا الشأن، والله أعلم.

وقد استفدت من هذا الكتاب- وغيره- ومما قُدِّم له به، علماً بأنني لم أعرف المؤلف إلا من خلال كتابه، فجزى الله المؤلف وغيره خيراً، وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لا يشكر الله من لا يشكر الناس .

وقد سميت كتابي هذا:” التفجيرات والاغتيالات: الأسباب، والآثار، والعلاج”،

سائلاً المولى عز وجل أن يكون كذلك وخيراً من ذلك، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وهو حسبي ونعم الوكيل.

* وقد جعلت هذا الكتاب – بعد المقدمة- من عدة فصول:

الفصل الأول: في نعمة الأمن وأهميتها وسبيل تحققها والحفاظ عليها.

الفصل الثاني: في أطوار ومراحل الفكر الذي أفضى إلى التفجيرات والاغتيالات.

الفصل الثالث:. في الآثار السيئة المترتبة على التفجيرات والاغتيالات.

الفصل الرابع: في أسباب فتنة التفجيرات والاغتيالات.

الفصل الخامس: في كيفية علاج فتنة التفجيرات والاغتيالات.

الفصل السادس: في شبهات المخالفين في ذلك والرد عليهم.

الفصل السابع: في ذِكْر جملة من فتاوى كبار علماء العصر في التحذير من الاغتيالات والتفجيرات.

ثم جَعَلْتُ له خاتمة، وفُهْرِسَتْ فهرسة تُقَرِّب ما بَعُد من فوائده، وتَجْمَع ما تناثر من فرائده وشوارده.

والله المسئول أن يجعله مفتاح خير، مغلاق شر، ونوراً في الدنيا وفي ظلمة القبر، وأماناً يوم العرض والحشر.

كما أسأل الله عز وجل أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وسُلَّماً إلى الفوز بجنات النعيم، وأن يجعله وقاية لي من شر الشيطان الرجيم، وحزبه الأثيم، وأن يدفع به عني وعن أهلي وذريتي ووالديَّ وإخواني ودعوتي موجبات سخطه، وتحول عافيته، وفجاءة نقمته، إنه جواد كريم، بر رحيم.

وكتبه

أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

دار الحديث بمأرب 3\شوال\1424هـ.

{الفصل الأول}

( في نعمة الأمن وأهميتها وسبيل تحققها والحفاظ عليها )

* إن الأمن والاستقرار نعمةٌ عظيمٌ نفعها، كريمٌ مآلها، وهي مظلة يستظل بها الجميع مِنْ حَرِّ الفتن والتهارج، وهذه النعمة يتمتع بها الحاكم والمحكوم، والغني والفقير، والرجال والنساء، بل البهائم تطمئن مع الأمن، وتُذْعَر وتُعطَّل مع الخوف واضطراب الأوضاع، وتهارج الهمج الرعاع، فنعوذ بالله من الفتن التي تُعْمِي الأبصار، وتُصِمُّ الأسماع.

وبالله ثم بالأمن يُحَجُّ البيتُ العتيق، وتُعْمر المساجد، ويُرفع الأذان من فوق المنارات، ويَأْمن الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وتأمن السبُل، وتُرَدُّ المظالم لأهلها، فيُنتصر للمظلوم، ويُردع الظالم، وتقام الشعائر، ويرتفع شأن التوحيد من فوق المنابر، ويجلس العلماء للإفادة، ويرحل الطلاب للاستفادة، وتُحرَّرُ المسائل، وتُعْرف الدلائل، ويزار المرضى، ويُحترم الموتى، ويُرْحم الصغير ويُدَلَّل، ويُحْترم الكبير ويُبَجَّل، وتُوصَل الأرحام، وتُعْرف الأحكام، ويُؤمر بالمعروف، ويُنهى عن المنكر، ويُكرَّم الكريم، ويُعاقب اللئيم، وعلى كل حال: فبالأمن استقامة أمر الدنيا والآخرة، وصلاح المعاش والمعاد، والحال والمآل، وصدق الله عز وجل القائل: سورة الأنفال الآية 25 وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً فنسأل الله عز وجل ألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ونعوذ به من حلول نقمته، وتحوُّل عافيته، وجميع سخطه، إنه جواد كريم، بر رحيم.

* ولما كان الأمن بهذه المثابة العظيمة؛ امتن الله سبحانه وتعالى به على قريش، التي قابلت النعم الكبار بالإباء والاستكبار!!

وما كان الله عز وجل ليمتن ـ وهو الجواد الكريم ـ بما ليس بمنة ولا نعمة، فقد قال سبحانه: ( لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ )(سورة قريش الآية 1-4)* وقال سبحانه: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ )0سورة العنكبوت الآية 67) .

وقد جاء عند الترمذي من حديث عبد الله بن محصن الخَطْمى- رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من أصبح آمناً في سِرْبه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزتْ له الدنيا بحذافيرها .

وقد قال صاحب فضيلة الشيخ صالح الفوزان- حفظه الله-:”…. فلا شك أن توفر الأمن مطلب ضروري، الإنسانية أحوج إليه من حاجتها إلى الطعام والشراب، ولذا قدمه إبراهيم عليه الصلاة والسلام في دعائه على الرزق، فقال: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [ البقرة: 126] لأن الناس لا يهنئون بالطعام والشراب مع وجود الخوف، ولأن الخوف تنقطع معه السبل التي بواسطتها تُنقل الأرزاق من بلد لآخر، ولذلك رتب الله على قطاع الطرق أشد العقوبات…. وجاء الإسلام بحفظ الضروريات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، ورتب حدوداً صارمة في حق من يعتدي على هذه الضروريات، سواءً كانت هذه الضروريات لمسلمين أو لمعاهدين، فالكافر المعاهَد له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم، قال النبي (: من قتل معاهَداً؛ لم يرح رائحة الجنة …. والذين يعتدون على الأمن: إما أن يكونوا خوراج، أو قطاع طرق، أو بغاة، وكل من هذه الأصناف الثلاثة يُتَّخَذ معه الإجراء الصارم، الذي يوقفه عند حده ويكف شره عن المسلمين والمستأمنين وأهل الذمة….” اهـ نقلاً من” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ط الثانية ( ص 125 – 127 ) ، جمع محمد بن فهد الحصيّن.

* فيجب على كل عاقل، أن يحافظ على سلامة أمن البلاد، وذلك بالحفاظ على العقيدة الصحيحة أولاً، لقوله سبحانه وتعالى ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ )(سورة الأنعام الآية 82) وأن يقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحكمة وموعظة حسنة، وأن يحرص على طاعة ربه، فإن ذلك جالب لعز الدنيا والآخرة، فالله عز وجل يقول: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا *وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا )(سورة النساء الآية 66-68) .

وليعلم المرء أن الإعراض عن أمر الله؛ سبب في زوال نعمة الأمن، وحلول الخوف والفزع، قال تعالى: ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا)0سورة طه الآية 124) الآية.

وقال سبحانه: ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ)(سورة الزخرف الآية 36-37) ويقول سبحانه: ( ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ )(سورة سبأ الآية 17) .

ويجب أن يشعر كل منا- كل بحسبه- أنه مسئول بين يدي الله عز وجل عن أي إخلال بالأمن من جهته، أو إثارة للفتنة بقول أو عمل، وأن يُنكر على كل من أخل بأمن المسلمين – على أن يكون إنكاره عليه مقيداً بالضوابط الشرعية- فإن من أخل بأمنهم؛ فقد أخل بدينهم ودنياهم، والناس في هذه الدنيا كقوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فأراد الذين هم في أسفلها أن يخرقوا خرقاً في سهمهم، ليستريحوا ويريحوا!! فلو تركهم من هم في أعلاها؛ غرقوا جميعاً، ولو أخذوا على أيديهم؛ نجوا جميعاً، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

فالواجب علينا: أن لا نجامل ولا نبالغ في حُسن الظن بمن يفسد أمن البلاد، ومن يفتح على المسلمين أبواب الفتن، ولو كان قصده حسناً، فالمقصد الحسن وحده لا يكفي، بل لا بد من الاتباع الصحيح، والحفاظ على مقاصد الشريعة وبقايا الخير، فالعبرة بما تؤول إليه الأمور، والله أعلم.

واعلم أنه يجب على كل عاقل ـ عالماً كان أم عامياً ـ أن يصبر على الظلم والجور من ولاة الأمور، وأن يلزم منهج السلف في هذا الباب؛ حتى لا يكون من الذين خَلَفوا نبينا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أمته بسفك الدماء، وإزهاق الأنفس، وهتك الأعراض، ونهب الأموال، كما يجب علينا أن نعتبر بما جرى لعدة دول، وليكن في ما جرى في الصومال – مثلاً – عظة وعبْرة لنا، فإنهم قاموا على حاكمهم الذي قد شاع وذاع شره، فما الذي جرى بعد ذلك حتى الآن؟!! فنسأل الله أن يجعلنا مفاتيح الخير، مغاليق الشر، وأن يصرف عنا وعن المسلمين الموبقات والمرديات.

* ومعلوم أن هذا الأمن لا يتحقق إلا بدولة قوية، تحكم الناس وتسوسهم إلى ما فيه صلاحهم في المعاش والمعاد، ومعلوم- أيضاً- أن الدولة لا تنهض بهذه المهمة العظيمة؛ إلا بأمور، منها: السمع والطاعة من الرعية لولاة الأمور في المعروف، والصبر على الجور والظلم – عند وجود المنكرات- والنصح بالتي هي أحسن، وتقدير المصالح والمفاسد المترتبة على أي تصرف، مع مراعاة طريقة وحكمة السلف، لا حماسة وطيش بعض الخلف!!!

ولذلك فقد جاءت الأدلة على هذا الأمر، فمن ذلك:

قول الله تعالى: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا )(سورة النساء الآية 59) .

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لولاة الأمور ـ وإن جاروا ـ: فقد جاء عند مسلم أن سلمة بن يزيد الجعفي سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء، يسألوننا حقهم، ويمنعوننا حقنا، فما تأمرنا؟ فأَعْرض عنه، ثم سأله، فأَعْرض عنه، ثم سأله في الثانية أو الثالثة، فجذبه الأشعث بن قيس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حُمِّلْتم ، وفي البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إنكم سترون أثَرة، وأموراً تُنكرونها، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدّوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم . وعند مسلم من حديث حذيفة في ذكر فتنة آخر الزمان، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: …. يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال، قلوبهم قلوب الشياطين، في جثمان إنس، قال: قلتُ: كيف أصنع يا رسول الله؛ إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع .

فتأمل هذه الأدلة الصريحة في طاعة ولاة الأمور في المعروف، والصبر على أذاهم، وإن كانت قلوبهم قلوب الشياطين، وإن وُجِدت منهم الأَثَرة والأمورُ المنكرة، وإن ضربوا الظهر، وأخذوا المال، وإن لم يعطوا الرعية حقهم، وألزموهم بحقهم، كل هذا للحفاظ على الأمن وبقايا الخير، لأن الخروج على الحكام يُعمي الأعور، ويهلك الحرث والنسل.

وتأمل إعراض النبي صلى الله عليه وسلم مرة أو مرتين عن الجواب على سؤال سلمة ابن يزيد الجعفي: أرأيت إن قامت علينا أمراء، يسألوننا حقهم، ويمنعوننا حقنا، فما تأمرنا؟ ، وتأمل جوابه في حق أمراء قلوبهم قلوب الذئاب، في جثمان إنس، وجوابه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حق من ضرب الظهر، وأخذ المال، ولو أن أحداً من كبار العلماء اليوم، سُئِلَ هذا السؤال، فأعرض عن الجواب- إتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولزوماً لهدْي السلف-؛ لقال فيه كثير من الشباب: جبان، ولا يستطيع أن يقول كلمة الحق، وعميل، ولا يوثق به، ولا يُرْجَع إليه!! فنعوذ بالله من تصدُّر الحدثاء، والجرأة على العلماء!!!

ولقد امتثل أبو ذر الغفاري ـ رضي الله عنه ـ هذه الأوامر النبوية، ولم يكن مفتاح فتنة- مع غيرته، وصِدْق لهجته، وصَدْعه بالحق رضي الله عنه- فقد جاء في” السنة” لابن أبي عاصم من طريق معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنهما- قال: لما خرج أبو ذر إلى” الرَّبَذَة”؛ لقيه رَكْبٌ من أهل العراق، فقالوا: يا أبا ذر، قد بلغنا الذي صُنِع بك، فاعقد لواءً؛ يأتيك رجالٌ ما شئت، قال: مَهْلًا مَهْلًا يا أهل الإسلام، فإني سمعت رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: سيكون بَعْدي سلطان، فأعِزّوه، من التمس ذُلَّه؛ ثَغَر ثغرة ً في الإسلام، ولا يُقبلُ منه توبة؛ حتى يعيدها كما كانت .

فهذا أبو ذر الصادع بالحق، الزاهد الورع، الذي لم يقبل أي تغيير لما عهده أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لم يرض أن يُسْتَدْرَج لإذلال السلطان، مع وجود ما يكرهه من المخالفات عند كثير من الناس، ومع توفر الأَتْباع – لو أرادهم- ولكن الأمر أعظم من ذلك عند من يفهم الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة، كل هذا من أجل الحفاظ على بقايا الخير، واستمرار الأمن والهدوء، لأن حق الله عز وجل وحق العباد لا يتأتَّيان على الوجه الصحيح؛ إلا مع الأمن، ولا أمن إلا بحكومة قوية، ولا قوة إلا بسمع وطاعة في المعروف، مع نصح وصبر عند وجود المنكرات والظلم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله- كما في” مجموع الفتاوى” ( 28\ 390- 391 ) -:” يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس؛ من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد عند الاجتماع مِنْ رَأْسٍ، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا خرج ثلاثة في سفر؛ فليؤمِّروا أحدهم رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة…… فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيهاً بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجُمَع والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، لا تتم إلا بقوة وإمارة، ولهذا رُوِي: أن السلطان ظل الله في الأرض، ويقال: ستون سنة من إمامٍ جائر؛ أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك.

قال: ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما يقولون: لو كان لنا دعوة مجابة؛ لدعونا بها للسلطان، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم رواه مسلم.

وقال: ثلاث لا يُغَل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط مَنْ وراءهم رواه أهل السنن، وفي” الصحيح” عنه أنه قال: الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم .

قال: فالواجب اتخاذ الإمارة دِيناً وقُربة يُتَقَرّب بها إلى الله؛ فإن التقرب إليه بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما يَفْسُد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة والمال بها…” اهـ.

وفي ( 28\ 64- 65 ) قال:” ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بتولية ولاة الأمور عليهم، وأمر ولاة الأمور أن يردوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، وأمرهم بطاعة ولاة الأمور في طاعة الله تعالى…” ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة- رضي الله عنهما- كما سبق، ثم قال:” فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يُوَلَّى أحدهم؛ كان تنبيهاً على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك، ولهذا كانت الولاية لمن يتخذها ديناًُ يتقرب به إلى الله، ويفعل فيها الواجب ـ بحسب الإمكان ـ من أفضل الأعمال الصالحة…” اهـ.

فظهر من مجموع ذلك: أن الأمن نعمة للجميع، وأن ذلك لا يكون إلا بولاية وقوة، ولا يكون ذلك إلا بسمع وطاعة.

وقد رأينا بعض الشعوب الذين سقط حكامهم، وضاعت دُوَلُهم ـ على عوجها وانحرافها-؛ لم يعد لهم كرامة -كما كانت لهم من قبل- في كثير من البلدان، وتفرقوا شذر مدر في البلاد، وأُهين الكريم، وتنكّر لهم اللئيم، واحْتُقِر العزيز المنيع في بلده، وتقطعت الأرحام، وحيل بين الرجل ووالديه وذويه، ولذا يقال: شعب بلا حكومة؛ شعب بلا كرامة، وسلطان غشوم؛ خير من فتنة تدوم!!فهل يريد الشباب اليوم أن يكون المسلمون كذلك في كل بلد: بإثارة الفتن، وزعزعة الأمن، مما يُفضي إلى سقوط الحكام – وإن كانوا جائرين-؟!! فنكون كمن أراد أن يُطبَّ زكاماً؛ فأحدث جذاماً؟!! أو كمن أراد أن يُطبَّ جذاماً؛ فأهلك الأصحاء شيباً وشُبَّاناً؟!! فنعوذ بالله من كيد الكائدين، وعبث العابثين!!!

ألا يعتبر الشباب بما جرى في عدد من الدول، عندما أسقطوا حكامهم – وهم شر مستطير – فقد انتشرت الفتنة في كل بيت، وزاد البلاء واستفحل، وأنهم يتمنون رجوع الأيام السابقة – على ما فيها – بعد أن جرَّبوا الفوضى، ولكن هيهات هيهات، وقد قُتل وجُرح الملايين من الناس، وهُدِّمت البيوت والمساجد، وانتُهِكت الحرمات، وسُلبت الأموال، وقُطعت الطرق، والله المستعان.!!

إن أهل السنة لا يدافعون بذلك عن الدول الظالمة حُبّاً في ظلمهم، أو ركوناً لدنياهم!! فهم من أبعد الناس عن ذلك، وهم أقل الناس حظاً مما في يد الحكام، ولكن ينكرون الفتنة وما يُفضي إليها: اتباعاً لمنهج السلف، وحفاظاً على ما بقي من خير، وصيانة للدماء من السفك، وللحرمات من الانتهاك، وإن كانوا يتألمون لوجود المنكرات، ولا ينكرون وجودها، ولا يبالغون في الاعتذار لأهلها، وينصحون ما أمكن بالحذر من مَغبة الذنوب، ويدعون الله عز وجل باختيار الأصلح للإسلام والمسلمين.

ثم لو سلمنا أنكم – أيها الشباب- قد أسقطتم الدولة الفلانية، ونجحتم في ذلك- مع أن هذا لا يكون إلا بإهلاك الحرث والنسل- والمسلمون على هذا الحال من الضعف، فهل سيترككم أعداء الإسلام وشأنكم؟!! أم سيجعلونها حرباً أهلية بينكم وبين طوائف الشعب الذين يصدق على كثير منهم قوله تعالى: سورة الحشر الآية 14 تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ، ثم يتدخل الأعداء – بعد الخراب، والدمار كما تدخلوا في كثير من البلدان-، فتكون الجماجم والأشلاء من المسلمين- منكم وممن حاربكم- ثم تكون الثمرة لغيرنا، والأمر كما قيل: نحن نمسك برأس البقرة وقرنيها، وأعداء الإسلام يحلبونها!!! فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وقد قيل: على كتفيْه يبلغ المجدَ غيرُه فهل هو إلا للتسلق سُلَّم ( تنبيه ) : إن من العجب: أن ترى بعض الجماعات تستدل بالكلام السابق لشيخ الإسلام، على وجوب بيعة أميرها، ولزوم الانضواء في حزبها، وضرورة الانتماء لرايتها وشعاراتها!!! هذا وكثير من أمرائهم مستضعفون مجهولون، لا يكاد يَعْلَم بهم إلا من يثق به!! ومع ذلك فلا يرون السمع والطاعة في المعروف للملوك والرؤساء الممكَّنين بالاختيار أو بالغلبة أو الشوكة في جميع البلدان!!!- وإن كان بعضهم في الكلام عنه تفصيل – مع أن الطاعة لا تكون إلا لممكَّن معلوم، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية- الذي تستدلون بكلامه السابق على صحة بيعاتكم- في” منهاج السنة” ، في سياق رده على الروافض في دعوى المهدوية:” الوجه التاسع: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بطاعة الأئمة الموجودين المعلومين، الذين لهم سلطان، يقدرون على سياسة الناس، لا بطاعة معدوم ولا مجهول، ولا من ليس له سلطان ولا قدرة على شي أصلاً…..” اهـ

فتأمل هذا، واحمد الله على العافية!!!

لكن قد يقول قائل: هذه النصوص السابقة في السمع والطاعة في المعروف، والصبر على الأذى؛ كلها حق، ولكنها تُنـزَّل على الأئمة المسلمين، الذين عندهم جور وظلم على أسوأ الاحتمالات، أما جميع حكام زماننا فكفار، ومن هنا فلا سمع لهم ولا حُرمة، وتعيَّن الخروج عليهم لإزالتهم!!

والجواب: أننا لا نسلم بهذا الإطلاق، ولهذا تفصيل طويل الذيل، ليس هذا موضعه، وأسأل الله أن يوفقني لإتمام ما شرعت فيه بهذا الصدد، وأن يدفع عني الشواغل والمشاكل، والعلائق والعوائق التي تحول بيني وبين الخير كله، ظاهره وباطنه، ما علمتُ منه وما لم أعلم.

لكن لو سلمنا- بما قالوه؛ فهل يلزم من ذلك إثارة الفتن، وفتح أبواب الشغب المفضي إلى محق ما بقي من خيرٍ في المجتمعات؟!! فكُفْر الحاكم شئ، وجرّ الفتن على البلاد والعباد شئ آخر!!

فهل إثارة الفتن هي التي تجعل الحاكم الكافر مسلماً، والفاجر منهم تقياً؟وهل اندلاع نار الفتن المفضية إلى إهلاك الحرث والنسل، وزيادة المظلوم ظلماً، والفاجر فجوراً؛ هو الذي يقيم شعائر الدين، ويُذِلُّ العصاة والكافرين؟ وهل عقوبة الفاسق أو الكافر ـ شرعاً- تكون بهذه الطريقة؟!! وهل استفدنا خلال عقود من الزمان- أكثر من نصف قرن- من هذه الأفعال في عدد من البلدان، فَقَلَّ بها الشر أو زال؟!!

إن الناظر بعين العدل والتجرد؛ يجد أن هذه الأمور ما جَرَّتْ على المسلمين إلا شراً، فزادت الكادح كدحاً، والمظلوم ظلماً، والمنكر فُحْشاً، بل نجد بعض المسلمين في بعض البلدان يتمنون دخول اليهود والنصارى، ليوقفوا الحرب الأهلية بينهم، أو يستعينوا بهم على إخوانهم وأبناء جلدتهم!!

قال الإمام ابن القيم- رحمه الله- ، في سياق تمثيله لقاعدة تغيير الفتوى بتغير الأزمنة والأحوال:”……. المثال الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر، ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله؛ فإنه لا يسوغ إنكاره – وإن كان الله يُبغضه ويمقت أهله – وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابةُ رسولَ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: لا، ما أقاموا الصلاة . وقال: من رأى من أميره ما يكره؛ فلْيصبر، ولا ينـزعنَّ يداً من طاعته .

قال: ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار؛ رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على المنكر، فطلب إزالته، فتولَّد منه ما هو أكبر منه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات، ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة، وصارت دار إسلام؛ عَزَم على تغيير البيت ورَدِّه على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك – مع قدرته عليه – خشيةُ وقوع ما هو أعظم منه، من عدم احتمال قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد؛ لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه، كما وُجِد سواء……”.

إلى أن قال:” وسمعت شيخ الإسلام – قدّس الله روحه، ونوَّر ضريحه – يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم مَنْ كان معي؛ فأنكَرْتُ عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر، لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس، وسَبْي الذرية، وأخْذ الأموال، فَدَعْهُمْ” اهـ.

قلت: تأمل قول ابن القيم – رحمه الله-:” فقد كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات، ولا يستطيع تغييرها” ولا شك أن المراد بذلك عبادة الأصنام، وهذا كفر بواح لا إشكال فيه، ومع ذلك لم يغيره الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم- آنذاك- لضعف قدرة المسلمين على ذلك، ولما يترتب عليه من شرٍ وفتنة، وهذا كله يدلك على أن تغيير المنكر مقيد بالقدرة والمصلحة، سواء كان ذلك في زمن حاكم فاسق، أو كافر كفراً لا خلاف فيه.

فالذين يرون الخروج لكفر حكام المسلمين جميعاً – عندهم – لم يراعوا ما اعتنى به السلف من النظر إلى القدرة والمصلحة، بل خالفوا النص الصريح: سورة التغابن الآية 16 فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ والاستطاعة الشرعية لا تكون كذلك إلا بإزالة المنكر بدون مفسدة مساوية أو راجحة، وذلك كله بتقدير أهل العلم والفهم.

وقد قال الجويني في” غياث الأمم” ( ص 96 ) في سياق الكلام على من يقدر المصالح والمفاسد، فقال:” ولا يكون ذلك لآحاد الرعية، بل لأهل الحل والعقد” انظر رسالة” الخوارج والفكر المتجدد” ( ص 40 ) للشيخ عبد المحسن العبيكان.

فلو سلمنا بإطلاق تكفير حكام المسلمين اليوم جميعاً – كما يرى هؤلاء المخالفون – فلا يلزم الخروج عليهم بالسلاح، لأن غاية الأمر أن يكون حال المسلمين اليوم كحال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عندما كان يرى أكبر المنكرات وعبادة الأصنام بمكة؛ وهو صابر على ذلك، ومشتغل بأمر الدعوة، لا مجرد تكسير الأصنام فقط، فلما حطمها من قلوبهم؛ حطمها أمام أعينهم، وهم يحمدون الله ويشكرونه على نعمة الإسلام، فأين نحن من الحكمة النبوية؟!!

فمن نظر في حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه – رضي الله عنهم- بمكة وصبرهم على أهل مكة-؛ ودعوتهم إياهم بالتي هي أحسن؛ علم الفارق بين هذا وبين حال من خالف العلماء اليوم، والله المستعان.

وكذلك موقف الإمام أحمد ممن أراد الخروج على الواثق، مع قوله بخلق القرآن، ودعوته إلى ذلك، وامتحان الناس بذلك، وإيذاء أهل السنة، واتفاق العلماء على كفر هذه المقالة.

وكذلك موقف شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – وغيره من علماء السنة من الحكام الباطنيين، والحلوليين وغلاة المعطلة، وغير ذلك، والله أعلم.

ولذا فقد قال صاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله-:”…. وإذا فرضنا على التقدير البعيد: أن ولي الأمر كافر؛ فهل يعني ذلك أن نُغِير الناس عليه، حتى يحصل التمرد، والفوضى، والقتال؟! لا شك أنه خطأ، المصلحة التي تحصل غير مرجوة في هذا الطريق، المصلحة التي يريدها هذا؛ لا يمكن أن تحصل بهذا الطريق، بل يحصل في ذلك مفاسد عظيمة، لأنه- مثلاً- إذا قام طائفة من الناس على ولي الأمر في البلاد، وعند ولي الأمر من القوة والسلطة ما ليس عند هذا، ما الذي يكون؟ هل تغلب هذه الفئة القليلة؟ لا تغلب!! بل بالعكس: يحصل الشر والفوضى والفساد، ولا تستقيم الأمور، والإنسان يجب عليه أن ينظر أولاً بعين الشرع، ولا ينظر أيضًا إلى الشرع بعين عوراء، ينظر إلى النصوص من جهة دون الجهة الأخرى، بل يجب أن يجمع بين النصوص.

ثانيًا: ينظر أيضًا بعين العقل والحكمة، ما الذي يترتب على هذا الشيء؟

لذلك نحن نرى مثل هذا المسلك، مسلكاً خاطئاً جدًا، وخطير، ولا يجوز للإنسان أن يؤيد مَنْ سَلَكه، بل يرفض هذا رفضًا باتًا، ونحن لا نتكلم على حكومة بعينها، ولكن نتكلم على سبيل العموم” اهـ، نقلاً من” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ( ص 86 – 87 ) .

وبعد تقرير أنه لا يلزم من مجرد كُفر الحاكم: دعوة الناس للخروج عليه، ومنابذته بالسلاح؛ فاعلم أن الخروج على الحاكم المسلم – وإن ظلم – يجر إلى فساد عظيم، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ في” منهاج السنة” ( 1\391 ) :” لا يكاد يُعرف طائفة خرجت على ذي سلطان؛ إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته” وقال – رحمه الله- في: ( 4\527- 531 ) :” وقلَّ مَنْ خرج على إمام ذي سلطان؛ إلا كان ما تولَّد على فعله من الشر؛ أعظم مما تولد من الخير، كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق، وكابن المهلب الذي خرج على ابنه بخراسان، وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضاً، وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة، وأمثال هؤلاء.

قال: وغاية هؤلاء إما أن يَغْلِبُوا، وإما أن يُغْلَبُوا، ثم يزول ملكهم، فلا يكون لهم عاقبة، فإن عبد الله بن علي وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلْقاً كثيراً، وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور، وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم؛ فهُزِموا وهُزِم أصحابهم، فلا أقاموا ديناً، ولا أبقوا دنيا، والله تعالى لا يأمر بأمر لا يصلح به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا، وإن كان فاعل ذلك من أولياء الله المتقين، ومن أهل الجنة، فليسوا أفضل من علي وعائشة وطلحة والزبير وغيرهم، ومع هذا لم يَحْمدُوا ما فعلوه من القتال، وهم أعظم قدراً عند الله، وأحسن نية من غيرهم.

[ص-21] قال: وكذلك أهل الحرة كان فيهم من أهل العلم والدين خَلْق، وكذلك أصحاب ابن الأشعث كان فيهم خَلْق من أهل العلم والدين، والله يغفر لهم كلهم.

قال: وقد قيل للشعبي في فتنة ابن الأشعث: أين كنت يا عامر؟ قال: كنت حيث يقول الشاعر: عَوَى الذُئب فاستأنسْتُ بالذئب إذْ عَوَى وصَوَّت إنسـانٌ فكـدت أطيـر أصابتنا فتنة؛ لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء.

قال: وكان الحسن البصري يقول: إن الحجاج عذاب الله، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع؛ فإن الله تعالى يقول:( وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ )( سورة المؤمنون الآية 76) ……. وكان أفاضل المسلمين ينهوْن عن الخروج في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلى بن الحسين وغيرهما ينهوْن عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهوْن عن الخروج في فتنة ابن الأشعث، ولهذا استقر أمْر أهل السنة على تَرْكِ القتال في الفتنة، للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جَوْر الأئمة، وترْك قتالهم، وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين….” إلى أن قال:” وهذا كله مما يبين أن ما أمر به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الصبر على جور الأئمة، وتَرْكِ قتالهم والخروج عليهم؛ هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأن من خالف ذلك متعمداً أو مخطئاً؛ لم يحصل بفعله صلاح، بل فساد، ولهذا أثنى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الحسن بقوله: إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ، ولم يُثْنِ على أحد لا بقتال في فتنة، ولا بخروج على الأئمة، ولا نَزْع يدٍ من طاعة، ولا مفارقة للجماعة” اهـ.

فتأمل قول شيخ الإسلام:” ولم يُثْنِ على أحد لا بقتال في فتنة…. الخ”؛ يظهر لك أن باب الخروج باب فتنة، فلا تكن من المتهورين فيه، حتى وإن كان الإمام الجائر من الأشرار الفجار، لأن خروجك عليه لا يرجع – في الغالب – إلا بشر أكبر، وقد جاء في الفتح قال ابن بطال:” وفي هذا الحديث – أيضاً – حجة لما تقدم من ترك القيام على السلطان- ولو جار- لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعْلَمَ أبا هريرة بأسماء هؤلاء، وأسماء آبائهم، ولم يأمرهم بالخروج عليهم- مع إخباره أن هلاك الأمة على أيديهم- لكون الخروج أشد في الهلاك، وأقرب إلى الاستئصال من طاعتهم، فاختار أخف المفسدتين، وأيسر الأمرين” اهـ.

وهذا يدلنا على أن هَدْي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومنهج الصحابة – رضي الله عنهم – ليس فيه إشغال المسلمين بتتبع أخبار وأحوال الحكام، وإشهار ذلك في الناس، حتى يكون ذلك حديث الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والصالح والطالح، وإلا فلماذا لم يُخبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جميع الصحابة- كما أخبرهم بالصلاة والزكاة ونحوهما- بحال هؤلاء الغلمان الذين يكون هلاك الأمة على أيديهم؟ وإذا كان إشهار ذلك [ص-22] في الناس هو الهدْي الصحيح؛ فلماذا لم يبثه أبو هريرة في الناس؟!! إن هذا كله ليدل على فقه السلف الذي يُغلق الأبواب أمام الفتن المفضية للخراب، وأمام من لم يهتد بهديهم؛ فإنه يرى ذلك جبناً وخذلاناً، فإلى الله المشتكى.

وقال شارح” الطحاوية” ( 2\542 ) :” وأما لزوم طاعتهم ـ وإن جاروا ـ فلأنه يترتب على الخروج عن طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور” اهـ.

وقال: المعلمي – رحمه الله- في” التنكيل” :” كان أبو حنيفة يستحب أو يوجب الخروج على خلفاء بني العباس، لِمَا ظهر منهم من الظلم، ويرى قتالهم خيراً من قتال الكفار، وأبو إسحاق – يعني الفزاري- يُنكر ذلك، وكان أهل العلم مختلفين في ذلك، فمن كان يرى الخروج؛ يراه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بالحق، ومن كان يكرهه، يرى أنه شق لعصا المسلمين، وتفريق لكلمتهم، وتشتيت لجماعتهم، وتمزيق لوحدتهم، وشُغل لهم بقتل بعضهم بعضاً، فَتَهِنُ قوتهم، وتقوى شوكة عدوهم، وتتعطل ثغورهم، فيستولي عليها الكفار، ويقتلون مَنْ فيها مِنَ المسلمين، ويُذلونهم، ويستحكم التنازع بين المسلمين، فتكون نتيجته الفشل المخزي لهم جميعاً.

قال: وقد جَرَّبَ المسلمون الخروج؛ فلم يروا منه إلا الشر، خرج الناس على عثمان، يرون أنهم إنما يريدون الحق، وخرج أهل الجمل، يرى رؤساءهم ومعظمهم أنهم إنما يطلبون الحق، فكانت ثمرة ذلك بعد اللُّتَيَّا والتي: أن انقطعت خلافة النبوة، وتأسست دولة بني أمية، ثم اضطر الحسين بن علي إلى ما اضطر إليه، فكانت تلك المأساة، ثم خرج أهل المدينة، فكانت وقعة الحرة، ثم خرج القراء مع ابن الأشعث، فماذا كان؟!! ثم كانت قضية زيد بن علي، وعَرَضَ عليه الروافض أن ينصروه على أن يتبرأ من أبي بكر وعمر؛ فأبَى، فخذلوه، فكان ما كان، ثم خرجوا مع بني العباس، فنشأت دولتهم- التي رأى أبو حنيفة الخروج عليها-، واحتشد الروافض مع إبراهيم- الذي رآى أبو حنيفة الخروج معه- ولو كُتِبَ له نصر؛ لاستولى الروافض على دولتهم، فيعود أبو حنيفة يفتي بوجوب الخروج عليهم!!!

قال: هذا، والنصوص التي يحتج بها المانعون من الخروج والمجيزون له معروفة، والمحققون يجمعون بين ذلك: بأنه إذا غلب على الظن أن ما ينشأ عن الخروج من المفاسد أخف جداً مما يغلب على الظن أنه يندفع به؛ جاز الخروج، وإلا فلا، وهذا النظر قد يختلف فيه المجتهدان، وأولاهما بالصواب: من اعتبر بالتاريخ، وكان كثير المخالطة للناس، والمباشرة للحروب، والمعرفة بأحوال الثغور، وهكذا كان أبو إسحاق” اهـ.

قلت: وقد ذَكَرْتُ كلام المعلمي – رحمه الله تعالى – لأُبيِّن مفاسد الخروج على الولاة الظلمة، وأما الخلاف بين العلماء في أمر الخروج؛ فهو خلاف قديم، وقد استقر الأمر بعد ذلك على المنع منه، وصار عدم الخروج شعاراً لأهل السنة، فذكروه في كتبهم المصنفة في ذكر عقيدتهم، وعدُّوا المخالف لهم مبتدعاً من أهل الأهواء، فقد قال الإمام [ص-23] البخاري – رحمه الله تعالى – في عقيدته التي رواها عنه اللالكائي في” شرح أصول اعتقاد أهل السنة” :” لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم: أهل الحجاز، ومكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، وواسط، وبغداد، والشام، ومصر، لقيتهم كرّاتٍ قرناً بعد قرْن، ثم قرناً بعد قرْن، أدركتهم وهم متوافرون منذ أكثر من ست وأربعين سنة: أهل الشام، ومصر، والجزيرة مرتين، والبصرة أربع مرات، في سنين ذوي عدد، بالحجاز ستة أعوام، ولا أُحصي كم دخلت الكوفة، وبغداد، مع محدثي أهل خراسان ….” ثم ذكر أسماء بعضهم في عدد من البلدان، ثم قال:” واكتفينا بتسمية هؤلاء؛ كي يكون مختصراً، وأن لا يطول ذلك، فما رأيت واحداً منهم يختلف في هذه الأشياء ….” فذكر أموراً في العقيدة، ومن ذلك قوله:” وأن لا ننازع الأمر أهله …. وأن لا يرى السيف على أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال الفضيل: لو كانت لي دعوة مستجابة؛ لم أجعلها إلا في إمام، لأنه إذا صلح الإمام؛ أمِنَ البلاد والعباد، قال ابن المبارك: يا معلم الخير، من يجترئ على هذا غيرك؟” اهـ.

فتأمل هذا الإجماع المستقر الثابت الرافع للخلاف في هذه المسألة، وتأمل قول ابن المبارك للفضيل، فلعله – والله أعلم- يشير إلى أن أهل الأهواء من عادتهم رمي أهل السنة بالجبن والضعف أمام الحكام، ولذاك – والله أعلم- ربما سكت بعض أهل السنة عن التصريح أمامهم بالدعاء للإمام، ولما سمع ابن المبارك هذا القول من الفضيل؛ قال له:” …. من يجترئ على هذا غيرك”؟!! مما يدل على قوة الفضيل في الصدع بما يعتقد، وكم من عالم أو إمام يُنتقد عليه أنه يدعو لولي الأمر، ويقال فيه- بدون وجه حق-: هو عميل، أو متزلِّف، أو جبان …إلخ فما على صاحب الحق إلا المضيّ فيه، وإلى الله المشتكى، وعليه التكلان!!

وقد ذكر اللالكائي أيضاً الإجماع عن غير واحد، فارجع إليه في المصدر السابق.

وقال الأشعري في” رسالة أهل الثغر” :” وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وعلى أن كل مَنْ ولي شيئاً من أمورهم عن رضىً أو غلبة، وامتدت طاعته – من برٍ وفاجر – لا يلزم الخروج عليه بالسيف جارَ أو عَدَل، وعلى أن يغزوا معه العدو، ويحج معهم البيت، وتُدْفع إليهم الصدقات إذا طلبوها، ويُصلى خلفهم الجمع والأعياد” اهـ

وهذا الإجماع موافق لما سبق، ولا حجة للمخالفين في ذكر الأشعري غزو الإمام العدوَّ، لأنه لا يلزم من ترك الغزو – وفيه تفاصيل- خلع اليد من الطاعة مطلقاً، والله أعلم.

وبنحو ذلك قال الصابوني في” عقيدة السلف أصحاب الحديث” :” ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم برّاً كان أو فاجراً، ويرون جهاد الكفار معهم، وإن كانوا جَوَرة فَجَرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح، وبسط العدل في الرعية، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف، وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف…..” اهـ.

[ص-24] وقال الإسماعيلي في” اعتقاد أهل السنة” :” ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والعطف إلى العدل، ولا يرون الخروج بالسيف عليهم” اهـ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – كما في” مجموع الفتاوى” ( 35\12 ) :” وأما أهل العلم والدين والفضل؛ فلا يرخّصون لأحدٍ فيما نهى الله عنه: من معصية ولاة الأمور، وغشهم، والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عُرِف من عادات أهل السنة والدين قديماً وحديثاً، ومن سيرة غيرهم” اهـ.

ونقل الإمام ابن القيم في” حادي الأرواح” ، عن حرب صاحب أحمد في” مسائله” المشهورة، أنه قال:” هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الآثار، وأهل السنة المتمسكين بها، المقتدَى بهم فيها من لدن أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى يومنا هذا، وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها؛ فهو مخالف مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق.

قال: وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم وعبد الله بن مخلد وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم، وكان من قولهم….” فذكر أموراً، وفيها:”….. والانقياد لمن ولاه الله عز وجل أمركم، ولا تنـزع يداً من طاعة، ولا تخرج عليه بسيف حتى يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً، ولا تخرج على السلطان، وتسمع وتطيع، ولا تنكث بيعته، فمن فعل ذلك؛ فهو مبتدع مخالف، ومفارق للجماعة…..” اهـ.

وقد ذكر الحافظ ابن حجر في”تهذيب التهذيب” ( 2\263 ) ترجمة الحسن بن صالح ابن حي، أنه كان يرى السيف، ثم قال:” وقولهم: كان يرى السيف، يعني: كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك؛ لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه، ففي وقعة الحرة ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عِظة لمن تدبر…..” اهـ.

وقد قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ -رحمه الله – كما في” الدرر السنية” ( 7\ 177- 178 ) :”…. ولم يدر هؤلاء المفتونون أن أكثر ولاة أهل الإسلام، من عهد يزيد بن معاوية – حاشا عمر بن عبد العزيز ومن شاء الله من بني أمية – قد وقع منهم من الجراءة والحوادث العظام والخروج والفساد في ولاية أهل الإسلام، ومع ذلك فسيرة الأئمة الأعلام، والسادة العظام معهم؛ معروفة مشهورة: لا ينـزعون يداً من طاعة فيما أمر الله به ورسوله من شرائع الإسلام وواجبات الدين……” اهـ انظر” معاملة الحكام” ( ص 12 ) وغيرها للشيخ عبد السلام العبد الكريم -حفظه الله -.

[ص-25] فلو سلمنا ـ جدلاً ـ بأن جميع حكام المسلمين اليوم كفار؛ فإن ذلك لا يسوِّغ الخروج عليهم بالقتل والقتال- والمسلمون بهذا الحال- لما يؤول بهم الأمر إلى المفاسد التي تهلك الحرث والنسل، فكيف وهذا الإطلاق في الحكم جائر عن سواء الصراط، وعن فتاوى الراسخين في العلم، بل لابد من التفصيل، والحكم بعدل وقسط؟!!

وليس هذا إقراراً مني للمنكرات الموجودة في المجتمعات – فمعاذ الله من الضلالة بعد الهدى-؛ إنما المراد: الحفاظ على ما أمكن من الخير، ودرأ ما أمكن من المفاسد، وقد قال صاحب الفضيلة الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – في سياق ذم الخروج على الحكام الظلمة:” لأن في الخروج عليهم أشد مما هم واقعون فيه من الخطأ والخلل – يحصل مضرة أكبر من الصبر على أذاهم- الصبر على أذاهم مضرة بلا شك، ولكن ما يترتب على الخروج عليهم أشد من نقض عصا الطاعة، وتفريق كلمة المسلمين، وتسلط الكفار على المسلمين، هذا أشد من الصبر على ظلم الوالي الظالم أو الفاسق، الذي لم يصل إلى حد الكفر” انظر” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ( ص 93 ) .

وقد سبق عن شيخ الإسلام – قريباً-:” وأما أهل العلم والدين والفضل فلا يُرخِّصون لأحد فيما نهى الله عنه، من معصية ولاة الأمور، وغشهم، والخروج عليهم بوجه من الوجوه” اهـ.

فتأمل قوله:” والخروج عليهم بوجه من الوجوه” وذلك لما يؤول إليه الحال من الشر المستطير، وقد سبق – أيضاً -أنه ذكر ثناء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الحسن بسبب ما جرى من صلح على يديه، ثم قال شيخ الإسلام:” ولم يُثْنِ على أحد: لا بقتال في فتنة، ولا بخروج على الأئمة، ولا نزْع يدٍ من طاعة، ولا مفارقة للجماعة” اهـ.

واعلم بأن باب تكفير الحكام- ومن ثمَّ الخروج عليهم- لا يشتغل به طلاب العلم، بل لا بد من الرجوع فيه إلى أهل الاجتهاد والاستنباط، ولأَنْ نترك قولنا لقولهم في مثل هذه المسائل؛ خير لديننا ودنيانا، ولأن نخطئ في العفو؛ خير من أن نخطئ في العقوبة- لاسيما في أمر الحكام-، وكم للدعوة والدعاة من سنوات – زادت عن المدة التي تاه فيها بنو إسرائيل- من الخبط والخلط والاضطراب والهرج، بسبب ترك نصائح كبار أهل العلم، والخوض في مسألة من أعظم المسائل، بدون هُدَىً ولا كتاب منير، ولا اتعاظ بما جرى للأمة- سلفاً وخلفاً- من فساد عريض!!!

واعلم أننا لو سلمنا بكفر الحكام؛ لكانت النظرة إلى القدرة على الخروج عليهم، والنظرة في المصالح والمفاسد؛ أمراً متعيناً، فهاهي بلاد اليهود والنصارى، لا نُسوِّغ للمسلمين المقيمين بها أن يقوموا فيها بهذا الشغب، بل نُطالبهم بأن يكونوا دعاة إلى الله عز وجل، متمسكين بدينهم الحنيف ـ ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ـ وأن يتخلقوا بالأخلاق الحسنة، التي يأمر بها هذا الدين – فإن ذلك سبيل من سُبل الدعوة إلى الله- وألا يشوِّهوا صورة الإسلام بهذه الأفكار، وتلك المفاسد التي يحرمها ديننا، وتخالف نهج سلفنا، وحذَّر منها أئمتنا، فلم نُرخص بهذا الأمر في بلاد اليهود والنصارى وغيرهم -لما سبق، ولأنه ليس كل كافر يجب أن يحارَب في بلده، فكيف في بلاد الإسلام؟!!

[ص-26] وقد جاء في” سؤالات أبي داود لأحمد” ( 64 1 ) :” سمعت أحمد سئل عن الأسير إذا أمكنه في بلاد العدو أن يقتل منهم؟ قال: إذا عَلِم أنهم أمِنُوه على أنفسهم وأموالهم؛ فلا يقتل منهم، قيل: إنه مُطْلَق؟ قال: قد يطلق لأمر ولا يأمنونه، إذا علم أنهم أمنوه؛ فلا يقتل” اهـ.

ولقد لقيت بعض هؤلاء الشباب في مدينة” لندن” سنة 1420هـ، بعد أن دخل المسجد في أثناء محاضرة لي، وأصرّ على مناظرتي، وقد حاولت الإعراض عنه وصَرْفه عن ذلك، فأبى وشغَّب، فناقشته في بعض هذه الأفكار التي يدعو إليها، ومما ذكره لي إجابة على سؤال مني: أنهم لا يقومون بعمليات اغتيالات أو تفجيرات في بلاد أوربا – والواقع حتى الآن يشهد بذلك في الغالب- لأن ذلك يجر عليهم المفاسد، ويجعلهم خائفين في آخر معقل لهم وجدوا فيه الأمان!!ويُشكر ذاك الرجل على تعقله في هذا الموضع، لكن لماذا يقومون بهذه الفتن في بلاد الإسلام، وهي تجر مفاسد لا تُحمد عقباها أيضاً؟!! فهل درء المفاسد معتبر في بلاد أوربا وغيرها، وغير معتبر في المملكة العربية السعودية واليمن ومصر والشام والجزائر والمغرب والكويت والصومال وغير ذلك من بلاد الإسلام؟!!

وصدق من قال: قُلْنا ولم نفعل أمام عدونا وعلى أحبتنا نقول ونفعل هذا، والتفجيرات م

{الفصل الثاني}

( في أطوار ومراحل الفكر الذي أفضى إلى التفجيرات والاغتيالات )

لا شك أن أي مشكلة تمر بعدة مراحل، حتى تصل إلى العُقْدَة التي يصعب حلها، والهوّة التي يعسر تجاوزها، ومشكلة التفجيرات والاغتيالات؛ ثمرة فِكْر مَرَّ بعدة مراحل، ولا يمكن علاج هذه المشكلة علاجاً نافعاً؛ إلا بمعرفة هذا الفكر في جميع مراحله، حتى تُعَالَج كلُّ مرحلة بما يناسبها شرعاً.

والحامل على كتابة هذا الفصل: أن بعض الذين لهم أفكار مخالفة لمنهج السلف في هذا الباب، والتي أَسْهَمَتْ بقوة في إيجاد هذه المشكلة التي تعاني الأمة اليوم من ويلاتها؛ أصبحوا الآن – بين عشية وضحاها!!!- من جملة المنكرين على الشباب الذين قاموا بالتفجيرات والاغتيالات!!! دون أن يدركوا القَدْر الذي شاركوا به في إيجاد هذه المشكلة، ومن ثَمَّ لم يعلنوا تراجعهم عن أفكارهم السابقة، التي أنجبت هذا المولود المشئوم!! وعلى ذلك فلا نَأْمَن أن تعود المشكلة من جديد- وإن انتهت هذه المشكلة الآن- لأن أصل الداء لا زال موجوداً ولأن الشجرة التي أثمرت هذه الثمرة الحنظلية؛ لازال هناك من يتفقدها، ويمدها بما يقوى من شأنها!!

أقول هذا، وأعلم أن هناك من يغضب من هذه الحقيقة الواضحة، ويحب الغمغمة والغموض في الأمر!! إلا أني أقول هذا لله عز وجل، وبراءة للذمة، ونصحاً للمسلمين، وأُثبت ذلك بياناً للتاريخ، أما رضا الناس فغاية لا تُدْرَك، ومن أرضى الناس بسخط الله؛ سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس، ومَنْ عمل لله؛ فلا يضل ولا يشقى، والله المستعان.

وإنني إذْ أذكر هذه المراحل؛ فلا يهمني – في هذا المقام – إيقاع اللوم على من خالف، أو تعنيفه على ذلك، بقدر ما يهمني تبصيره بمقدار مشاركته في هذا الأمر، لمخالفته منهج السلف في التربية – وإن كان لا يقر العنف الحاصل، وإثارة الفتن الدموية الموجودة اليوم – والعاقل يستفيد من التجارب، ويتعظ بما وقع لغيره، فكيف بما جرى على يديه؟!

كما أن العاقل إذا رأى لازم قوله، أو ما يؤول إليه كلامه، ورأى عِظم البلية على الإسلام وأهله بذلك؛ فإنه يسارع إلى التوبة، وإصلاح ما بقي، واستدراك ما فاته، والله عز وجل يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ونعوذ بالله من أن نسن سنة سيئة؛ فيكون علينا وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.

والمراحل التي مر بها هذا الفكر كالآتي:

* المرحلة الأولى: هناك أناس وضعوا البذرة الأولى لشجرة الغلو، فأثمرت ثمرة مُرة حنظلية، وهي التفجيرات والاغتيالات.

فالبذرة الأولى تتمثل في أمرين:

[ص-31] الأول: التهييج على الحكام، وذِكْر مثالبهم وعيوبهم، وإيغار صدور الناس عليهم، وتصويرهم أمام العوام وأشباههم من طلاب العلم بأنهم جميعاً -دون تفصيل- يكرهون الإسلام، وأنهم منافقون زنادقة، يبطنون الكفر، وإنما يُظهرون بعض المواقف الموافقة للإسلام لِذرِّ الرماد في العيون فقط!! ـ هذا، وإن كان بعض الحكام قد قال بـبعض المذاهب والعقائد والمقالات الكفرية المصادمة للمعلوم من الدين بالضرورة- لكن إطلاق ذلك على جميع الحكام من الملوك والرؤساء والشيوخ والأمراء؛ ظلم وجور، ولا يجوز الجور على رجلٍ من عَرْضِ المسلمين، فكيف إذا كان رأساً من رؤوسهم؟!!

كما أن إطلاق ذلك على من وقع منه الكفر الأكبر، وإشغال الناس بمقاومته ومنابذته- مع ضعفهم- وبدون الرجوع إلى كبار أهل العلم؛ كل ذلك يؤدي إلى الفتنة والفساد العريض، والله المستعان.

المهم: أن هذه الطائفة لهجت بسب الحكام جميعاً، ورميهم بالنفاق، والزندقة، والعمالة لأعداء الإسلام… إلى غير ذلك من عبارات أوغرت الصدور على ولاة الأمور، وزادت الوحشة بين الراعي والرعية، وأسقطت هيبة ولي الأمر أمام رعيته وغيرهم، وهذه البداية السيئة، التي أورثت هذه النهاية المرة.

وهذه الطائفة -وما كان على شاكلتها – يظنون أنك إذا لم تقف هذا الموقف حذو القذة بالقذة من الحكام؛ فيلزم من ذلك أنك راضٍ بعيوبهم، مدافع عن أخطائهم، مُتزلِّف إليهم، خائن لله، ولرسوله، وللمؤمنين!!! أو – على أحسن الأحوال – فأنت جاهل لا تدري ما يدور حولك!! مع أنه هذا ليس بلازم، فإنا نُشهد الله وملائكته ومن اطلع على هذا من الإنس والجن: أننا نبغض هذه المنكرات، ولا نُقرّهُم على منكر- لم يُعذروا فيه شرعاً – علماً بأن الكثير منا لا قيمة له عند الكثير من الحكام، ونعوذ بالله من أن نجادل عن رجل لا يرجو لله وقاراً، أو نجادل عمن يختانون أنفسهم، أو عن خطأ من أخطأ!!

واعلموا أننا نرى ما ترون، ونعاني مما تعانون منه، لكننا نلزم غرز السلف في التقويم بالتي هي أحسن، والصبر على الأذى -ونسأل الله العافية- هذا مع ما في قلوبنا مِنْ بُغْضٍ لهذه الأفاعيل المخالفة للبرهان والدليل، فإن الأمردين، والمسلم – حاكماً كان أو محكوماً- يُحَبُّ ويُبْغَض على حسب ما فيه من خير وشر، كما اتفق عليه أهل السنة، فليس هناك حُبٌّ خالص لشخص إلا للأنبياء، والصديقين، والأولياء الصالحين، وليس هناك بُغْضٌ خالص إلا للكفار والمنافقين، وأما من خلط هذا وذاك؛ كان له من الحب والبغض بقدْر ما عنده من خير وشر.

وقد كان السلف بخلاف ما عليه الكثير من الناس اليوم أمام الملوك والأمراء الذين قالوا بمقالات مصادمة للدين، فقد كانوا يرون أن السكوت وعدم إثارة الفتن؛ أسلم لدينهم ودنياهم، وأبْقي لبقايا الخير – وذلك بعد النصح إن أمكن- وحنانَيْك بعض الشر أهون من بعض، وقد أثبتت التجارب والحوادث صحة هذا الفهم، والله أعلم.

وكذلك ظنت هذه الطائفة المبالِغة في المجالس أنه لا تقوم للدين قائمة قط إلا بإسقاط الحاكم!!! فمن ثَمَّ لهجوا بذلك، وربُّوا أتباعهم على ذلك!! مع أن هذا مخالف للأدلة والواقع، فمن ذلك: أن الله عز وجل يقول: سورة الرعد الآية 11 إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ولم يحصر الأمر في الحاكم فقط، فلم يقل: حتى يُغيروا ما [ص-32] بحكّامهم!!!وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لتُنْقضَنَّ عُرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة؛ تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضاً الحكم، وأخرهن الصلاة .

فدلَّ هذا الحديث على أن كثيراً من شعائر الدين تبقي بعد ذهاب الحكم، لأنه أول العرى نقضاً، والشيء لا يذهب كله بذهاب أوله!! فظهر بذلك أنه ليس الأمر كما يقولون: ذهاب الحكم؛ ذهاب الدين كله، وعلى ذلك فلا يهتم كثير منهم بكثير من واجبات الدين، لاشتغالهم بما يسمونه بـ” الحاكمية”، بل ربما جعل بعضهم الدعوة إلى سائر أبواب التوحيد؛ مما يثير البلبلة الفكرية، والفتن المذهبية، وعدَّ ذلك اشتغالاً بما لا ينفع، أو إضاعة للوقت!! وأن الأمر المهم الذي تُحْشد له الجهود والطاقات: هو الإطاحة بالحاكم الفلاني، أو تولية الحاكم الفلاني!!!

واعلم أنه ليس فيما سبق تسويغ للحكم بغير ما أنزل الله – فمعاذ الله من الكفر والضلالة بعد الهدى – كما أنه ليس فيه تهوين من شأن هذا الأمر العظيم، وهو التحاكم للدين في كل كبيرة وصغيرة، ولكن المراد بذلك الرد على هذا الفهم الفاسد، الذي عطّل كثيراً من الطاقات، وبعثر كثيراً من الجهود، وضيَّع كثيراً من الأعمار وراء ذاك السراب، وشغل الكثير من الشباب عما كانوا يستطيعون القيام به من علم، وتعليم، ودعوة!!! فلا العلم حَصّلوه، ولا الحاكم بدّلوه، ولا الداعية على منهج السلف تركوه، فالله المستعان، وإليه المشتكى!!!

وأيضاً فالواقع يشهد بأن كثيراً من الشعوب- مع أنهم لا يُحْكَمون بما أنزل الله، ومع ما في ذلك من فساد وشر – إلا أن كثيراً منهم يحافظ على مباني الإسلام من صلاة وصوم وزكاة وحج، ويحافظ على توحيده، وإنكاره المنكرات، ومن ذلك إنكاره الحكم بغير ما أنزل الله، وكذلك ترى كثيراً من الناس محافظاً على صلة الأرحام، والصدق، والعفاف، والفضيلة، والمكارم، وفعل الخيرات، ونحو ذلك.

فالحق أن المخالفين في هذا الباب قد هوّلوا، وأعطوا مسألة الحكم والحكام أكبر من حقها في سُلَّم الأولويات في الدعوة إلى الله تعالى، وخالفوا بذلك منهج السلف في هذا الباب، وقابلهم من يهوِّنون من شأن الحكم بغير ما أنزل الله، وكِلا طرفيْ قصد الأمور ذميم!!

علماً بأن تلك الطائفة تنطلق من عاطفة جيَّاشة، وحماس متدفق فقط!!فليس عندهم قواعد علمية، تجعلهم يدافعون عن مذهبهم هذا، وذلك لأنهم لا يهتمون بالعلم- إلا من رحم ربي -.

إنما لهم توجه ثوري حماسي، ولذا فمنابرهم لا تزال ساخنة بذِكْرِ خيانات الحكام، وتَتَبُّعِ خطواتهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة، والله أعلم بصدق كل ما يُقال- وإن كان الظاهر البيّن من كثير من الحكام لا تقرّ به عين، ولا ينشرح له صدر!!- لكن ليس معنا إلا الصبر واللجوء إلى الله عز وجل، هكذا أمرتنا السنة، وعلى هذا نصَّ سلفنا في مصنفات معتقدهم، وهم القوم الذين لا يشقى من لزم غرزهم في الحق – إن شاء الله تعالى-.

[ص-33] وإذا جالست أحداً من كبار هذه الطائفة أو صغارهم؛ فما عند كل منهما إلا هذه العبارات: الحاكم الفلاني منافق، أو كافر، أو زنديق، أو فاجر، أو عدو الله، أو كلهم كفار، أو عملاء اليهود والنصارى… الخ، وليس وراء هذه الأحكام كثير علم ولا تأصيل، بل هناك عاطفة وحماس، فإذا ناقشتهم، وذكرت لهم خطأهم، وبُعْدَهم في ذلك عن منهج السلف في هذه الإطلاقات، أو في هذا التشهير والتهييج؛ لم يقتنعوا بما تقول – إلا من رحم الله- مع عجزهم عن الرد عليك، وإثبات صحة ما هم عليه، إلا من خلال الجرايد والصحف والمجلات والكتب الثقافية، التي كتبها من كان على شاكلتهم!!

الأمر الثاني الذي بذرته الطائفة السابقة: وهو ذم كبار أهل العلم المخالفين لهم، وتنقصهم، وبيان أنهم علماء سلطة فقط، أو على الأقل: أنهم سطحيون، جهلة بالواقع، وأنهم لُعْبَة في أيدي الحكام من حيث لا يشعرون!!!

إن هذه الطائفة التي لهجت بهذين الأمرين؛ هي التي وضعت أول لبنة – شعرتْ أو لم تشعرْ- في بناء هذا المنهج المخالف لمنهج السلف، والذي انتهى به الأمر إلى التفجيرات والاغتيالات، فهذه الطائفة اعتقدت، ولم تُحْسِن الاستدلال على اعتقادها هذا!!

المرحلة الثانية: ثم جاءت طائفة أخرى: وضعت لذاك التهييج والحماس الثوري قواعد وأصولاً، عندما رأوا إنكار العلماء وطلاب العلم على الطائفة الأولى، ورأوا عَجْز تِلْكُم الطائفة عن الرد على مخالفيهم؛ فاعتقد بعض هؤلاء التكفير لجميع الحكام- متأثرين في ذلك بالطائفة الأولى، وبغير ذلك- ثم راحوا يبحثون عما يقوي صحة اعتقادهم، فاعتقدوا ثم استدلوا، وهذا معيب عند أهل العلم.

المهم أن هذه الطائفة استدلت على تكفير جميع الحكام بقواعد مستمدة- في نظرهم- من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة، كأحمد بن حنبل وابن تيمية، وابن القيم، والشاطبي، وغيرهم.

ومن تأمل تِلْكُمُ القواعد: علم أنه لا يسْلَم من التكفير بسببها حاكم على وجه الأرض، بل كثير من المحكومين لا يسْلَمون من التكفير بهذه القواعد أيضاً!!

فمن ذلك قولهم:” من نظَّم المعصية؛ فهو مستحل لها، ويكون كافراً بالاستحلال”!!

ويمثِّلُون لذلك بمن يسمح في بلده بوجود بنك يُتَعامل فيه بالربا، قالوا: فهذه معصية، وهي أكل الربا، والربا في نفسه معصية فقط، لكن البنك له لوائح وإرشادات وتعليمات، وهيكل وظيفي، وأساليب في الإيداع والسحب والتعامل… الخ، فكل هذا يدل على أنهم مستحلون للربا، وإن قالوا بألسنتهم: الربا حرام؛ فهم كفار مع ذلك للاستحلال!!

فمن ذا الذي سيسلم من الكفر إذاً بسبب هذه القاعدة الجائرة؟!لأنه يلزمهم على ذلك أن يكفروا أكثر أمراء بني أمية والعباس وغيرهم، فإن جورهم – ومن ذلك أخذ المال، وقتل النفوس- كان بتخطيط وتنظيم ومجاهرة- ليبقى لهم ملكهم- بل قتلوا المئات أو الألوف في سبيل ذلك، ومع ذلك لم يكفِّرْهم السلف، ولم يخلعوا يداً من طاعة، فأين البنك الربوي من حال هؤلاء – الأمراء، ومنهم الحجاج، وما أدراك ما الحجاج-؟!! فهل كانت معصية الحجاج [ص-34] ارتجالية عشوائية غير مدبَّرة بليل أو نهار؟ هل كان الحجاج وأمراء الجور يقيمون ملكهم وأمرهم على أمور جاءت اتفاقاً لا قصداً وتنظيماً وإعداداً وتحدياً للمخالف؟!

وكذلك يلزمهم أن يُكَفِّروا قُطَّاع الطريق إذا نظموا أنفسهم في عصابة، لنهْب الأموال، وقطْع السُّبُل، وجعلوا لكل مجموعة منهم مهمة معينة، ووضعوا نظاماً في قسمة ما حصلوه نهباً من أموال المسلمين!! وكذا يلزمهم تكفير المتبرجة التي تحرص على أن تكون بهيئة معينة – مع مخالفتها للشرع، ومع إقرارها بحرمة ما خالف الشرع – ومع ذلك فإنها تبذل وقتاً ومالاً وجهداً حتى تظهر بهذه الصورة القبيحة!!، وكذا المشتغلون بالغناء ونحوه، وأصحاب المحلات التي يبيعون فيها بعض ما نهى عنه الشرع، ولهم طرق في استيراد وتحصيل ورقابة هذه الأمور، وكذا ما يجري في الجيوش والمدارس والجامعات من بعض الأنظمة المخالفة للشرع!! وقِسْ على هذا عدداً من الذنوب التي لا يكفِّر أهلُ السنة أصحابها، إلا أن هذه القاعدة المحْدَثة تُكَفِّرهم!!

وقد قال شيخ الإسلام في” بيان الدليل” ( ص 104 ) عند كلامه على حديث: أول دينكم النبوة، ثم ملك عضوض، يُسْتحل فيه الحر والحرير… قال:” لم يُرِدْ بالاستحلال مجرد الفعل؛ فإن هذا لم يزل موجوداً في الناس، ثم لفظ الاستحلال: إنما يستعمل في الأصل فيمن اعتقد الشيء حلالاً” اهـ، ولشيخ الإسلام كلام واضح في أن الاستحلال المكَفِّر لا يثبت بفعل المعصية، مع قول الشخص: أنا أعتقد أن هذا حرام، وعدَّ التكفير بذلك تكفيراً بغير موجب، وتكفيراً بأمر محتمل .

فلا يزال العصاة يُنَظِّمون أمرهم في المعصية، ويسيرون في سبيل تحقيق رغباتهم على مراحل معينة، ومع ذلك لم يكفِّرهم السلف بذلك، ولم يعدُّوهم مستحلين لذلك، بخلاف هذه القاعدة المبتكرة، والله أعلم.

.. ومن ذلك قولهم:” من جاهر بمعصية؛ فهو مستحل لها، يكفر، كالذي عَرَّس بامرأة أبيه، كما في حديث البراء!! وقد رددت على ذلك الاستدلال في كتابي:” كشف الغطاء بتحقيق أحاديث وآثار الداء والدواء” يسّر الله النفع به في الدارين، وذكرت أن من أهل العلم من صرح بأن الرجل خُمِّس ماله؛ لأنه كان مستحلاً، لا بمجرد المعصية، وعلى كل حال: فهل سيسلم من هذه القاعدة حاكم، بل وهل سيسلم منها أكثر المحكومين؟!!

فإن المجاهرة بالمعاصي في هذا الزمان؛ أمر لا يخفى على العميان، فهل سنكَفِّر هؤلاء جميعاً، حكاماً ومحكومين؟!!

فإذا قالوا: نكفِّر الحاكم دون المحكوم؛ تناقضوا، فإن القواعد تشمل كل من انطبقت عليه، والتفرقة – بلا دليل – تَحَكُّمٌ، والله أعلم.

ومَنْ سَلِمَ مِنَ التكفير بهذه القاعدة؛ فلن يَسْلَم من التكفير بقاعدة أو قواعد أخرى!! إذاً، فما الفرق بين هذه القواعد، وبين تكفير الخوارج لأصحاب الكبائر؟!!

[ص-35] إن حقيقة هذا المذهب تؤول إلى مذهب الخوارج، إلا أنهم وضعوا فروقاً -نظرية – فظن الناس أنهم ليسوا على طريقة الخوارج يسيرون – وإن جهل كثير من القائلين بهذه الحقيقة- ومن عرف الحقيقة؛ فإنه لا يغتر بهذه القيود النظرية!!

فأحذرك – أخي الكريم – أن تغتر بقول هذا حاله ومآله، وأنصحك أن تكون حذراً يقظاً في قضايا التكفير والتبديع والتفسيق والتضليل، فقد ضل بسبب ذلك طوائف في الزمان الأول، زمن انتشار العلم وفيوض العدالة، فما ظنك بهذا الزمان؟!!

.. وأيضاً فمن ذلك قولهم:” من اعترف بمجلس الأمن، والأمم المتحدة، والأنظمة العالمية؛ كفر”!!

هكذا دون إدراكهم لمعنى الاعتراف، ودون مراعاتهم قوة المسلمين ووهنهم، وقوة شوكة غير المسلمين أو ضعفها، ودون النظر في المصالح والمفاسد، وهذا كله لا تسلم من التكفير به دولة من الدول!! لأن الدول المسلمة – صالحها وطالحها – مشاركة في هذه الأنظمة، ومنهم من له اعتبارات شرعية في كثير من ذلك، ومنهم من لا يلتفت إلى موافقة الشرع أو مخالفته، ومثل هذا وذاك لا يخفى على كثير من العقلاء!!

.. ومن ذلك قولهم:” مَن أَمَرَ غيره بمعصية، وعاقبه على ترْكها؛ فهو مستحل لها كافر”!! ومع ذلك فلهم نَظْرَتُهُم- الخاصة بهم- في الحكم على الشيء بكونه معصية، دون مراعاة للحامل على هذه المعصية: هل هو العجز أو الخوف، أو مراعاة مصالح عامة، أو درء مفاسد أكبر من فعل المعصية – وإن وقع خطأ في تقدير ذلك – وكذا هل الحامل على المعصية الشبهة، أم الشهوة والجرأة على حدود الله، أم لا؟ أو الجهل أو العناد، ونحو ذلك؟ على أنه لا يلزم من ذلك أن جميع الحكام ينطلق في تصرفاته من هذه النظرة الشرعية، بل بعضهم يفعل ذلك عن هوى وشهوة، ودون مراعاة للقيود الشرعية!!! ومع ذلك لا يلزم من ذلك التكفير لمعيَّن إلا بشروط معروفة عند أهل العلم، وإن سلمنا بكفر المعيَّن؛ فلا يلزم من ذلك منابذته بالسيف، وإثارة الخاصة والعامة عليه، فإن في ذلك من الشر – الذي شهدت بها التجارب- ما الله به عليم.

وعلى كل حال: فلا يسلم – بناء على ما سبق من قواعد محدثة – حاكم، بل لا يكاد يسلم من ذلك كثير من أفراد الشعوب، ومديري المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية وغيرها!!

وهل كفَّر السلف أكثر أمراء الأمويين والعباسيين، وقد كانوا يقتلون من خالف أَمْرَهم – ولو كان أَمْرَهم في معصية-؟!! وأي عقوبة أشد من القتل؟!!

.. ومن ذلك قولهم:” من حيَّا العلَم؛ كفر، وإذا حيَّا الجنديُّ قائده؛ كفر، وكأنه سجد لغير الله، أو هذه السجدة الصغرى”…. إلى غير ذلك من قواعد وفتاوى أَصَّلَت تكفير الحكام ومعاونيهم في جميع المجالات عند كثير من الشباب، بل تكفير كثير من المسلمين ـ من حيث يشعر أهل هذه القواعد أولا يشعرون ـ!!!

[ص-36] ولهم على ذلك أدلة يستدلون بها، وكثير منها وضعوه في غير موضعه، وكثير منها حمَّلوه مالا يحتمل، ولهم بعض مقالات أصابوا فيها الحق من الناحية العلمية- ويجب الاعتراف لهم بذلك- لكنهم رتَّبوا عليها أموراً مفسِدة، وأطلقوا لظنونهم العنان، وأغرقوا في الأخذ بلوازم الأمور، مع أن لازم القول ليس بقول في كثير من الحالات!!

وقد حدثني بعض الدعاة إلى الله تعالى: أن مِنْ هؤلاء الشباب مَنْ يُكَفِّر الإمام من أئمة الحرم، لأنه يقول في دعائه:” اللهم اصلح ولاة أمور المسلمين” مستدلاً هذا المُكَفِّر على ذلك بقوله:” إن هذا يدل على أنه يُقرُّ بأنهم ولاة أمور المسلمين، وهذا يدل على عدم كفره بالطواغيت، ومن لم يكفر بالطاغوت؛ فلم يؤمن بالله عز وجل!! بل يتعدى به الحال إلى أن يكفِّر كلَّ من أمَّن وراءه على هذا الدعاء من المصلين للشبهة السابقة، ولقاعدة من لم يكفِّر الكافر؛ فهو كافر!!

ولا شك أن تكفيرهم من لم يكفِّر من كفَّروه – وإن سلمنا بخطأ مخالفيهم في عدم التكفير-؛ تكفير بمجرد الخلاف في المسائل الاجتهادية، وهذا أشد من التكفير بالكبيرة، كما لا يخفى على من له معرفة بالعلم والعلماء!!!

وأما قاعدة:” من لم يكفِّر الكافر…” فهي مقيدة بمن لم يكفِّر الكافر الذي كفَّره بعينه القرآن أو السنة، كفرعون، وأبي لهب، ونحوهما، أما من اختلف العلماء في تكفيره، كتارك الصلاة – مثلاً -؛ فلا يُكفَّر من لم يكفِّره، ومن كفَّره لذلك؛ فهو مخالف للأدلة وطريق الأئمة، وقائل بما هو أشد من قول الخوارج في التكفير بالكبيرة!!

المهم أن هذا الحال يدل على أمر خطير، فاحذر منه يا طالب النجاة والهداية، ولا تغتر بكون الدعاة إلى هذا الفكر ما أرادوا إلا خيراً؛ فإن هذا وحده لا يكفي، والقصد الحسن -وحده- لم يبرئ ساحة الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – ومن والاه، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – كما في” مجموع الفتاوى” ( 13 30 – 31 ) :” وكانت البدع الأولى مثل” بدعة الخوارج” إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، ولم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم بدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب؛ إذْ كان المؤمن هو البر التقي، قالوا: فمن لم يكن براً تقياً؛ فهو كافر، وهو مخلد في النار، ثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين، لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله، فكانت بدعتهم لها مقدمتان:

الواحدة: أن من خالف القرآن بعمل أو برأي -أخطأ فيه- فهو كافر.!!

والثانية: أن عثمان وعلياً ومن والاهما كانوا كذلك؛ ولهذا يجب الاحتراز من تكفير المسلمين بالذنوب والخطايا، فإنه أول بدعة ظهرت في الإسلام، فكفَّر أهلها المسلمين، واستحلوا دماءهم وأموالهم…. وهم مع هذا الذم إنما قصدوا اتباع القرآن، فكيف بمن تكون بدعته معارضة للقرآن والإعراض عنه، وهو مع ذلك يكفر المسلمين….” اهـ.

وعلى كل حال: فعندما أَدْلَتْ هذه الطائفة بدلْوها، وقعَّدت قواعد كثيرة لذلك، وأفرزت عدداً لا يكاد يُحصر من الكتب والمجلات والنشرات والمطويات والرسائل والمقالات والأبحاث، سواء منها المطبوعة أو المسموعة، أو التي في” [ص-37] الإنترنيت” أو في الفضائيات أو غير ذلك، فعندما أفرزوا هذه الكتب والأشرطة وغيرها، ووُزِّعت مجاناً- في بعض الأحيان-؛ عَمَّق هذا الصنيع تكفير جميع الحكام في نفوس الشباب والعوام، وكلما كان أحد الحكام مظهراً لأمرٍ مُكَفِّر؛ قَلَّ كلامهم فيه، بحجة ظهور أمره عند الناس!! وكلما كان أحدهم أكثر خيراً؛ زاد الكلام فيه، بحجة أن أمر تكفيره مُلْتَبَسٌ على الناس، وأنهم يحسنون به الظن، ولا يعرفون حقيقته؛ فلا بد من تقرير كُفْره بجلاء، نصحاً للأمة!!! واشتعلت المجالس بذلك، وذُمَّ كبار العلماء الذين لا يرون رأيهم، ورُمُوا بما رمتهم به الطائفة الأولى وزيادة!!

ولاشك أن هذه القواعد إذا خيَّمت على أذهان الشباب، وسيطرت على أفهامهم، مع ما انضم إلى ذلك من إسقاط هيبة كبار أهل العلم المخالفين لهم، والتعبئة الخاطئة في أمر الجهاد والشهادة؛ فإن هذه الأمور ستفضي إلى شرٍ عظيم، ومفاسد لا خطام لها ولا زمام!!

المرحلة الثالثة: فلما اقتنع كثير من الشباب المحبين للدين- مع قلة البصيرة- بتلكم القواعد والأصول؛ ضحَّوْا بأنفسهم خدمة للدين ـ في ظنهم ـ فلبسوا الأحزمة الناسفة، وقادوا السيارات التي تحمل أطنان المتفجرات، ولسان حال أحدهم يقول – وهو قادم على قتل نفسه وغيره من المسلمين وغيرهم-: الله أكبر، الله أكبر، فُزْتُ وربِّ الكعبة، فُزْتُ وربِّ الكعبة، غداً نلقى الأحبة، محمداً وصحبه!!!!

فيا سبحان الله، كم تعمل التأويلات الفاسدة في أهلها وغيرهم!!!

هذا، وقد يكون غير هؤلاء الشباب هو الذي يقوم في بعض البلدان ببعض هذه التفجيرات – تحريشاً للحكام عليهم، وزجّاً بالشباب في أُتونٍ مستعر مع حكامهم، وقلقلة لأمن البلاد- ثم تُنسب هذه الرزايا إلى الشباب!! لكن الشباب هم الذين وضعوا أنفسهم موضع الشبهة، فقد اشتهر عنهم أنهم قاموا ببعض هذه الأمور، وقرّرها بعضهم في كتبه ومقالاته، ودافع عنها، واتهم مخالفه في ذلك – وإن كان من العلم والفضل بمكان- ومدحها آخرون، وفرحوا بها، بل ويُنقل عنهم أنهم يعلنون مسئوليتهم عن تلكم الأوابد والفواقر، وينشرون على الملأ خطوات تنفيذ هذه العمليات، فإنا لله وإنا إليه راجعون!!

فإذا أنكرنا على الطائفة الثالثة فقط، دون علاج الأمر من الأساس؛ فذلك كالحرث في الماء، وكخبط عشواء في أرض بيداء!!!

فإن حال الطوائف الثلاث يُمثِّل طائر الغلو، الذي له جناحان وجسد، فالطائفة الأولى بطن هذا الطائر وأصله، والطائفة الثانية: الجناح العلمي له، ورأسه المفكرة المنظِّرة، وعيناه الناظرتان، والطائفة الثالثة: الجناح العسكري له، ومنقاره، ومخالبه!!!

إذن فعندنا ثلاث مراحل:

‌أ- مرحلة العاطفة في التهيج على الحكام، والغمز في العلماء المخالفين لهذا الرأي، والطعن فيهم، وإن كان ذلك قد صدر عن عاطفة ارتجالية، وصرخات عشوائية!!

‌ب- [ص-38] مرحلة التقعيد والتأصيل لهذا الفكر، حتى انتقل من حَيِّز العاطفة التي يسهل تغييرها، إلي حَيِّز العقيدة التي تتسم بالرسوخ والثبات، وقد أُخِذَتْ الاحتياطات اللازمة من بعض دعاتهم لإبقاء هذه العقيدة راسخة؛ عندما صُدَّ الشباب عن الرجوع للعلماء الكبار، بحجة أنهم ليسوا موثوقاً بهم!!!

‌ج- مرحلة التنفيذ، المتمثلة في الاغتيالات للحكام وأعوانهم، بل لبعض العلماء المخالفين لهذا الفكر، وكذا التفجيرات التي طارت فيها أشلاء الشيوخ والنساء والصبيان، وانهدمت بها البيوت على سكانها، وسواء كان ذلك في شهر حرام، أم لا!! أو كان ذلك في شهر رمضان، الذي تُصَفَّدُ فيه مردة الجن، أم لا!! أو كان ذلك في ليالي العشر، والمسلمون عاكفون في المساجد، أم لا!! أو كان ذلك في الحرمين الشريفين أو غيرهما، أم لا!! وما سلمت بعض المساجد في اليمن- وغيره- من هذه التفجيرات، كما جرى في صنعاء وعدن، والله المستعان.

والحق يقال: إن هذه المراحل لا يلزم أن تجتمع في جميع أفراد هذه الطوائف المشار إليها سابقاً، بل قد يكون هناك أشخاص تنقَّلوا بين هذه الطوائف مع هذه المراحل، وأشخاص بذروا البذور فقط، وآخرون قاموا بسقيها ورعايتها فقط، مع ظنهم أن الأمر لا يصل إلى ما وصل إليه، وآخرون قطفوا ثمارها، وأدخلوها الأسواق، فَصِيْحَ بهم – فقط – من كل جانب!!

وقد تُحذِّر الطائفتان الأوليان الطائفةَ الأخيرةَ من الإقدام على هذا الفساد- لاعتبارات عندهم، سواء كانت صحيحة أم فاسدة- وقد تحصل استجابة من البعض، إلا أن الكثير منهم مضَوْا في هذا الطريق، وهكذا فالفكر يتطور، ولا حَدَّ له، ومن بذر بذرة؛ فلا يستطيع أن يتحكم في نوع شجرتها ونباتها، ولا في لون أو طعم أو رائحة ثمرتها، لأن كل ثمرة تنبت من شجرتها ولابد – إلا أن يشاء الله شيئاً- وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ومما ينبغي أن يُنَبَّه عليه هنا: أن دعاة وأفراد هذه الطوائف ليسوا سواء، فمنهم من أتى بالقواعد السابقة، ومنهم من سكت ولم يُعقِّب، ومنهم من لا يرضى بذلك، لكن لم يظهر إنكاره، ومنهم غير المستبصر بهذا الفكر، المحبّ للخير دون معرفة بالطريق إليه، وغُرِّرَ به بسبب التعبئة الخاطئة، وهؤلاء يُخشى عليهم في المستقبل – إن لم يلطف الله عز وجل بهم-، ولا شك أن لكلٍ من هؤلاء حُكْماً سورة الطلاق الآية 3 قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا .

والكلام هنا عن فِكْر ابتُليتْ به الدعوة والأمة، لا مجرد إثبات أن فلاناً يقول بهذا القول أم لا؟! فإن لهذا مقاماً آخر.

كما أن المراد التحذير من هذا الفكر، والتنفير عن اتِّبَاع دعاته والاغترار بهم، لا مجرد إصدار الأحكام على المخالف، دون مناقشته بالحجة والبرهان، والتجارب التاريخية والمعاصرة، فإن السعي في إصلاح هذا الفكر؛ من الواجبات الشرعية، والطبيب يقرر نوع الداء بدقة وأمانة ووضوح لا خفاء فيه، ثم يتلطف ما أمكن في علاجه، ويأتي البيت من بابه، فإن نفع الله بذلك؛ وإلا فما على المحسنين من سبيل، ويُعامَل كل امرئ بما يستحقه شرعاً، والله أعلم.

{ الفصل الثالث}

( في الآثار السيئة المترتبة على فتنة التفجيرات والاغتيالات )

إن تفجير الأحياء السكنية، أو السّفارات في بلاد الإسلام وغيرها، أو الأبراج العالية، والطرق والجسور، أو الفنادق والأنفاق، أو الطائرات أو نحو ذلك، وكذلك اغتيال الشخصيات الكبار، قادة كانوا أو من أعوانهم، إعلاميين، أو سياسيين، أو غير ذلك؛ فقد جرت العادة أن ذلك كله يعود على الإسلام بشرٍّ أكبر من الشر الذي يراد إزالته!!! وهذا كافٍ في تحريم هذه الأفعال.

وفي التاريخ القديم – كما نقل شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره – وكذا في التاريخ المعاصر ما يؤكد ذلك، وكلامي هنا حول هذه الظاهرة السيئة في بلاد المسلمين- بل في بلاد غيرهم أيضاً- لما يؤول به الأمر إلى فتن لا يغطيها ذيل، ولا يسترها ليل!!!

أما البلد المسلم إذا احتله اليهود أو النصارى أو غيرهم؛ فلا بد من الدفاع عنه بالنفس والنفيس، والغالي والرخيص – ما استطاع المسلمون إلى ذلك سبيلا-، وتفصيل ذلك ليس هذا موضعه، وما ذكرته هنا: فهو الحكم العام الذي يذكره الفقهاء في كتبهم، غير أن الفتوى في بلد بعينه، بفعل ذلك أو عدمه؛ كل ذلك يرجع إلى فتاوى كبار أهل العلم الراسخين، أهل الاجتهاد والاستنباط، الذين يعرفون حال المسلمين في البلد المحتَل، ويعرفون قدرة عدوهم، وما تؤول إليه الأمور – وذلك بالاستعانة بالله ثم بذوي الخبرة الدقيقة في هذه المجالات- ويكون ذلك وغيره بضوابط وأصول العلماء، لا بتعجل وعاطفة الحدثاء، ولا يزال الناس بخير؛ ما رجعوا إلى الراسخين في العلم من الأئمة الفضلاء، و” البركة مع أكابركم” كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وقد قال المناوي في” فيض القدير” في شرح الحديث:” المجربين للأمور، المحافظين على تكثير الأجور، فجالسوهم؛ لتقدوا برأيهم، وتهتدوا بهديهم” اهـ.

فإن كانت البلد المحتلة ليس فيها علماء من أهل الاجتهاد والاستنباط والمعرفة بجميع القرائن التي تحفِ النازلة وأهلها؛ فزع المسلمون إلى علماء أهل السنة الذين تتوفر فيهم هذه الصفات، وإن لم يكونوا من البلد نفسها، وبتشاورهم مع أهل الخبرة والمعرفة بالنازلة؛ يكون الحكم الشرعي الذي يحقق مقاصد الشريعة ما أمكن، والله أعلم.

ومشكلة التفجيرات النارية، واستعمال العبوات الناسفة، والأسلحة الحديثة الفتاكة في هذا العصر؛ لها آثار جسيمة، وعواقب وخيمة، ومخالفات واضحة – كما سيأتي موسعاً – إن شاء الله تعالى-.

[ص-40] وقد آثرت ذِكْر الآثار المترتبة على التفجيرات والاغتيالات، قبل ذِكْرِى الأسبابَ الدافعة لذلك، مع أن الأسباب تكون سابقة، والآثار تكون لاحقة؛ وذلك لأن الرجل- في هذا الموضع – قد لا يهتم بمعرفة الأسباب قبل أن يشعر بخطورة وهَوْل الآثار المترتبة على التفجيرات، فإذا أدرك غُصَّة ومرارة الآثار؛ اعتنى بمعرفة الأسباب، فحسُن التنبيه على ذلك، وفي أسلوب القرآن الكريم استعمال هذا وذاك:

فَمِنْ ذِكْرِ السبب أولاً: أن الله عز وجل قال: ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً )(سورة المائدة الآية 13) الآية.

ومِنْ ذِكْر العاقبة أولاً: ما جاء في قوله تعالى: ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ)(سورة المائدة الآية 78-79) وقوله تعالى: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ)(سورة الروم الآية 41) وقوله تعالى: (ضربت عَلَيْهِمُ سورة الآية الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ )(سورة آل عمران الآية 112 ) إلى غير ذلك، والله أعلم.

وهذه المفاسد والآثار السيئة للتفجيرات والاغتيالات كثيرة جداً – أعاذنا الله من شرها-، أذكر ما تيسر منها ليراجع الشبابُ أنفسهم، وليدركوا ما تؤول إليه أعمالهم، وليتقوا الله في دينهم، وأمتهم، وبلادهم، وليُفَوِّتوا الفرصة على المتربصين بأمتنا، وليحافظوا على منهج سلفهم الذي تتربى عليه الأجيال، وليحذروا من مغِبَّة السنة السيئة، فإن المرء يتحمل وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة، والله المستعان.

فمن هذه المفاسد:

1 – أن هذه التفجيرات والاغتيالات تُزْهِق أرواح الأبرياء، ومنهم أطفال وشيوخ ونساء، وتقتل أنفساً معصومة الدم بالإسلام، والله عز وجل يقول ناهياً عن ذلك:

( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا )(سورة النساء الآية 93) ويقول سبحانه وتعالى:( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)( سورة النساء الآية 29) ويقول سبحانه: ( وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ )(سورة الأنعام الآية 151) ووصف المؤمنين بقوله سبحانه: ( وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ )(سورة الفرقان الآية 68) وقال الله عز وجل في شأن أحد ابني آدم الذي قتل أخاه:( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ )( سورة المائدة الآية 30) وقال الله تعالى: ( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا )(سورة المائدة الآية 32) .

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ، وهؤلاء يقتلون المسلمين دون أن يقترفوا شيئاً من ذلك!!

[ص-41] ويقول صلى الله عليه وسلم: لزوال الدنيا؛ أهون على الله من قتل امرئ مسلم بغير حق .

ومن حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس… الحديث ، ويقول صلى الله عليه وسلم: سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر وغير ذلك من الأحاديث.

2- إن هذه التفجيرات تهدم البيوت، وتفسد المصالح والمنشئات العامة، وتُهلك أموال المسلمين، وهذا مما أُجمع على تحريمه، فالمسلم معصوم المال والدم والعِرْض، إلا بحق الإسلام، وحسابه على الله تعالى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حجة الوداع، يوم الحج الأكبر: ….إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا فليبلغ الشاهد الغائب … متفق عليه.

فتأمل هذه الأمور المؤكدة لحرمة ذلك، وتأمل كون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَد جَذَب انتباه المسلمين لهذا الأمر، بقوله ….أي يوم هذا؟ …أي شهر هذا؟ …أي بلد هذا؟ … وتأمل هذه الخطبة البليغة، في هذا اليوم العظيم، وفي ذلك الجمع المهيب، في حجة الوداع، كل ذلك يؤكد لك حرمة المسلم دماً ومالاً وعرضاً، فهل عَظَّم هؤلاء الشباب هذه المحارم؟! أم أنهم يقتلون المسلم ويهدمون بيته عليه وعلى أولاده لوجه الله عز وجل؟!!.

3- إن هذه التفجيرات والاغتيالات تقتل عدداً من غير المسلمين المستأمنين في بلاد الإسلام بعهد أمان من ولي الأمر، سواء كانوا سائحين أو خبراء في علوم الدنيا التي يحتاج إليها المسلمون، أو كانوا عمالاً أو نحو ذلك، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم .

فإذا أَعْطَى العهدَ والأمانَ رجلٌ من المسلمين لكافر؛ فلا يجوز أن يُخْفَرَ مسلم في ذمته، أو تُنْتهك حرمته، بانتهاك عهده وأمانه،” فإن الأمان يجوز عقده لكل كافر، ويعقده كل مسلم” قاله شيخ الإسلام في” الصارم المسلول” ( ص95 ) .

فإذا كان هذا في آحاد الناس في حدود سلطانهم؛ فكيف بولاة الأمور أهل القوة والشوكة، إذا أعطوا هذا الأمان؟ وإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد قال لبنت أبي طالب: أم هانئ، قد أجَرْنا من أجرت، وأمّنّا منْ أمَّنْتِ وقد بوّب له البخاري بقوله: باب أمان النساء وجوارهن، فإذا كان هذا في حق امرأة من [ص-42] المسلمين أمَّنتْ بعض الكفار؛ فكيف بمن أجاره وليّ الأمر لمصلحة عامة للمسلمين، عَلِمَهَا مَنْ علمها، وجَهِلَهَا مَنْ جهلها؟

وقد يُفرّط كثير من الولاة في هذا الأمر، وقد تجري أمور سيئة ممن لهم عهد وأمان بدون علم الولاة، أو مع علمهم، ولكنهم قد يفرط كثير منهم في ردعهم عن ذلك، ومع ذلك، فكل هذا لا يُسوِّغ التفجيرات والاغتيالات؛ لما وراء ذلك من مفاسد، ومنها تسلُّط الكفار على بلاد المسلمين، بحجة المطالبة بدماء أصحابهم – مستغلين ضعف المسلمين العقدي والمادي- ويجعلون ذلك ذريعة للسيطرة على بلاد الإسلام وما فيها من ثروات وموارد، فعلى من أراد الخير للبلاد والعباد أن يأتي بيت النصيحة والإصلاح من بابه، وإلا أثار الفتن!!

هذا، والأدلة التي تنهَى عن ذلك كثيرة، ومنها:

1 – قوله تعالى: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ )(سورة المائدة الآية 1) وقوله تعالى: ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا )(سورة الإسراء الآية 34) ونحو ذلك من آيات، فمن كان له عَهْد، ولم ينقض عهده؛ وُفِّي له بعهده.

وإذا كان الله عز وجل قد حكم بدية لأهل القتيل، على من قتل قتيلاً من قوم لهم ميثاق على سبيل الخطأ، فقال تعالى: ( وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ)(سورة النساء الآية 92) فكيف لا يكون من قتله عمداً مرتكباً لكبيرة من كبائر الذنوب؟!!

2 – وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: من قتل نفساً معاهَدَة بغير حلِّها، حّرَّم الله عليه الجنة أن يشم ريحها .

وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: من أمَّن رجلاً على دمه، فقتله؛ فأنا برئ من القاتل، وإن كان المقتول كافراً إلى غير ذلك من الأحاديث.

فإن قيل: إن المعاهَدَ يُوَفَّى له بعهده، ما لم ينقض عهده، وهؤلاء نقضوا العهد بحرب المسلمين، والتجسس عليهم في بلاد الإسلام، أو الدعوة إلى التنصير ورِدَّة المسلمين عن دينهم، وعلى ذلك: فلا عهد لهؤلاء!!

فالجواب: أنكم إن تيقنتم وجود ذلك – مع أن النفس لا تبرئ أولئك الكفار من هذه المهالك – فهل هذا موجود في كل أحد بعينه، أم في أناس دون أناس منهم؟ فإن كان الثاني؛ فيجب التمييز، وإعطاء كل طائفة ما يليق بها من أحكام الشرع.

وقد قال فضيلة الشيخ ابن عثيمين – رحمة الله عليه – في شريط:” الحادث العجيب في البلد الحبيب” حول أحداث” الخُبر”، في جواب أُلحق بهذا الشريط، في سياق كلامه على أن المعاهَد لا يُعاقب بصنيع دولته، فقال:” لو قدرنا – على [ص-43] أسوأ تقدير- أن الدولة التي ينتمي إليها هؤلاء الذين قتلوا، دولة معادية للإسلام؛ فما ذنب هؤلاء؟!….” اهـ فدلّ هذا على أن كل إنسان يُعاقَب بفعله.

وإن كان نقض العهد منهم جميعاً- ويُلْحَق به بعض القسم الثاني-؛ فهل إقامة الحد موكول إلى آحاد الرعية، أم أن ذلك راجع لولاة الأمور؟فإذا كان لولاة الأمور- كما سيأتي إن شاء الله تعالى- فلا يجوز لأحد أن يتجاوز حده، فالواجب عليكم أن تُبَلِّغوا ولاة الأمر بذلك، وبهذا تبرأ ذمتكم، وعليكم بالدعوة إلى الله تعالى، وتحذير المسلمين من شر من عُلِم عنه نقض العهد، بأي أمر مما سبق ذكره أو غيره، وإنما تُحَذِّرون المسلمين، ليحْذَروهم، لا ليعتدوا عليهم، لما وراء ذلك من المفاسد!!

فإن قيل: إن ولاة الأمر لا يقومون بما أوجبه الله عليهم، أو- على أسوأ الأحوال- أنهم راضون بذلك، بل ويساعدونهم على ذلك بشتى الوسائل.

فالجواب: أن الله عز وجل لا يُكلف نفساً إلا وسعها، والله تعالى يقول: ( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ)(سورة الغاشية الآية 21-22) ويقول عز وجل: ( إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ )(سورة الشورى الآية 48) فَلْنؤدِّ الذي علينا، وهو البلاغ والتذكير، وأما استعمال القوة: فإذا كان يؤدي إلى شر أعظم – وهذا هو الحاصل الآن، سواء مع حكام المسلمين، أو مع دول غير المسلمين – فلا يجوز إنكار المنكر- والحالة هذه- باليد، وقد صبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على رؤية عبادة الأصنام حول الكعبة ثلاث عشرة سنة قبل الهجرة، وثمان سنوات بعد الهجرة، ولم يُزِلْها إلا عام الفتح سنة ثمان، مع أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد اعتمر قبل الفتح، ولم يغير الأصنام من حول الكعبة، مع أن له دولة وقوة في المدينة، إلا أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يترك تغيير المنكر، إذا كان سيجلب ما هو أنكر منه، وعلى ذلك؛ فلنا فيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أسوة حسنة، ولسنا بأغير منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم على دين الله، فإذا لَزِمْنا غرزه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وألححنا على الله بالدعاء، وصبرنا – مع علمنا بتدهور الأمور وانحدارها – إلا أننا نصبر مع الاستمرار في الدعوة إلى الله؛ بدّل الله الحال السيئ بالحال الحسن، وما هذه المحن إلا ابتلاء واختبار: هل نلزم غرزه عليه الصلاة والسلام فنصبر، أو نفزع إلى السيف والفتن؛ فنهلك، وصدق الله القائل: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ )(سورة الأعراف الآية 137 ) .

فالخلاصة: أن قتل المعاهَدَ الذي لم ينقض عهده؛ من كبائر الذنوب، وجالب لسخط الله في الدنيا والآخرة، وفي الأحاديث السابقة ما يردع من كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد.

وإنزال العقوبة بالمعاهَدِ الذي نقض عهده؛ ليس لآحاد الرعية، إنما ذلك لولي الأمر – كما سيأتي إن شاء الله تعالى- سواء قام بذلك، أولم يقم به، فإثمه على نفسه، وإنما علينا البلاغ والصبر، فإن إنزال العقوبة من آحاد الرعية بهذا الكافر؛ سببٌ في الهرج والفتن، بين المسلمين وحكامهم وأعوانهم وجنودهم، وبين حكام المسلمين والدول غير المسلمة، هذا مع ضعف المسلمين وتفرّقهم شعوباً وحكاماً، فلا تكون النتيجة إلا الفشل والوهن، ونعوذ بالله من أن [ص-44] نكون سبباً في فضيحة المسلمين وهزيمتهم، وقد كان من دعائه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ….. وأعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشِرْكه، وأن أقترف على نفسي سوءاً، أو أجُرَّه إلى مسلم .

وقد سئل صاحب الفضيلة الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – بهذا السؤال:

ما حكم الاعتداء على الأجانب السياح والزوار في البلاد الإسلامية؟

فأجاب بقوله:” هذا لا يجوز، الاعتداء لا يجوز على أي أحد، سواء كانوا سُياحًا أو عمالاً، لأنهم مستأمنون، دخلوا بالأمان، فلا يجوز الاعتداء عليهم، ولكن تُنَاصَح الدولة حتى تمنعهم مما لا ينبغي إظهاره، أما الاعتداء عليهم؛ فلا يجوز، أما أفراد الناس فليس لهم أن يقتلوهم، أو يضربوهم، أو يؤذوهم، بل عليهم أن يرفعوا الأمر إلى ولاة الأمور؛ لأن التعدي عليهم تعد على أناس قد دخلوا بالأمان، فلا يجوز التعدي عليهم، ولكن يرفع أمرهم إلى من يستطيع منع دخولهم أو منعهم من ذلك المنكر الظاهر” اهـ نقلاً من” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ( ص 113 ) .

4- ومن مفاسد التفجيرات أيضاً: أن هتك أمان وليّ الأمر لغير المسلمين؛ يجر مفاسد كثيرة ـ مع كونه مخالفاً للأحاديث السابقة، ومخالفاً لأدلة طاعة ولاة الأمور فيما لا يُتَحقق فيه معصية الله ورسوله ـ فمن هذه المفاسد:

إيقاع الوحشة وسوء الظنون بين الراعي والرعية، وربما أدى ذلك إلى فتك الحكام بالمخالفين، وبغيرهم من الأبرياء، وكذا يؤدي إلى إسقاط هيبة وليّ الأمر المسلم أمام الرعية، وأمام غيره من الدول المحبَّة والشانئة، المسلمة والكافرة، وقد سبق من حديث أبي ذر الغفاري ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: سيكون بعدي سلطان؛ فأعِزِّوه، من التمس ذُلَّه، ثَغَر ثَغْرة في الإسلام، ولم يُقبل منه توبة، حتى يعيدها كما كانت . وهذا عام في ولي الأمر المسلم مع ظلمه، وكون أبي ذر – رضي الله عنه – استدل به لمناسبة الحديث لذلك آنذاك، في زمن عثمان بن عفان – رضي الله عنه – فليس فيه دليل على الحصر، والله أعلم.

وإسقاط هيبة وليّ الأمر – وإن كان جائراً فاجراً- تُفْضِي إلى اضطراب الأمور، وإثارة الفتن، ومقاصدُ الشريعة تنهى عن ذلك، والله أعلم.

5- إن هذه التفجيرات تزعزع الأمن والاستقرار، وتنـزع الطمأنينة والهدوء، وتثير الرعب والفزع بين الناس، ولو استحكمت هذه الفتن؛ لما حُجَّ البيت العتيق، ولما نُصر مظلوم، ولما أَمِنَ أحد على نفسه وماله ونسائه وأولاده، ولما بقى لنا دين ولا دنيا في جميع بلاد المسلمين!!

وعلى ذلك: فمن سعى في زعزعة الأمن والاستقرار- على العِوَج الموجود – فقد سعى في هدم جزء عظيم من ديننا، وخراب ما بقي من خير في دنيانا، عَلِم ذلك أم جهله!!

كما أن التفجيرات تسلط رجال الأمن- شاءوا أم أبَوْا، علموا أم جهلوا- على البر والفاجر، لأن تمييز هذا من ذاك؛ لا يتأتىَّ – على الوجه المحمود- حالة استعار الفتنة وانتشارها، والله عز وجل يقول: ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)(سورة الأنفال الآية 25) فكل ما أدى إلى ظُلْم برئ؛ فهو حرام، والتفجيرات هذه تؤدي إلى ظُلْم أبرياء، وتؤدي إلى رُعْب وهَلَع، لا يعلم به إلا الله عز وجل، وتُفضي إلى شماتة الأعداء في الأبرياء، كما تُكلف هذه الأمور الدولَ المسلمة تكاليف باهظة لمناهضة هذه الأفكار وآثارها، وسواء واجهت ذلك بحق أو بباطل – والغالب مواجهة ذلك بما لا يُحمد- فقد كان الأولى بأن توجه هذه الموارد لنشر دعوة الإسلام، والدفاع عن صفاء هذا الدين، ورد الشبهات الماكرة والفاجرة حول الرسول والإسلام وقواعده وتعاليمه، كان الأولى أن توجه هذه الموارد لهذه المكارم وغيرها مما ينفع المسلمين ويسد حاجتهم- على الأقل في أمور الدنيا- فنريح ونستريح، إلا أن هذه التفجيرات شغلت المسلمين بأنفسهم، فلم يسلم لهم رأس المال، فمتى يكون الربح؟!!

فإن قيل: إن الحكام كانوا سينفقون هذه الأموال وأضعافها في اللهو ونحوه، ولو لم نفجِّر!!

فالجواب: إثمهم على أنفسهم، وليس علينا من ذلك شيء- إذا كرهنا فعلهم، أو نصحناهم بالتي هي أحسن- وإذا كان لا بد من بلاء وشر؛ فلا نقحم أنفسنا فيه بحجة ضرورة وقوعه بسببنا أو بسبب غيرنا!! فنسأل الله العافية.

كما تُؤدي هذه التفجيرات إلى أن كل رجل يريد أن يكيد لآخر؛ فيرفع فيه تقريراً بأنه من الشباب الذين فجَّروا في المكان الفلاني، فيؤخذ الأبرياء إلى درجات بعيدة في النسب؛ أو الصداقة، أو أدنى وجوه المعرفة بالشخص – في هذه العواصف – بجريرة غيرهم، والله أعلم متى تظهر براءتهم مما أُلصق بهم ظلماً وزوراً؟!!!

وقد تؤدي بعض هذه التقارير إلى اقتحام أماكن يُشتبه فيها، فيفضي ذلك إلى القتل والقتال بين المسلمين من الجيران أو عابري السبيل، وكثيراً ما يكون فيهم أبرياء!!! كما أنها تؤدي إلى شماتة الجيران والخصوم، وزرع الأحقاد والضغائن بين المسلمين البين.

وحَدِّثْ ولا حرج: ماذا يجري لآباء وأمهات وأقارب وأبناء هؤلاء الأبرياء المتهمين زوراً، أو المنفذين لعمليات التفجير والمساعدين لهم- من هَمٍّ وغَمٍّ، ومضايقات، ونفقات، وشماتة من الأعداء وبعض الجيران، وغير ذلك مما لا يزول أثره سنوات وسنوات!!!!

وهذا كله محرم، وكل ما أدّى إليه؛ فهو محرم، والعنف سبب عظيم لذلك، والله المستعان.

6- إن هذه التفجيرات تصد الناس عن سبيل الله، وتُنفِّر من أراد أن يدخل في الإسلام، وتُضْعِف حجة الدعاة إلى الله تعالى في بلاد الشرق والغرب، وتجعلهم يفزعون إلى الدفاع عن أنفسهم، ويبذلون في ذلك جهوداً مضنية، ومع ذلك لا يَقْبل منهم عدوهم، لأنه لا يبحث عن براءتهم، بقدر ما يبحث عن كيفية تشويه صُوَرهم، حتى لا يقبل الناسُ منهم صرفاً ولا عدلاً، وكان الأولى أن تُبْذَل هذه الجهود والطاقات والأموال والأوقات من هؤلاء الدعاة وغيرهم للدفاع عن الإسلام، ونقض شبهات أعدائه، وبيان الثغرات التي عند مخالفيه، وبيان جمال الإسلام وسماحته ويُسْره، إلى غير ذلك مما كان أعز وأكرم لهؤلاء الدعاة وللمسلمين جميعاً، لولا هذه التفجيرات وآثارها!!!

[ص-45] فالتفجيرات خذلت هؤلاء الدعاةَ ودَعْوَتَهُمْ، وأسقطت هيبتهم، وصوّرت الداعية منهم – بل حتى في بلاد الإسلام- بأنه على المنبر يخطب، وفي يده قنبلة!!! أو يُخفي تحت عباءته أو عمامته شيئاً فتاكاً مُرَوِّعاً، فهل هذا من الإسلام في شيء؟!!!

وإذا كان رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد صبر على قول عبد الله ابن أُبَيّ ابن سلول المنافق اللعين، عند أن قال: والله لئن رجعنا إلى المدينة؛ ليخرجن الأعز منها الأذل، وقد استؤذن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قتله، فقال: دَعْهُ؛ لا يتحدث الناس: أن محمداً يقتل أصحابه .

فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صبر على سب ابن سلول إياه- وسَبُّهُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم كُفْرٌ أكبر – من أجل ألا تُشوّه صورة الدعوة، وينفر الناس عن الدخول في الدين، ويهتبل هذا الحدثَ أعداءُ المسلمين؛ فيشنعوا على رسول الله بأنه يَسْتدرج الناس للدخول في الدين، ثم يرجع عليهم فيقتلهم!!!! فمن أجل الحفاظ على صورة الدعوة، وسُمعة الإسلام والرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ صبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على مَنْ كَفَرَ بالله، وسب رسول الله، وكان ابن سلول رأس النفاق، فهل نحن أعلم بالله، وأتقى لله، وأخشى لله، وأغير على حرمات الله من رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟!!

فإن قيل: إن هذا حق للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد تنازل عنه، وأما نحن فليس لنا أن نتنازل عن شئ من الدين.

فالجواب: أن العفو والصفح من شمائله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إلا أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد بيَّن العلة التي من أجلها ترك قتل ابن سلول، فلم يذكر أن العلة تنازله عن حقه، إنما قال: لا يتحدث الناس: أن محمداً يقتل أصحابه فهذه مراعاة منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما تفضي إليه الأمور، أو تؤول إليه الأحوال، ومراعاة للمصالح والمفاسد، وهذا ما لم نجده من كثير من هؤلاء الشباب الذين يَدَّعون أنهم يسيرون على سنته صلوات الله وسلامه عليه في هذا الباب!!

7- إن هذه التفجيرات يتذرع بها المتربصون بالإسلام وأهله في الداخل والخارج، ويُنَفِّقون من ورائها بضاعتهم الكاسدة، وعقائدهم الفاسدة، فتراهم يهتبلون هذا الفساد؛ فيشَوِّهوا به صورة علماء المسلمين جميعاً، وكذا طلاب العلم والمصلحين والمحسنين، ويصفونهم بأنهم” إرهابيون” ودمويون، وأعداء الأمن، وذئاب البشرية، ويكرهون حياتهم، فضلاً عن حياة غيرهم، وأن منهج السنة يربِّي هذه الأفكار…… إلى غير ذلك من الافتراءات!! وينادون بعدم تدخل هؤلاء العلماء في وضع المناهج العلمية لأبناء المسلمين، وإذا أُبْعِدَ العلماء ومن يَستشِيرهم في ذلك عن هذا الموضع؛ فما بقي إلا الهوى والضلال، ويصدق – عندئذٍ- قول من قال: خلا لك الجوُّ فبيضي واصْفُري ونَقِّري ما شئتِ أن تنقري [ص-46] والحق أن الذين يقومون بهذا الشغب والفساد من المسلمين؛ قلة قليلة بالنسبة لجمهورهم الذين ينكرون هذا الحال- فضلاً عن العلماء الراسخين الربانيين الذين انحنى عودهم، واشتعلت رؤوسهم شيباً، وهم يُحذِّرون من الغلو والعنف.

فعلى كل من ينشد الحقيقة، ويحترم الحقائق- لا الدعايات المشبوهة-؛ أن يعلم براءة الإسلام من هذه الفتن، وأن لا يَتعَرَّف على الإسلام من خلال خصومه المتربصين به، المشوِّهين لثوابته، سواء أعلنوا ذلك، أم لا؟! فالله عز وجل يقول: ( قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ )(سورة آل عمران الآية 118) وسواء كانوا من جلدة المسلمين، أم لا؟! كما لا يتعرف على الإسلام من خلال تصرفات من شذ من أبنائه – سواء كان عن جهل أو إعراض – فإن الثوابت والحقائق لا تؤخذ من خلال هذين الصنفين، إنما تؤخذ من قواطع الأدلة، والجادة التي يسير عليها كبار الأئمة سلفاً وخلفاً، كما تؤخذ من الكتب الموثوق بها عند أهل السنة، والمراجع المتداولة بينهم قديماً وحديثاً، ومن رجع إلى هذا كله؛ علم براءة الإسلام من هذه الفتن.

قال صاحب الفضيلة الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله-:” ولا يُحَمَّل الإسلام فعلهم هذا – يعني أصحاب التفجيرات- كما يقول أعداء الإسلام من الكفار والمنافقين: إن دين الإسلام دين إرهاب، ويحتجون بفعل هؤلاء المجرمين، فإن فعلهم هذا ليس من الإسلام، ولا يقره إسلام ولا دين، وإنما هو فكر خارجي قد حث النبي ( على قتل أصحابه، وقال: أينما لقيتموهم فاقتلوهم ووعد بالأجر بالجزيل لمن قتلهم، وإنما يقتلهم ولي أمر المسلمين، كما قاتلتهم الصحابة بقيادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- رضي الله عنه -“.

قال:” وبعض المنافقين أو الجهال يزعم أن مدارس المسلمين هي التي علمتهم هذا الفكر، وأن مناهج التدريس تتضمن هذا الفكر المنحرف، ويطالبون بتغيير مناهج التعليم، ونقول: إن أصحاب هذا الفكر لم يتخرجوا من مدارس المسلمين، ولم يأخذوا العلم عن علماء المسلمين، لأنهم يُحَرِّمون الدراسة في المدارس، والمعاهد، والكليات، ويحتقرون علماء المسلمين، ويُجَهِّلونهم، ويصفونهم بالعمالة للسلاطين، ويتعلمون عند أصحاب الفكر المنحرف، وعند حُدَثاء الأسنان، سفهاء الأحلام من أمثالهم، كما جَهَّل أسلافهم علماء الصحابة وكفروهم”!!

قال:” والذي نرجوه بعد اليوم: أن يلتفت الآباء لأبنائهم، فلا يتركوهم لأصحاب الأفكار الهدامة، يوجهونهم إلى الأفكار الضالة، والمناهج المنحرفة، ولا يتركوهم للتجمعات المشبوهة، والرحلات المجهولة، والاستراحات التي هي مراتع لأصحاب التضليل، ومصائد للذئاب المفترسة، ولا يتركوهم يسافرون إلى خارج المملكة وهم صغار السن، وعلى العلماء أن يقوموا بالتوجيه السليم، وتعليم العقائد الصحيحة في المدارس، والمساجد، ووسائل الإعلام؛ حتى لا يَدَعوا فرصة لأصحاب الضلال، الذين يخرجون في الظلام، وعند غفلة المصلحين، وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

[ص-47] كتبه: صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان / عضو هيئة كبار العلماء” اهـ. انظر جريدة الرياض، الخميس 21 ربيع الأول 1424هـ، عدد ( 12750 ) اهـ نقلاً من” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ( ص 128 – 129 ).

واعلم أن دعاة الإسلام الراسخين في العلم ليسوا أعداء البشرية، ولا أعداء الأمن والاستقرار، وتبادل المصالح الدولية التي تخدم المسلمين وتنفعهم، بل هم دعاة الخير والهداية، وهم حملة الهدى والنور للناس جميعاً، وهم الذين يوضِّحون كيفية التعامل الشرعي مع غير المسلمين، سواء في السِّلْم أو في الحرب، وهم الذين لا يجعلون جميع أعدائهم ومخالفيهم على مرتبة واحدة، فتراهم يحكمون على كل من خالفهم- سواء حاربهم أم لا- بما يستحق بعدل وإنصاف، وهم الذين يعرفون مراتب الأحكام الشرعية، ومنازل أحوال البشرية، وهم الذين يردُّون على من وقع في الغلو من أبنائهم أو تلاميذهم أو أقاربهم – فضلاً عن غيرهم من المسلمين- إذا اشتط بهم الفكر، ونَأَى بهم الفهم، وهم الذين يحسنون تقدير المصالح والمفاسد بلا وكس ولا شطط، وبالجملة فهم أوتاد الأرض، ولولا الله ثم هم؛ لمادت الأرض بأهلها، وهم نجوم الهدى، ومصابيح الدجى، فلحومهم مسمومة، وسنة الله في مُنْتَقصيهم معلومة، وعلى كل حال: فإن هذه التفجيرات شوهت جمال الإسلام، وسماحة علمائه، ومن تسبب في ذلك؛ فقد أساء وظلم، وإن ظن أنه يحسن صنعاً!!

عِلْماً بأن مراد كثير من هؤلاء من الطعن في العلماء؛ هو الطعن في الإسلام الذي يدعوا إليه هؤلاء العلماء، ويريدون ممن ينتمي إلى الإسلام أن يعمل بشيء دون أشياء، ويسير على فهمهم القاصر، لا فهم الراسخين في العلم، الذين أمر الله بسؤالهم، فقال: ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)0سورة النحل الآية 43) .

وأن هؤلاء الطاعنين يملكون وسائل حديثة، وطاقات هائلة في قلب الحقائق، وَجَعْل الحسن قبيحاً، فيتزعزع إيمان كثير من المسلمين، الذين يتلقون علومهم وأخبارهم وثقافاتهم من هذه الوسائل، ولو أن هؤلاء المتربصين كشّروا عن أنيابهم – كما تُخفي صدورهم – دون سبب من الشباب المسلم؛ لما اغترّ بهم كثير من المسلمين، ولظهر للناس كذب الشعارات المزعومة، والتي تنادي بالعدل وغيره، ولعرفوا حقيقة الاعتداء على المسلمين،!! لكنهم وجدوا السبيل ميسوراً لبث سمومهم مع هذه الأحداث، وصَدَّقهم من لا يحصيهم إلا الله تعالى، فمن كان عمله يؤدي إلى نقصِ أو نقضِ إيمان كثير أو قليل من المسلمين؛ فهل أحسن أم أساء؟!!!

كما يتذرّع المتربصون بالإسلام بهذه الأمور للتدخل في شئون المسلمين، وتهديدهم، واحتلال أرضهم، وامتصاص ثرواتهم، والضغط على ولاة الأمور – شاءوا أم أبوْا- بأمور وخيمة العاقبة في الحكم فما دونه!!

كما يرفع النفاق – في بلاد الإسلام- عقيرته، إذْ قد وَجَدَ من يسانده ويدعمه من اليهود والنصارى، فيضغط مرضى القلوب وأهل الزيغ والبدع والأهواء على ولاة الأمور، لاسيما الذين يحبون التوحيد وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الولاة، ثم بعد ذلك يتهم هؤلاء الشبابُ الولاةَ بأنهم غيَّروا كذا، وبدَّلوا كذا، ولم ينكروا المنكر الفلاني، وأنكروا على فلان عندما أنكر المنكر الفلاني، وتنازلوا عن كذا، وسمحوا بكذا وكذا من المنكرات!! وكأنهم لا يدرون أن أعمالهم هذه من جملة أسباب تقوية وظهور هذه المنكرات، وأنهم كانوا بوابة من جملة البوابات التي ولج [ص-48] منها هؤلاء وأولئك للنيل من الإسلام وأهله- وإن كان أصل ذلك موجوداً من قبل- فهل يفيق هؤلاء الشباب الغيورون على الدين – في الجملة مع قلة البصيرة- عندما يرون دينهم يُذبح بأعمالهم هذه؟!! وقد قال الله عز وجل: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا )0سورة التحريم الآية 8) وقال سبحانه: ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )(سورة النور الآية 31) وقال عز وجل: ( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا )(سورة الفرقان الآية 70) .

8- إن هذه التفجيرات جعلت غير المسلمين يُجْلبون بخيلهم ورَجِلهم على الأعمال الخيرية، والجامعات الإسلامية، والمراكز والمعاهد الدعوية، وهم وإن حاولوا أن ينالوا من الدعوة الصحيحة تحت ستار:” حرب العنف والإرهاب”!!- مع أن كل عاقل يحاربه ظاهراً وباطناً، لا ادعاءً يكذبه الواقع-؛ فإن الله عز وجل يدافع عن أهل الإيمان والاعتدال، كما قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا)(سورة الحج الآية 38) وقال سبحانه وتعالى:( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ )( سورة النحل الآية 128) وقال سبحانه: ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ)(سورة الزمر الآية 36) وقال في صفة المؤمنين الثابتين عند زلزال المحن: ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ )(سورة آل عمران الآية 173) .

والمراد هنا: بيان ما أصاب المؤسسات والجمعيات الخيرية، والدور العلمية من مضايقات بسبب أعمال هؤلاء الشباب، وإن كان من المحتمل أن غيرهم يقوم ببعض عمليات التفجير والفساد أيضاً، ويُنْسَب ذلك إليهم!!وليس هذا موضع مناقشة ذلك.

فيا لله، كم من يتيم انقطعت كفالته، وكم من أرملة يبكي حولها صبيانها، ولا عائل لهم، وكم من عارٍ لم يجد كسوة يوم العيد، وكم من مسجد بُني بعضه، ولم يتم بناؤه، لتقاعس المحسنين عن مواصلة إحسانهم، وكم من عالم أو طالب علم انقطع عن التفرغ لإفادة الناس العلم النافع، واشتغل بلقمة العيش له ولمن يعول، لما قبض أهل الخير أيديهم، بسبب تخوفهم مِنْ مصير مَنْ يكفلون، وهل هم أصحاب سنة واعتدال، أم أصحاب عنف وتقتيل للنساء والأطفال؟!!

ويا لله، كم من مكتبة قلّ رُوّادها، وقلّت مراجعها وأصولها، وكم من أرضٍ جفافٍ كاد الظمأ أن يقتل أهلها، وقد فرحوا باستعداد محسن من المحسنين لحفر بئر، أو عمل خزان لهم، لكن فرحتهم تبددت بسبب تخوُّف المحسن مما يدور حوله!!!

وهكذا كم من مصالح عامة وخاصة انهدم بنيانها، وتزلزل كيانها، بسبب هذا الطيش والحماس المخالِفَيْن لما عليه أهل العلم والهدى!!

وعلى كل حال: فيجب على أهل الخير أن لا يصدهم عبث العابثين، ولا كيد الكائدين عن المضيّ في نصرة الحق، وإدخال السرور على من يحتاج للمسلمين، أو يحتاج إليه المسلمون، فإن وضع المال في حقه الشرعي؛ طاعة لأمر الله ورسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولعل الله يكشف عن المسلمين هذه الكربة بهذه الطاعة، وإذا كان [ص-49] المسلمون كلما شُوِّهت لهم صورة الحق وأهله- بسبب كيد كائد، أو عبث عابث – قبضوا أيديهم؛ فمتى تقوم للحق قائمة؟!!، وهل هذا التقاعس عن فعل الخيرات؛ إلا أحد أهداف الكفار والمشركين؟!!

ألا ترون أيها المسلمون جهود الكفار تتدفق ليلاً ونهاراً في نشر ما هم عليه من باطل ورذيلة؟

فيا أيها المسلم؛ انصر الله ينصرك، اثبت على دينك، فلربما ما بقي من عمرك إلا القليل، فاجعل هذا القليل في طاعة الله تعالى، واحذر أن تضع نفقتك في يد شاب متهور،، أو رجل مفجِّر مثير للفتن، وأيضاً فاحذر أن يصدَّك هذا العبثُ أو ذاك التشويه والتربص عن أن تأخذ المال من حله، وتضعه في حقه، وارجع إلى العلماء الكبار الموثوق بهم، واستشرهم، وخذ بنصيحتهم، وضع المال حيث يشيرون عليك، وإن علمت- بوجه صحيح- أن بعض العلماء قد أحسن الظن بمن لا ينبغي أن يُوثَق به؛ فاذكر ما تعرفه عنه للعالم، والدين النصيحة، وأسأل الله أن يدفع عن المسلمين الفتن.

وكذا لم تسلم الجامعات الإسلامية، والدور العلمية والدعوية، ومدارس تحفيظ القرآن من الضغوط الشديدة، والضربات القاسية، من الضغط على المسلمين بتغيير مناهجهم العلمية والتربوية، وقد شجع أصحابَ هذه الضربات من غير المسلمين على ذلك: ضعفُ المسلمين، وطيش بعض شبابهم، فالله المستعان.

وعلى كل حال: فهذه فتنة وكربة ستزول ـ إن شاء الله تعالى ـ مهما اسودّ ليلها، وفاح نتنها، والمعصوم من عصمه الله، لكن المراد: أنه قد آن الأوان لأهل هذه الأفكار أن يقبلوا ما كانوا يرفضونه من نصائح العلماء وطلاب العلم منذ زمن ليس بالقريب، لاسيما وقد ظهرت الآثار السيئة لهذه الأفكار، فعليهم أن يعلنوا تراجعهم عما خالفوا فيه السنة وعلماءها، وأن يحذِّروا المسلمين من مغبة فتاويهم واجتهاداتهم السابقة، وقد فعل ذلك بعضهم، وفرح المسلمون بذلك، ومن تاب توبة صحيحة؛ تاب الله عليه، قال تعالى: ( قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)(سورة الزمر الآية 53) ويقول تعالى: ( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا )0سورة الفرقان الآية 70) فأسأل الله أن يتقبل منهم توبتهم، وأن يغسل حوبتهم، وأن يشرح صدور الشباب للعودة الصادقة للزوم العلماء الكبار في الحق، كما أسأله سبحانه وتعالى للجميع الهدى والسداد.

( تنبيه ) : هذه مجموعة من الأحاديث النبوية، اخترتها من بعض الكتب؛ أُذكِّر بها أهل الإحسان والفضل، ليستمر الخير الذي بذروا بذرته المباركة شرقاً وغرباً، وتصحيح الخطأ واجب، أما إماتة الخير؛ ففساد عريض:

‌أ- عن عياض بن حمار المجاشعي – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما قال ذات يوم في خطبته:

[ص-50] …..وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مُقْسط، ومُتصِّدقٌ مُوفَّق، ورجل رحيم رقيقُ القلب لكل ذي قُرْبى ومسلم، وعفيف مُتعفِّفٌ ذو عيال…. .

‌ب- وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يتصدَّق أحد بتمرة من كسب طيب؛ إلا أخذها الله بيمينه، فيُرَبِّيها، كما يُرَبَّي أحدُكم فُلُوَّه أو قلوصَه، حتى تكون مثل الجبل وأعظم .

‌ج- وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مَنْ نفَّس عن مؤمن كُربة مِنْ كرَب الدنيا؛ نفَّس الله عنه كُرْبة من كُرب يوم القيامة، ومًنْ يسَّر عن مُعْسِر؛ يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً؛ ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه…. الحديث .

ومن حديث أبي قتادة – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سرّه أن يُنْجيه الله من كرب يوم القيامة؛ فلْينفِّس عن مُعْسِر، أو يضع عنه .

‌د- وعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن من الناس مفاتيح الخير، مغاليق للشر، وإن من الناس، مفاتيح للشر، مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل اللهُ مفاتيح الخير على يديه، وويْل لمن جعل اللهُ مفاتيح الشر على يديه .

‌ه- وعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث طويل: …. والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماءُ النارَ .

‌و- وعن جابر – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خير الناس أنفعهم للناس .

‌ز- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الساعي على الأرملة والمساكين؛ كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل، والصائم النهار .

‌ح- [ص-51] وعن أم سلمة – رضي الله عنها – أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة الخفية تطفئ غضب الرب، وصِلةُ الرحم زيادة في العُمُر، وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا؛ هم أهل المعروف في الآخرة…. .

والأحاديث في هذا الباب كثيرة، فأسأل الله أن يشرح صدور أهل الخير لمواساة الأرامل واليتامى وذوي الحاجات، وكفالة دور العلم الشرعي والقائمين عليها في مشارق الأرض ومغاربها، والاستمرار في كفالة حفظة كتاب الله، وحملة الدعوة في بقاع الأرض، وإلا؛ فإن الله عز وجل لا يُضيِّع دينه، فهو القائل سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(سورة الحجر الآية 9 ) والله الذي أعطى المال، وأوجب فيه حقوقاً؛ هو القادر على سلْبه وتَحَوُّلِهِ: ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ )(سورة محمد الآية 38) .

إننا إذْ نَذْكُر هذا الباب من جملة الأبواب التي أصابتها مفاسد التفجيرات؛ فليس معناه ركون المحسنين إلى الدنيا، أو ترْك أعمال الخير بسبب كيْد كائد، أو عَبَث عابث، فإن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، كما أن الحث على بذْل الخير للناس؛ ليس معناه: ترك التيقظ والحذر من وضعها في يد من يُشوِّه بها جمال الإسلام، والله المستعان.

9- إن هذه التفجيرات جلبت الضغوط على المسلمين في كل مكان، مما جعل الكثير من المسلمين يسيئون الظن بدينهم وعلمائهم، بل إن بعضهم يخجل من كونه مسلماً- كما في بعض البلدان- وانكشف بذلك ضعف المسلمين، وكانوا مستورين مُهابين، وذُكر المسلمون بالسوء عند القاصي والداني، وطمع فيهم من لـم يكن يخطر بباله ذلك، ولهذا الذل أسباب كثيرة، منها الأسلوب الذي سلكه المتحمسون بغير هَدْي السلف الصالح، فاللهم إنا نعوذ بك أن نقترف على أنفسنا سوءاً، أو نجرّه إلى مسلم، وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستعيذ بالله من ذلك صباحاً ومساءً .

10 – إن هذه الضغوط على بلاد المسلمين زادت الوحشة بين الحكام ورعيتهم، وهذا يولِّد غُلُوّا آخر، وهكذا فلا يُجْتنى من الشوك العنب، كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديث الحسن ( 48\ 1 ) فهذه المناهج المنحرفة، تولِّد مناهج أخرى، وفتناً عظمى، والله المسئول أن يعاملنا بلطفه وعفوه وستره، إنه جواد كريم، بر رحيم.

11 – إن هذه التفجيرات أثارت جدلاً علمياً واسع النطاق بين طلاب العلم، بين مُعَارِضٍ ومُنْتَصِر، فنتج عن ذلك اختلاف وتهارج، وساءت الظنون، ووقع الفتون، وتجرأ الصغار على الكبار، والحدثاء على العلماء، واشتغل كثير من طلاب العلم بذلك مدحاً وقدحاً، فتعطلت كثير من العلوم، وضعف الإيمان، وقَلَّ العمل، وكثر الجدل، وتنافرت النفوس، واستوحشت القلوب، وشك هذا في ذاك، وارتاب ذاك من ذلك، وضلت الأفهام، وحارت الأحلام، [ص-52] واختلطت الآراء والأحكام، واستُخْدِمت منابر المساجد وشبكات” الإنترنيت” والفضائيات لتعميق هذا الجرح ـ وإن حسنت نوايا البعض ـ ولا شك أن من جرّ هذه الفواقر على المسلمين، وشغلهم عن الاشتغال بما ينفعهم في الدارين؛ فقد سن سنة سيئة في الإسلام، عَلِمَ أم لم يعلم، والله عز وجل يقول: ( وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ )(سورة الأنفال الآية 46) فكل ما أدى إلى الفشل والوهن والتنافر؛ فهو محرم!! فإن كان الشباب لا يدركون هذا، فهذه آفة، وصدق الإمام ابن القيم- رحمه الله – في قوله: وفي ذاك كان قد قال من مضى وأَحْـسَنَ فـيما قـاله المتكلم فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

( خاتمة هذا الفصل ) إنه يجب على هؤلاء الشباب أن يقوموا لله مثنى وفرادى، ثم يتفكروا فيما هم عليه، وفيما وصلوا إليه، فإذا لم تكْفِهم الأدلة النقلية، والآثار السلفية؛ فليتعظوا بالوقائع التاريخية، أو يدَّكروا بهذه الثمرة الحنظلية، فإن الناس يُعرفون بآثارهم!!

أين آثار وثمرات سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز- رحمه الله- ومن جرى مجراه من العلماء، وآثار وثمرات هذه الأفكار المحْدثة؟!!

إن دعوة العلماء الربانيين قد دخلت كلاً من السهل والجبل، وفتحت مراكز العلم والدعوة والجامعات والمؤسسات الخيرية في كل مكان، وحشدت طاقات الرجال والنساء – اللاتي يتصدقن بزينتهن وغيرها- لخدمة هذا الدين، ودخل كثير من غير المسلمين في الإسلام، عن رغبة فيه، ودراسة كافية ووافية، وامتلأت المكتبات بكتب السنة والتوحيد، وكثر القضاة الذين يَحْكمون بالشريعة، والدعاة الذين يُحَذِّرون من كل بدعة شنيعة، وأُحْيِي كثير من السنة في البيوت والمدارس، وبُجِّل العلماء، وتنافس في فعل الخيرات التجار، وكثير من الأمراء، فضلاً عن النساء!!

وأما دعوة غيرهم الذين لم يسلكوا منهج السلف؛ فقد أتت على هذا كله بمحق البركة، وضَعْف الشوكة، وإن هذه الآثار المرة، ما تزيدنا إلا بصيرة بصحة منهج الكبار من أهل العلم، وبهذا- وغيره من قواعد المحدثين- علمنا صحة حديث رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: البركة مع أكابركم سنداً وتجربة وواقعاً، فنسأل الله أن يهدي الجميع للهدى والرشاد، ويجنبنا وإياهم الفتن والفساد.

{ الفصل الرابع}

( في أسباب فتنة التفجيرات والاغتيالات )

لا شك أن لكل مشكلة أسباباً ساعدت على إيجادها وتعقيدها، ومعرفةُ الأسباب لا بد منها لمن أراد العلاج، وأسباب هذه المشكلة تختلف من بلد لآخر، ومن جماعة لأخرى، ومن وقت لآخر، لكن هناك أموراً يمكن أن تكون أسباباً مشتركة بين الكثير من هؤلاء الأفراد وهذه الجماعات في كثير من الأزمان والأوطان، فمن هذه الأسباب:

1 – الجهل بكتاب الله عز وجل، وبسنة رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وبأحكام التكفير وقواعده، وكلامِ السلف في ذلك، وكذا الجهل بمقاصد الشريعة، سواء كان ذلك جهلاً مُطْبِقاً – عند البعض- أو جزئيا راجعاً إلى تأويلٍ واجتهادٍ لمن لم تكمل أهليته، وإلا فلو كملت أهلية الاجتهاد عنده؛ لما أقدم على عمل يحوي المفاسد السابقة، ويجر هذه الويلات على الدول المسلمة حكاماً وشعوباً، وعلى الدعوة والقائمين عليها!!وعلى أحسن الأحوال: فقد اجتهد وأخطأ في أمر عظيم البلوى!! ومعلوم أن سيف التأويل؛ قد عمل في الأمة أكثر من سيف التعطيل، فَقَتْلَى المسلمين في حربهم مع الكفار، لا يكاد يُذكر عددهم بجانب قتلاهم فيما بينهم البين!!

وهل أصاب المسلمين – بعد الصحابة- ما أصابهم؛ إلا بإهمالهم كثيراً أو قليلاً من القواعد الشرعية، ونسيانهم حظاً مما ذكروا به؟!!.

والله عز وجل يقول في شأن النصارى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ )(سورة المائدة الآية 14 ) .

فمن كان لا يدري كيف يفهم القرآن: هل يفسِّر القرآن بالقرآن وبالسنة والآثار، أم يفسره برأيه، أو بما يمليه عليه حزبه، أو أمير جماعته، أو نحو ذلك؟فمن كان كذلك: فهل يجوز له أن يتكلم في كتاب الله، وهو لا يعرف ناسخه من منسوخه، ولا مطلقه من مقيده، ولا محكمه من متشابهه؟!!.

وكذلك من كان لا يدري صحيح السنة من سقيمها، أو يُقَدِّم على صريح السنة قولَ حزبه أو أميره، فهل يُرْجَى له أن يكون على الجادة؟!!

وكذلك من كان لا يفهم الفرق بين صريح القول وظاهره، أو بين القول ولازمه، ومنطوقه ومفهومه، ولا يفرق بين التكفير المطلق، وتكفير المُعَيَّن، أو بين تكفير المقالة، وتكفير القائل، أو كان ممن يُكفِّر بأمر محتمل، أو نحو ذلك، فهل يطمئن أحد إلى ما يقوله في بابٍ قد جاء فيه التحذير الشديد والوعيد الأكيد؟!!حيث قال رسول الله صلى الله عليه [ص-55] وعلى آله وسلم: أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال؛ وإلا رجعت عليه !!!

وكذلك من كان لا يبالي بقاعدة تزاحم المصالح والمفاسد، ولا ينظر ـ عند الاضطرار ـ إلى ارتكاب أدنى المفسدتين؛ لاجتناب أعظمهما، ومن كان يقول – نظرياً – بهذه القاعدة؛ إلا أنه لا يُحْسِن تطبيقها على الجزئيات والفرعيات؛ فهل يجوز له أن يتكلم في أمر العامة، وفي مسائل النوازل المدلهمة؟!

وربما لو سئل من كان كذلك عن مواضع رفع اليدين في الصلاة، أو عن أحكام مسح الخفين؛ لقال: الله أعلم، سلوا أهل العلم!! وهو وإن كان يُشكر على هذا؛ إلا أن العجب العجاب: أنه كيف يتورع عن الخوض في أمر خاص برجل وامرأة، ويتجرأ أو يهجم في أمر عام تعم به البلوى؟!!، وحصيلته قَتْلٌ وجَرْحٌ، وهَدْم وحَرْق، وضَعْفٌ وَوَهَنٌ للأمة، وتصدُّر الجهلاء، ورد الأمر إلى الدهماء، ونَبذُ طريقة العلماء…. إلى غير ذلك؟!!

فالشريعة لا تأمر بمفسدة خالصة أو راجحة، ولا تنهى عن مصلحة خالصة أو راجحة، وإذا اشتبهت الأمور، وامتزجت المصالح بالمفاسد؛ فالفقيه هو الذي يعرف خير الخيرين، وشرَّ الشرين، فقد قال شيخ الإسلام – كما في” مجموع الفتاوى” ( 20\ 57- 58 ) :” فإذا ازدحم واجبان، لا يُمكن جمعهما، فقُدِّم أوكدهما؛ لم يكن الآخر في هذه الحال واجباً، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد؛ تارك واجب في الحقيقة، وكذلك إذا اجتمع محرمان، لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما؛ لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرماً في الحقيقة، وإن سُمِّي ذلك تَرْكَ واجب، وسُمِّي هذا فِعْلَ محرم باعتبار الإطلاق؛ لم يضر، ويقال في مثل هذا: تَرْك الواجب وفِعْل المحرم؛ للمصلحة الراجحة، أو للضرورة، أو لدفع ما هو أحرم….” إلى أن قال:” وهذا باب التعارض باب واسع جداً، لاسيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة، وخلافة النبوة، فإن هذه المسألة تكثر فيها، وكلما ازداد النقص؛ ازدادت هذه المسائل، ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة، فإنه إذا اختلفت الحسنات والسيئات؛ وقع الاشتباه والتلازم، فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات، فيرجحون هذا الجانب ـ وإن تضمن سيئات عظيمة ـ، وأقوام قد ينظرون إلى السيئات، فيرجحون هذا الجانب الآخر ـ وإن ترك حسنات عظيمة ـ والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين….. ) اهـ.

وقال أيضاً في ( 23\343 ) :” لا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين، فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها- حسب الإمكان- ومطلوبُهَا ترجيحُ خير الخيرين، إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعاً، ودفع شر الشرين، إذا لم يندفعا جميعاً” اهـ.

وقال الشاطبي في” الموافقات” ( 4\ 194- 195 ) :” النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد [ص-56] نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، مشروعاً: لمصلحة فيه تُسْتجلب، أو لمفسدة تُدرأ، ولكن له مآل على [ص-57] خلاف ما قُصِد فيه، وقد يكون غير مشروع: لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك.

فإذا أُطلق القول في الأول بالمشروعية؛ فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة، أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية.

وكذلك إذا أُطلق القول في الثاني بعدم المشروعية؛ ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصلح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صَعْبُ المورد، إلا أنه عَذْبُ المذاق، محمود الغِبّ، جارٍ على مقاصد الشريعة” اهـ وانظر” مشكلة الغلو” ( 1\70- 125 ) فإن فيه كلاماً جيداً عن الأمور التي تتعلق بالجهل.

فإن قيل: إن من جملة من حَرّض على التفجيرات مَنْ عنده عِلْم غزير، وحِفْظ كثير، وبعضهم قد حصل على الدرجات العلمية العالية، وله مؤلفات مشهورة في الناس وسارية، فكيف يُقال: هؤلاء أُتوا من قبل الجهل بالكتاب والسنة ومقاصد الشريعة وغير ذلك مما سبق؟!!

فالجواب: أنني لم أطلق القول بأنهم جميعاً جهلة بالشريعة، وإنما ذكرتُ أن البعض عنده جهل مطبق، والبعض لم تكتمل أهليته في الفتوى في هذه النازلة، وعلى أحسن الأحوال: فالبعض قد اجتهد، فأخطأ في مسألة عظيمة تعم بها البلوى!!

وأيضاً: فهناك فرق بين الحفظ والفهم، ولا يلزم من كثرة الرواية حسنُ الدراية، فرُبَّ حامل فقه ليس بفقيه، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، كما قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وفي الآداب الشرعية” لابن مفلح ( 2 \ 221 ) قال:” وكان يقال: إذا كان علم الرجل أكثر من عقله؛ كان قمناً أن يضره علمه” اهـ.

وقد استعمل أئمة الجرح والتعديل قولهم:” فلان علمه أكبر من عقله” على وجه الذم له والقدح فيه، بخلاف قولهم:” فلان عقله أكبر من علمه” والله أعلم.

وأيضاً: فلا يلزم من كون الرجل عالماً بالكتاب والسنة في باب أو أبواب؛ أن يكون عالماً بهما في كل باب، لاسيما باب النوازل المدلهمة، التي لا يتصدى لها إلا الفحول من الأئمة.

وأيضاً: فالخوارج كان عندهم حفظ لكتاب الله، وهم أهل عبادة واجتهاد في الطاعة، ومع ذلك لم يفقهوا حقيقة الشرع، ولذا شذوا عن الصحابة، ولم يدخل القرآن قلوبهم، ولو دخل القرآن قلوبهم؛ فقد دخل على غير مراد الله عز وجل فيما أحدثوه، قال الشاطبي في” الاعتصام” ( 2\691 ) :” ألا ترى أن الخوارج كيف خرجوا من الدين، كما [ص-58] يخرج السهم من الصيد المرمي؟ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفهم بأنهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يعني ـ والله أعلم ـ أنهم لا يتفقهون به حتى يصل إلى قلوبهم…..” اهـ.

وأيضاً فقد قال الآجري في” الشريعة” ( ص 28 ) في كلامه على من نهج منهج الخوارج:” فلا ينبغي لمن رأى اجتهاد خارجي، قد خرج على إمام – عدلاً كان الإمام أو جائراً – فخرج، وجمع جماعة، وسلّ سيفه، واستحل قتال المسلمين؛ فلا ينبغي له أن يغتر بقراءته للقرآن، ولا بطول قيامه في الصلاة، ولا بدوام صيامه، ولا بحسْن ألفاظه في العلم، إذا كان مذهبه مذهب الخوارج….” اهـ.

إن هذا ليس معناه أن كل المخالفين اليوم يقولون بجميع مقالات الخوارج السابقين، لكن يجب عليهم أن يحذروا من اتباعهم في أصل عظيم من أصولهم، فإن هذا وخيم العاقبة، سيئ المغبَّة، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – ما يدل على أن من وافق أهل البدع الكبار في أصل عظيم من أصولهم التي خالفوا بها بعض أصول أهل السنة؛ فإنه يُلْحَق بهم، وإن لم يقل بجميع مقالاتهم، والله أعلم.

وأيضاً: فقد ثبت عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إن مما أتخوف عليكم: رجل قرأ القرآن، حتى إذا رئيت بهجته عليه، وكان ردء الإسلام؛ اعتراه إلى ما شاء الله، فانسلخ منه، ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك، قال: قلت: يا رسول الله، أيهما أولى بالشرك: المرمي أو الرامي؟ قال: بل الرامي .

وفيه تهديد أكيد، ووعيد شديد، لمن ترك دعوة السلف بعد أن رؤيت بهجتها عليه، ثم اغتر بحماس الخلف، والله المستعان.

وأيضاً: فَمِنْ هؤلاء الكبار- عندكم أيها الشباب- من أعلن تراجعه عن أصوله وفتاويه في هذه المسائل والنوازل العامة، بعد أن أصدر هذه الفتاوى، وأصر ونافح عليها، وجادل من أجلها، بل تجرأ على الكبار المخالفين له فيها، فلو كان هؤلاء من أهل الرسوخ في العلم؛ لما كان هذا حالهم، وإن كان كل من رجع إلى الصواب؛ يُشْكر عليه بقدر ما أحسن، ونسأل الله أن يوفقهم لإصلاح ما أفسدوا، وأن يتقبل توبتهم، ويغسل حوبتهم، لكن علينا أن نعتبر بذلك، وأن نجعل ذلك سبباً موصلاً إلى منهج كبار العلماء في الحق، والله المستعان.

فإن قال قائل : نحن نسلِّم بقاعدة مراعاة المصالح والمفاسد، لكننا نرى عكس ما ترون، ونرى أن المصالح في التفجيرات والاغتيالات أكثر من المفاسد، وأنكم تعدون المصالح مفاسد، ولا تُلْزمونا برأيكم واجتهادكم!!

فالجواب: أن كل إنسان يستطيع أن يدعي هذه الدعوى، ولو جئتَ بكثير ممن يخالفون الحق- بلا نزاع- وأنكرت عليهم كثيراً من صنيعهم؛ لأنكروا عليك، ولو سألتهم: لماذا فعلتم هذا الفعل أو ذاك؟لظهر لك أنهم يرون المصلحة القطعية في صنيعهم، مع أن العقلاء متفقون على أن هؤلاء على باطل!!

[ص-59] إذاً، فليس كل من ادعى دعوى؛ سُلِّم له بقوله، إنما العمدة على الدلائل والبراهين، والآثار والنتائج، والفتن إذا أقبلت؛ عرفها العلماء، وإذا أدبرت؛ عرفها الناس كلهم أو جُلُّهم، وقد سبق ذكر عدد من المفاسد المردية، بما لا يختلف فيه منصفان، فهل نُصَدِّق رجلاً يقول: قَتْلُ المئات من المسلمين الأبرياء – في هذه الحالات- فيه مصلحة عظمى للإسلام وأهله؟!!

وهل نقبل من رجل يقول: إن سقوط الدولة المسلمة – على ما فيها من جور- فيه مصلحة كبرى، لأننا سنقيم الدين كله بعدها؟!! ونحن نرى أن من فعل ذلك؛ جرَّ ويلات أشد وأنكى مما كان يريد إزالته!! ونرى أن غير المسلمين يفرحون بهذه الفتن في بلاد الإسلام، لأنهم يتذرعون بها للتدخل في شئون المسلمين، تحت ستار:” حقوق الإنسان”” والمنظمات الدولية”،” والأمم المتحدة”، و” مكافحة الإرهاب” و” الديمقراطية” ونحو ذلك!!!

فأين الذين يدَّعون فقههم بالواقع، ويتجرءون بل يتطاولون بذلك على كبار العلماء؛ مما جرى للمسلمين في عدة بلدان، حيث جرت حروب طاحنة، وبعد أن أكلتْ الأخضر واليابس بين المسلمين البيْن؛ جاءت الدول الأخرى، لتجني الثمرة، وتسلِّم الزمام لمن تريد ممن يحققون أهدافهم!! ألا نعتبر بما حلَّ بالمسلمين في الدول الأخرى بسبب هذا الشَّغب؟!! أليس السعيد من وُعظ بغيره؟ أليس الله عز وجل قد حثنا على السير في الأرض للتدبر والاتعاظ بما حلَّ بغيرنا؟!! والله عز وجل يقول: ( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)(سورة آل عمران الآية 137) ويقول سبحانه: ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ )(سورة غافر الآية 21) ويقول سبحانه: ( فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)(سورة آل عمران الآية 137) فما هي ثمرة هذه الأفكار في الجزائر، والمغرب، ومصر، واليمن، والسعودية، والكويت، والصومال، وغير ذلك من بلدان؟!!

وهل نصدِّق من يدَّعي أن التفجيرات في صالح الإسلام والمسلمين؛ وها هو شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى- يقول: كما في” مجموع الفتاوى” ( 28\391 ) في سياق ذكر الصبر على جور الحكام، وترك الخروج عليهم، لأن الخروج على الحكام فيه مفسدة كبرى، فقال -رحمه الله -:”……. ويقال: ستون سنة من إمام جائر؛ أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان؛ والتجربة تبين ذلك” اهـ.

فهل نُلْغي عقولنا، ونُهمل اجتهادات علماء عصرنا -وهم أهل الاستنباط والمرجع في النوازل- ونرفض تجربة سلفنا، وأحاديث نبينا – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الصبر على الجور، لقول رجل لم تحصل له أهلية النظر في مثل هذه الأمور، أو تأهّل لذلك لكنه أخطأ الصواب؟!!

وأيضاً: فقد قال الإمام ابن القيم في” إعلام الموقعين” – وقد سبق نقله-:”……. وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر….. ومن تأمل ما جرى للإسلام في الفتن الكبار والصغار؛ رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته، فتولَّد منه ما هو أكبر منه….” اهـ

[ص-60] وأيضاً: فقد أنكر الإمام أحمد الخروج على الواثق – الداعيةِ للقول بخلق القرآن، وهو كُفْرٌ باتفاق – وعلّل ذلك بأنه يكره الخروج والفتنة والدماء، ولم يكن في زمانه منظمات دولية، أو تحالفات عالمية، تجيد الاستفادة من جهود وضحايا المسلمين، كما هو الآن!! فكيف نتهور نحن في زماننا الذي أحاط فيه الأعداء بالمسلمين، كما يحيط السُّوار بالمِعْصَم؛ فنفتي بعكس ما عليه السلف والأئمة؟!!

فهل بعد هذا التصريح من سلفنا الصالح، نقبل قول من يقول اليوم شيئاً، ويرجع عنه غداً؟وهل نترك الجبال الرواسي، ونَجْرِي وراء فتاوى خاطئة – وإن ظن أهلها أنهم يحسنون صنعاً – فنكون كالرمال التي تُقَلِّبها الرياح، وتَنْقِلُها من أرض إلى أرض، ومن وجه إلى وجه؟!! ثم نجعل حرمة المسلمين من الدماء والأموال والأعراض، ونجعل أَمْنَهَمْ واستقرارَهم حَقْلَ تجارب!!فنُجرب بمئات القتلى والجرحى، ونسعى في اضطراب الأمن وزوال النعمة، ثم بعد ذلك نقول: لقد استفدنا من هذه التجربة، بأن هذا المنهج لا يجوز!!ولكن بعد ماذا؟!!بعد أن يتسلط الكفار من الخارج على المسلمين، وتقوى شوكة أهل الأهواء والأعداء داخل البلاد؟!! ثم يتمنى المرء- حينذاك- أن يعود الأمر كما كان، ولكن ولات حين مندم!!!

ألا نستفيد من تجربة السلف؟!! ألا نتعظ بما يجري حولنا؟!! أم أننا لا بد أن نبدأ بما بدأ به غيرنا؟!!ولا بد أن نعيد الخطأ مرة أخرى أو مرات؟والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: لا يُلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين ، ونحن قد لدغنا مرات ومرات، فإنا لله، وإنا إليه راجعون!!

ألا يكفينا صبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو أعلمنا بالله – على أكبر المنكرات في مكة، من عبادة الأصنام وغير ذلك، لما كان المسلمون غير قادرين على إزالتها؟!!

ألا يكفينا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصبر على الجور، وإنْ ضَرَب الولاة الظهور، وأخذوا الأموال؟!

ألا يكفينا قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد سئل عن الولاة الذين لا يعطون الناس حقهم، ومع ذلك يلزمونهم أداء ما عليهم، فقال صلى الله عليه وسلم: اسمع وأطع، فإنما عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حُمِّلتم ؟!

فهذه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا تاريخ السلف وتجربتهم، وهذه الآثار السيئة لهذه الأفعال بادية لكل ذي عينين، فماذا مع المخالفين من دليل ينهض لمقاومة بعض هذا- فضلاً عن كله-؟!!

وصدق من قال: فأما ما عَلِمْتُ فقد كفاني وأمـا ما جَهِلْـتُ فجنِّبوني [ص-61] وإذا كان الحق واضحاً، بهذه المثابة، ومع ذلك يُقابَل هذا كله – من البعض الذين يكفِّرون العلماء، أو يطعنون في صدقهم وفهمهم- بالإنكار والتعالم في تقدير مصالح ومفاسد الأمور الكبار؛ فما بقى إلا أن يتمثل المرء بما ذكره الإمام ابن القيم- رحمه الله – كما في” مختصر الصواعق” ( ص265 ) وهو قول القائل: وقُلْ للعيون العُمْي للشمس أعينٌ سواكِ تراها في مغيبٍ ومَطْلعِ وسامحْ نفوساً أطفأ اللهُ نورهـا بأهـوائها لا تستفيق ولا تعي وأما الذين يحبون أهل العلم، ويرغبون في لزوم غرز السلف، واغتروا بهذه الأفكار، فنقول لهم:( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ )( سورة الحديد الآية 16) ؟!!

2- ومن أسباب الوقوع في التفجيرات والاغتيالات : عدم لزوم منهج السلف أمام فتنة الحكم بغير ما أنزل الله في كثير من بلاد المسلمين، وكذا عدم لزوم منهج السلف في تغيير المنكرات الظاهرة، والتحديات الفاجرة، والأساليب الماكرة، ولا شك أن فتنة الحكم بغير ما أنزل الله عمّت فأَعْمت، وطمَّت فأصَمّت، وكانت من جملة أسباب فتنة التفجيرات، فلا يجوز التحاكم في التحليل والتحريم، والإباحة والحظر، وغير ذلك: في الدماء والأموال والأعراض والمسائل العامة والخاصة؛ إلا إلى شريعة الله سبحانه وتعالى.

فالله عز وجل يقول: ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ )(سورة المائدة الآية 50) ويقول سبحانه: ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ)(سورة الشورى الآية 21) ويقول عز وجل: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)(سورة يوسف الآية 40 ) والآيات في تقرير هذا الأصل الأصيل كثيرة.

فأسال الله أن يعين حكام المسلمين وولاة أمورهم على تحكيم شريعة الله، وأن يشرح صدورهم لذلك، وأن يزيل العوائق – الداخلية والخارجية- التي تَحول بينهم وبين الحكم بما أنزل الله عز وجل، وأن يرزقهم البطانة الصالحة، ويُعينهم على إقامة المعروف، والنهي عن المنكر، وأن يجعلهم باب خير على المسلمين، إنه قريب مجيب.

إلا أن مخالفة كثير من الحكام، وحكمهم بغير ما أنزل الله، وشيوع المنكرات – مع كونه هذا كله جريمة وجناية على الشريعة، وسبباً للفشل والوهن والعنف أيضاً – فكل ذلك لا ُيسوِّغ التفجيرات والاغتيالات التي تزيد الطين ِبلَّةً، وتمحق ما بقي من البركة، وتجّر على الناس الفتنة، فتضعف الشوكة، وقد سبق ذكْر شيء من ذلك.

وإن الطريق الصحيح أمام فتنة الحكم بغير ما أنزل الله، وشيوع المنكرات في المجتمعات؛ يكون بأمور، منها:

‌أ- التوبة إلى الله تعالى من جميع الذنوب، والاستقامة على أمره- ما أمكن- فإن الله عز وجل يقول: ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )0سورة النور الآية 31) ويقول سبحانه: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )(سورة الرعد الآية 11) ولم يقل:” حتى يُغَيِّروا حكّامهم”!!!

‌ب- [ص-62] النصيحة النافعة- لا المفِْسدة- لولاة الأمور، ويكون ذلك بدون تهييج، وببيان الحق لهم بدلائله، مع عدم مداهنتهم بالباطل، فمن لم يقل الحق؛ فلا يتكلم بالباطل، ويكون سبباً لإضلال الراعي والرعية، وقد وردت أدلة وآثار كثيرة في النصح سراً، منها:

1 – أن عياض بن غَنْم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أراد أن ينصح السلطان بأمر؛ فلا يُبْد له علانية، ولكن ليأخذ بيده، فيخلو به، فإن قبل منه؛ فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه أخرجه أحمد وغيره، ولعله يتقوى في الجملة، وهو بحاجة إلى مزيد تأمل.

2 – قيل لأسامة بن زيد: ألا تدخل على عثمان – رضي الله عنه – لتُكلِّمه؟!! فقال:” أترون أني لا أكلِّمه إلا أُسْمعكم؟ والله، لقد كلمته فيما بيني وبينه، مادون أن أفتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه” .

أي لا أحب أن أكون أول من فتح باب الفتنة على الإسلام وأهله بعد رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولذلك فقد قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمة الله عليه-:”…. ولما فتحوا الشر في زمان عثمان – رضي الله عنه – وأنكروا على عثمان جهرة؛ تمت الفتنة والقتال والفساد الذي لا يزال الناس في آثاره إلى اليوم، حتى حصلت الفتنة بين علي ومعاوية، وقُتل عثمان وعلي بأسباب ذلك، وقُتل جم كثير من الصحابة وغيرهم، بأسباب الإنكار العلني، وذِكْر العيوب علناً، حتى أبغض الناسُ ولَيّ أمرهم، وحتى قتلوه، نسأل الله العافية” اهـ وانظر هذا وغيره في” معاملة الحكام” الفصل الخامس.

وقال صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله-:” ولكن هنا مسألة: وهي أن بعض الناس لغيرته على دين الله عز وجل، إذا رأى هذه المنكرات، وأن هذه المنكرات المتفشية في الناس مما يوجد في الصحف، أو يسمع في بعض الإذاعات، أو يشاهد عن طريق الدشوش مثلاً، ويغار على هذا، يرى أن الحكومة مقصرة في هذا الشيء، ثم يذهب يشيع مساوئ الحكومة بين الناس، ويوغر الصدور عليها، ويَلْزَم من عمله هذا: أن يكره الناس ولاة أمورهم!!

والحقيقة أن هذه جادَّة خاطئة جدًا، ومخالفة للشرع، وخطيرة على المجتمع، وسبب للفتن، ولو أنه سعى في إصلاح المجتمع نفسه؛ لكان خيرًا له، فمثلاً ما يُبَثُّ في الإعلام، من مقروء ومسموع ومنظور؛ يحذر الناس منه، يقول: احذروا مثلاً من هذه المجلات، احذروا من مشاهدة الأشياء الضارة في الدين وفي الدنيا، احذروا من كذا ومن كذا، احذروا من الربا مثلاً، والمجتمع إذا صلح؛ فإن ولي الأمر جزء من المجتمع، لابد أن يصلح، إما اختيارًا وإما اضطرارًا، لابد أن يصلح، وأما أن يصب جام غيرته على ولاة الأمر من أن أجل أن يوغر صدور الناس عليهم، فيحصل بذلك الشر والفساد؛ فهذا لا شك أنه خلاف الصواب، وحيدة عن الجادة السليمة.

ولا يخفى عليكم جميعًا ما حصل من الفتن العظيمة من زمن علي- رضي الله عنه- بل من زمن عثمان- رضي الله عنه- فيما حصل من الشر والفساد، واستحلال النفوس والأموال بسبب هذا، لأن مستعظم النار من مستصغر الشرر، [ص-63] فلذلك نحن نرى أن مثل هذا المسلك؛ مسلك خاطئ، ومُحَرَّم، ولا يجوز، إذا كانت للإنسان غيرة حقيقة؛ فليوجه الشعب إلى الخير…. ا.هـ، نقلاً من” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ( ص 85 – 86 ) .

وقال صاحب الفضيلة الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله تعالى-:” لاشك أن الولاة كغيرهم من البشر، ليسوا معصومين من الخطأ، ومناصحتهم واجبة، ولكن تناولهم في المجالس، وعلى المنابر؛ يعتبر من الغيبة المحرمة، وهو منكر أشد من المنكر الذي يحصل من الولاة، لأنه غيبة، ولما يلزم عليه من زرع الفتنة، وتفريق الكلمة، والتأثير على سير الدعوة، فالواجب إيصال النصيحة لهم بالطرق المأمونة، لا بالتشهير والإشاعة”. ا.هـ نقلاً من” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ( ص 91 ) .

وقال أيضاً:”…. ولا تخرج عليه، ولا تُحَرِّض عليه، ولا تتكلم فيه في المجالس وعند الناس؛ لأن هذا يحدث شرًا وفتنة، ويبغض الناس إلى ولاة أمورهم، في وقتٍ الكفارُ يتألبون علينا، ويتربصون بنا الدوائر، وربما إذا علموا بهذا أنهم ينفثون سمومهم في هؤلاء المتحمسين من المسلمين، ويحرضونهم على ولاة أمورهم؛ فتحصل الفتنة، ويَفْسُد الأمر، وعند ذلك تطيب للكافرين النتيجة في التسلط على المسلمين، فولي الأمر المسلم مهما كان فيه خير كثير، وفيه مصالح عظيمة؛ هو بشر، ما هو معصوم، قد يخطئ في بعض الأوامر، فالطريق: أنه يُنَاصح في هذا سرًا، توصل إليه النصيحة سرًا، ويُبين له طريق الصواب، أما الكلام عنه في المجالس أو أشد من ذلك في الخطب أو في المحاضرات؛ فهذا شأن أهل الشقاق، وأهل النفاق، وأهل الشر الذين يريدون شق عصا الطاعة” ا.هـ، نقلاً عن” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ( ص 94 ) .

وقال أيضاً:”…. وكذلك إذا سبه – يعني إذا سب وليَّ الأمر-: هذا مذهب الخوراج، هم الذين يسبون الأئمة، ويتكلمون فيهم، ويهيجون الناس عليهم، هذا مذهب الخوارج، ما قام من قام على عثمان- رضي الله عنه- من صغار السن ومن الأوباش؛ إلا بسبب ابن سبأ الخبيث، أصبح يتكلم في المجالس، ويُحَرِّض، الناس حتى تكالب ناس من السفهاء والأوباش، وانتهى الأمر بأن قتلوه- رضي الله عنه- وماذا ترتب على قتله من الفتن التي وقعت في المسلمين؟! شيء يشيب له الرؤوس، بسبب قتل الخليفة والخروج عليه!!” اهـ نقلاً عن” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ( ص 107 ) .

‌ج- ومن طريقة السلف في التعامل مع الحكام: جَمْعُ شَمْلِ الناس عليهم- وهذا من النصح لأئمة المسلمين وعامتهم-، ودرء أبواب الفتنة، وعدم هتك سترهم وهيبتهم، لما يترتب على ذلك من شرور، وأن يكون الدافع لذلك: ابتغاء مرضاة الله، ودرء المفاسد وجلب المصالح لخدمة الدين، لا جلب المصلحة الشخصية العاجلة.

فإذا كان الحاكم قد وقع في الكفر الأكبر؛ فإن هذا لا يُسوِّغ – مع هذا الحال – دعوة الناس لمنابذته، لما في ذلك من المفاسد التي لا يعلمها إلا الله تعالى!!

بل يجب – عندئذٍ – الصبر، والاشتغال بالطاعة، والابتهال إلى الله بالدعاء: بكشف الغمة، وإزالة الكربة، كما كان حال سلف هذه الأمة، والله أعلم.

‌د- [ص-64] التعاون معهم في رد المظالم، وإقامة الحقوق، والحفاظ على ما بقي من الخير، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في” منهاج السنة النبوية” ( 1\556 ) :” ويقولون – أي أهل السنة – إنه ( يعني الحاكم ) يُعاوَن على البر والتقوى دون الإثم والعدوان، ويُطاع في طاعة الله دون معصيته، ولا يُخْرَج عليه بالسيف” اهـ.

‌ه- الطاعة لهم في المعروف، فإذا أُمر المرء بمعصية؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إلا إذا اضطر أو عجز، أو كان فساد الترك للمعصية أعظم من فساد الفعل، ومع ذلك: فلا يكون المرء مفتاح شر وفتنة.

‌و- إدراك حاجة الأمة إلى الاجتماع على الحاكم – وإن كان جائراً- ولا يجوز قلب الحقائق بتشويه ما أجراه الله على أيديهم من خير؛ فإن ذلك يؤدي إلى إيقاع الوحشة بين الراعي والرعية، والرغبة في الانتقام ممن له صلة بالدعوة، والمطلوب جمع الكلمة، لدرء مفسدة أكبر من مجرد أخطاء الحكام، وأن يُعَلَّم الناس أن الافتئات عليهم يأتي بشر أكبر، وأن اجتماعهم على الحكام المسلمين – على ما عند كثير منهم من عوج وانحراف – خير من الخروج عليهم، لأن ذلك لا يُبقي ولا يذر.

ولقد قيل لرجل- لا يرى لولاة أمره حقاً عليه-: ألا ترى ما فعل الحاكم الفلاني من خير في كذا وكذا؟!! وذكروا له أموراً كثيرة- لا ينكرها أحد- فقال: إن هذا واجب عليهم أن يقوموا به!! فلما ذُكِر ذلك لي؛ قلت: وإن كنا لا نقر ما عند أي حاكم من أخطاء؛ لكن من قام بما يجب عليه يُشْكَر على ذلك، أم لا؟! فلماذا تُذْكر معايبهم، ويُشَوَّه ما أجراه الله على أيديهم من خيرات؟! أليس هذا من غمط الحق، وبخس الناس أشياءهم؟!! إن هذا الحال يفسد الراعي والرعية، والله المستعان.

وقد أخرج الخطيب عن عروة بن الزبير أنه قال:” إن المسور بن مخرمة أخبره أنه قَدِم وافداً على معاوية بن أبي سفيان، فقضى حاجته، ثم دعاه، فأخلاه، فقال: يا مسور، ما فعل طعْنك على الأئمة؟ فقال المسور: دعْنا من هذا، وأَحْسِنْ فيما قَدِمْنا له، قال معاوية: لا والله، لتكلَّمنَّ بذات نفسك، والذي تعيب عليّ، قال المسور: فلم أترك شيئاً أعيبه عليه إلا بيَّنْته له، قال معاوية: لا بُرْءَ من الذنب، فهل تعدُّ يا مسور مالي من الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشر أمثالها؟!! أم تعدُّ الذنوبَ، وتترك الحسنات؟!! قال المسور: لا والله، ما نذكر إلا ما ترى من الذنوب، قال معاوية: فإننا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصَّتك تخشى أن تهلك؛ إن لم يغفرها الله؟ قال المسور: نعم، قال معاوية: فما يجعلك أحق أن ترجو المغفرة مني؟!! فوالله، لما أَلِي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أُخَيَّرُ بين أمرين: بين الله وبين غيره؛ إلا اخترتُ الله على ما سواه، وأنا على دين يقبل الله فيه العمل، ويجزي فيه بالحسنات، ويجزي فيه بالذنوب، إلا أن يعفو عما يشاء، فأنا أحتسب كل حسنة عملتها بأضعافها، وأوازي أموراً عظاماً، لا أحصيها ولا تُحصيها، مِن عمل لله في إقامة صلوات المسلمين، والجهاد في سبيل الله عز وجل، والحكم بما أنزل الله تعالى، والأمور التي لستَ تحصيها، وإن عددتها لك، فتفكَّرْ في ذلك!!! قال المسور: [ص-65] فعرفتُ أن معاوية قد خصمني حين ذكَر لي ما ذكَر، قال عروة: فلم يُسْمع المسور بعد ذلك يذكر معاوية؛ إلا استغفر له” اهـ

فهذا حال الصحابة – رضي الله عنهم- الذين إذا ذُكِّروا؛ تذكروا، وإذا ظهر لهم الحق؛ رجعوا إليه، فأين نحن الآن منهم؟!!

هذا، وإن كنت أعلم أن الحكام في زماننا ليسوا كما في هذا الأثر؛ إلا أنه ما أشبه حال بعضهم بكثير مما جاء في هذا الأثر، من تحكيمهم لشرع الله عز وجل، وإقامتهم الصلاة، والشعائر، ونشرهم لكتب السنة في العقيدة، والحديث، والتفسير، والفقه، وغير ذلك من علوم نافعة، وبذل الخير للناس، وغير ذلك.

أيضاً: فمعاوية – رضي الله عنه – صحابي، ولا وجه للمقارنة بين صحابي ومن دونه، لكن المراد بيان أن من أنكر حسنة الحاكم، واشتعل بذكر عيوبه – وأصر على ذلك-؛ فإن ذلك يؤدي إلى أمور لا تُحمد مغبتها، وأن من عرف المصالح التي تعود على المسلمين من وجود أمير لهم – على ما فيه – وسعى جهده للإصلاح والنصح الحكيم، وكفَّ عن ذكر العيوب، ودعا للحاكم بالصلاح والهداية ومغفرة الذنوب؛ فإنه متبع، وليس بمبتدع – وإن كان هناك من يتهمه بالقبائح بلا هُدى ولا كتاب منير!!

والجهاد في سبيل الله – لاسيما عند العجز عن جهاد السنان- يكون بالدعوة إلى الله، ونشر كتب السنة، وفتح مراكز الدعوة في جميع البلاد أو كثير منها، ويكون بكفالة العلماء وطلاب العلم،- كل ذلك حسب الاستطاعة- ولا يُنْكِرُ وجود هذا عند البعض من الحكام – اليوم- إلا جاهل أو مكابر!!

‌ز- ومن ذلك: التماس العذر للحكام – أي فيما يحتمل ذلك- بلا تكلُّف وتعسُّف – أو في أمور لم يحط الناس بها علماً، قال الطَّرْطوشي في” سراج الملوك” ( ص 43 ) :” كان العلماء يقولون: إذا استقامت لكم أمور السلطان؛ فأكثروا حَمْدَ الله تعالى وشُكْرَه، وإن جاءكم منه ما تكرهونه؛ وجِّهوه إلى ما تستوجبونه بذنوبكم، وتستحقونه بآثامكم، وأقيموا عذر السلطان؛ لانتشار الأمور عليه، وكثرة ما يكابده من ضبط جوانب المملكة، واستئلاف الأعداء، وإرضاء الأولياء، وقلة الناصح، وكثرة التدليس والطمع” اهـ. نقلاً من” معاملة الحكام” ( ص 10- 11 ).

ولا شك أن هناك كثيراً من الأمور في زماننا لا يمكن حملها على ذلك إلا بتكلف وتعسف، لكن السبيل الوحيد مع النصح: هو الصبر والدعاء لهم بالصلاح، والاشتغال بالدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، والله المستعان.

‌ح- الابتعاد عن ذكر عيوب الحكام، والحذر من نشرها في الناس، لأن ذلك يوغر الصدور، ويُسيء الظنون، ويوقع الوحشة والنفرة والتلاعن، وهذا كله يؤول إلى سفك الدماء، وقطع السُّبُل، وقد سبق ذكر شئ من ذلك، وقد قال ابن عبد البر في” التمهيد” ( 21\287 ) :” إن لم يكن يتمكن نصح السلطان؛ فالصبر والدعاء، فإنهم كانوا ينهون عن سب الأمراء، وساق سنده إلى أنس بن مالك قال:” كان الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينهوننا عن سب الأمراء،…. وساق أسانيد أخرى في هذا المعنى، فتُنْظَر.

[ص-66] وعلى كل حال: فإنَّ سَبَّ السلطانَ وخِيمُ العاقبة، قبيحُ المغِبَّة، يجب على العاقل أن يحذره، فقد قال أحمد:” لا يُتَعَرَّض للسلطان؛ فإن سيفه مسلول وعصاه” اهـ من” الآداب الشرعية” لابن مفلح ( 1\198 ) .

بل الأولى أن يُدعى للحاكم بالصلاح، فقد قال البربهاري في” شرح السنة” :” وإذا رأيت الرجل يدعو على السلطان؛ فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح؛ فاعلم أنه صاحب سنة -إن شاء الله تعالى – يقول الفضيل بن عياض: لو كانت لي دعوة؛ ما جعلتها إلا في السلطان، قيل له” يا أبا علي، فسِّرْ لنا هذا، قال: إذا جعلتها في نفسي؛ لم تعْدُني، وإذا جعلتها في السلطان؛ صلح، فصلح بصلاحه” اهـ.

وقال ابن المبارك – رحمه الله – في سياق ذكره عقيدة أهل السنة:”….. ومن قال: الصلاة خلْف كل بَرِّ وفاجر، والجهاد مع كل خليفة، ولم ير الخروج على السلطان بالسيف، ودعا لهم بالصلاح؛ فقد خرج من قول الخوارج أوله وآخره…” اهـ .

وقد سبق نقل الصابوني والإسماعيلي عن أهل السنة الدعاء للحاكم بالصلاح والعدل في الرعية، وانظر آثاراً أخرى في” معاملة الحكام” للشيخ عبد السلام العبد الكريم – سلمه الله-.

هذا هو منهج أهل السنة والجماعة أمام ظلم الحكام المسلمين للرعية، وأمام انحرافهم فيما بينهم وبين الله، أو بينهم وبين الرعية، فأين هذا ممن لا يذكرون إلا العيوب، بل يذكرون ذلك في أفضل الاجتماعات: يوم الجمعة من فوق المنابر، ويكثرون من الدعاء على ولاة أمورهم: اللهم عليك بفلان، اللهم قلقل أنيابه، وأرنا فيه يوماً أسود كيوم عاد وثمود، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم…. اللهم… اللهم….!! والمستمعون يؤمنون بصوت متميز عند هذا الدعاء بخاصة؟!!

وأين الذين يبحثون عن الخطيب الذي لا يفارق منبره؛ إلا وقد شنَّع وجدّع، وهيج وشجّع!! ويتحرى في قراءته آيات معينة، لا تُفهم إلا في ذم فلان أو فلان!! فأين هؤلاء الباحثون عن ذلك الخطيب من منهج السلف الذين يرون الإعراض عن الاشتغال بعيوب الحكام – بعد نصحهم وتخويفهم بالله – والإقبال بالمسلمين على العلم النافع، والدعوة إلى الله عز وجل؟!!

إن كثيراً من الناس ينقادون وراء عواطفهم، ويفرحون بمن يُنفِّس عنهم بهذه الأحوال، دون النظر إلى مغبة الأمور!!

إنني أقول هذا، وأنا أحد الذين نالهم شئ من ظلم الحكام وأذاهم، وأُعاني مما يُعاني منه كثير من هؤلاء المتحمسين: من الهوان الذي طأطأ رأس هذه الأمة، ومن إبْعاد الأخيار، وتقريب الأشرار- في كثير من البلدان – ومن شيوع المنكرات، بل الشركيات- إلا من رحم ربي – ومن سوء ظن الكثير بالعلماء والمصلحين وغير ذلك، وهو كثير جداً، إلا أن هذا كله شئ، وإطفاء ما بقي من النور؛ شئ آخر، فإن ظُلْمة فيها نور؛ خير من ظُلمة لا نور فيها، وقد قال [ص-67] شيخ الإسلام – رحمه الله – كما في” مجموع الفتاوى” ( 10\346 ) :”…. وقد يتعذّر أو يتعسر على السالك سلوك الطريق المشروعة المحضة، إلا بنوع من المحْدَث، لعدم القائم بالطريق المشروعة علماً وعملاً، فإذا لم يحصل النور الصافي: بأن لم يُوجد إلا النور الذي ليس بصافٍ، وإلا بقي الإنسان في الظلمة؛ فلا ينبغي أن يعيب الرجل، وينهى عن نور فيه ظلمة، إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه، وإلا فكم ممن عَدَل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية، إذا خرج غيره عن ذلك، لما رآه في طريق الناس من الظلمة” اهـ

ومع ذلك فأنا أسعى للإصلاح والتقويم بقدر جهدي، وتيسير الله عز وجل لي، لزوماً مني لمنهج السلف، الذين أُوذوا أكثر مما أُوذيت، ومع ذلك فهم معتصمون بالحق، وصدق الله عز وجل القائل: ( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )(سورة آل عمران الآية 101) .

فظهر بهذا أن أصحاب التفجيرات لم يلزموا منهج السلف أمام فتنة الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، وكذا فتنة المنكرات الشائعة – على ما في هذه المنكرات من شر عظيم- ولو سلكوا منهج السلف؛ لأراحوا، واستراحوا، وبرئَتْ ذمتهم، وكفى الله المؤمنين شر الفتن، وأصلح الله الحاكم، أو أبدله -دون فتنة – بخير منه.

وقد مدح الله عز وجل بني إسرائيل بالصبر على ظلم فرعون – وما أدراك ما فرعون؟!!- لضعفهم عن مواجهته، فقال تعالى:( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ )( سورة الأعراف الآية 137) .

فمكّن الله عز وجل لبني إسرائيل المستضعفين بصبرهم على فرعون!! وهكذا يُمَكِّن الله للضعفاء في كل زمان، إذا صبروا وأيقنوا بنصر الله عز وجل لهم- وتمسكوا بما يستطيعون من الدين- لا أن يفزعوا للفتن والحروب – وهم غير قادرين على ذلك – وقد قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ )(سورة السجدة الآية 24 ) .

وقد رُوِي عن الحسن أنه قال في الآية الأولى :” لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم بشيء؛ دَعَوُا الله؛ أَوْشَكَ اللهُ أن يرفع عنهم، ولكنهم فزعوا إلى السيف، فوُكِلوا إليه، والله ما جاءوا بخير يوماً قط” ثم قرأ: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ )(سورة الأعراف الآية 137 ) اهـ وفي سنده عُمَر بن يزيد العبدي، ولم يوثقه إلا ابن حبان- فيما أعلم- والله أعلم.

وقد يقال إن عمر هذا روى قصة حضرها – كما عند الآجري في” الشريعة” ( ص 38 ) – والراوي المضعَّف إذا روى قصة؛ فقد يجبر هذا ضعفه- كما هو معلوم عند المشتغلين بعلم الحديث- وإذا رجحنا أنّ هذا الأثر فيه نظر؛ ففي الآية وفي أحاديث النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الصبر على أئمة الجور، وفي إجماع أهل السنة على ذلك: كفاية وهداية ووقاية.

[ص-68] وقد سبق ذكر كلام بعض أهل العلم في بيان أن منهج السلف قائم على النصح للحكام، والصبر على ظلمهم، وعدم الافتئات عليهم، والسمع لهم في المعروف، وهناك أمثلة أخرى لذلك، ومنها:

ما جاء في” السنة” للخلال : أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أن أبا الحارث حدثهم!! قال: سألت أبا عبد الله في أمر كان حَدَثَ ببغداد، وهَمّ قوم بالخروج؛ فقلت: يا أبا عبد الله، ما تقول في الخروج مع هؤلاء القوم؟ فأنكر ذلك عليهم، وجعل يقول: سبحان الله، الدماء، الدماء، ويُستباح فيها الأموال، ويُنتهك فيها المحارم، أما علمت ما كان الناس فيه – يعني أيام الفتنة-؟ قلت: والناس اليوم أليس هم في فتنة يا أبا عبد الله؟ قال: وإن كان، فإنما هي فتنة خاصة، فإذا وقع السيف؛ عمَّت الفتنة، وانقطعت السبل، الصبر على هذا، ويسلم لك دينك؛ خير لك، ورأيتهُ يُنكر الخروج على الأئمة، وقال: الدماء، لا أرى ذلك، ولا آمر به” اهـ وسنده صحيح.

فتأمل خوف أحمد من الفتنة التي تُسْفَك فيها الدماء، وتُقطع فيها السبل، وكونه يرى ذلك أعظم من فتنة الخاصة، وهي فتنة القول بخلق القرآن، والتي ابتُلي بها العلماء وطلاب العلم، وأما بقية المسلمين؛ فآمنون على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، هذا مع أنه قد صرح أكثر من خمسمائة عالم بكفر من قال بخلق القرآن، كما قال اللالكائي في” شرح أصول اعتقاد أهل السنة” وقد عدّ أسماء العلماء القائلين بذلك، ثم قال:” قالوا كلهم: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: مخلوق؛ فهو كافر، فهؤلاء خمسمائة وخمسون نفساً أو أكثر من التابعين، وأتباع التابعين، والأئمة المرضيين، سواء الصحابة الخيِّرين، على اختلاف الأعصار، ومُضِيّ السنين والأعوام، وفيهم نحو من مائة إمام ممن أخذ الناس بقولهم، وتديَّنوا بمذاهبهم،…..” اهـ

وقد قال ابن القيم في” الشافية الكافية” : ولقـد تقلّد كُفْرَهم خمسـون في عَشْرٍ من العلماء في البلدان واللالكـائيّ الإمام حكاه عنهُمْ بل حكاه قبله الطبراني ” اهـ.

قلت: فهل صرح اليوم أكثر من خمسمائة عالم- أو عشر معشارهم- بأن حكام زماننا جميعاً كفار، كما يقول بعضكم أو جُلُّكم؟فلماذا نتقحّم في فتنة التكفير والتفجير والدماء، مع عدم حُكْم كبار علمائنا بذلك – فيما أعلم-، وهذا أحمد- إمام أهل السنة في زمانه وما بعده- لا يرى الخروج، مع تصريحه وتصريح غيره من العلماء بكفر من قال بخلق القرآن؟!! وقد قال بخلق القرآن المأمون والمعتصم والواثق، بل امتحنوا الناس بذلك، وقتلوا بعض العلماء، وحبسوا المئات، أو الألوف منهم، وقطعوا أرزاقهم من بيت المال، وعلَّموا الصبيان هذه العقيدة في الكتاتيب، ومكّنوا [ص-69] للجهمية المعطلة في السلطة والقضاء والتدريس والإفتاء، وطُرد أهل السنة في البراري والصّحاري، والكهوف والغيران!!

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – كما في” مجموع الفتاوى” ( 12\ 488 ) واصفاً حال الجهمية مع أحمد بن حنبل وأهل السنة، فقال:” دَعَوْه إلى خلق القرآن، ونفي الصفات، وامتحنوه وسائر علماء وقته، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات، الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس، والقتل والعزل عن الولايات، وقَطْع الأرزاق، ورَدِّ الشهادة، وتَرْكِ تخليصهم من أيدي العدو، بحيث كان كثير من أولي الأمر- إذا ذاك من الجهمية، من الولاة والقضاة وغيرهم – يُكَفرون كل من لم يكن جهمياً موافقاً لهم على نفي الصفات، مثل القول بخلق القرآن، ويَحْكمون فيه بحكمهم في الكافر، فلا يولونه ولاية، ولا يفتكونه من عدو، ولا يُعطونه شيئاً من بيت المال، ولا يقبلون له شهادة، ولا فتيا، ولا رواية، ويمتحنون الناس عند الولاية، والشهادة، والافتكاك من الأسر، وغير ذلك….” اهـ.

كل هذا وأهل السنة لا يرون الخروج على الحكام هؤلاء، فإن كان هؤلاء الشباب يقنعون بمنهج أهل السنة؛ فهذا منهج أهل السنة!! وإن كان منهم من لا يرتضي هذا المنهج أصلاً، فهذه باقعة ليست لها راقعة!! ولقد قال بعضهم- في كتاب له- كلاماً ملخصه: أن الفتنة ساحت في الأرض منذ حرب صِفِّين إلى الآن، بسبب القول: عليكم بالصبر على الجور، عليكم بالصبر على الأئمة – وإن ظلموا-!! اهـ ملخصاً، فهل هذا يدل على اقتناع القائل بمنهج السلف أصلاً – منذ عهد الصحابة إلى الآن-؟!!!

ومن الأمثلة على ما ذكرته من موقف السلف من الحكام- على جورهم-: أن عبد الله بن المبارك- مع ما كان يُحذِّر طلابه من العمل عند السلاطين أو الدخول عليهم، وقصته مع ابن علية في ذلك مشهورة عند طلاب العلم- فمع ذلك كله؛ لم يمنعه ذلك مِنْ ذِكْرِ بعض ما يجريه الله من خير على يد السلاطين، لما في ذلك من مصلحة اجتماع العامة على ولاتهم، فتذهب الفتن، وتثبت النعم، فقد جاء في” النبلاء” ( 8\414 ) ترجمة ابن المبارك، أن الذهبي ـ رحمه الله ـ قال:” وروى إسحاق بن سُنين لابن المبارك:…… فأنشد قصيدة يذكر فيها عقيدته، إلى أن قال: الله يدفع بالسلطان معضلة عن ديننــا رحمةً منه ورضوانا لولا الأئمة لم تأمن لنا سبلٌ وكــان أضعفنـا نهباً لأقوانا قال الذهبي: فيقال: إن الرشيد أعجبه هذا، فلما أن بلغه موت ابن المبارك بـ” هيت” قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، يا فضل، ايذن للناس يُعزوننا في ابن المبارك، وقال: أما هو القائل: الله يدفع بالسلطان معضلة….

فمن الذي يسمع هذا من ابن المبارك، ولا يعرف حقنا”؟! اهـ، فتأمل فهم هارون لأثر هذه الكلمات، فإنها تثمر اجتماع الكلمة، والأُلفة بين الراعي والرعية، ونصرة المظلوم، وإعطاء كل ذي حقٍ حقه، وإقامة الواجبات – ما أمكن – والله أعلم.

[ص-70] هذا، مع ما كان عليه أمراء بني العباس من جورٍ وأَثَرة، وأمور أُخر!!

( تنبيه ) : لقد أطنبت في الكلام على موقف أهل السنة من الحكام الظلمة في هذا الفصل، ولهذا الكلام صلة وثيقة بفصل كيفية العلاج لفتنة التفجيرات والاغتيالات، والمقام هنا لا يخلو من فائدة، وبالذي هنا وهناك تُسَدُّ الثغرة – إن شاء الله تعالى – والله أعلم.

3- السبب الثالث في فتنة التفجيرات والاغتيالات :

الجهل بالسنن الكونية في التمكين في الأرض، وأن ذلك لا يكون إلا بالصبر والتحمل لأذى الكفار، فكيف لا نصبر على أذى المسلمين؟!!! وانظر بعض ما ذكرته هنا وغيره في كتاب” مشكلة الغلو” فإنه مفيد جداً في هذا الباب – جزى الله مؤلفه خيراً-.

4 – الطعن في كبار علماء السنة، والنيل منهم، ورميهم بأنهم علماء سلطة، وأنهم قَلَم في يد مُحَرِّك، وأنهم عبيد العبيد، وأنهم ركنوا إلى القصور العامرة، والسيارات الفاخرة، وأنهم أصحاب ذيل بغلة السلطان!! وعلى أحسن الأحوال: فهم جهلة بالواقع، وسطحيون، ومُلَبَّس عليهم من قبل الحكام، وهم علماء حيض ونفاس، أما الفتاوى العامة في النوازل المدلهمة؛ فليسوا مرجعاً موثوقاً به في ذلك….. إلى غير ذلك من الافتراءات!!!

ولا شك أن العلماء هم ورثة الأنبياء- مع عدم عصمتهم إلا في الإجماع الثابت- وأن العلماء إليهم المفزع عند النوازل، وأن الله عز وجل قد أمرنا بالرجوع إليهم، فقال تعالى: سورة النحل الآية 43 فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ وقال سبحانه: ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ )(سورة النساء الآية 83) وقال صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيراً؛ يفقهه في الدين متفق عليه….. إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على فضل العلماء وعلو شأنهم، وضرورة الرجوع إليهم، لاسيما في النوازل، والله أعلم

واعلم – أيها الباحث عن الهُدى- أن أهل الأهواء من قديم الزمان يسلكون مسلكاً مريباً في ضمانهم سلامة باطلهم -هكذا يظنون!!- فيطعنون في العلماء، ويُسقطون هيبتهم من النفوس، حتى لا يُرْجَع إليهم، كما سبق أن أسقطوا هيبة الأمراء، وقد قال ابن المبارك:” من استخف بالعلماء؛ ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء، ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان؛ ذهبت مروءته” اهـ من” النبلاء” ( 8\408 ) .

وقد رُوِىَ عن أبي زرعة الرازي أنه قال في الروافض الذين يطعنون في الصحابة- رضي الله عنهم-:” إنما يريدون أن يجرحوا شهودنا؛ ليبطلوا الكتاب والسنة…” اهـ أي أن أهل السنة إذا احتجوا على الروافض بحديث؛ قال الروافض: هذا رواه فلان من الصحابة، وهو كافر، أو فاسق، أو خائن، أو نحو ذلك – بناءً على مذهبهم الفاسد- فلا نقبل خبره، وبهذا يُسْقطون الدين!!!والله أعلم.

[ص-71] وقد قال شيخ الإسلام في” منهاج السنة النبوية” :” وذلك أن أول هذه الأمة، هم الذين قاموا بالدين، تصديقاً وعلماً، وعملاً وتبليغاً، فالطعن فيهم؛ طعن في الدين، موجب للإعراض عما بعث الله به النبيين، وهذا كان مقصود أول من أظهر بدعة التشيع، فإنما كان قصده الصد عن سبيل الله، وإبطال ما جاءت به الرسل عن الله….” وقال أيضاً في ( 1 \ 22 ) :” ومن أعظم خبث القلوب: أن يكون في قلب العبد غل لخيار المؤمنين وسادة أولياء الله بعد النبيين…” اهـ.

فاحذر- يا أخي- من هذه المسالك المظلمة المهلكة، التي تجد أصحابها يقررون في عقول وأذهان أتباعهم: أن الشيخ الفلاني، أو اللجنة الفلانية، أو الهيئة الفلانية؛ ليسوا أهلاً للوثوق بهم، وأنهم ضُلال أو كفار، حتى قال بعضهم في هيئة كبار العلماء:” هيئة الفاتيكان” أو هيئة كبار العملاء!!! فنعوذ بالله من الهوى والضلالة والفظاظة!!

فإذا أنكر العلماء على هؤلاء الشباب مسلكهم في الغلو في التكفير- لأنهم لا يتقيدون فيه بالضوابط الشرعية- أو مسلكهم في التفجير والاغتيال؛ قالوا: لا تسمعوا لهؤلاء، فإنهم علماء سلطة!! أو جبناء، لا يستطيعون أن يصدعوا بالحق!!!

واعلم أن الاتهام للعلماء بالجبن والضعف فرية قديمة، رمى بها الأزارقة – وهم من جملة الخوارج – أبا مجلز السدوسي أحد التابعين، فقد جاء في” تفسير الطبري” : حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت عمران بن حدير، قال: أتى أبا مجلز ناسٌ من بني عَمرو بن سدوس، فقالوا: يا أبا مجلز، أرأيت قول الله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(سورة المائدة الآية 44 ) أحق هو؟ قال: نعم، قالوا:( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )( سورة المائدة الآية 45) أحق هو؟ قال: نعم، قالوا: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )(سورة المائدة الآية 47) أحق هو؟ قال: نعم، قال: فقالوا: يا أبا مجلز، فيحكم هؤلاء – يعنون أمراء بني أمية – بما أنزل الله؟ قال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون، وإليه يَدْعون، فإن هم تركوا شيئاً منه؛ عرفوا أنهم قد أصابوا ذنباً!! فقالوا: لا والله، ولكنك تَفْرق – أي تخاف أن تصدع بالحق!! – قال: أنتم أولى بهذا مني، لا أرى – أي لا أرى كفرهم – وإنكم ترون هذا، ولا تحرَّجون…..” اهـ وسنده صحيح، أي فأنتم أولى بالجبن مني، لأنكم مع اعتقادكم كفرهم؛ تجبنون عن إظهار ذلك، أما أنا فلا أعتقد ذلك، ولا حاجة لي إلى إظهار ما لا أعتقد!!

فهؤلاء الخوارج لما وجدوا أبا مجلز على نهج الصحابة؛ ما أعجبهم ذلك، ورموه بالجبن، حتى لا يُقْتَدى به في ذلك، فأجابهم بما يدل عليه المثل العربي القديم:” رمتني بدائها وانسلتْ”!!!

وهذه فرية بلا مرية يُرمَى بها كبار العلماء اليوم – من الشباب الذي يكفِّرهم، ويُضللهم- فما أشبه الليلة بالبارحة!!

[ص-72] وأما من كان منتسباً إلى العلم، وكان دينه رخيصاً عنده، وآثر الحياة الدنيا؛ فلا قدوة في هذا الصنف، ونسأل الله لنا ولهم الهداية والصلاح.

ومن انحرف من علماء هذه الأمة؛ ففيه شَبهٌ من أحبار اليهود، ومن انحرف من عُبّادها؛ ففيه شبهٌ من رهبان النصارى، كما قال سفيان بن عيينة، والله أعلم.

ومن النيْل من العلماء ما جاء في” الطبقات” لابن سعد ( 7\163- 164 ) :” أخبرنا عمرو بن عاصم، قال: حدثنا سلام بن مسكين، قال: حدثني سليمان بن علي الربعي، قال: لما كانت الفتنة- فتنة بن الأشعث إذْ قاتل الحجاجَ بنَ يوسف- انطلق عقبة بن عبد الغافر وأبو الجوزاء وعبد الله بن غالب، في نفر من نظرائهم، فدخلوا على الحسن – أي البصري- فقالوا: يا أبا سعيد، ما تقول في قتال هذا الطاغية، الذي سفك الدم الحرام، وأخذ المال الحرام، وترك الصلاة، وفعل وفعل؟ قال: وذكروا مِنْ فِعْل الحجاج؛ قال: فقال الحسن: أرى أن لا تقاتلوه؛ فإنها إن تكن عقوبة من الله؛ فما أنتم برادّي عقوبة الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء؛ فاصبروا حتى يحكم الله، وهو خير الحاكمين، قال: فخرجوا من عنده وهم يقولون: نطيع هذا العِلْج؟!! قال: وهم قوم عرب، قال: وخرجوا مع ابن الأشعث، قال: فَقُتِلُوا جميعاً” اهـ وسنده حسن – إن شاء الله تعالى-.

فتأمل كيف أن هؤلاء الذين أرادوا قتال الحجاج – وإن كان فيهم من هو ثقة- يسألون العالم سؤال تبجيل وإجلال، فقالوا:” يا أبا سعيد…….” والتكنية ضَرْبٌ من التبجيل، فلما أفتاهم بالصبر وترك الخروج- وهذه طريقة الصحابة، ومقتضى ميراث النبوة، ولم يعجبهم ذلك: ذَمُّوه- مفتخرين بأنسابهم وأحسابهم – فقالوا:” نطيع هذا العِلْج”؟!!

فهذا دأب المخالفين، لا يأخذون من العلماء إلا ما وافق أهواءهم، وإلا فلا يبالون أن يرموا العالم بأقبح التهم، ولو بإثارة النعرة الجاهلية – والمعصوم من عصمه الله- فحسبنا الله!!

فاحذر – أخي الكريم – من هذا المسلك المفضي إلى إسقاط علماء السنة الكبار، والمؤدِّي إلى الفتن العظام، والله المستعان.

وسيأتي في فصل الرد على الشبهات – إن شاء الله تعالى – الجوابُ على من لا يقر بمكانة علمائنا الكبار، والله أعلم.

5- الخطأ في فهم المراد بالمرجعية الموثوق بها في الفتوى والتلقي عنها : فبعضهم يتخذ الخطيب المفوَّه مرجعاً؛ لأن صرخة ذاك الخطيب التي تكاد تقتلع القلب من الصدر؛ تدل – عنده- على إخلاصه وصدقه والأخذ عنه!! مع أنه لا يلزم من الإخلاص والصدق ثبوت المرجعية المؤهَّلة للفتوى في المهمات والنوازل!!

ومنهم من يتخذ الشاعر المفْلق مرجعاً، أو يغتر بسمت العابد المتنسك، أو يُخدع بمن دخل السجن وخرج منه عدة مرات!!!فيظن أن هؤلاء هم أهل الفتوى في المسائل المصيرية، فيأخذ عنهم، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من أشراط الساعة: التماس العلم عند الأصاغر وسواءً كان المراد بذلك أهل البدع، أو حدثاء [ص-73] الأسنان الذين ليس لهم خبرة بالشرع، ولا تجربة لواقع، ولا عِظَة بتاريخ!!! فعلى هؤلاء الشباب أن يتعظوا بذلك، وأن يحذروا مما يؤول إلى الفتن والمهالك، وعلى المسلمين أن يعطوا القوس باريها، وقد قيل:

يا بارى القوس برْياً ليس يحسنه لا تظلم القوس أَعْطِ القوس باريها

وقيل أيضاً: وللعلوم رجال يُعرفون بها وللدواوين كُتّابٌ وحُسّابُ وقيل أيضاً: فدعْ عنك الكتابة لستَ منها ولو سوَّدت وجهك بالمداد

6- وهناك سبب سادس – من أسباب التفجيرات والغلو -، يغفل عنه كثير من الناس الذين يتكلمون عن مشكلة الغلو في الدين، وهو أن إحدى طوائف الغلو – السابق ذكرها- والممثَّلة في أناس اشتهروا بتصنيف أهل الحق، وإلحاقهم بالفرق الضالة، وكذلك فإنهم يتجاوزن الحد في الكلام على بعض المخالفين، فيتكلمون بتهوّر وإسراف، وذلك اعتماداً منهم على قواعد منحرفة عن منهج السلف، هذه الطائفة التي شغلت نفسها بتتبع أخطاء العلماء والدعاة إلى الله، ونَشْرِها في الآفاق مع التجديع والتشنيع، وغمزت في كبار أهل العلم المخالفين لهم- كما سبق تفصيله في المقدمة – وأطلقت عبارات شديدة في عِرْض من خالفها، كأن تقول: فلان أخبث أهل الأرض، مع أن فلاناً هذا موضع ثقة عند كثيرٍ من محبي الخير، من عوام أهل السنة- وسواءً أصاب أتباعه في ذلك أو أخطئوا- المهم أنه عندهم موضع ثقة، ومن ذلك – أيضاً – قول هذه الطائفة: فلان أشر وأضر على الإسلام من اليهود والنصارى، وفلان أكذب من على وجه الأرض، واليهود والنصارى أشرف من فلان، أو يهود أوربا أفضل منه، أو هو أذل من إبليس يوم عرفة، أو نحو ذلك من كلماتهم البعيدة عن العدل والقسط!!

إن هذه العبارات إذا سمعها رجل حديث عهدٍ باستقامة، أو رجلٌ لا يعرف حقيقة الخلاف بين الجماعات، فما أن يسمع هذا الرجل هذه العبارات ممن وصَفْتُ حاله – وإنْ كان المتَكَلَّمُ فيه قد يكون عنده خطأ أو أكثر- إلا وَيَنْفُر من المتكلم، ومن مجلسه، وممن يُثنون عليه، أو يثقون به، ثم لا يجد هذا المبتدئ- في نظره- إلا دعاة الغلو في التكفير، فيتجه إليهم.

وفي المقابل: فقد يسمع هذا الرجل من هذه الطائفة الثانية عبارات حسنة، وإذا ذُكر ذاك الشتّام الأول في مجلسهم؛ قالوا: دَعُوه، غفر الله لنا وله!! والرجل يسمع هذا، ويقارن بين هذا الكلام، وبين ذاك التهور؛ فيزداد يقيناً بصحة طريق هؤلاء، وأنهم هم العلماء حقاً، ويضع ثقته فيهم، ويتجه حيث وجهوه!!!

وإذا سألنا أنفسنا: من الذي زَجَّ بهذا الرجل – ومن هم على شاكلته كثيرون جداً – إلى هذه الطائفة التي وصل بها أو بفتاويها الأمر إلى الاغتيال والتفجير؟ فالجواب: أن هذه الطائفة السابقة كان لها دور لا يُغفل في ذلك!!!

[ص-74] وعلى ذلك: فلا يَفْرَحُ بمن سلك سبيل الغلو والغلاة رجل عاقل مستبصر بحالهم ومآلهم، فبعض الناس يفرح بهذه الطائفة إذا رَدَّتْ على طائفة الغلاة في التكفير، ويقصد من وراء ذلك كسْر شوكة الغلاة في التكفير، والمهيجين على الحكام بإشاعة مثالبهم، ولا يدري أن هؤلاء بطريقتهم السابقة، وبعباراتهم المفجعة، وقواعدهم المنحرفة عن منهج السلف؛ يشجعون كثيراً على ارتمائهم في أحضان الغلاة في التكفير، وكثير من الناس لا يهتدي للتوسط والاعتدال إلا بعد مرور عدد من المحن عليه، فهؤلاء الذين لا يميزون بين الحق والباطل – وهم كثيرون جداً- إذا فروا من طرف؛ ذهبوا إلى الطرف الآخر المقابل له، دون توسط واعتدال.

والطائفة السابقة ـ ومن يفرح بهم بدعوى أنهم يردون على مخالفيه ـ لا تدري أنها بغلوها في تصنيف الناس، ورميهم بأقذع العبارات؛ يزيدونهم تمسكاً بالطائفة الأخرى، فهذه الطائفة التي تُسَمَّى بـ” أهل المنهج” يصدق فيهم قول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ في صغار المعتزلة الذين ردوا على الفلاسفة بردود غثة رديئة، قوَّت من شأن مخالفيهم:” لا الإسلام نَصَروا، ولا العدو كَسَروا” والله المستعان!!!

إن هناك من كان يظن أن هذه الطائفة قادرة على إزالة ذوي الفهم المنحرف تجاه ولاة الأمور، وأنها قادرة على نَقْض ما أبرموه من شبهات، وكَشْف ما هم عليه من مخالفات؛ فما كان من هذه الطائفة إلا أن زادوا الناس ثقةً في هذا الانحراف، فعظُمَتْ عند ذاك البلية: فتحزب أناس إلى هؤلاء، وآخرون إلى أولئك، وفُرِّخَتْ شبهات أشد وأنكى من الشبهات الأولى – مع ضعفِ قدرة أهل التشهير والتجديع هؤلاء – عن نقض هذه الشبهات، ودحض هذه الافتراءات بطريقة علمية مقبولة عند أهل الاعتدال، فضلاً عن الخصوم!!

إن هذا كله وغيره يزيدنا بصيرةً بأن الباطل بجميع صوره لا يندحر – اندحاراً تاماً – إلا بحجج أهل العلم والحلم والفهم، لا أهل الغلو والشطط، ولا أهل الجفاء واللغط، والله أعلم.

7- ومن هذه الأسباب: إحداث عدد من القواعد والفتاوى في التكفير للمخالف، وهذه القواعد مصادمة للأدلة ولمنهج السلف، وذلك راجع إلى الجهل بأمور كثيرة، وقد سبق ذلك.

8 – ضعف الدور الذي قام به بعض العلماء والدعاة في التصدي لتفنيد شبهات حملة هذا الفكر من بدايته، اشتغالاً منهم بأمور علمية ودعوية أخرى، وهي- في نظرهم- أهم وآكد، هذا أمر، وأمر آخر: أنهم ربما رأوا أن غيرهم قد قام بما يكفي في ذلك، ولعل حقيقة ما عليه الشباب – من إسراف وعنف- لم تبلغ هؤلاء العلماء بدقة، فاكتفوا بنصائح جماعة من العلماء، وإن كانت متفرقة في عدة مواضع، وآثروا الاشتغال بما هو أنفع- في نظرهم- مما أدى إلى استفحال هذا الخطر، وانتشار هذا الشرر؛ لتأخّر الكلمة المفصَّلة الصريحة التي تدل على مآل هذا الفكر، كما قال ابن مسعود لجماعة رآهم في مسجد الكوفة، قد تحلّقوا حلقاً، وفي كل حلقة رجل، يقول: سبِّحوا مائة، كبرّوا مائة…. الخ، فقال لهم ابن مسعود – رضي الله عنه – ويْحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم….إلى أن قال:” فإما أنكم على ملة أهدى من ملة محمد، وإما أنكم مفتتحوا باب ضلالة….” ثم حدثهم بحديث ورد في ذم الخوارج، ثم قال:” والله ما أراكم إلا منهم” فكانوا قتلى يوم النهروان، أخرجه الدارمي بسند حسن، والله المستعان.

[ص-75] هكذا فلْتكن مباغتة الباطل في وكره، قبل أن يشتد عوده، ويقْوى ساقُه، ولا بأس بمراعاة العبارة الحسنة، التي ينفع الله بها، وتبرأ بها الذمة، لكن ذلك لا يُسوِّغ عدم إظهار حقيقة الداء وما يؤول إليه، وإذا كانت الشريعة تقضي بسد الذرائع، وذلك بترك المباح المفضي إلى مفسدة، فكيف بما هو شرٌّ في أوله وآخره؟!!.

هذا، وإن كان من العلماء الأفاضل من قد أفتى وحذَّر في عدة مواضع بما يدل على بطلان هذا الفكر؛ إلا أن ذلك لم يكن بالقدر المكافئ لسيل الشبهات الجارفة، وحجم الرسائل والكتب والنشرات التي تدافع عن هذا الفكر، واستُعملت لذلك عدة وسائل لنشر هذه المادة، الأمر الذي أفضى إلى ما نحن فيه اليوم، فالدواء إن لم يكن بالقدر المقاوم للداء؛ ذهب أثره، واستفحل البلاء، وظن أتباع هذا الفكر أن العلماء عاجزون عن رد أدلة قادتهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

9- ومن الإنصاف أن يقال: إن من هذه الأسباب أيضاً: المعاملة القاسية، والقمع العشوائي من الأجهزة الأمنية المختصة – في كثير من البلدان- لمن له صلة بالدعوة إلى الله تعالى ولو من بعيد-، سواء كان المرء بعيداً عن هذا الفكر أم لا، بل ربما ابتُلِيَ البريء – في بعض البلدان- بلاء أشد وأنكى من دعاة هذه الأفكار، وذلك بسبب المعلومات المضلِّلة، والبعيدة عن الحقيقة، التي تبلغهم من خلال رجل جاهل، أو ماكر متحامل!! فيولِّد ذلك القمعُ الغلوَّ عند من كان معتدلاً قبل ذلك، ويزيد الغلو غلواً، ولا يفتح له باب معرفة الحق – وأكثرهم شباب مُغَرَّرٌ بهم – فإن كثيراً من الشباب لو عرف الحق؛ لانبرى للدفاع عنه، والرد على خصومه – إن شاء الله تعالى – لكن هذا الأسلوب القمعي العشوائي؛ لم يأت بالثمرة المرجوة، بل قد غرس في النفوس روح الانتقام، ومقابلة البغي بما هو أشد منه، وتربية كثير من الشباب على هذا الفكر المنحرف، وانظر حال الذين خرجوا من السجون، فإن حالهم شاهد كبير على ذلك، إلا من رحم الله!!

واعلم بأن التحذير من هذا الأسلوب؛ لا يلزم منه التحذير من الحزم أو الحسم، والوقوف بقوة أمام الفتن وأهلها، إلا أن ذلك كله مقيد بشريعة الله عز وجل، لا بالأهواء والتشهي، والله المستعان.

10- وجود الاستعجال، والتعصب، والحدَّة في التعامل، وشعور الشباب بأنهم بذلك قائمون بما أوجب الله – بخلاف الآخرين المفرِّطين في نظرهم- وهذا يجعل الشاب يجنح إلى المواجهة الدموية فما دونها!!

11 – ومن ذلك: التعبئة الحماسية الثورية الخاطئة للشباب – مِنْ قِبَل دعاة هذه الأفكار، والمنظِّرين لها- فإن بعض دعاة هذا الفكر، لما وجدوا حُبَّ الشباب للدين، ورأوا غيرتهم على محارم الله، ورغبتهم في الجنة، وما قَرّب إليها من قول أو عمل؛ ذكروا لهم الأحاديث الواردة في فضل الجهاد بالسيف، وفضل الشهادة في سبيل الله- وهذا في ذاته حسن- فإن الجهاد ذروة سنام هذا الدين، وهو ماضٍ إلى يوم القيامة – حسب الاستطاعة- إلا أن الخطأ دخل عليهم عند ما أقنعوا الشباب بأن الحكام وأعوانهم في بلاد المسلمين هم أول من يستحقون الجهاد، وأنزلوا فيهم قول الله عز وجل: ( قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً )(سورة التوبة الآية 123) !!! بل بعضهم يشير إلى أن العلماء الكبار هم حجر العثرة أمام إقامة الدين، ومنهم من كفَّر هؤلاء الكبار!! ولذلك فلا يُستبعد أن يتقرب أحد من هؤلاء الشباب [ص-76] إلى الله تعالى بمحاولة الاعتداء على بعض العلماء، فيحاول أن يقتل العالـمَ لوجه الله عز وجل!!! وقد سمعنا بمن حمل المتفجرات إلى المساجد في اليمن، فمنها ما كان سبباً لقتل وجرح بعض المصلين بعد صلاة الجمعة، ومنها ما انفجر في حامله قبل دخوله المسجد في مدينة عدن، أثناء محاضرة لأحد العلماء، والمسجد مليء بالناس، بل وقد غصّ المكان بالمسلمين حول المسجد وفوقه!!!

واليمن فيه من المشاكل القبلية ما يكفيه وزيادة، ويحتاج إلى أن يقوم الدعاة وطلاب العلم بدورهم في رأب الصدع، لا أن يزيدوا الطين بلّة، وأن يُشعلوا نار الفتنة باسم الدين في اليمن، فيفسدوا حال الراعي والرعية، ويجروا الأعداء على بلادهم من كل حدب وصَوْب!!

إن هذه التعبئة الخاطئة هي التي انطلق منها الخوارج والمعتزلة والروافض وكلّ مَنْ شَهَر السيف على الأمة!!

فهذا عبد الرحمن بن ملجم قد قتل علياً – رضي الله عنه – المبَشَّر بالجنة، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأبا سِبْطَيْه، وهو يظن أنه على هدى، حتى مدحه عمران بن حطان بقوله: يا ضربة مِنْ تقيٍّ ما أراد بـهـا إلا ليبلغ من ذي العرس رضوانا إنـي لأذكره يومـاً فأحسـبه أوفى البـرية عند الله ميـزاناً!!! مما جعل من يرد عليه فيقول: يا ضربة من شقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرس خسرانا إنـي لأذكره يومـاً فـألعنه وألعن الكلب عمران بن حطانا

فهل ذهب أحمد هذا المذهب، وشحن أذهان المسلمين بهذه الأحاديث، زمن القول بخلق القرآن؟ أم أنه قد حذّر من ذلك، كما سبق؟!!

وهل ذهب ابن تيمية هذا المذهب، زمن تَسَلُّط الجهمية المعطلة، والباطنية الزنادقة على كثير من بلاد المسلمين؟!! وأهمل قاعدة: التكليف على قدر الاستطاعة، وقاعدة مراعاة المصالح والمفاسد؟!!

هذا كله لو سلمنا بكفر الحكام جميعاً -بدون تفصيل ولا استثناء- فلا يلزم من ذلك إشعال الفتن، فأين نحن من منهج السلف؟!!

إنني أُهيب بشباب أمتنا أن يسلكوا هذا المسلك، وأطالبهم بالانضمام إلى قافلة السلف، قافلة الحكمة والتؤدة، قافلة العلم والحلم، وهذا الذي علينا، ومن أدى ما عليه؛ برئت ذمته، ورحمة الله قريب من المحسنين.

إن مكانة الجهاد في الدين لا ينكرها إلا جاهل، أو خبيث ماكر، لكن الجهاد له شروط وضوابط معروفة عند أهل العلم، ولا يكون ذلك إلا بالرجوع لكبار علماء الأمة، علماء السنة والهدَى، ويكون ذلك وراء إمام مسلم – وإن كان جائراً – لا أن ينطلق رجل بمجموعة، وآخر بأخرى، وإن أدى ذلك إلى زيادة الشر والوهن!!

[ص-77] واعلم أنه لا تُقْبل هذه الفتاوى من الجماعات الحزبية، التي لا تنظر للأمور إلا من خلال النظرات الحزبية الضيقة التي رُسمت لها، ولا تبالي بنص ولا قاعدة إذا خالفت مصلحة الحزب- في نظرهم – كما لا تُقبل من غير أهل الاجتهاد والاستنباط والمعرفة بالنازلة!!!

ولو لم يكن إلا ما ذكرته من الأدلة؛ لكفاك – أيها الباحث عن الحق- في إبطال هذا الفكر، والحذر منه، لأنه لا يقربك إلى الجنة!! فكيف وآثار ما يسمونه بـ” الجهاد” – اليوم- في عددٍ من بلاد الإسلام: شر وفتنة وفساد – مع إخلاص كثير من حملة هذا الفكر، إلا أن هذا وحده لا يكفي، فقد كان الخوارج عُباداً زُهَّاداْ مع ضلالهم-؟!!

ولا بد أن تدرك – أخي الكريم – أن هناك فرقاً بين الإخلاص وصلاح النية، وبين الموافقة للحق في القول والعمل، فليس كل من يتمنى الخير يدركه، والتوفيق بيد الله عز وجل، وقد ذكر الله بعض الكفار بقوله: ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا *الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا )(سورة الكهف الآية 103-104) وقال سبحانه: ( فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ)(سورة الأعراف الآية 30) وقال عز وجل: ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً)(سورة الغاشية الآية 2-4) فنسأله سبحانه أن يرزقنا جميعاً الهدى والسداد.

– وهناك سبب خفي لا يدركه كثير من الناس، وهذا السبب يرجع إلى التربية الخاطئة من الوالدين، أو ممن يعول الأسرة: وذلك بأن يجلس الأب أو الأخ الأكبر فيبالغ في مدح الذين يقومون بعمليات التفجير، ناظراً إلى كثير منهم من جهة الإخلاص والعبادة، وكذا من جهة الغيرة على كرامة هذه الأمة، أو الجرأة والشجاعة!! دون النظر إلى مخالفة هذا الفكر لمنهج أهل السنة والجماعة، ودون النظر إلى آثار هذا الفكر في الحال والمآل على هذه الأمة التي أصابها ما أصابها من البلاء، ودون المبالاة بنصائح أهل العلم سلفاً وخلفاً، بل دون المبالاة بالهدي النبوي في تعمد إخفاء الكلام المفضي إلى التهييج على ولاة الأمور، وإثارة الفتن في بلاد الإسلام!!

فيجلس عائل الأسرة مثيراً لهذه الأمور- على وجه الإعجاب بالشباب- أمام أسرته، فيُعجب الصغار بذلك، ويروْن أن هذا الفكر هو الإسلام الصحيح، وشيئاً فشيئاً يُبغضون منهج العلماء الكبار، ومن ثم يُبغضون العلماء الراسخين في العلم – الداعين إلى الحكمة والصبر على الفجائع لا لشيء إلا لدرء ما هو أفجع- ويتهمونهم بالجبن والضعف، وعدم الصدع بالحق رغبةً في المتاع العاجل!!

ثم يأتي من ينمي هذا الفكر عند هؤلاء الصغار، ويوجههم إلى الغلو عبر أشرطة الفيديو وغيرها، ومعلوم أن الفكر يتطور، وليس له حد يقف عنده، إلا أن يشاء الله تعالى.

ثم بعد ذلك يتعجب الأب أو عائل الأسرة قائلاً: كيف وصل ابني أو أخي إلى هذا الحد؟!!

ولم يدرِ أنه كان سبباً في ذلك يوماً من الأيام، والله المستعان!!

13 – ومن ذلك أيضاً: تأثير المدرس والصديق والجار وغير ذلك في توجه الشاب، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

[ص-78] ( تنبيه ) : بعض الذين يغوصون في بحر هذه المشكلة، ليتعرفوا على أسبابها ودوافعها؛ يدَّعون أنهم قد سَبَروا غَوْر المشكلة، وألمُّوا بجميع جوانبها!! فيقولون: أسباب التفجيرات: البطالة، والاحتقان الفكري، والعُقَد النفسية عند الشباب، والفقر، والفشل في الدراسة، وغير ذلك من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والسلوكية…. الخ!!!

وعندي: أن هذه الأسباب ليست عمدة في الباب – وإن كان هناك من يستغل هذه الأسباب للإثارة والتهييج!!- ولو سُلِّم بها في حق شخص ما؛ فهي غير مطردة في القائمين بذلك، فمن القائمين بذلك أناس عاشوا أرغد العيش وأفخره، وحصلوا على الدرجات العلمية العالية، ويشغلون وظائف رفيعة في المجتمع.

فهذه أسباب – إن وجدت عند البعض – فلا نسلم بأنها أصل المشكلة، ولو كانت – حقاً – في أساس المشكلة؛ لعم ذلك في العالم كله، أو جُلِّه، فإن البطالة في أكثر بلاد العالم، بل هناك بلدان تجتاحها المجاعات، مع العلم بأن بعض هذه البلاد التي جرى فيها هذا البلاء، تعيش عيشاً رغيداً – في الجملة -، كما في المملكة العربية السعودية – حرسها الله وجميع بلاد المسلمين من الفتن – نعم قد يذكر هذه الأمور من يريد استيعاب الأسباب الرئيسة وما دونها، وما له أثر ولو من وجه خفي، أما أن يلهج بذلك الناس، ويغفلوا عن الأسباب الرئيسة – وهي المذكورة سابقاً – فهذه غفلة أو تغافل وراءه ما وراءه!!!

ومسألة عدم الحرية للتعبير عن الرأي: إنما يُتصور ذلك في بلد ليس فيه علماء، وليس هناك إلا الحديد والنار!!!أما وبيوت العلماء- في بعض البلدان- مفتوحة ليل نهار، ومكاتبهم غاصة بالناس، ومجالسهم يحضرها القاصي والداني، ومن هؤلاء المنفِّذين أو المنظِّرين لهذه التفجيرات من يستطيع أن يدخل عليهم الليل والنهار، ويناقشهم في النقير والقطمير، فأين الاحتقان الفكري، وأين الكبت في مناقشة هذه الأمور، وأين تكميم الأفواه في التعبير عن الرأي؟!! أضف إلى ذلك وجود مواقع” الإنترنت” والفضائيات، والكتب التي يشارك فيها الكثير بأسماء مستعارة، وغير ذلك مما هو متاح لمن يعدون الاحتقان الفكري سبب هذه الفتنة!!

إن هذا الحال الذي نعاني منه ناشئ عن إعراض الكثير عما عند العلماء من خير وحكمة، والسبب في هذا الاستغناء عنهم: تلكم التعبئة الخاطئة، التي أسقطت هيبة ومكانة هؤلاء العلماء عند كثير من الأتباع!! ثم نسمع من يقول: إن السبب في هذا الشغب: الكبت الفكري، وتكميم الأفواه، وعدم الحرية في التعبير!!!

وكأن الانفتاح في التعبير عن الرأي لا يكون- عند البعض- إلا بترك الحبل على الغارب لسب الحكام، وذِكر مثالبهم، واستخدام المساجد في إشعال نار الفتنة بين الراعي والرعية؟!! فإن حيل بينهم وبين ذلك؛ صاحوا قائلين: هذه الحيلولة ستؤدي إلى الانفجار؟!!

فيا أيها القوم، أهذه سياسة شرعية، أم سياسة شرقية وغربية؟!! أهذه طريقة أحمد مع الواثق والمعتصم اللَّذَيْن أشعلا فتنة القول بخلق القرآن بسيف الدولة وسياط الحُكم؟!! أهذه طريقة ابن تيمية مع بعض حكام زمانه الذين ما بقي [ص-79] لكثير منهم إلا التمسك باسم الإسلام؟!! أهذه طريقة علماء السنة زمن الدولة البويهية، والعبيدية، وغيرهما، وقد شاع فيهم من النفاق والزندقة والعقائد الكفرية ما الله به عليم؟!!

إننا ندعي أننا دعاة للشريعة في صفائها وطُهرها ونقائها، والحق أن كثيراً منا ينطلق مما عليه أعداؤنا، ويُفكر بتفكيرهم في هذا الموضع، وينبذ الكتاب وراءه ظهرياً من الناحية العملية في كثير من الأمور، وصدق من قال:

أما الخيام فإنها كخيامهم…. وأرى نساء الحي غير نسائها!!!

( تنبيه ) : لا يلزم مما ذكرته أنه لا يوجد كبْتٌ وقلب للحقائق في كثير من البلدان- على مراتب متفاوتة- لكن إطلاق ذلك وتعميمه- لا يخلو من مجازفة فيما يظهر لي- وكذا محاولة علاج ذلك بأساليب الشرق والغرب- ونحن دعاة دين يُمثل منهجاًَ للحياة- يدل على تأثر الكثير بالغزو الفكري، ولا حول ولا وقوة إلا بالله.

( خاتمة ) أسباب هذه الفتنة أمور كثيرة، منها:

1- أسباب تتعلق بالجهل : سواء كان جهلاً بكتاب الله، أو بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بقواعد أهل العلم وكلامهم في مسألة التكفير، والجهل بضابط ذلك، أو كان جهلاً بمقاصد الشريعة وكلياتها، أو كان جهلاً بمنهج السلف في التعامل مع الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله عز وجل، أو جهلاً بمنهج السلف في تغيير المنكرات، وما تؤول إليه الأمور.

2 – أسباب تتعلق بموقف هؤلاء الشباب من كبار أهل العلم المخالفين لهم، وذلك بالطعن فيهم، فتسقط بذلك هيبتهم، ولا يُوثَق بقولهم!! ولذا اتخذوا لأنفسهم مرجعيات غير موثوق بها عند عموم الأمة قبل هذه النوازل!!

3 – أسباب تتعلق بأمور داخلية وخارجية: فمن ذلك الإعراض عن الحكم بشريعة الله، أو إهمال ذلك، أو البطش بمن طالب بذلك – وإن أخطأ في الأسلوب- ومن ذلك التحديات السافرة من بعض المسئولين أو الإعلاميين، وكذا المواقف الساخرة من ثوابت دينية، كما يقع من بعض الصحفيين والفنانين، وكل هذا، يُقابل بغلو من هؤلاء الشباب، ولو عالجوا ذلك بهدْي السلف؛ لكان خيراً لهم وأقوم.

والواجب على ولاة الأمور: ردْع كل من ينال من الإسلام وأحكامه، وزجْر كل من يطعن في علماء السنة، فإن الله عز وجل قد أوجب عليهم ذلك.

ومن الأسباب الدولية: احتلال بعض بلاد المسلمين، والضغط على البعض الآخر، وما يلاقيه أهل البلاد المحتلة وغيرها من ذل وهوان، كل ذلك يُقابل بالعنف من الشباب، وهذا من رد الخطأ بخطأ، والله المستعان.

ومن ذلك الضغوطات العالمية على المسلمين في بلادهم، أو احتلال بعض بلدانهم، فإن ذلك يولٍّد طرقاً كثيرة في دفع هذه الضغوط، وقد لا تنضبط بعضها بالضوابط الشرعية، ومن ذلك ما نحن بصدده من تفجيرات واغتيالات في بلدان كثيرة، والله أعلم.

4 – [ص-80] ومن ذلك أسباب تتعلق بغياب أو ضعف دور بعض العلماء، لا سيما عند بداية الانحراف، وذلك لاشتغالهم بما هو أهم- في نظرهم-.

5- وأسباب تتعلق بشخصية بعض الشباب: كالاستعجال، والغضب، والجفاء في الطبع، والتعصب لشيخ، أو أمير حزب، أو قائد، ونحو ذلك.

6- التعبئة الخاطئة للشباب، ووضع أحاديث فضل الجهاد والشهادة في غير موضعها!!

وعلى كل حال: ففي كتاب” مشكلة الغلو” ترتيب جيد لهذه الأسباب وغيرها، فيُرجع إليه، وجزى الله مؤلفه خيراً.

{ الفصل الخامس}

( في كيفية علاج فتنة التفجيرات والاغتيالات )

لا شك أن لكل داء دواءً، فإذا وافق الدواء الداءَ؛ برئ بإذن الله، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، .

ومشكلة التفحيرات داء خطير، وضرره مُبير، فحريٌّ بأهل العلم، والغيرة على الدين وتماسك هذه الأمة، والحرص على سلامتها من المحن والفتن؛ أن يُعِيروا هذه المشكلة حقها من النظر والدراسة، لعلاجها علاجاً صحيحاً، لأنهم هم الجهة المأمونة الموثوق بها في العلاج، وقد قال الإمام ابن القيم – رحمه الله -: والجهل داءٌ قاتل وشفاؤه أمران في التركيب متفقان نص من القرآن أو من سنة وطبيب ذاك العالم الرباني ولأن علاج العلماء ينطلق من باب العلم بالحق، والرحمة بالخلق، وأما غيرهم من غير المسلمين، أو من الإعلاميين والعلمانيين ونحوهم؛ فإن كثيراً منهم ينطلق من مقاصد أخرى، وإن كان هناك من المسلمين مَنْ نيته حسنة في العلاج؛ إلا أن نظرته على قدر تصوره، وهذه مسائل لا تُعَالَج إلا بالشرع، والعلماء هم حملة هذا اللواء، فأسأل الله أن يحفظ علماءنا من بين أيديهم، ومن خلفهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم، وأن يقيهم مصارع السوء والهلكة.

ومعلوم أن العلاج لأي مشكلة يكون بتجنب أسبابها، وقد سبق ذكر هذه الأسباب، وهنا محل ذكر العلاج ـ إن شاء الله تعالى ـ فمن ذلك:

1 – تلقي العلوم عن المشايخ المأمونين، والصِّدْق في هذا التلقي، لا أن ينتسب المرء إلى شيخ معروف بالعلم والحلم، فيأخذ عنه بعض العلوم، ويأخذ المسائل العامة والمصيرية من الخطباء والشعراء والمتحمسين، سواء كانوا أصحاب تكتلات سرية، أو حزبيات طائفية!!ثم يجعل ما أخذه عن هذا الشيخ سبيلاً يُموِّه به على من لا يُحسن معرفة الأمور، ويَدَّعي أنه تلميذ فلان، وأنه درس عند فلان عدة سنوات، وكان من المقربين إليه، ومِنْ ثَمَّ يُنَفِّق طيش وحماسة الحدثاء، تحت ستار وعباءة الراسخين من العلماء!!

2 – الاهتمام بمعرفة مقاصد الشريعة وروحها، وقواعدها العامة وكُلياتها، وسلوك منهج أهل العلم في معرفة تحقيق المناط، وإيقاع الأحكام العامة على الفروع والجزئيات، وحُسْن معرفة المصالح والمفاسد ـ بميزان الشريعة لا بنظرة الحزبيات ـ ويراعى ذلك بتجرد، وإن رأى أن العلماء على خلاف قوله – في هذه المسائل العظام- فليترك قوله [ص-82] لقولهم، لأن هذه مسائل اجتهادية، وليس فيها ـ بعينها ـ نص صريح لا تجوز مخالفته، وتقليد منضبط – في هذا الموضع – خير من اجتهاد أهوج، يجرّ على الناس فتناً لا آخر لها، إلا أن يشاء الله تعالى.

3 – الإشادة بجهود العلماء، ونَشْر مناقبهم، وذِكْر محاسنهم، وبيان فضل اتباع أهل العلم في الحق، وذكر المصاعب التي يتعرض لها العلماء، والتماس العذر لهم فيما كان من هذا السبيل، حتى تجتمع القلوب عليهم، فإن في اجتماع القلوب عليهم صلاح الدنيا والآخرة، ولأن نجتمع على علمائنا في مثل هذه المسائل – وإن حصل خطأ ما – خير من الافتراق عليهم، وخير من التنازع المفضي للفشل والخزي وسقوط هيبتهم.

4 – نَشْر مذهب السلف في كيفية التعامل مع المنكرات الظاهرة في كثير من المجتمعات- ومنها الحكم بغير ما أنزل الله- فإن مذهب السلف يجمع بين النصيحة الصادقة، وعدم فتح باب الفتنة، وتعطيل الشر أو تقليله، ولو بنسبة يسيرة، إذا لم يمكن دفع الشر كله، ويقوم أيضاً على الصبر على الظلم، مع الاشتغال بالدعوة الهادئة، أما مذهب الغيورين بدون بصيرة في هذا الباب؛ فهو كمن أراد أن يُطِبَّ زكاماً؛ فأحدث جذاماً!!! وقد سبق في فصل أسباب التفجيرات تفصيل لذلك، فيُرجع إليه للفائدة، والله أعلم.

5 – ومن الدواء النافع والذي لابد منه في هذا الباب: قيام ولاة الأمور بما أوجبه الله عليهم من الحكم بما أنزل الله عز وجل، في كل صغيرة وكبيرة، في الظاهر والباطن، في الأقوال والأفعال، والعقائد والنيات، والابتعاد عن كل ما حرم الله، والسير في رعيتهم بما أمرهم الله به، فإن لهم حقوقاً وعليهم واجبات، فإن فعلوا؛ فسيجعل الله لهم من كل ضيق فرجاً، ومن كل هَمٍّ مخرجا، وسيكفيهم الله شر الفتن الظاهرة والباطنة، ويدحر عدوهم في الداخل والخارج، وقد وعد الله من حَكَّم شرع الله – يريد بذلك مرضاة الله – بخير الدنيا والآخرة، فقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(سورة الأعراف الآية 96 ) وقال تعالى: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ )(سورة المائدة الآية 65-66) وقال تعالى:(وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا)( سورة النساء الآية 66 -68) .

فيجب على ولاة الأمور أن يتوكَّلوا على الله عز وجل، وأن تَقْوَى علاقتهم بالله سبحانه، وثقتهم به عز وجل، ويعلموا أن هذا أساس النصر والأمن ومبدؤهما، ولا يجوز بحال أن تُعَتِّم الأحوال المعاصرة على هذه الحقيقة الظاهرة، فإذا صَفَت البصيرة، وقَوِيت العزيمة؛ كان نصر الله وتأييده ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)(سورة يوسف الآية 21) .

ويجب على ولاة أمور المسلمين في كل مكان أن يعرفوا قدر علماء السنة – المتبعين لمنهج السلف الصالح- وأن يأخذوا بنصائحهم؛ فإنهم الدعاة الذين يَدْعون إلى الإسلام بشموله وصفائه، ولأنهم الذين يدركون المصالح والمفاسد – بميزان شرعي – ولأنهم الذين يحاربون الفتن، ويحافظون على أمن البلاد، ويدركون أن الحفاظ على ما بقي من [ص-83] الخير؛ أصل عظيم في دعوتهم – وإن كانت المجتمعات لا تسير على الجادة – فإنهم لا يعالجون الخطأ بما هو أشد منه، ويحاربون التهييج والعنف، وإثارة الفتن، ويدعون إلى الله بقدر استطاعتهم دون غلو أو جفاء.

إن الاعتداء على هؤلاء العلماء وطلابهم وأتباعهم؛ سعي في إطفاء نور الله، ولكن هيهات هيهات!!

ولْيَعْلم الحكام: أن هؤلاء العلماء قد دخلوا التاريخ من أوسع أبوابه، وأن التاريخ سيحكى للأجيال القادمة من الذي أحْسَنَ إلى هؤلاء العلماء، ومن الذي أساء إليهم، وليختر كل امرئ لنفسه ما شاء؛ فإن الله عز وجل يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين، والله المستعان.

وعلى ولاة الأمور أن يشكروا نعمة الله، فيلزموا غرز أمراء المسلمين الذين اعتزوا بدينهم، وقبلوا نصح علمائهم، وقد وعظ ابن الجوزي في سنة 574هـ بحضور الخليفة المستضيئ بأمر الله، فكان مما قال:” يا أمير المؤمنين، كن لله سبحانه – مع حاجتك إليه-، كما كان لك – مع غناه عنك-، إنه لم يجعل أحداً فوقك، فلا ترضَ أن يكون أحد أشكر له منك”فتصدق أمير المؤمنين بصدقات، وأطلق محبوسين.

وقال مرة له:” يا أمير المؤمنين، لأن تصحب من يُخَوِّفك، حتى تدرك الأمن؛ خير لك من أن تصحب من يُؤَمِّنك، حتى تدرك الخوف……” وقال له أيضاً:” يا أمير المؤمنين، إن تكلمتُ خِفْتُ منك، وإن سكتُّ خِفْتُ عليك، وأنا أقدم خوفي عليك على خوفي منك”، وقال بعضهم:” رُبَّ هالك بالثناء عليه، ومغرورٍ بالستر عليه، ومُسْتَدْرَج بالإحسان إليه…..” اهـ .

6 – ومن طرق العلاج: الاهتمام بدراسة قصص الأنبياء- عليهم السلام- والدعاةِ إلى الله في كل عصر، لمعرفة سنة الله الكونية في التمكين، وأن تغيير المنكرات يحتاج إلى نَفَسٍ طويل، وصَبْرٍ جميل، وأن الاستعجال والتعصب والغضب والحدة كل ذلك ليس من عمل المصلحين، ومن فوائد دراسة ما ثبت من السيرة والتاريخ: إدراك عاقبة الحماس الطائش، وثمرة الصبر والدعاء والاشتغال بالدعوة إلى الله تعالى.

7 – محاربة الغلو بجميع صوره، ويُسلك في ذلك أولاً: طريق النصح والمناقشات العلمية الهادئة، التي تكسوها الشفقة والرحمة بالمخالف المحب للحق – وإن ضل السبيل- وإلا فالردود العلمية بدون تجاوز أو تقصير، وإلا فتحذير الأمة من الغلو ومن سلك مسلك الغلاة بأعيانهم – إن تعين ذلك- ولا يُعَرَّج على أسلوب ضرب طائفة غالية بأخرى مقابلة لها، لأن ذلك كله يبذر بذور غلو آخر- عند الطائفتين المتنافرتين وغيرهما- قد يظن حملته بأن من سبقهم من الأولين لم يستطيعوا أن يحققوا المراد لقصور فيهم أو في خطتهم، بخلاف ما عليه المتأخرون منهم!! وهكذا تبقى بلاد المسلمين ساحة للفتن، باسم ضَرْب جماعة ضالة بأخرى مثلها، أو باسم القدرة على تحقيق ما عجز عنه الأوائل!!وعلى كل حال: فليس هذا أسلوب العلماء الربانيين، والله أعلم.

8 – [ص-84] الرجوع إلى المرجعية الصحيحة في بابها، فكل باب له مرجع: فالفتوى- لا سيما في النوازل- عند أهل الاجتهاد والإدراك، والخصومات عند القضاة والحكام، ومسائل الطب عند المتخصصين فيه، وكذا مسائل الاقتصاد والاجتماع والسياسة، وخطط الجيوش عند القادة العسكريين،….. الخ، وإن كان العلماء لا يُستغنى عنهم في ذلك كله- لبيان الحكم الشرعي في كل ذلك- لكن ذلك بضميمة المتخصصين والخبراء في كل فن.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله؛ فانتظر الساعة .

فلا يَطْغَى أمر على أمر، ولا يُهْدَر أمر لأمر، والتخصص له أصل في الشريعة، فيُرجع لأهل الاختصاص في تخصصهم بما لا يُخالف الشرع، وأهل الاختصاص فيما نحن فيه هنا: هم الأئمة المجتهدون، وإذا غفل بعضهم عن شيء؛ نبّهَه الآخرون، وإذا فاته شيء؛ استدركه الآخرون، وقد رأينا اجتماع الكلمة سلفاً وخلفاً على أن الخروج على الحكام، ومنابذتهم بالسيف فتنة في الدين والدنيا، فهذا أصل أصيل، لا يجوز فيه التحريف والتبديل، أو التأويل والتعطيل!!

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – كما في” مجموع الفتاوى” ( 28\279 ) :”….. كان من العلم والعدل المأمور به: الصبر على ظلم الأئمة وجورهم، كما هو من أصول أهل السنة والجماعة….” اهـ، فعَدّ ذلك أصلاً من أصول السنة، وقد سبق قول البخاري وغيره في اجتماع علماء الأمصار على ذلك.

9 – معاملة ولاة الأمور لمن انحرف عن الجادة في الفهم من الشباب معاملة شرعية، تكون عوناً لهم على العودة الصحيحة، فكثير منهم يظن أنه يحسن صنعاً!!!

ويكون ذلك بفتح باب المناظرات العلمية المتجردة المنصفة، فإن الحجة لا تدحضها إلا حجة أقوى منها، ولنا في موقف ابن عباس – رضي الله عنهما – في مناظرة الخوارج عِبرة وعِظة، فقد رجع عدد كبير منهم، وكذا لنا في موقف جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما، وقد رواه مسلم- مع يزيد بن عبد الله الفقير في جماعة قد عزموا على الخروج بعد أدائهم فريضة الحج، فهداهم الله تعالى بذلك، لنا في ذلك كله قدوة وأسوة، فقد دفع الله بهذه المناظرات وغيرها شر كثير من أهل الأهواء، ولا يهلِك على الله – بعد إتيان البيت من بابه – إلا هالك، ولا يمنع هذا كله من إجراء الأحكام الشرعية على من اقترف جرماً – ولولي الأمر النظر في أي الأمور أصلح للإسلام وأهله وبلاده- مع التقيد بالشريعة السمحة في الأمر كله.

وأما مجاوزة الحد الشرعي في عقوبتهم أو التحقيق معهم؛ فإنها تولِّد ما لا يُحمد، والشرع يأمر بالعدل، وغير العدل لا يأتي بخير، ويستعين الحكام بالله عز وجل في ذلك، ثم بعلماء أهل السنة والجماعة، حتى يبينوا لهم الحكم الشرعي في كل ما يحتاجونه، فإن فعلوا ذلك؛ فقد وُفِّقوا إلى خير كثير، ونسأل الله أن يعينهم على ذلك.

10 – [ص-85] نهوض العلماء والمربين بدورهم في العلاج والتوجيه والتربية، لأن العلماء إذا ماتوا أو غابوا عن الساحة لأي سبب من الأسباب؛ رجع الناس إلى رؤوس جهال، كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه، إنما يقبض العلم بنـزع العلماء، حتى إذا لم يَبْقَ عالم؛ اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم؛ فَضَلُّوا وأضلوا وقد سبق قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة فلا يخفى على العلماء – حفظهم الله- أهمية المبادرة للعلاج قبل استفحال الخطر.

11 – مراعاة التربية الصحيحة في الأسرة والمدرسة، واختيار الصديق الصالح للأبناء، والحذر من الانجرار وراء العواطف المخالفة لنصائح أهل العلم، والتحدث بذلك أمام الصغار.

12 – نشر مذهب السلف في علاج الفكر المفضي إلى التكفير والتفجير في جميع مراحله الثلاث، التي سبق الكلام عنها في الفصل السابق.

فإذا أردنا علاج هذا السبب، فلا نعالجه من نهايته، ونقتصر بمعالجة المرحلة الأخيرة فقط، بل علينا أن نعالجه في جميع مراحله، ويكون العلاج كالتالي – إن شاء الله تعالى -:

أولاً: يقوم العلماء وطلاب العلم – على اختلاف بلدانهم وقدراتهم – بنشر مذهب أهل السنة والجماعة في كيفية التعامل مع الحكام الذين لا يعدلون في رعيتهم، أو يحكمون بغير ما أنزل الله، والتحذير من التهييج والإثارة، لأن ذلك يفضي إلى الخروج!! ووضع أحاديث فضل الجهاد والشهادة في موضعها الصحيح، الذي عليه علماؤنا سلفاً وخلفاً، وهذا علاج لمرض المرحلة الأولى.

ثانياً: يقومون أيضاً بجمع الأدلة وشبهات الطوائف الثلاث، ومناقشتها مناقشة علمية، تتسم بالعمق العلمي، والاستدلال النقلي والعقلي والواقعي والتاريخي، مع الإنصاف للمخالف، والاعتراف بالجزء الذي أصاب فيه، وإنما يُنكر عليه سوء تطبيقه لهذا الحق، بسلوكه هذه المسالك، وتلكم المهالك، وبيان أنه لم يُصبْ في نظرته في تقدير قدرة المسلمين وضعفهم، والمصالح والمفاسد المترتبة على ذلك، وهذا علاج للمرض الموجود في مرحلة التقعيد والتأصيل للتكفير، والنيل من العلماء الكبار.

ولا شك أن هناك جهوداً سابقة في هذا المضمار، لكن كثيراً منها مبعثر، فلو ضُمَّت هذه الجهود بعضها إلى البعض، أو جُمعت الأدلة والشبهات، وَوُزِّعت على عدد من المؤهلين لهذه الأبحاث العلمية، وجُمعت هذه الأبحاث، وَوُضِعت بين أيدي العلماء الكبار، فيُقبل منها ما كان قوياً، ويُرد أو يُصَوَّب ما كان فيه خلل، ثم صدرت بذلك عدة كتب ورسائل؛ فأرجو أن ينفع الله بذلك.

[ص-86] وأيضاً: فهذه النتائج العلمية تُنشر على أوسع نطاق، كُلٌّ على قدر طاقته واستطاعته، وتُدَرَّس هذه النتائج العلمية- بعد تنقيحها وترتيبها- لطلاب العلم الذين ينفعهم الله بذلك في المعاهد والجامعات -لمن استطاع ذلك- ليعم بها النفع، حتى لا نفاجأ بآخرين يَعُدُّون التائبين اليوم من هذه الأفكار جبناء ضعفاء!! فيقوم أولئك بعدة تجارب أخرى في دماء المسلمين وأموالهم وحرماتهم!! فيجعلون بذلك دماء المسلمين وحرماتهم وأمنهم وخيراتهم حقل تجارب، أو ميدان اختبار لأبحاثهم وقناعاتهم العلمية!!!

ثالثاً: تُذكر الأدلة على حرمة دم المسلم، وحرمة قتل الكافر المعاهَدِ أو المستأمن، وأن الأمان يثبت بإعطائه تأشيرة الدخول في بلاد المسلمين – أو ما يقوم مقامها- لأي غرض شرعي، أو مصلحة دنيوية يراها ولاة الأمور في كل بلد، وقد قال شيخ الإسلام في” بيان الدليل” ( ص64 ) :” جاءت السنة بأن كل ما فَهِمَ الكافر أنه أمان؛ كان أماناً، لئلا يكون مخدوعاً، وإن لم يُقْصَد خدعه” اهـ كما تُذكَر الأدلة الدالة على حرمة التفجيرات والاغتيالات، وينشر ذلك بقدر الاستطاعة بين المسلمين.

ومن هذه الأدلة – وقد سبق بعضها-:

1 – قول الله سبحانه:( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)( سورة النساء الآية 93) ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على حرمة قتل المسلم المعصوم، وقد سبق ذكر كثير منها في الفصل الثاني.

2 – وقوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر .

3 – وقوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض .

4 – وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه، فأخذه، ففزع، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لا يحل لمسلم أن يُروِّع مسلماً .

5 – وعن يزيد بن السائب أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لا يأخذ أحدكم عصا أخيه لاعباً أو جاداً، فمن أخذ عصا أخيه؛ فليردها له فإذا كان لا يجوز أن يُروَّعَ مسلم، ولا أن يُدْخَل عليه [ص-87] الحزن والفزع من أجل عصا أو حبل؛ فكيف يجوز قتل والدي الطفل، وتَرْكُه يبكي والديه، ولا مغيث له؟!! أو كيف يجوز قتل شاب في زهرة شبابه، وتَرْك أُمِّهِ ثكلى تبكيه؟!

فتأمل كيف أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينهى عن ترويع المؤمن، ولو كان فاعل ذلك هازلاً، فكيف بمن يُطيِّر أشلاء أخيه المسلم عدة أمتار في الهواء، أو يدفنه حيا تحت أنقاض العمارات؟!

6 – وقوله صلى الله عليه وسلم: لا يُشير أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري؛ لعل الشيطان ينـزغ في يديه، فيقع في حفرة من النار .

7 – ومن حديث جابر: أن رجلاً مر بسهام في المسجد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أمسك نصالها، كي لا يُؤْذي مسلماً، فيهلِك، قال الرجل مستجيباً له: نعم ، أخرجه البخاري برقم ( 7074 ) ومسلم برقم ( 6605 ) .

ومن حديث أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا مرَّ أحدكم في مسجدنا، أو في سوقنا، ومعه نبل؛ فليمسك على نصالها أو قال: فليقبض بكفه؛ أن يُصيب أحداً من المسلمين منها بشيء .

فتأمل كيف يسد الإسلام ذرائع الفتن، وما ذاك إلا لحرمة دماء المسلمين، ولما يترتب على إراقة الدماء من الشر المستطير، وهذا فيمن كان معه سهم، فكيف بأصحاب السيارات التي تحمل الأطنان من المتفجرات؛ فيبلغ أذاها عشرات الأميال؟!

8 – ومن حديث ابن عمر- رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من حمل علينا السلاح؛ فليس منا فكيف بالمتفجرات التي تجعل عالي الأحياء والعمارات سافلها؟!!

9 – ومن حديث ابن عباس عند الترمذي برقم ( 3029 ) أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة، ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دماً، فيقول: يا رب، سَلْ هذا فيما قتلني؟ حتى يُدْنيه من العرش .

10 – ومما يدل على عِظَم جُرْم من قتل مؤمناً؛ ما جاء في” صحيح مسلم” برقم ( 275 ) : أن جندب بن عبد الله البجلي قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثاً من المسلمين إلى قوم من المشركين، وإنهم [ص-88] التقوا، فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين؛ قصد له فقتله، وإن رجلاً من المسلمين قصد غفلته، قال: وكنا نتحدث أنه أسامة بن زيد، فلما رفع عليه السيف؛ قال: لا إله إلا الله، فقتله، فجاء البشير إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فسأل، فأخبره، حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع، فدعاه، فسأله، فقال: لم قتلته؟ قال: يا رسول الله، أوجع في المسلمين، وقتل فلاناً وفلاناً، وسمى له نفراً، وإني حملت عليه، فلما رأى السيف، قال: لا إله إلا الله!! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقتلته؟ قال: نعم، قال: فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟! قال: يا رسول الله، استغفر لي، قال: كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟! قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة وفي رواية عند البخاري برقم ( 4021 ) ومسلم برقم ( 274 ) : قال أسامة: فما زال يكررها عليَّ؛ حتى تمَنَّيْتُ أنني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم !!!

ومن ذلك ما جاء عند النسائي برقم ( 3987 ) والترمذي برقم ( 1395 ) من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم بغير حق .

وكذلك تُذْكر الأدلة على حرمة دم المعاهد بعهد أمان، وقد سبق ذكر بعضها في الفصل الثاني.

وكذا ذِكْر الأدلة الدالة على مراعاة المصالح والمفاسد، وكلام أهل العلم في ذلك.

وذِكْر الأدلة الدالة على فضيلة لزوم غرز أهل العلم الكبار من أهل السنة والجماعة.

وكذلك تُذكر الأدلة الدالة على أثر التوبة إلى الله تعالى من الذنوب في رفع البلاء. وكذلك تذكر الأدلة على فضل الدعاء، والابتهال إلى الله عز وجل بإصلاح الحال، وإزالة الشر والفتن، مع الصبر على الجور والظلم، فإن بعض الناس يظن أن التوبة إلى الله عز وجل والرجوع إليه، ودعاء الرب جل جلاله برفع الفتن؛ يظن أن هذا سلاح العجائز والضعفاء ومن لا قيمة لهم!! أما سلاح الأبطال – عندهم – فهي الأسلحة النارية، والتي توجه إلى صدور من يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله!! فيا للعجب من عقول هذا مقدار فهمها، ومن قلوب هذا مَبْلغ فقهها!!

أليس رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقنت هو وأصحابه – رهبان الليل فرسان النهار – في النوازل؟!!

أليس السلف الذين كسروا كسرى، وقصروا قيصر، هم الذين أمروا بذلك؟!!

بل أليس الله عز وجل يقول: سورة الطلاق الآية 2 وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا سورة الطلاق الآية 3 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ويقول سبحانه: سورة الطلاق الآية 4 وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ويقول سبحانه:( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ )( سورة آل عمران الآية 173-174) ويقول سبحانه:( يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ )( سورة النمل الآية 61) ، أليس الله تعالى يقول في حق الأنبياء عليهم السلام: ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ )(سورة الأنبياء الآية 90) ويقول سبحانه في حق يونس عليه السلام: ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)(سورة الأنبياء الآية 87-88) أليس الله تعالى يقول: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ *فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(سورة الأنعام الآية 42-43) ففي هذه الآية حث على التضرع والدعاء عند البأساء والضراء، وبنحو ذلك قوله تعالى:( وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ )( سورة المؤمنون الآية 76) .

أليس رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد استيقظ فَزِعاً، وهو يقول: سبحان الله، ماذا أنزل الله من خزائن، وماذا أنزل من الفتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات – يعني أمهات المؤمنين رضي الله عنهن – لكي يصلين؟ رُبَّ كاسية في الدنيا، عارية في الآخرة ؟ فهذا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفزع إلى الصلاة ساعة الفتن، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبَهُ أمرٌ؛ فزع إلى الصلاة، وعند أبي داود بسند حسن، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إن السعيد لمن جُنِّب الفتن، إن السعيد لمن جُنِّب الفتن، إن السعيد لمن جُنِّب الفتن، ولمن ابتُلي فصبر، فواهاً إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على عظيم نفع التوبة والدعاء والصبر، وهذا سلاح لم يستعمله كثير من المسلمين بحقه – فيما يظهر – فنسأل الله أن يرزقنا هدْي السلف ظاهراً وباطناً..

وإني لأخشى على الرجل أن يشعر في نفسه بالفخر والأنفة، فيعْدل عن منهج السلف، القائم على الصبر والتضرع إلى الله، ويرى أنه قادر – هو وحزبه – على تحقيق ما يريد بقوة ساعده، وكثرة جُنْده، ويرى أن الدعاء سلاح العجائز ومن لا شأن لهم!!! فيكله الله إلى نفسه، ويشدد عليه البلاء فَيُفْضَح في أهله وماله، مع ما ادُّخِر له من العذاب الشديد -إلا أن يشاء الله – بسبب المخالفة للهَدْي الصحيح، وجزاء السنة السيئة التي سنَّها، فسُفكِت بها الدماء، وهُتكَِت بها الأعراض، ونُهبت بها الأموال، والله عز وجل يقول: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)(سورة غافر الآية 60) أي الذين يستكبرون عن دعائي وطاعتي، أفلا يُخشى على من وصَفْتُ حاله، أن يكون مستكبراً على الدعاء؟! كيف لا، وهو لا يراه إلا سلاح العجائز والضعفاء، ومن لا شأن لهم!! إن هذه الفتن تُقسّي القلب وتفسده، حتى يستحسن القبيح، ويستضعف الصحيح!! فيا مقلب القلوب والأبصار، ثبِّت قلوبنا على دينك.

وصدق من قال:

أتهزأ بالدعاء وتـزدريـه وما تــدري بما صنــع الدعاء سهام الليل لا تخطي ولكن لها أمَـدٌ وللأمـد انقضــــاء ولْنعتبر بما جرى لمن سألوا الحسن البصري، فلما لم يعجبهم جوابه؛ احتقروه، ونالوا منه – مفتخرين بكونهم عرباً وقالوا: نطيع هذا العلج؟!! وخرجوا لقتال الحجاج، فقُتِلوا جميعاً!!

وهذا جزاء من بَطَر الحق، وغمط الناس، وجزاء من لا ينقاد للأدلة الشرعية، وإنما يُذْعن ويستسلم للأوامر الحزبية!!! لكن الأمر دين، والموعد عند الحكَم العَدْل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

هذا ما ظهر لي من طرق نافعة لعلاج هذه الفتنة، والله ولي التوفيق، وهو على كل شيء قدير.

{ الفصل السادس}

( شبهات المجيزين للتفجير والاغتيالات والرد عليها )

لا شك أن كثيراً من المخالفين – فيما أحسب – يحبون بأعمالهم هذه أن يرضوا الله عز وجل، حتى إن المرء ليتقرب بأحب شيء عنده – في هذه الدنيا – وهو حياته، فيقدمها رخيصة في سبيل ما يعتقد!!! إلا أن ذلك وحده لا يكفي، فهل مرقت المارقة إلا بنحو ذلك؟!!

ولا شك أن الذي حملهم على ذلك: فهمهم الخاطئ لأدلة من الكتاب والسنة، ومن كلام سلف الأمة، سواء تلقَّوْها عن كبارهم، أو أدَّاهم إليها اجتهادهم!!

ومهما تذكر للشخص من أدلة شرعية، ونقولات سلفية، وعِبَر تاريخية؛ فإن ذلك لا يدفع ما في نفسه، إلا بعد إزالة الشبهة التي علقت بذهنه، فإن الشبهة تشبه الحق في الظاهر، ولذلك يغتر بها كثير من الناس، ولو لم تكن كذلك؛ ما اغتر بها أحد، كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى – وانظر” منهاج السنة” ( 5\167 ) .

وكم من رجل يقرأ كتاباً كاملاً حافلاً بالنقولات العلمية؛ ولا يرفع به رأساً، لشبهة واحدة، تحمله على إيجاد فرق بين ما تدل عليه هذه البراهين، وبين الواقع الذي تُنـزَّل عليه هذه الأدلة!!!

ولذلك فقد حَرِصْت في الفصول السابقة، على إيراد ما أتوقع أن يكون حجر عثرة في طريق فهم الأدلة التي أذكرها، وأذكر الجواب عنه في حينه؛ حتى لا يصبح الكلام لا أثر له.

ولما رأيت أن الجواب عن تلكم الشبهات مُفَرَّقٌ على صفحات الكتاب، ويعْسُر على طالب الحق الوقوف عليه إلا بمشقة؛ رأيت أن أذكر خلاصة ما تقدم – كُلاًّ في موضعه – في هذا الفصل، وقد أتوسع في الجواب هنا أكثر، مع ضميمة ما لم أذكره قبل – إن شاء الله تعالى – مما حضرني الآن.

والأمر كما قال الله عز وجل: ( وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ)(سورة الأنعام الآية 55) فما لم تُذْكَر الشُّبه، ويُفصَّل الجواب عنها؛ يبقى الداء دفيناً في أعماق قوم، وإذا بقى الداء كذلك؛ طفح على جسد الأمة يوماً من الأيام بالأسقام والعلل!!

وكان من منهج السلف: مناظرة المخالف – وإن حسنت نيته – ولذلك ضوابط معروفة عندهم، وكذا من منهجهم – أيضاً- الرد على شبهات المخالفين، وجَعْل ذلك في مؤلفَّات ينفع الله بها ما بقي الليل والنهار، وهذا الأسلوب في السلف أشهر من الأسلوب الأول، فها هي كتبهم ورسائلهم في الرد على المخالفين في مسائل عقدية وغيرها، كل ذلك غيرةً على حرمات الله عز وجل، وذَبّاً عن الدين، وحراسة لهذا المنهج القويم، فأسأل الله أن يرزقني الإخلاص [ص-91] والسداد، وأن يبارك في هذه الصفحات، وأن يُبَيِّض بها وجهي في الدنيا، وفي هول العرصات، إنه قريب مجيب الدعوات.

والرد على المخالفين قد يُقتصر فيه على ذكر الأدلة الدالة على فساد مذاهبهم، ولا يُتوسَّع في ذكر الإيرادات والرد عليها، وهذا كان منهج المتقدمين من هذا الأمة – في الغالب- فلما كثرت شبهات وإيرادات المخالفين، وعمل التأويل الفاسد عمله في صدِّ الناس عن فهم الأدلة فهماً صحيحاً؛ احتاج أهل السنة للتوسع في الرد، وإلزام المخالف بلازم قوله، حتى يرجع عنه، والتسليم للمخالف – جدلاً – ببعض ما يقول؛ من أجل نقضه ورده، وغير ذلك من أساليب علماء السنة المتأخرين، الذين ابتلوا بكبار النظار والمجادلين، كما هو الحال في شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى – وغيره من الأئمة، فلا بد من إزالة الشبهة بأدلة نقليه وعقلية وواقعية، حتى ينتفع المخالف، ويأمن الموافق من اللبس، وإلا فلو اقتصرنا على الأسلوب الأول؛ ربما أدى ذلك إلى استفحال شر المخالفين، وتشغيبهم على عوام أهل السنة، ولذلك فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية – كما في” مجموع الفتاوى” ( 20\164- 165 ) -“…… فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم؛ لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفَّى بموجَب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور، وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين” اهـ.

ومن تأمّل ردود شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم – رحمهما الله تعالى – عَلِمَ صدْق ما ذكرتُ.

ولذلك فقد سلكت هذا المسلك في هذا الفصل – حسب علمي وقدرتي – وأسأل الله البركة والخير، إنه على كل شيء قدير.

( الشبهة الأولى: فإن قيل: لقد أكثرتَ من قولك: لابد من الرجوع في النوازل إلى أهل العلم الراسخين، ولا عبرة بقول الشباب المتحمسين، ونحن لا نسلم بأن ابن باز وابن عثيمين والألباني ومن كان على شاكلتهم من جملة العلماء أصلاً، فلا نرجع إليهم فيما هو دون هذه المسائل، فكيف بهذه النوازل العامة؟!! وطَعْننا فيهم ليس طعناً في العلماء أصلاً!!!

فالجواب: وهذه هي الفتنة في الدين!!فالخوارج لم يرضوا بعدالة ولا عِلْم الصحابة، فَضَلُّوا وأضلوا وفي هذا العصر نجد شباباً خالفوا العلماء، وطعنوا فيهم، بل كفَّروهم، فَضَلُّوا وأضلوا، ومنهم مَنْ وُفِّق للتوبة فنسأل الله أن يثبتنا وإياهم على الحق، ويغفر لنا ولهم الذنوب.

هذا، وسأورد- إن شاء الله تعالى- على هؤلاء الشباب المنكرين مكانَةَ علمائنا حُجَّةً تُلزمهم بأن هؤلاء المذكورين من علمائنا- ومن جرى مجراهم- هم العلماء، وهم المرجع في النوازل، وذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها .

وقد جرى صنيع السلف في عَدِّ المجددين في كل قرن باعتبار رأس المائة الهجرية، فَعَدُّوا عمر بن عبد العزيز في المائة الأولى، والشافعي في المائة الثانية.

المهم أن المعتمد رأس المئة الهجرية، فنحن جميعاً قد عاصرنا رأس القرن الخامس عشر الهجري، وذلك بنهاية سنة 1400هـ وبداية سنة 1401هـ.

فإن قلتم: لم يوجد على رأس المئة الخامسة عشر هذه مجدد؛ كَذَّبتم خبر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: … على رأس كل مئة عام !! وفي ردكم هذا فيه ما فيه.

وإن قلتم: هناك مجدد أو مجددون على رأس المئة الخامسة عشر، لكننا لا نعرفهم:” فالجواب: كيف يكون المجدد مجهولاً غير معروف؟ وكيف يجدد وهو على هذا الحال؟!!

فإن قلتم: نقر بأن هناك مجددين، فالسؤال: من هم هؤلاء المجددون، سمّوهم لنا، والواقع حَكَم بيننا؟!!

فإن قلتم: هم ابن باز والألباني وابن عثيمين وغيرهم من كبار العلماء، الذين أدركهم ذلك التاريخ، وهم أئمة، وعليهم تدور الفتوى، وتطير إليهم الرقاع من كل حَدَبٍ وصَوْب، ونُشِرَتْ كتبهم وفتاواهم في الآفاق، وتُرْجِمت كتبهم بلغات متعددة، فانتفع بهم المسلمون في كل قطر، وهم الذين تدور الفتوى الآن على طلابهم، أو طلاب طلبتهم.

[ص-93] وقد قال شيخ الإسلام- رحمه الله – كما في” مجموع الفتاوى” ( 11\43 ) :”… ومن له في الأمة لسان صِدْق عام، بحيث يُثْنى عليه، ويُحْمد عليه في جماهير أجناس الأمة، فهؤلاء هم أئمة الهدى، ومصابيح الدُّجَى، وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم، وعامتهم من موارد الاجتهاد التي يُعذرون فيها…..” اهـ

وقال الإمام ابن القيم- رحمه الله-:” فقهاء الإسلام ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام: الذين خُصُّوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال من الحرام” اهـ.

فإن سلمتم بهذا، وأقررتم بأن المذكورين- ومن جرى مجراهم- على رأس هذه المائة هم المجددون؛ حُجِجْتُم، لأنه يقال لكم: إذا كان هؤلاء مجددين للدين؛ فلماذا تخالفون منهج المجددين؟!! لا سيما في هذا الأمر الذي أجمعوا عليه تبعاً لسلف الأمة، وأخذاً بالنصوص النبوية؟!!

وإن قلتم: لا، ليس هؤلاء مجددين؛ عجزتم أن تُسَمُّوا لنا مَنْ هو من مراجعكم وأئمتكم اليوم، أنه كان بهذه المثابة العلمية – التي ذكرتها سابقاً – في نهاية سنة 1400هـ وبداية سنة 1401 هـ!! فإن أكثرهم كانوا طلاباً آنذاك، ومن كان منهم كبير السن آنذاك؛ فلم يشتهر بين الأمة بعلم، إنما عرفه من حوله فقط، فهل هذه صفة المجدد؟!!!

إذاً يلزمكم أحد أمور: إما أن تخالفوا الخبر النبوي، وتُعرُّوا هذا القرن من مجدد!!! وفي هذا ما فيه!! أو أن تَدَّعوا وجود مجدد مع جهالته وعدم معرفة الأمة بعينه فضلاً عن آثاره، وفيه ما فيه!!

وإما أن تسموا مجدداً لم تتوفر فيه صفات المجدد، كما سبق ذكرها، وفيه ما فيه أيضاً!!

وإما أن تُسَلِّموا بأن سماحة الشيخ ابن باز- رحمه الله- ومن جرى مجراه من كبار الأئمة هم المجددون لهذا القرن، وهذا قولنا، ويلزمكم عليه ما سبق.

وإما أن تكابروا؛ فتسقط حجتكم!!!

( الشبهة الثانية: فإن قال قائل : نحن نسلِّم بقاعدة مراعاة المصالح والمفاسد، لكننا نرى عكس ما ترون، ونرى أن المصالح في التفجيرات والاغتيالات أكثر من المفاسد، وأنكم تعدون المصالح مفاسد، ولا تُلْزمونا برأيكم واجتهادكم!!

فالجواب: أن كل إنسان يستطيع أن يدعي هذه الدعوى، ولو حاججت أهل الباطل، وأنكرت عليهم كثيراً من صنيعهم؛ لأنكروا عليك، ولو سألتهم: لماذا فعلتم هذا الفعل أو ذاك؟لظهر لك أنهم يرون المصلحة القطعية في صنيعهم، مع أن العقلاء متفقون على أنه فعلٌ باطل!!

إذاً، فليس كل من ادعى دعوى؛ سُلِّم له بقوله، إنما العمدة على الدلائل والبراهين، والآثار والنتائج، والفتن إذا أقبلت عرفها العلماء، وإذا أدبرت عرفها الناس كلهم أو جُلُّهم، وقد سبق ذكر عدد من المفاسد المردية، بما لا يختلف فيه منصفان، فهل نُصَدِّق رجلاً يقول: قَتْلُ المئات من المسلمين الأبرياء، فيه مصلحة عظمى للإسلام وأهله؟!!

وهل نقبل من رجل يقول: إن سقوط الدولة المسلمة – على ما فيها من جور- فيه مصلحة كبرى، لأننا سنقيم الدين كله بعدها، ونحن نرى أن من فعل ذلك؛ جرَّ ويلات أشد وأنكى مما كان يريد إزالته؟ ونرى أن غير المسلمين يفرحون بهذه الفتن في بلاد الإسلام، لأنهم يتذرعون بها للتدخل في شئون المسلمين، تحت ستار:” حقوق الإنسان”” والمنظمات الدولية”،” والأمم المتحدة”، و” مكافحة الإرهاب” و” الديمقراطية” ونحو ذلك!!! فأين الذين يدَّعون فقههم بالواقع، ويتجرءون ويتطاولون بذلك على كبار العلماء؛ مما جرى للمسلمين في عدة بلدان، حيث جرت حروب طاحنة، وبعد أن أكلتْ الأخضر واليابس بين المسلمين البين؛ جاءت الدول الأخرى، لتجني الثمرة، وتسلِّم الزمام لمن تريد!! ألا نعتبر بما حلَّ بالمسلمين في الدول الأخرى بسبب هذا الشَّغب؟!! أليس السعيد من وُعظ بغيره؟ أليس الله قد حثنا على السير في الأرض للتدبر والاتعاظ بما حلَّ بغيرنا؟!! والله عز وجل يقول: ( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)(سورة آل عمران الآية 137) ويقول سبحانه: ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ )0سورة غافر الآية 21) ويقول سبحانه: (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ )(سورة آل عمران الآية 137 ) فما هي ثمرة أفكاركم هذه في الجزائر، والمغرب، ومصر واليمن، والسعودية، والكويت، والصومال، وغير ذلك من بلدان؟!!

وهل نصدِّق من كان كذلك، وشيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى- يقول: كما في” مجموع الفتاوى” ( 28\391 ) في سياق ذكر الصبر على جور الحكام، وترك الخروج عليهم، لأن الخروج على الحكام فيه مفسدة كبرى، فقال -رحمه الله -:”……. ويقال: ستون سنة من إمام جائر؛ أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان؛ والتجربة تبين ذلك” اهـ.

[ص-95] فهل نلغي عقولنا، ونُهمل اجتهادات علماء عصرنا -وهم أهل الاستنباط والمرجع في النوازل- ونرفض تجربة سلفنا، وأحاديث نبينا – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الصبر على الجور، لقول رجل لم تحصل له أهلية النظر في مثل هذه الأمور أوله أهلية- على أحسن الأحوال- إلا أنه أخطأ خطأً فاحشاً؟!!

وقد قال الإمام ابن القيم في” إعلام الموقعين” – وقد سبق-:”……. وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر….. ومن تأمل ما جرى للإسلام في الفتن الكبار والصغار؛ رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته، فتولَّد منه ما هو أكبر منه….” اهـ

وقد أنكر أحمد الخروج على الواثق – الداعية للقول بخلق القرآن، وهو كفر باتفاق – وعلّل ذلك بأنه يكره الخروج والفتنة والدماء، ولم يكن في زمانه منظمات دولية، أو تحالفات عالمية، تجيد الاستفادة من جهود وضحايا المسلمين، كما هو الآن!!

فهل بعد هذا التصريح من سلفنا الصالح، نقبل قول من يقول اليوم شيئاً، ويرجع عنه غداً؟وهل نترك الجبال الرواسي، ونكون كمن يجري وراء رمال تقلبها الرياح، وتنقلها من أرض إلى أرض، ومن وجه إلى وجه؟!! ثم نجعل حرمة المسلمين من الدماء والأموال والأعراض، وأمنهم واستقرارهم حقل تجارب!!فنُجرب بمئات القتلى والجرحى، ونسعى في اضطراب الأمن وزوال النعمة، ثم بعد ذلك نقول: لقد استفدنا من هذه التجربة، بأن هذا المنهج لا يجوز!!ولكن بعد ماذا؟!! بعد أن يتسلط الكفار على المسلمين، وتقوى شوكة أهل الأهواء والمشركين، ويتمنى المرء أن يعود الأمر كما كان، ولكن ولات حين مندم!!! ألا نستفيد من تجربة السلف؟!! ألا نتعظ بما يجري حولنا؟!! أم أننا لا بد أن نبدأ بما بدأ به غيرنا؟!! ولا بد أن نعيد الخطأ مرة أخرى أو مرات؟والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: لا يُلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين ونحن قد لدغنا مرات ومرات!!

ألا يكفينا حال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مكة، وهو يرى عبادة الأصنام وغير ذلك من الكفريات، وهو صابر لضعف قوة المسلمين آنذاك؟!!

ألا يكفينا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصبر على الجور، وإنْ ضَرَب الولاة الظهور، وأخذوا الأموال؟! ألا يكفينا قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد سئل عن الولاة الذين لا يعطون الناس حقهم، ومع ذلك يلزمونهم أداء ما عليهم، فقال صلى الله عليه وسلم: اسمع وأطع، فإنما عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حُمِّلتم ؟!

فهذه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا تاريخ السلف وتجربتهم، وهذه الآثار السيئة لهذه الأفعال بادية لكل ذي عينين، فماذا مع المخالفين من دليل ينهض لمقاومة بعض هذا- فضلاً عن كله-؟!!

وصدق من قال: فأما ما عَلِمْتُ فقد كفاني وأمــا ما جَهِلْـتُ فجنِّبوني [ص-96] وإذا كان الحق واضحاً، بهذه المثابة ومع ذلك يُقِابَل هذا كله بالإنكار – ممن يُكَفِّر العلماء أو يضللهم- والتعالم في تقدير مصالح ومفاسد الأمور الكبار؛ فما بقى إلا أن يتمثل المرء بما ذكره الإمام ابن القيم- رحمه الله – كما في” مختصر الصواعق” ( ص265 ) وهو قول القائل: وقُلْ للعيون العُمْي للشمس أعينٌ سواكِ تراها في مغيبٍ ومَطْلعِ وسامحْ نفوساً أطفأ اللهُ نورهـا بأهـوائها لا تستفيق ولا تعي وأما الذين لا زالوا يبجِّلون العلماء، فهم وإن لم يكونوا كذلك؛ إلا أنه يُخشى عليهم أن يصلوا إلى هذا الحال، ومن جالس، جانس، إلا من رحم الله، والله تعالى أعلم.

( الشبهة الثالثة: قد يقول قائل: إن الأدلة التي ذكرتَها من طاعة ولاة الأمور، والصبر على ظلمهم – وإن جاروا – إنما يكون ذلك في حق حكامٍ مسلمين، صحَّ لهم عقْد الإسلام – وإن خالفوا – أما ملوك ورؤساء وأمراء وشيوخ زماننا فكفار ليسوا مسلمين، وعلى ذلك فلا صبر عليهم، ولا طاعة لهم، بل يجب الخروج عليهم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع الصحابة على السمع والطاعة للأمراء في المنشط والمكْره، والعُسْر واليُسْر إلا أن يروا كفراً بواحاً، لهم فيه من الله برهان، وقد رأينا نحن في زماننا الكفر البواح، فلا سمع ولا طاعة، ولا صبر على هؤلاء الحكام، بل دماؤهم وأموالهم حلال!! وكذلك نهى عن الخروج عليهم بقوله صلى الله عليه وسلم: لا، ما صَلَّوْا وكثير من حكام زماننا لا يُصلون، ومن صلى منهم؛ كفر من باب آخر !!

والجواب- إن شاء الله تعالى- من وجوه:

الأول: أنني لست بصدد الكلام معكم على كُفر الحاكم أو إسلامه، فإن لهذا موضعاً آخر، وفيه تفاصيل أُخَر، وإن كنت لا أُسلِّم لكم بإطلاقكم تكفير جميع الحكام -دون تفصيل – كما لا أُسلِّم لكم بأن هذا الميدان كلأٌ مباح لكل من أراد أن يرعى فيه، فإن لكل مَلِكٍ حمى:، وإن ملك هذا الحمى هم العلماء الراسخون في العلم، لا الشباب المبتدئون، ولا الدعاة المتحمسون، المهملون أو المعرضون عن منهج السلف في هذا الأمر الخطير!!!

الثاني: ومع هذا كله: فلو سلَّمْتُ لكم – جدلاً – بما تقولون؛ فهل يلزم من ذلك جواز قيامكم بالتفجيرات والاغتيالات- وقد سبق ذكر كثير من مفاسدها-؟

ألا تُفرِّقون بين حالة القوة والضعف؟ ألا تعلمون أن التكاليف الشرعية مقيدة بالاستطاعة، لقوله تعالى: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )(سورة التغابن الآية 16) وقوله عز وجل:( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)( سورة البقرة الآية 286) وقوله سبحانه:( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا)( سورة الطلاق الآية 7) وقوله سبحانه وتعالى:( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)( سورة الحج الآية 78) ويقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ما أمرتكم بأمر؛ فاْتُوا منه ما استطعتم ؟

وقد قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز – رحمه الله – كما في:” مراجعات في فقه الواقع السياسي والفكري على ضوء الكتاب والسنة” ( ص 25 – 26 ) وقد ذكر عدة أدلة في السمع والطاعة في المعروف، والصبر على الجور، ثم قال:” هذا يدل على أنهم لا يجوز لهم منازعة ولاة الأمور، ولا الخروج عليهم، إلا أن يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان، وما ذاك إلا لأن الخروج على ولاة الأمور يسبب فساداً كبيراً وشراً عظيماً، فيختل به الأمن، وتضيع الحقوق، ولا يتيسر ردع الظالم، ولا نصرة المظلوم، وتختل السُبل ولا تُؤَمَّن، فيترتب على الخروج على ولاة الأمور فساد عظيم وشر كبير.

إلا إذا رأى المسلمون كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان؛ فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرة، أما إذا لم تكن عندهم قدرة؛ فلا يخرجون، أو كان الخروج يسبب شراً أكثر؛ فليس لهم الخروج، رعاية [ص-98] للمصالح العامة، والقاعدة الشرعية المجمع عليها: أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه، بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه، أما درء الشر بشر أكثر؛ فلا يجوز بإجماع المسلمين، فإذا كانت هذه الطائفة التي تريد إزالة السلطان، الذي فعل كفراً بواحاً، عندها قدرة على أن تزيله، وتضع إماماً صالحاً طيباً، دون أن يترتب على ذلك فساد كبير على المسلمين، وشر أعظم من شر هذا السلطان؛ فلا بأس، أما إذا كان الخروج يترتب عليه فساد كبير، واختلال الأمن، وظلم الناس، واغتيال من لا يستحق الاغتيال، إلى غير هذا من الفساد العظيم؛ هذا لا يجوز، بل يجب الصبر والسمع والطاعة في المعروف، ومناصحة ولاة الأمور، والدعوة لهم بالخير، والاجتهاد في تخفيف الشر، وتقليله، وتكثير الخير، هذا هو الطريق السوي الذي يجب أن يُسلك، لأن في ذلك مصالح المسلمين عامة، ولأن في ذلك تقليل الشر، وتكثير الخير، ولأن في ذلك حفظ الأمن، وسلامة المسلمين من شر أكثر، نسأل الله للجميع التوفيق والهداية” اهـ.

وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله تعالى-:” وأما التعامل مع الحاكم الكافر؛ فهذا يختلف باختلاف الأحوال: فإن كان في المسلمين قوة، وفيهم استطاعة لمقاتلته وتنحيته عن الحكم، وإيجاد حاكم مسلم؛ فإنه يجب عليهم ذلك، وهذا من الجهاد في سبيل الله، أما إذا كانوا لا يستطيعون إزالته؛ فلا يجوز لهم أن يتحرشوا بالظلمة والكفرة، لأن هذا يعود على المسلمين بالضرر والإبادة، والنبي صلى الله عليه وسلم عاش في مكة ثلاث عشرة سنة بعد البعثة والولاية فيها للكفار، ومعه من أسلم من أصحابه، ولم ينازلوا الكفار، بل كانوا منهيين عن قتال الكفار في هذه الحقبة، ولم يُؤْمروا بالقتال إلا بعد ما هاجر صلى الله عليه وسلم، وصار له دولة وجماعة، يستطيع بهم أن يقاتل الكفار، هذا هو منهج الإسلام.

فإذا كان المسلمون تحت ولاية كافرة، ولا يستطيعون إزالتها؛ فإنهم يتمسكون بإسلامهم وبعقيدتهم، ولكن لا يخاطرون بأنفسهم، ويغامرون في مجابهة الكفار، لأن ذلك يعود عليهم بالإبادة والقضاء على الدعوة، أما إذا كانت لهم قوة يستطيعون بها الجهاد؛ فإنهم يجاهدون في سبيل الله على الضوابط الشرعية المعروفة”. اهـ من” فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة” ( ص 76- 77 ) .

فإن سلمتم – كما يقول كل منصف – بأنكم ضعفاء غير مستطيعين؛ فلماذا تخرجون على الحكام الذين تكفرونهم – سواء أصبتم في تكفيركم إياهم، أم أخطأتم- وأنتم غير قادرين؟!! وإن كابرتم، وقلتم: لسنا مستضعفين؛ فلماذا نسمع أن كثيراً منكم – إذا كنتم أهل شوكة ومنعة – في بطون السجون، وتسيرون مستخفين، ومنكم من يحلق لحيته، ويلبس لباساً آخر، ولا تُصلُّون في المساجد، ولا يصل إليكم من أرادكم إلا بشق الأنفس؟ أهذا حال قادر ممكَّن؟!!.

وإن سلمتُ – جدلاً- بأن عندكم قوة وشوكة؛ فهل الخروج على الحكام – وهم لهم قوة وشوكة أعظم من قوتكم، كما هو ظاهر – مشروع مطلقاً، دون النظر في المصالح والمفاسد؟ أي فهل الخروج عليهم مشروع، وإن جلب مفاسد أكثر؟ وإن أدى إلى ضعف قوة الدعوة والدعاة – كما هو حاصل الآن-؟ وكذلك: فهل الخروج مشروع؛ وإن أدى إلى المفاسد السابق ذكرها في الفصل الثاني؟!!

[ص-99] أم أن الشريعة تقضي بأن المفسدة إذا كانت أكبر؛ فيُترك الخروج، وكذا إذا كانت مماثلة، فإن درء المفاسد؛ مقدم على جلب المصالح – حينئذٍ-؟

وهل تسلّمون بقاعدة مراعاة المصالح والمفاسد، أم لا تقيمون لها وزناً؟!! فإن سلّمتم بها؛ فهل تطبيقكم هذا لها – مع المفاسد السابقة – صحيح؟ وإن لم تقيموا لها وزناً، فأين أنتم من الأدلة الدالة عليها؟ وأين أنتم من سلف الأمة الذين أطبقوا على مراعاة ذلك؟

الثالث: فإن قيل: إن النصوص الدالة على العفو والإعراض عن الكفار والمشركين في حالة الضعف؛ نُسخت بآية السيف، فلا بد من قتالهم!! وأن العهد المكي قد نُسخ بالعهد المدني، فلا بد من العمل بنصوص القتال للكفار!!

فالجواب: إنما ذلك يكون عند القوة والتمكين للمسلمين، كما أنه يكون عند الأمن من وقوع مفاسد ليست خفيفة، وسيأتي في الوجه الرابع – إن شاء الله تعالى- تصريح شيخ الإسلام بذلك، أما في حالة ضعف المسلمين – كما هو حاصل – فإنهم يعملون بأدلة الصبر والإعراض، وذلك من وجهين:

1 – أن الله عز وجل لم يكلف إلا المستطيع، وقد سبقت أدلة ذلك قريباً، والمسلمون- بحالهم هذا- غير قادرين على مواجهة غيرهم.

2 – أن شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – قرّر ذلك فذكر – رحمه الله – أن المسلم إذا كان في حال ضعف، فيأخذ بنصوص العفو والصفح والصبر، وإذا كان في حال قوة؛ فيأخذ بالنصوص الدالة على قتال الكفار، وقد ذكر شيخ الإسلام هذا وغيره في سياق الرد على من استدل بقول الله تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)(سورة آل عمران الآية 186 ) فاستدل المعترض بذلك ونحوه على ترك قتل أهل الذمة، وإن طعنوا في كتاب الله ودينه ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم!!

فرد عليه شيخ الإسلام بردود كثيرة، ومنها قوله:” إن الأمر بالصبر على أذاهم، وبتقوى الله؛ لا يمنع قتالهم عند المكنة، وإقامة حد الله عليهم عند القدرة….” وذكر أن هذه الآية وما شابهها منسوخ من بعض الوجوه، ونقل أن الناسخ قوله تعالى: ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)(سورة التوبة الآية 5) وقوله تعالى: ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)(سورة التوبة الآية 29) …. إلى أن قال:”…… وصارت تلك الآية في حق كل مؤمن مستضعف، لا يمكنه نصر الله ورسوله بيده ولا لسانه، فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه، وصارت آية الصَّغار على المعاهدين، في حق كل مؤمن قوي، يقدر على نصر الله ورسوله بيده أو لسانه، وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عُمُر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى عهد خلفائه الراشدين، وكذلك هو إلى قيام الساعة، لا تزال طائفة [ص-100] من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام، فمَنْ كان من المؤمنين بأرضٍ هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف؛ فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة: فإنما يعاملون بآية قتال أئمة الكفر، الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون…” اهـ.

فظهر من كلام شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى – مراعاة القوة والضعف، وأن المسألة ليست مسألة العهد المكي أو المدني، إنما المسألة مسألة قوة وضعف، ومصلحة ومفسدة، فقد يكون في زمن القوة للمسلمين بعامة، من هو يخفي إيمانه في بلده، كما قال تعالى: ( وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)(سورة الفتح الآية 25) هذا حال بعض المؤمنين في مكة، مع وجود قوة للمؤمنين الآخرين في المدينة.

فمن كان قوياً؛ عمل بنصوص خُوطِب بها أهل القوة، ومن كان ضعيفاً؛ عمل بنصوص خُوطِب بها أهل الضعف، هذا في حق فرد أو طائفة دون النظر إلى الحال العام للمسلمين، فمسألة العهدين المكي والمدني ليست مرحلتين زمانيتين، انتهت إحداهما بجميع أحكامها – في هذا الباب – وبقيت الأخرى بجميع أحكامها، فالحق: أن الدين قد اكتمل، والواجب الإيمان بكل ما لم يُنسخ، وإنما المسألة منوطة بالقوة والضعف في حق كل أحد، فقد يجب عليك مالا يجب عليّ، فالغني يجب عليه من الزكاة والحج بخلاف الفقير، وكذا القتال يجب على القوي إذا لم يأت بمفسدة أكبر، ولا يجب على من ليس كذلك، بل الرجل الواحد قد يجب عليه الحكم في وقت دون آخر.

وقد قال صاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – في” الشرح الممتع” ( 8 9 – 10 ) أثناء كلامه عن الجهاد:” لا بد فيه من شرط، وهو: أن يكون عند المسلمين قدرة وقوة يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة؛ فإن إقحام أنفسهم في القتال: إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة، ولهذا لم يوجب الله سبحانه وتعالى القتال على المسلمين وهم في مكة، لأنهم عاجزون ضعفاء، فلما هاجروا إلى المدينة، وكوَّنوا الدولة الإسلامية، وصار لهم شوكة؛ أُمروا بالقتال، وعلى هذا: فلا بد من هذا الشرط، وإلا سقط عنهم كسائر الواجبات، لأن جميع الواجبات يُشْترط فيها القدرة، لقوله تعالى: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )(سورة التغابن الآية 16) وقوله: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا )(سورة البقرة الآية 286 ) “. اهـ

فتأمل تفصيل العلماء الموافق للآيات القرآنية، ولحديثه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم….. فأين هذا ممن لا يرفع بذلك رأساً، متمسكاً بظاهر آية أو حديث، أو مصراً على رأيه، أو فراسته وظنه، أو ما تمليه عليه عاطفته، أو قيادته، معرضاً عن بقية الأدلة، وعن فهم سلف الأمة، وهذه البراهين؟!!

الرابع: فإن قيل: إذا كنتم تقولون: هذه بلاد مسلمة، أو هذا مجتمع مسلم، فمن كان له دولة؛ فهو قادر على تنفيذ كلام الله ورسوله، فلا يجوز ترك شيء من ذلك، وهؤلاء الحكام تركوا الكثير من ذلك، فتعين أطرهم على الحق أطراً!!

[ص-101] فالجواب: أنه لا يلزم من كون المجتمع أو الحاكم مسلماً؛ أن يكون قادراً على تنفيذ الشريعة كلها في سلطانه،- فضلاً عن بقية الدول، وفيها دول أقوى منه- فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانت له دولة في المدينة، ومع ذلك لم يستطع أن يغير الأصنام التي حول الكعبة إلا في الفتح، وقد اعتمر قبل الفتح، ولم يُزِلْ ذَلكَ، كل هذا مراعاة منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم للمصالح والمفاسد.

وأيضاً: فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وهو في المدينة – كان يتعامل بالصفح عمن ألْحَقَ به أذى، حتى قويت الشوكة، وظهرت الهيبة، فلا يلزم من وجودِ دولة؛ وجودُ القوة بكاملها، ووجودُ القدرة التامة على تغيير كل منكر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في” الصارم المسلول” ( 2\416- 418 ) جواباً على من استدل بصبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على تحية اليهود المنكرة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومعلوم أن هذا كان في المدينة، وفي زمن وجود الدولة المسلمة، فقال – رحمه الله – رداً عليه: قلنا: عن هذا أجوبة:

أحدها: أن هذا كان في حال ضعف الإسلام، ألا ترى أنه قال لعائشة: مهلاً يا عائشة، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله وهذا الجواب كما ذكرناه في الأذى الذي أمر الله بالصبر عليه، إلى أن أتى الله بأمره.

قال: ذَكَرَ هذا الجواب طوائف من المالكية والشافعية والحنبلية، منهم: القاضي أبو يعلى، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو الوفاء بن عقيل وغيرهم…” إلى أن قال:” نعم، قدْ قدّمنا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يسمع من الكفار والمنافقين في أول الإسلام أذى كثيراً، وكان يصبر عليه امتثالاً لقوله تعالى: ( وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ)(سورة الأحزاب الآية 48) لأن إقامة الحدود عليهم كان يفضي إلى فتنة عظيمة، ومفسدة أعظم من مفسدةٍ الصبر على كلماتهم.

قال: فلما فتح الله مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وأنزل الله براءة، قال فيها: ( جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)(سورة التوبة الآية 73) وقال تعالى: ( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)(سورة الأحزاب الآية 60) إلى قوله تعالى: ( أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا)0سورة الأحزاب الآية 61) “….

إلى أن قال – رحمه الله-:” فهذا يفيد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يحتمل من الكفار والمنافقين قبل براءة، ما لم يكن يحتمل منهم بعد ذلك، كما قد كان يحتمل من أذى الكفار- وهو بمكة – ما لم يكن يحتمل بدار الهجرة والنصرة” اهـ

فهذا يدل على أن الحاكم قد يكون له دولة ومنعة، لكن مع ذلك يمرّ بمراحل لا يستطيع أن يواجه أعداءه بالسيف ونحوه، فتأمل فقْه السلف، وبركة علومهم، نفعنا الله بذلك.

ومع هذا، فإنني لا أستدل بما سبق على أن الكثير من الحكام اليوم غير مفرِّط في كثير مما أوجبه الله عليه!! فإن ذلك ظاهر لكل ذي عينين، بين مقل ومستكثر، وأسأل الله لنا ولهم الهداية والصلاح، فإن في صلاحهم صلاحاً للبلاد [ص-102] والعباد، إنما أردُّ بذلك على من يستدل بهذا على كُفْر مَنْ كانت له دولة، ولا يُعلن الجهاد – كذا أطلق، ولم يفصِّل!!- والله أعلم.

الخامس: إذا تقرر أن الخروج على الحاكم وقتاله مُقَيَّدٌ بوجود الكفر البواح والقدرة على عزل الحاكم دون شر كبير؛ فهناك عدة وقائع في التاريخ تدل على مراعاة ذلك أيضاً، فمن ذلك:

1 – أن الحجاج بن يوسف الثقفي، قد اشتهر أمره في الظلم والفساد، حتى كفّره بعض السلف، كإبراهيم النخعي، وطاووس، وسعيد بن جبير، وخرج عليه بعض من كفّره، أو فسّقه، ولم يخرج عليه آخرون، ولم يرجع من خرج عليه إلا بشر أعظم.

وقد أنكر من أنكر من السلف الخروج على الحجاج سواء كان ممن كفّره أم لا، ولم يبلغنا أنهم عللوا ذلك الإنكار بعدم كفره، لأن من كفَّره مجتهد متأول، ولا يلزم النكير عليه في مسألة اجتهادية – إذا كان أهلاً لذلك، ولم يقع بسبب فتياه مفسدة عظيمة، لا يستطيع العقلاء دفعها- إنما أنكروا عليهم بسبب المفاسد المترتبة على ذلك، وهذا قولنا، وإن سلمنا لكم بكفر من خرجتم عليه!!

2 – أن الإمام أحمد قد عاصر من قال بالتعطيل، واتفق العلماء على كفر الجهمية المعطلة الذين يقولون بخلق القرآن – كما مرّ بنا – ومع ذلك فقد أنكر الإمام أحمد على من أراد الخروج على الواثق، وعلّل ذلك بالدماء والفتنة، مع أنه لا خلاف في أن الذي يدعو إليه الأمراء- آنذاك – كُفْر،- وإن لم يكفِّرهم العلماء بأعيانهم- ولم يردَّ أحمد على من أراد الخروج آنذاك بقوله لهم: ما دليلكم على التكفير؟ إنما قال: لا يجوز لكم الخروج، أي سواء كفَّرتم أم لا، فإنزال الحكم العام على المعيَّن؛ من مسائل الاجتهاد التي قد تختلف فيها وجهة نظر العلماء المجتهدين.

3 – في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – كان هناك كثير من الحكام يقولون بقول الروافض الباطنية، أو بقول غلاة الصوفية الحلولية، أو بقول متكلمة الصوفية الجهمية المعطلة، ومع ذلك لم يعلن الجهاد على أمراء البلاد المسلمة، إنما كان ينصح ويأمر وينهى بالحكمة، ويرد على شبهات علماء هذه الفرق، ولم يرفع لواءً لحرب حكام زمانه- على ما فيهم- لأنه يعلم ماذا وراء ذلك من الفتن!!!

وكذا كثير من دول الإسلام عبر التاريخ فيها كفريات كثيرة، وإن لم تكن بصورة الاستهزاء بشريعة الله؛ فهي بالقول بالحلول والاتحاد، وهذا أشد من كفر اليهود والنصارى، أو بالقول بالتعطيل، أو عبادة القبور، ومع ذلك لم يُنْقَل عن علماء السنة أنهم صرخوا في الناس جميعاً بخلع أيديهم من طاعة هؤلاء الأمراء، لوقوع اشتباه على كثير من الأمراء في فهم هذه الأمور، وللمفاسد المترتبة على الخروج!!

فإن سلمتم بذلك؛ ففيه رد عليكم في إطلاق تكفير حكام المسلمين اليوم بدون تفصيل، والحكم على بلادهم بأنها بلاد كفر، كما فيه رد عليكم في أمر الخروج والتفجير، وقد سبق في الوجه الرابع أيضاً نحو ذلك!!

4 – في زمن الدولة العثمانية، حصلت أمور منكرة، من عبادة القبور، وجلب كثير من قوانين أوربا، وعُمل بأحكام مستوردة في ميادين كثيرة، وانظر ما ذكر مؤلف” مشكلة الغلو في الدين” ( 2\436- 437 ) ، ومع ذلك [ص-103] فالمخالفون هنا مُسَلِّمون بأنها خلافة إسلامية، ولا يجوز الخروج عليها، وعلماء المسلمين لم يفتوا بالخروج عليهم – فيما أعلم- إنما رأوا التعاون معهم في المعروف، وإصلاح ما يقدرون على إصلاحه من الخطأ، وهذا دأب العلماء المصلحين سلفاً وخلفاً.

وقد رد الشيخ الألباني – رحمه الله تعالى – على من أطلق تكفير حكام المسلمين، ثم قال:” ثم كنت- ولا أزل- أقول لهؤلاء الذين يدندنون حول تكفير حكام المسلمين: هَبُوا أن هؤلاء كفار كفر ردة، وأنهم لو كان هناك حاكم أعلى عليهم، واكتشف منهم أن كفرهم كفر ردة؛ لوجب على ذلك الحاكم أن يطبق فيهم الحد، فالآن ما تستفيدون أنتم من الناحية العملية إذا سلمنا جدلاً أن كل هؤلاء الحكام كفار كفر ردة؟ ماذا يمكن أن تعملوه؟ هؤلاء الكفار احتلوا من بلاد الإسلام، ونحن هنا- مع الأسف- ابتلينا باحتلال اليهود لفلسطين، فماذا نستطيع نحن وأنتم أن نعمل مع هؤلاء، حتى تستطيعوا أنتم مع الحكام الذين تظنون أنهم من الكفار؟

هلا تركتم هذه الناحية جانباً، وبدأتم بتأسيس القاعدة التي على أساسها تقوم قائمة الحكومة المسلمة، وذلك باتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ربى أصحابه عليها، ونشّأهم على نظامها وأساسها، وذلك ما نُعَبّر عنه في كثير من مثل هذه المناسبة، بأنه لا بد لكل جماعة مسلمة، تعمل بحق لإعادة حكم الإسلام- ليس فقط على أرض الإسلام- بل بحقٍّ الأرض كلها، تحقيقاً لقوله تبارك وتعالى: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(سورة التوبة الآية 33) .

وقد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة أن هذه الآية ستُحَقّق فيما بعد؛ فلكي يتمكن المسلمون من تحقيق هذا النص القرآني، هل يكون الطريق بإعلان ثورة على هؤلاء الحكام الذين يظنون كفرهم كفر ردة؟!!

ثم مع ظنهم هذا – وهو ظن خاطئ – لا يستطيعون أن يعملوا شيئاً. ما هو المنهج؟ ما هو الطريق؟ لا شك أن الطريق: هو ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدندن حوله، ويُذَكِّر أصحابه به في كل خطبة: وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم فعلى المسلمين كافة- وبخاصة منهم من يهتم بإعادة الحكم الإسلامي- أن يبدأ من حيث بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما نُكَنّي نحن عنه بكلمتين خفيفتين: ( التصفية والتربية ) ، ذلك لأننا نحن نعلم حقيقة يغفل عنها أو يتغافل عنها- في الأصح- أولئك ( الغلاة ) الذين ليس لهم إلا إعلان تكفير الحكام، ثم لا شيء، وسيظلون يعلنون كفر الحكام، ثم لا يصدر منهم إلا ( الفتن ) والواقع في هذه السنوات الأخيرة التي تعلمونها، بدءاً من فتنة الحرم المكي، إلى فتنة مصر، وقتل السادات، وذهاب دماء كثير من المسلمين الأبرياء، ثم أخيراً في سوريا، ثم الآن في مصر، والجزائر- مع الأسف- كل هذا بسبب أنهم خالفوا كثيراً من نصوص الكتاب والسنة، وأهمها: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا )(سورة الأحزاب الآية 21) .

إذا أردنا أن نقيم حكم الله في الأرض، هل نبدأ بقتال الحكام- ونحن لا نستطيع أن نقاتلهم-؟ أم نبدأ بما بدأ به الرسول عليه الصلاة والسلام؟ لا شك أن الجواب: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ )(سورة الأحزاب الآية 21) بماذا [ص-104] بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ تعلمون أنه بدأ بالدعوة بين الأفراد الذين كان يظن فيهم الاستعداد لتقبل الحق، ثم استجاب له من استجاب، كما هو معروف في السيرة النبوية، ثم التعذيب والشِّدَّة التي أصابت المسلمين في مكة، ثم الأمر بالهجرة الأولى والثانية إلى آخر ما هناك، حتى وطَّد الله عز وجل الإسلام في المدينة المنورة ، وبدأت هناك المناوشات، وبدأ القتال بين المسلمين والكفار من جهة، ثم اليهود من جهة أخرى، إذاً لا بد أن نبدأ نحن بتعليم الناس الإسلام، كما بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن نحن الآن لا نقتصر على التعليم، لأنه دخل الإسلام ما ليس منه، وما لا يمت إليه بصلة، بل دخل عليه ما كان سبباً في تهدم الصرح الإسلامي، فلذلك كان من الواجب على الدعاة:

أن يـبدءوا بتصفية هذا الإسلام مما دخل فيه، والشيء الثاني: أن يقترن مع هذه التصفية تربية الشباب المسلم الناشئ على هذا الإسلام المصفى، ونحن إذا درسنا الجماعات الإسلامية القائمة الآن منذ نحو قرابة قرن من الزمان؛ لوجدنا كثيراً منهم لم يستفيدوا شيئاً، رغم صياحهم، ورغم ضجيجهم بأنهم يريدونها حكومة إسلامية، وسفكوا دماء أبرياء كثيرين بهذه الحجة، دون أن يستفيدوا من ذلك شيئاً، فلا نزال نسمع منهم العقائد المخالفة للكتاب والسنة، والأعمال المنافية للكتاب والسنة.

وبهذه المناسبة نقول: هنالك كلمة لأحد الدعاة، كنت أتمنى من أتباعه أن يلتزموا بها، ويحققوها، وهي: ( أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم؛ تقم لكم على أرضكم ) لأن المسلم إذا صحح عقيدته بناءً على الكتاب والسنة؛ فلا شك أنه من وراء ذلك ستصلح عبادته، وستصلح أخلاقه وسلوكه… إلخ لكن هذه الكلمة الطيبة- مع الأسف- لم يعمل بها هؤلاء الناس، فظلوا يصيحون بإقامة الدولة المسلمة دون جدوى، وصدق فيهم قول ذلك الشاعر: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليـبس لعل في هذا الذي ذكرته كفاية، جواباً على هذا السؤال، انظر” المجلة السلفية” 1\1415.اهـ نقلاً من” فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة” ( ص 157- 160 ) .

وقد أقره سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – كما في ( ص161 ) من المصدر نفسه بقوله:

“الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:

فقد اطلعت على الجواب المفيد القيم، الذي تفضل به صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني- رحمه الله – المنشور في” صحيفة المسلمون” الذي أجاب به فضيلته من سأله عن ( تكفير من حكم بغير ما أنزل الله من غير تفصيل ) فألفيتها كلمة قيمة أصاب فيها الحق، وسلك فيها سبيل المؤمنين، وأوضح- رحمه الله – أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يُكَفّر من حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل، من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه، واحتج بما جاء في ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن غيره من سلف الأمة…..” اهـ

[ص-105] فتأمل فهم العلماء من السلف والخلف، وصبرهم عن الخروج والفتن، واشتغالهم بما ينفع، وبما هو مستطاع، وصدق من قال: إذا لم تستطع شيئاً فدعْه وجاوزه إلى ما تستطيع السادس: إن هذا كله يوضح لنا أن حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إلا أن تروا كفراً بواحاً لكم فيه من الله برهان ليس معناه: أنك إذا رأيت كفراً من الحاكم، أو في دولته، ولم يغيره؛ فاخرج عليه، وإن جرى من الفساد ما جرى!!! إنما في الأمر تفصيل، راجع إلى كون الحاكم كافراً بعينه، أم لا؟ فإنه لا يلزم من قول الكفر أو فعله؛ أن يكون القائل أو الفاعل كافراً بعينه، إلا بعد استيفاء الشروط، وانتفاء الموانع، وهذا أمر يُراعى في حق آحاد المسلمين، فكيف برؤسائهم وأهل الشوكة فيهم؟!!

وأيضاً ففي الأمر تفصيل ثانٍ- بعد الحكم بالكفر على الحاكم بعينه – راجع إلى القدرة أو الشوكة وعدمها أو ضعفها.

وأيضاً ففي الأمر تفصيل ثالث – بعد وجود أصل القدرة والشوكة – راجع إلى كونها قدرة كافية، تجلب المصالح، وتدرأ المفاسد أم لا!! وكل هذا مستمد من الأدلة والقواعد الأخرى، لأننا لا نأخذ ديننا كله من نص واحد، ونترك النصوص الأخرى التي في الباب، كما هو دأب أهل الأهواء من قديم الزمان!!

وللأسف، فكثير من هذه التفاصيل لم تلق اهتماماً عند المخالفين، فجرى بسبب هذا الإعراض ما يندى له الجبين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

( تنبيه ) : ثم إن كثيراً ممن يرون هذا الفكر يعيشون في البلاد الكافرة في الشرق والغرب، فهل هؤلاء المخالفون لم يروا هناك كفراً بواحاً عندما نراهم ساكتين هناك وهنالك- وإن كانوا يُشْكَرون على ترك الفتن-؟ أم أنهم لا يرون كفراً بواحاً إلا في البلاد الإسلامية؟! فالله المستعان، وإليه المشتكى، وعليه التكلان.

( الشبهة الرابعة: فإن قال قائل : لو سلمنا بأن الحكام ليسوا بكفار؛ فنحن نرى الخروج على الحكام؛ لأن هذا أمر قد اختلف فيه السلف، وطالما أن المسألة خلافية؛ فلا يجوز لكم أن تلزمونا برأيكم، وهو عدم الخروج على هؤلاء الولاة!!

والجواب: أن الخلاف كان قبل أن تظهر- بجلاء- مفاسد هذا الأمر، وكان للحق أعوان وأنصار كُثُر- في نظر من خرج- ولما لم يأت الخروج بخير؛ اتفقت كلمة السلف على ترك الخروج على الأئمة – وإن جاروا-.

وقد نص غير واحد على هذا الاتفاق، فمن ذلك:

1 – ما أخرجه اللالكائي في” شرح أصول اعتقاد أهل السنة” بسنده إلى البخاري – في ذكر ما يعتقده البخاري رحمه الله- قال:” لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم: أهل الحجاز، ومكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، وواسط، وبغداد، والشام، ومصر، لقيتهم كرّاتٍ، قرناً بعد قرن، ثم قرناً بعد قرن، أدركتهم وهم متوافرون، منذ أكثر من ستة وأربعين سنة: أهل الشام، ومصر، والجزيرة مرتين، والبصرة أربع مرات، في سنين ذوي عدد، بالحجاز ستة أعوام، ولا أُحْصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدثي آل خراسان، منهم:….” فذكر بعض أسمائهم، ثم ذكر بعض مسائل الاعتقاد، ومنها قوله:”….. وأن لا ننازع الأمر أهله….. وأن لا يرى السيف على أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال الفضيل: لو كان لي دعوة مستجابة؛ لم أجعلها إلا في إمام؛ لأنه إذا صلح الإمام؛ أَمَّنَ البلاد والعباد، قال ابن المبارك: يا معلم الخير، من يجترئ على هذا غيرك” اهـ

2 – وذكر اللالكائي – أيضاً- سنده إلى ابن أبي حاتم الرازي في بيان معتقد أبيه وأبي زرعة، فقال:” سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك؟

فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار – حجازاً، وعراقاً، وشاماً، ويمناً،- فكان من مذهبهم….” فذكر أموراً كثيرة منها:” ولا نرى الخروج على الأئمة، ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله عز وجل أمرنا، ولا ننـزع يداً من طاعته، ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة” اهـ.

3 – قلّما تجد إماماً مُصَنِّفاً في بيان معتقد أهل السنة؛ إلا ويذكر عدم الخروج على الولاة – وإن جاروا – والسمع والطاعة في المعروف، وجعلوا هذا من أصولهم، وأن من خالفهم في ذلك؛ فهو من أهل الأهواء.

[ص-107] فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – كما في” مجموع الفتاوى” ( 28\279 ) :”….. كان من العلم والعدل المأمور به؛ الصبر على ظلم الأئمة وجورهم، كما هو من أصول أهل السنة والجماعة” اهـ

وذكر في ( 4 527 ـ 531 ) كلاماً طويلاً، منه قوله – رحمه الله-:”… ولهذا استقر أمر أهل السنة على تَرْك القتال في الفتنة، للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جَوْر الأئمة، وترْك قتالهم، وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين…” إلى أن قال:”… ولم يُثْنِ – أي النبي صلى الله عليه وسلم – على أحد لا بقتال في فتنة، ولا بخروج على الأئمة، ولا نَزْع يدٍ من طاعة، ولا مفارقة للجماعة” اهـ.

4- ذكر الحافظ ابن حجر في” تهذيب التهذيب” ( 2\263 ) في ترجمة الحسن بن صالح بن حي، أن منهم من قال فيه: كان يرى السيف، فقال الحافظ:” وقولهم: كان يرى السيف، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك؛ لما رأَوْه قد أفضى إلى أشد منه، ففي وقعة الحرة، ووقعة ابن الأشعث، وغيرهما؛ عِظةٌ لمن تدبّر” اهـ

والنصوص عن الأئمة في ذلك كثيرة مشتهرة، وقد سبق كلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وفي كلاميهما ما يدل على أنه لا تكاد تُعْرف طائفة خرجت على إمام ظالم؛ إلا وجاءت بأشر مما أرادات إزالته، وأن ذلك سَبَبُ الفتن الكبار والصغار التي دخلت على الإسلام إلى آخر الدهر، فارجع إلى كلاميهما وكلام غيرهما في موضعه من هذا الكتاب.

فمن احتج بالخلاف القديم – بعد هذا وغيره- فهو محجوج بالإجماع اللاحق، ولا يخالف الإجماع هذا؛ إلا من ضل السبيل، كما صرح بذلك السلف، لاسيما وما سيترتب على هذه المخالفة من إهلاك الحرث والنسل، وانفلات الزمام، وتصدُّر الجهلة، وترؤس السفلة، وانفراط النظْم، والله المستعان.

( الشبهة الخامسة: قد يقول قائل: سَلَّمنا بأن الخروج على الحكام خلاف مذهب أهل السنة جميعاً؛ فإننا لم نخرج جميعاً على الحكام، بل بعضنا ينكر هذه التفجيرات، لكن بيان عيوب الحكام، وذكر مثالبهم، ليحذر الناس منهم؛ ليس خروجاً !!

فالجواب: من المعلوم أن الفعل يسبقه الكلام، وأن الفتن العظام قد يكون أصلها كلاماً لا يبالي به قائله، وأصل الخوارج رجل قال:” اعدل يا محمد” ولم يشهر سيفاً آنذاك، ثم جاء بعده مَنْ كفَّر المبشَّرين بالجنة – عثمان وعلياً وغيرهما رضي الله عنهم- وقتل أهل الإسلام، وترك أهل الأوثان!!

وكما مر ّبنا أن الفكر الذي أفضى إلى التفجيرات، قد مر بمرحلتين قبل التنفيذ، ولم يكن فيهما إلا مجرد الكلام من فوق المنابر، وفي المحافل العامة والخاصة، فمن الذي أجاز لكم الكلام المفضي إلى الفساد؟ أليس الإسلام يقضي بسد الذرائع؟.

وإن هذا ليذكِّرني بما ذكره الذهبي في” النبلاء” ( 6\56 ) أن نصر بن سيار أمير بني أمية في خراسان قال- عندما تأخَّر عليه مددهم ضد أبي مسلمة الخراساني، الذي طوى فراش ملك بني أمية في أول الأمر بمجرد الكلام والكتمان- فقال نصر بن سيار: أرى خلَلَ الرمـادِ وميـضَ نارٍ خَليقٌ أن يكون له ضرام فإن النـار بالزَّنْـدَين تُورَى وإن الفعـل يسبقه الكـلامُ وإن لـم يُطْفها عقـلاء قومٍ يكون وقودَها جثثٌ وهـامُ أقول من التعجب ليت شعري أيقظـانٌ أمـية أم نيـامُ؟!! بل قد قال ابن سعد في” الطبقات الكبرى” : أخبرنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن أبي أيوب عن هلال بن أبي حميد قال: سمعت عبد الله بن عكيم يقول: لا أُعين على دم خليفة أبداً بعد عثمان، فيقال له: يا أبا معبد، أوَ أعَنْتَ على دمه؟ فيقول:” إني أعدُّ ذِكْر مساويه عوناًَ على دمه” اهـ.

وهذا سند حسن، رجاله كلهم ثقات، ومحمد بن أبي أيوب صدوق، وابن عكيم: ثقة مخضرم، أدرك حياة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ثم إن أهل السنة – أيضاً- لم يُرَخِّصوا لرجل أن يلعن أميراً أو ذا سلطان، أو يدعو عليه- وهذا مجرد كلام، وليس بإشهار سيف – فقد قال البربهاري في” شرح السنة” ( ص 113 ) :” إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان؛ فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح؛ فاعلم أنه صاحب سنة -إن شاء الله -“اهـ

فأين هذا ممن يقول: اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، وأرنا فيه يوماً كيوم فرعون وهامان وقارون…. إلى غير ذلك؟!!

[ص-109] وللأسف: أنك ترى كثيراً من الناس لا يرفعون أصواتهم بالتأمين في القنوت وغيره في جميع الأدعية الأخرى، كما يرفعونها عند الدعاء على ولي أمرهم، فهل هؤلاء على ملة أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أم أنهم مفتتحو باب ضلالة؟!!

وقد سئل صاحب الفضيلة الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله تعالى-: هل الخروج على الأئمة يكون بالسيف فقط، أم يدخل في ذلك الطعن فيهم، وتحريض الناس على منابذتهم والتظاهر ضدهم؟

فأجاب – حفظه الله – بقوله:” ذكرنا هذا لكم، قلنا: الخروج على الأئمة يكون بالسيف، وهذا أشد الخروج، ويكون بالكلام: بسبهم، وشتمهم، والكلام فيهم في المجالس، وعلى المنابر، هذا يهيج الناس ويحثهم على الخروج على ولي الأمر، وينقص قدر الولاة عندهم، فالكلام خروج” اهـ نقلاً عن” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ( ص 107 ) .

وقد قال فضيلة الشيخ صالح بن غانم السدلان – حفظه الله تعالى – كما في” مراجعات في فقه الواقع السياسي والفكري” ( ص 88 ) جواباً عن سؤال على من قصر الخروج على الخروج بالسيف، وظن أن التهييج بالكلام ليس خروجاً!!

فقال – حفظه الله تعالى-:” هذا السؤال مهم، فالبعض من الإخوان قد يفعل هذا بحسن نية، معتقداً أن الخروج إنما يكون بالسلاح فقط، والحقيقة أن الخروج لا يقتصر على الخروج بقوة السلاح، أو التمرد بالأساليب المعروفة فقط، بل إن الخروج بالكلمة أشد من الخروج بالسلاح، لأن الخروج بالسلاح والعنف لا يُرَبِّيه إلا الكلمة، فنقول للأخوة الذين يأخذهم الحماس، ونظن منهم الصلاح- إن شاء الله تعالى-: عليهم أن يتريثوا، ونقول لهم: رويداً، فإن صَلَفكم وشدتكم تربي شيئاً في القلوب، تربي القلوب الطرية التي لا تعرف إلا الاندفاع، كما أنها تفتح أمام أصحاب الأغراض أبواباً، ليتكلموا وليقولوا ما في نفوسهم- إن حقاً، وإن باطلاً-.

ولا شك أن الخروج بالكلمة، واستغلال الأقلام بأي أسلوب كان، أو استغلال الشريط، أو المحاضرات، والندوات، في تحميس الناس على غير وجه شرعي؛ أعتقد أن هذا أساس الخروج بالسلاح، وأُحَذِّر من ذلك أشد التحذير، وأقول لهؤلاء: عليكم بالنظر إلى النتائج، وإلى من سبقكم في هذا المجال، لينظروا إلى الفتن التي تعيشها بعض المجتمعات الإسلامية، ما سببها، وما الخطوة التي أوصلتهم إلى ما هم فيه؟!! فإذا عرفتا ذلك؛ ندرك أن الخروج بالكلمة، واستغلال وسائل الإعلام والاتصال للتنفير والتحميس والتشديد؛ يربي الفتنة في القلوب” اهـ.

( الشبهة السادسة: قد يقول قائل: سَلَّمْنا بأن هؤلاء الحكام مسلمون، ولا يجوز الخروج على الحاكم المسلم – وإن جار- لكن هذا الأصل عند أهل السنة إذا كان الأمير للمسلمين واحداً، أما إذا تعدد الأمراء، كما هو حاصل الآن – فلا سمع لأحد منهم ولا طاعة، وإمارتهم غير شرعية، ومن هنا شرع الخروج عليهم!!

فالجواب: الأصل أن المسلمين يجب عليهم أن يكونوا أمة واحدة معتصمة بالكتاب والسنة، وليس لهم إلا أمير واحد يسوسهم بالكتاب المستبين، والسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد قال الله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)(سورة آل عمران الآية 103 ) وقال سبحانه: ( وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ )(سورة الروم الآية 31) وقال عز وجل:(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ )( سورة الأنبياء الآية 92 ) .

لكن هذا الأمر إذا لم يتحقق – كما قد حصل من قبل، وكما هو حاصل الآن – فهل يُجيز أهل السنة الافتئات على جميع الحكام، وإن أدى إلى اشتعال الفتنة في كل دولة بين حاكمها وشعبها؟!! أم يجب عليهم أن يسمعوا لكل حاكم في المعروف، في حدود سلطانه، وأن يتعاونوا معه على البر والتقوى، ونصرة المظلوم، وردع الظالم،… إلى غير ذلك مما يجب على ولاة الأمور؟

إن الذي يفقه روح الشريعة، ويعرف مقاصدها وكلياتها، ويبحث عن كلام السلف، الذين أدركوا نحو هذا الحال؛ لا يتردد في القول بالمذهب الثاني، وهو السمع والطاعة فيما يرضي الله، والتعاون – ما أمكن- على إقامة المعروف، وإنكار المنكر وإزهاقه، فإن الشريعة جاءت بتكميل المصالح وتحصيلها، وبتعطيل المفاسد وتقليلها، وإذا أمكن اجتماع الخيرين؛ وإلا فليُقَدَّم أوكدهما بتفويت أدناهما، وإذا عجزنا عن دفع المفسدتين؛ وإلا فليرتكب أدناهما، لتفويت أعلاهما، وهذا كله مأخوذ من أدلة كثيرة، منها قوله تعالى: سورة التغابن الآية 16 فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقوله صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وقد صرح بعض العلماء بهذا الجواب، وقد جمع كثيراً من كلامهم أخونا الفاضل الشيخ عبد السلام العبد الكريم – سلمه الله – في كتابه المبارك الجامع في بابه” معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة” ( ص 33- 37 ) فجزاه الله تعالى خيراً على ذلك، ومما نقله -حفظه الله-:

1 – قال شيخ الإسلام ابن تيمية- كما في” مجموع الفتاوى” ( 34\ 175- 176 ) -:” والسنة أن يكون للمسلمين إمامٌ واحد، والباقون نوّابه، فإذا فُرِض أن الأمة خرجت عن ذلك- لمعصية من بعضها، وعَجْزٍ من الباقين – فكان لها عدة أئمة؛ لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق….” اهـ

2 – وقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله تعالى- كما في” الدرر السنية” ( 7\239 ) :

[ص-111] ” الأئمة مجمعون في كل مذهب: على أن من تغلَّب على بلد أو بلدان؛ له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا؛ ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل – قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا- ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرفون أحداً من العلماء ذكر أن شيئاً من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم” اهـ

3 – وقال العلامة الصنعاني محمد بن إسماعيل الأمير -رحمه الله – في” سبل السلام” ( 3\499 ) في شرح قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة، ومات؛ فَمِيتته جاهلية فقال- رحمه الله تعالى-“: قوله: عن الطاعة : أي طاعة الخليفة، الذي وقع الإجماع عليه، وكأنَّ المراد خليفة أي قطر من الأقطار، إذْ لم يجتمع الناس على خليفة في جميع البلاد الإسلامية، من أثناء الدولة العباسية، بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم، إذ لو حمل الحديث على خليفة اجتمع عليه أهل الإسلام؛ لقلَّت فائدته…..” اهـ.

4 – وقال الإمام الشوكاني- رحمه الله – في” السيل الجرار” ( 4\512 ) شارحاً قول صاحب” الأزهار”: ( ولا يصح إمامان ) ، فقال الشوكاني:

” وأما بعد انتشار الإسلام، واتساع رقعته، وتباعد أطرافه؛ فمعلوم أنه قد صار في كل قطر – أو أقطار- الولاية إلى إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر كذلك، ولا ينعقد لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر أو أقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر، فإذا قام من ينازعه في القطر الذي ثبتت فيه ولايته، وبايعه أهله؛ كان الحكم فيه: أن يُقْتل، إذا لم يتب، ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته؛ لتباعد الأقطار، فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانه، ولا يُدرى من قام منهم أو مات، فالتكاليف بالطاعة – والحال هذا – تكليف بما لا يطاق، وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد.

فاعرف هذا، فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودعْ عنك ما يقال في مخالفته؛ فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام، وما هي عليه الآن؛ أوضح من شمس النهار، ومن أنكر هذا؛ فهو مباهت، لا يستحق أن يُخاطب بالحجة، لأنه لا يعقلها” اهـ

قلت: وما ذكره الإمام الشوكاني من علة في ذلك الأمر منتفٍ الآن؛ لسهولة الاتصال بأطراف العالم في أقل زمن وتكلفة، لكن بقي أمر العجز عن الاجتماع، كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – فبقي الحكم قائماً أيضاً، والله أعلم.

5 – وقال صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى-:” الأمة الإسلامية تفرقت من عهد الصحابة، تعلمون أن عبد الله بن الزبير في مكة، وبني أمية في الشام، وكذلك في اليمن أناس، وفي مصر أناس، ومازال المسلمون يعتقدون أن البيعة لمن له السلطة في المكان الذي هم فيه، ويبايعونه، ويدْعونه بأمير المؤمنين، ولا أحد ينكر ذلك، فهذا شاق لعصا المسلمين من جهة عدم التزامه بالبيعة، ومن جهة أنه خالف إجماع المسلمين من عهد قديم.

[ص-112] والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: اسمعوا وأطيعوا؛ وإن استعمل عليكم عبد حبشي ….”. اهـ نقلاً عن” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ( ص 81 – 82 ) .

فهذه أقوال جماعة من الأئمة في موضع النزاع، وقواعدُ الشريعة تشهد لها، وما لا يُدرك كله؛ لا يُترك جُله، ومن سلك مسلك السلف؛ نجا، ومن شاقَّهم؛ هلك، قال الله تعالى: ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا )(سورة النساء الآية 115) لا سيما إذا كانت المشاقة في أمرٍ يترتب عليه فساد الخاصة والعامة.

وأيضاً؛ فإذا كان كل حاكم قد قنع بحدود ولايته، وخرج الناس على حاكمهم الذي له عليهم شوكة وقدرة، وسعوا للدخول تحت إمارة ذلك الحاكم، الذي لا يرغب في ذلك – رِضاً منه بما تحت يده – فإن هذا يؤدي إلى فساد عريض!! لأنه لا يقبلهم، وهم لم يقبلوا حاكمهم!! وسيجرّ هذا على الناس شراً مستطيراً!! فما بقي إلا أن يصبر كل تحت ولاية من ولاه الله عليه، ويتعاون معهم على البر والتقوى، دون إثارة النعرات الجاهلية بين الدول المسلمة، مع الدعاء لله عز وجل أن يجمع المسلمين على البر والتقوى، والسعي في تحقيق ذلك، والله أعلم.

( الشبهة السابعة: فإن قال قائل : لماذا تنكرون الاغتيالات التي نقوم بها، ونحن مُتَّبعون فيها لرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم والصحابة، فقد حَرّض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصحابه على قَتْل كعب بن الأشرف، فقال: مَنْ لِكَعْبِ بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله” فقام محمد بن مسلمة، فقال: يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟قال:” نعم …. إلى آخر القصة.

فالجواب: قَتْل كعب بن الأشرف يختلف عما يجري منكم، وذلك لوجوه:

1 – أن كعباً كافر بلا نزاع، ومحارِبٌ أيضاً، كما بوّب البخاري للقصة في كتاب الجهاد من” صحيحه” بقوله:” باب الفتك بأهل الحرب”، وترجم أيضاً:” باب الكذب في الحرب”، وانظر ما قاله الحافظ في” الفتح” ( 7\340 ) عند الحديث رقم ( 4037 ) .

فهذا كعب: كافر، محارب، آذى الله ورسوله!! أما أنتم فتقتلون بهذه التفجيرات مسلمين أبرياء، من أطفال ونساء، وشيوخ، وغيرهم!! كما أنكم تقتلون من لم يُكفِّره أهل العلم الكبار، وإن كان متمرداً مشاقاً للحق وأهله!! كما أنكم تقتلون من غير المسلمين، وليسوا محاربين، بل هم معاهدون، ولم ينقضوا عهدهم، ومن نقض منهم عهده؛ فليس يشرع لكم قتله – مع هذه المفاسد التي تحل بالأمة – وهذا يجرُّنا إلى الوجه الثاني:

2 – أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو ولي أمر المسلمين، وهو الذي حرّض على قتله، فهو رسول الله، وهو ولي الأمر، أما أنتم فلستم بهذا، ولا بذاك!!

فهل أذِن لكم وليّ الأمر بقتل المعاهد الذي نقض عهده؟ أو بقتل المحارب الذي أُذِنَ له بالدخول في بلاد المسلمين لأمر ما – حقاً كان أم باطلاً-؟!! ألا تعلمون ما في ذلك من مفاسد؟!!

ثم هل أنتم أغير من الصحابة الذين كانوا يعلمون حال كعب قبل ذلك، ولم يذهب واحد منهم من عند نفسه ليقتله، ولم يفعلوا ذلك إلا عندما أُذِن لهم من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو ولي الأمر، فلما أذِن لهم؛ فعلوا، فرضي الله عنهم، وهدانا سواء الصراط.

وقد قال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله – جواباً على من استدل بهذا الدليل:” ليس في قصة قتل كعب دليل على جواز الاغتيالات؛ فإن قتل كعب بن الأشرف كان بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ولي الأمر، وكعْب من رعيته بموجب العهد، وقد حصلت منه خيانة للعهد، اقتضت جواز قتله كَفّاً لشره عن المسلمين، ولم يكن قتله بتصرف من آحاد الناس، أو بتصرف جماعة منهم من دون وليّ الأمر، كما هو حال الاغتيالات المعروفة اليوم في الساحة، فإن هذه فوضى لا يقرها الإسلام، لما يترتب عليها من المضار العظيمة في حق الإسلام والمسلمين” اهـ نقلاً” فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة” ( 101 ) .

3 – [ص-114] إن قتل كعب بن الأشرف كان فيه عزة للمؤمنين، وانكسرت به شوكة اليهود بعد ذلك، وما أصبح واحد منهم إلا خائفاً، وانظر ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في” الصارم المسلول” ( 2\411- 412 ) .

وأعلن المسلمون أنهم هم الذين قتلوا كعباً، وذلك لقوتهم، واستعدادهم لمواجهة اليهود إن أرادوا شيئاً!!

ولو قارنَّا بين هذا وبين حال المسلمين في مكة؛ لرأينا أن الأحكام في حالة القوة يختلف بعضها عنها في حالة الضعف، والله أعلم.

أما أنتم فتفعلون التفجيرات والاغتيالات في كثير من البلدان، وتهربون – إن سلمتم – ويتعرض غيركم من الأبرياء للابتلاء الشديد!!

وأيضاً: فالمسلمون ليسوا بأقوياء قادرين على ردة الفعل – كما هو مشاهد هذه الأيام – فهل أحسنتم لدينكم وأمتكم عند ما كنتم سبباً لتسلّط عدوهم عليهم؟!!

فإن قلتم: هم مسلَّطون علينا من قبل هذه التفجيرات!!

قلت: وهل يجب عليكم أن تحرصوا على تخفيف الحمل عن الأمة، أم تزيدوا الطين بِلَّة؟!! أليس تقليل الشر غاية شرعية؟!! أم أن الأمر كما قيل: غَزَلْتُ لهم غزْلاً نسيجاً فلم أرَ لغزْلِهم نسّاجاً فكسَّرتُ مِغْزَلي؟!! 4 – كعْبٌ قُتل بدون غدر، وانظر ما نقله النووي عن القاضي عياض – رحمهما الله – في” شرح مسلم” ( 12\371 ) وأما ما يجري اليوم؛ فلا يسْلم من الغدر.

5 – كعْبٌ قتله الصحابةُ وحده، لأنه وحده المأذون لهم في قتله، أما أنتم فتبيدون الأخضر واليابس، لأن المتفجرات لا خطام لها ولا زمام!!!

( تنبيه ) : وبنحو ما سبق يكون الجواب على من استدل بقصة قتل أبي رافع اليهودي ونحوه، والله أعلم.

( الشبهة الثامنة: فإن قال قائل: يجوز لنا أن نقتل أنفسنا وغيرنا لمصلحة الإسلام، كما فعل غلام الأخدود، فقد دلّ الطاغيةَ على قتْل نفسه، فقال له: …. إنك لسْت بقاتلي، حتى تفعل ما آمرك به!! قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصْلبني على جذع، ثم خذ سهماً من كنانتي، ثم ضَعِ السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله ربِّ الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك؛ قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهماً من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه، فوقع السهم في صُدْغه، فوضع يده في صُدْغه في موضع السهم، فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام… ثلات مرات ، القصة، والحديث وقد أخرجه مسلم في كتاب الزهد برقم ( 3005 ) .

قلت: ليس في هذه القصة دليل لكم على ما ذهبتم إليه من وجوه:

1 – أن الغلام لم يدل إلا على قتل نفسه، أما غيره فلم يُقتل، وأنتم تقتلون أنفسكم وغيركم من الأبرياء، أو من الكفار الذين لا يجوز لكم أن تقتلوهم، كما سبق تفصيله، بما يغني عن إعادته هنا.

2 – أن الواضح من سياق القصة: أن هذا الغلام أحدُ المحدَّثين الملْهَمين في الأمم السابقة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لقد كان فيمن قبلكم من الأمم ناس مُحَدَّثون، فإن يكُ في أمتي أحدٌ؛ فهو عمر .

ومن تأمل جزم الغلام بأنه لا يُقْتَل إلا بالهيئة التفصيلية التي حكاها؛ عَلِمَ أن ذلك لا يكون إلا عن شيء أُلهمه، ووقع في قلبه، فإن هذا السياق لا يكون عن محض الرأي، وقد قال القرطبي في” المفهم” ( 7\425 ) في مقام رد بعض الإشكالات على الحديث، فقال:” وعن معونته على قتْلِ نفسه: أنه لما غلب على ظنه أنه مقتول ولا بد، أو علم بما جعل الله في قلبه؛ أرشدهم إلى طريق يُظهر الله به كرامته وصحة الدين الذي كان عليه، ليُسْلم الناس، وليدينوا دين الحق عند مشاهدة ذلك، كما كان” اهـ.

فهل أنتم مُحَدَّثون مُلْهَمون؟ الجواب: لا، لأنه إن كان أحد كذلك في هذه الأمة؛ فهو عمر – رضي الله عنه – فمن ادعى ذلك في غيره؛ فعليه الدليل!!

3 – ومما يدل على أن الغلام كان جازماً بالمصلحة من فعله هذا: وقوعُ الأمر كما أخبر سواء بسواء، وقد وقعت المصلحة العظمى، ودخل الناس في عبادة الله عز وجل، وكفروا بالطاغية، أما اليوم فقد وقعت مفاسد- سبق ذكرها – لا يعلمها إلا الله تعالى.

[ص-116] فهل يُقاس عملٌ هذه ثمرته، بعمل جرّ على الناس شراً مستطيراً، وأدى إلى ارتداد بعض المسلمين عن الإسلام – بخلاف ما جرى للناس بسبب موقف الغلام- ولو تماديتم في ذلك؛ كان الشر أعظم وأعظم، إلا أن يرحم الله المسلمين بلطفه وستره!!

4- سبق من كلام القرطبي أن الغلام قد تيقن أنه مقتول ولا بد، وأنه لا يستطيع أن يدفع ذلك عن نفسه، فحرص على أن يكون ذلك في خدمة الدين، فأين هذا ممن يسعى لقتل نفسه وغيره، ولا يشعر به أحد؛ إلا وقد امتلأ الجو غباراً ودخاناً، وسالت الأرض بالدماء والبكاء؟!!

5- ثم إن مسألة قتل النفس للنكاية بالعدو؛ ليس هذا مجال الكلام عليها قبولاً ورداً، إنما المراد بيان الفرق بين الدليل الذي استدللتم به، وبين الدعوى التي تَدَّعُونها، والله أعلم.

( الشبهة التاسعة: قد يقول قائل: نحن نقتل هؤلاء المعاهَدين؛ عندما رأيناهم ينقضون العهد، وذلك بدعوتهم إلى دينهم بين المسلمين، حتى ارتد بعض المسلمين، وبتجسسهم على بلاد الإسلام، ولأنهم من بلاد محاربة، وإن كان بعضهم لم يباشر حرب المسلمين بنفسه، فمن كان كذلك؛ فلا عهد له ولا أمان، ومن كان كذلك؛ قتلناه، لا سيما ولم نر الحاكم في بلادنا يقيم الحد عليه، وفي هذا مصلحة للإسلام والمسلمين.

قلت: الكلام معكم هنا عن أمرين:

الأول: من الذي يقيم الحدود، هل هو الحاكم، أم أن الأمر موكول لمن قام به؟.

الثاني: إذا لم يُقِم الإمام الحدود، فهل يقيمها غيره من الرعية- دون تفصيل- أم لا؟.

أما عن الأمر الأول:

فالذي يذكره أهل السنة: أن هذا حق للإمام لا غير، ولا يجوز لأحد أن ينازعه فيه، فقد قال الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله-:” وقسْمة الفيء، وإقامة الحدود؛ إلى الأئمة ماضٍ، ليس لأحد أن يطعن عليهم، ولا ينازعهم” اهـ .

وبمثل ذلك قال ابن المديني، أخرجه اللالكائي: ( 1- 2\168 ) ، فقد قال -رحمه الله-:” وقسمة الفيء، وإقامة الحدود؛ إلى الأئمة ماض، ليس لأحد أن يطعن عليهم، ولا ينازعهم”اهـ وفي ( 1- 2\169 ) ذكر اللالكائي عن ابن المديني دفاع الرجل عن نفسه إذا اعتدى عليه الخوارج واللصوص، ثم قال:” وجميع الآثار إنما تأمر بقتاله، ولم تأمر بقتله، ولا يقيم عليه الحد، ولكنه إلى من ولاه الله أمره، فيكون هو يحكم فيه”اهـ، من كلام ابن المديني رحمه الله.

ومن نظر في كتب الفقه أو العقيدة؛ وجد كلام العلماء لا يخرج عن نحو ذلك، إلا في حالة السيد مع عبده أو أمته؛ ففي ذلك تفاصيل، لسنا بحاجة إليها في هذا المقام.

وكلام أحمد وابن المديني بخلاف قولكم، فإن قولهما:”….. وإقامة الحدود؛ إلى الأئمة ماض” دليل على أنه قد سار عليه من مضى من أهل العلم، وأن ذلك سبيل المؤمنين، فمن نازعهم في ذلك؛ ففيه أمور:

‌أ- مخالفة أصول أهل السنة والجماعة.

‌ب- فتح باب الفتن مع ولاة الأمور – كما لا يخفى-

‌ج- فتح باب الفوضى بين المسلمين، لأن تنفيذ الحدود يفتقر إلى الاجتهاد، ولا يُؤْمَن عند استيفاء الحد من الحيف، فوجب تفويض ذلك إلى الإمام .

[ص-118] وإلا فهذا يفتح باب النـزاع، والمشاححةُ في ذلك مفضية إلى الفتنة، وربما أدى ذلك إلى إثارة النعرات الجاهلية، والثأر القَبَلي والطائفي والمذهبي ونحو ذلك، أما الإمام فيفْرِض اجتهاده بالقوة، فَيُؤْمَن في حقه من هذه المفاسد، والله أعلم.

فإذا تقرر هذا: فهل أنتم حكام المسلمين اليوم، أو نُوّابهم؟!! وما دليلكم عندما أجزتم لأنفسكم منازعة الأئمة في ذلك، والسنة الماضية بين السلف: عدم المنازعة في هذا الأمر؟ فهل أنتم -بهذا – متبعون للسلف، أم لأهواء الخلف؟!!

الأمر الثاني: إذا لم يُقم الإمام الحدود؛ فَيُنْظَر: هل يمكن إقامتها من أهل الحِسْبة، أو من قبل أهل العلم الكبار ونحوهم، دون أن تحدث مفسدة كبيرة- فضلاً عن مفسدة راجحة- أم لا؟ فإن في الأمر تفصيلاً، فإن أمكن القيام بذلك، وأمكن ردْع الظالم، ونصرة المظلوم، وسدّ أبواب الشر، بدون مفسدة -كما سبق- فهذا موافق لعمومات الأدلة، والقواعد الشرعية، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كما في” مجموع الفتاوى” ( 34\176 ) :” وقول من قال: لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوّابه؛ إذا كانوا قادرين فاعلين بالعدل، كما يقول الفقهاء: الأمر إلى الحاكم؛ إنما هو العادل القادر…. وكذلك الأمير إذا كان مضيعاً للحدود، أو عاجزاً عنها؛ لم يجب تفويضها إليه- مع إمكان إقامتها بدونه-.

قال: والأصل أن هذه الواجبات تُقام على أحسن الوجوه، فمتى أمكن إقامتها من أمير؛ لم يُحْتج إلى اثنين، ومتى لم تُقَْم إلا بعدد ومن غير سلطان؛ أُقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها؛ لم يُدْفع فساد بأفسد منه، والله أعلم” اهـ وانظر نحوه من كلام سماحة الشيخ ابن باز – رحمه الله- .

قلت: وما قرره شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى- هو الموافق للأدلة والقواعد، فما لا يُدرك كُلُّه؛ لا يُترك جُلُّه، ومراعاة المصالح والمفاسد أمر عظيم في الدين، وكل هذا قد سبق ذِكْر الأدلة الدالة عليه – ولله الحمد – إلا أن هذا مضبوط بضوابط، إذاً، فليس الباب مفتوحاً لمن دبّ ودرج!!

ثم إن ما ذكره شيخ الإسلام – رحمه الله – وبالضوابط التي وضعها؛ ليس فيه مفسدة تضر بالعمل، بخلاف ما سبق ذِكْره من مفاسد في صنيع المخالفين، لأن الإمام إن كان عاجزاً؛ فلا فتنة معه، وإن كان مفرطاً، فقد اشترط شيخ الإسلام السلامة من فتنة معه، وكذا اشترط السلامة من فتنة مع الرعية، وهذا ما قررته بتمامه- ولله الحمد-.

والملاحظ: أن ما يفعله الشباب يعود بمفاسد كثيرة، قد سبق ذكرها، فأين هذا من منهج الأئمة؟!!

وعلى كل حال: فإذا تخلف شئ من القيود التي ذكرها شيخ الإسلام – وهذا هو الغالب فيما أعلم- فيترك إقامة الحدود من آحاد الرعية؛ درءاً للمفاسد، ولعله لذلك قال صاحب الفضيلة الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله-:” فالحاصل أن إقامة الحدود من صلاحيات السلطان، وإذا لم يكن هناك في المسلمين سلطان؛ فإنه يكتفي بالأمر [ص-119] بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، ولا يجوز للأفراد أن يقيموا الحدود، لأن هذا – كما ذكرنا – يلزم منه الفوضى، ويلزم منه حدوث الثارات والفتن، وفيه مفسدة أعظم مما فيه من المصلحة، ومن القواعد الشرعية المسلَّم بها: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح” اهـ نقلاً من” فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة” صـ ( 170 ) .

وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – جواباً عن سؤال فيمن يُجافي المستأمنين، فذكر أنهم يحالون للمحكمة الشرعية، فسئل عما لو لم تكن هناك محاكم شرعية؟ فقال – رحمه الله-:” إذا لم توجد محاكم شرعية؛ فالنصيحة فقط، النصيحة لولاة الأمور، وتوجيههم للخير، والتعاون معهم، حتى يحكموا شرع الله، أما أن الآمر والناهي يمد يده، أو يقتل أو يضرب؛ فلا يجوز، لكن يتعاون مع ولاة الأمور بالتي هي أحسن، حتى يحكموا شرع الله في عباد الله، وإلا فواجبه النصح، وواجبه التوجيه إلى الخير، وواجبه إنكار المنكر بالتي هي أحسن، هذا هو واجبه، قال الله تعالى: سورة التغابن الآية 16 فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ولأن إنكاره باليد بالقتل أو الضرب؛ يترتب عليه شر أكثر، وفساد أعظم بلا شك ولا ريب لكل من سَبَرَ هذه الأمور وعرفها” اهـ نقلاً من” فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة” ( ص67- 68 ) .

( الشبهة العاشرة: قد يقول قائل: نحن لا نحب قَتْل المسلمين، ولا نرى ذلك جائزاً، ولا نقصدهم ابتداءً، لكننا لا نستطيع أن نصل إلى الكفار – في بعض الأحيان-؛ إلا بقتل بعض المسلمين، فيجوز لنا – والحالة هذه – أن نقتل بعض المسلمين، كما أفتى الفقهاء بنحو ذلك في مسألة التترُّس، ثم هم يُبعثون على نياتهم، كما جاء في الحديث!!

والجواب: أن الكلام معكم- هنا – في أمور:

1 – لقد سبق أن قتل المعاهد – الذي لم يف بعهده، سواء قتلتم معه مسلماً أو أكثر أم لا – ليس لكم، إنما يرجع أمره لولي الأمر، وهو الذي يحكم فيه، فإن لم يحكم فيه بالشرع، أو أهمل في ذلك؛ فيُنظر للتفصيل السابق عن شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- وأما واقعكم فبعيد عن هذا التفصيل، والمفسدة فيه – غالباً – متحققة.

2 – مسألة التترُّس: عبارة عن أخذ الكفار رهائن من المسلمين معصومي الدم، أو نحو ذلك، وجعلهم تُرْساً بينهم وبين المسلمين، حتى إذا رماهم المسلمون؛ قتلوا إخوانهم قبل الكفار، فيكون هذا الأسلوب سبيل ضغط على المسلمين، حتى لا يرموهم، وبذلك يتسنّى للكفار الاستمرار في خطتهم لاجتياح بلاد المسلمين.

وقد فَصَّل الفقهاء في هذه المسألة: وجمهورهم – بل ادعى بعضهم نفي الخلاف- على أن قتل المسلم لأخيه المسلم لا يجوز إلا بضوابط مجموعة في قولهم: ( ضرورية – قطعية – كلية ) .

فقولهم: ( ضرورية ) معناه: أن يكون ضرر الكفار بالمسلمين في الضروريات الخمس المعروفة، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.

وعندي: أن ذلك مقيد بأن يضطر المسلمون للدخول في الحرب مع المشركين، ولا يستطيعوا تأخير الحرب؛ أي أنها فُرِضت عليهم، بمعنى: أنهم إن تركوا المواجهة؛ استفحل شرُّ الكفار، فقتلوا الأسرى، وقتلوا المسلمين، وعاثوا في الأرض فساداً!!! وذلك بخلاف ما إذا أمكن دفع الكفار بغير قتل المسلمين الذين تترسوا بهم، فمن قتل المسلم والحال كذلك؛ ضَمِن، والله أعلم.

فهل هؤلاء الشباب قد اضطروا لذلك؟ أم أنهم – في كثير من الأحيان – هم الذين يبدءون بالاقتحام والتفجير؟!! فكيف يكون مضطراً لِقَتْلِ مَنْ قَتَلَ من المسلمين؛ من يتسلّل في ليل أو نهار، ولا يُعْلَم حَالُه؛ إلا إذا دَوَّى صوت الانفجار الذي يهز المدن على مسافة عشرات الأميال؟!!

أليس المنظِّرون لهذا الفكر هم الذين ألَّفوا الرسائل، واستدلوا بالأدلة على جواز ذلك؟ فهل يكون مضطراً من يناضل عن هذا الفكر، ويتهم من خالفه بأقبح التهم؟!!

فإن قيل: لقد اضطررنا إلى ذلك عندما رأينا ما يجري في المسلمين من الكفار في عدة أقطار!!

فالجواب: أن ذلك مقيد بعدم مخالفة الشرع من قبل الأبرياء من المسلمين أو الكفار ابتداءً، ومقيدٌ أيضاً بمراعاة المصالح والمفاسد، وهذا سيأتي بعد قليل – إن شاء الله تعالى-.

[ص-121] وقول العلماء: ( قطعية ) : أي أن تكون المصلحة المرجو جلبها؛ قطعية الحصول، أو أن تكون المفسدة التي يُرجَى درؤها؛ قطعية الدرء أو الدفع، أما إذا كانت ظنية محتملة؛ فلا.

وذلك لأن قتل المسلم المعصوم محرم قطعاً، فلا يُرْتكب محرم قطعي؛ لجلب مصلحة محتملة ظنية، والقاعدة أن اليقين لا يُترك للشك، ولا يمنع – عندي – أن يُعْمَل في ذلك أيضاً بغلبة الظن، لكن ذلك مقيد بفهم أهل العلم والحلم، ومعلوم أن المؤمن يقتل بشهادة عدلين عليه بالقتل، وفي ذلك قتلٌ لمن ثبتت عصمته في الدم يقيناً بغلبة الظن، والله أعلم.

فهل ما يفعله الشباب اليوم كذلك؟!! ولو كان الخير الذي يعود من وراء التفجيرات قطعياً- كما يدعي بعضهم- فلماذا هذه المفاسد التي لا يُغطيها ذيل، ولا يسترها ليل؟!!.

وسواء قالوا: التخطيط قطعي الدقة والمصلحة، لكن حصل خطأ في التنفيذ، أو فاتتنا عند الدراسة أمور، ظهرت لنا بعد ذلك، ونحو ذلك من اعتذارات؛ فكل ذلك ما يزيدنا إلا بصيرة بأن ضوابط القاعدة التي وضعها العلماء؛ لم تتوفر، وأن الشباب بحالهم هذا ليسوا مؤهلين لتقدير المصالح، هذا لو سلمنا لهم بأن المصلحة محتملة، فكيف إذا كانت المفسدة هي الراجحة، وتكاد تكون قطعية – في كثير من الأحيان – والله أعلم؟؟

وقولهم: ( كلية ) : أي أن تكون المصلحة عامة للمسلمين، فلا يُقتل مسلم تترس به كافر، لقتل كافر فقط، فمن الممكن أن يُترك المسلم والكافر في هذه الحالة، ويأتي الله بالكافر وحده مرة أخرى.

فإذا كانت المصلحة مصلحة عامة، لا خاصة بشخص؛ فنعم، لأنه لا يجوز لشخص أن يَدْرأ عن نفسه بلاء، أو يجلب لنفسه مصلحة بإيقاع الضرر بمسلم آخر.

مثال ذلك: أن يَدْهم المسلمين في بلادهم عدو، وقد تترس بأسرى المسلمين، فإن ترك المسلمون الكفارَ وشأنهم؛ هلكوا هم والأسرى – لاستفحال شر الكفار -، وإن قاتلوهم – دون قصد منهم لرمي إخوانهم المسلمين – فردّوا الكفار خاسرين، وفرح المؤمنون بنصر الله؛ فيكاد الإجماع ينعقد على وجوب قتال الكفار – والحالة هذه، وبالشروط السابقة-.

فأين هذا الحال من حال الشباب الذين يقتلون من المسلمين أكثر من غيرهم، أو يقتلون من لا يجوز قتله مسلماً كان أو كافراً، أو يقتلون الكافر الذي لا يجوز لهم أن يتولوا هم قتله؟!! ولو جاز لهم أن يتولوا قتله بأنفسهم، إلا أن المفاسد ستكون أعظم من مصلحة قتله؛ لما جاز لهم شرعاً – والحال هذا – أن يقتلوه، بل عليهم بالنصح والصبر، كما مر بنا.

3 – [ص-122] وأما استدلالكم بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض؛ يُخْسَف بأولهم وآخرهم قالت: قلت: يا رسول الله، كيف يُخْسَف بأولهم وآخرهم، وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟قال: يُخْسَف بأولهم وآخرهم، ثم يُبْعثون على نياتهم .

فهذا الحديث ليس لكم فيه حجة على فعلكم هذا، وذلك:

لأن هذه عقوبة إلهية، وليس للبشر صلة بالتدخل فيها، ولله الحكمة البالغة في الخسف بهؤلاء الذين ليسوا منهم، وإلا فالله عز وجل قادر على أن يُنـزل العقوبة بالظلمة منهم فقط، والله عز وجل يقول: ( وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)(سورة الكهف الآية 49) فلله حكمة لا يعلمها على حقيقتها إلا هو سبحانه، تقتضي قتل الجميع، ويُبعث من ليس منهم على نياتهم.

فكيف تقيسون قتلكم المسلمين الآمنين- وأنتم الذين خططتم لذلك، وتعلمون أنكم لن تصلوا إلى مرادكم إلا بقتل الأبرياء في الطريق؟فأنتم عاجزون عن قتل من تريدون قتله، دون من لا تريدون قتله، وأما ربي عز وجل فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء- فكيف تقيسون هذا على ذاك؟.

هل لكم حكمة بالغة وحجة دامغة في ذلك؟هل لا يلحقكم شر ولا عيب في تصرفاتكم، إن هذه منـزلة ربي عز وجل، وهو منـزَّه عن كل عيب، وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم:” الخير كله بيديك، والشر ليس إليك” .

إني لأتعجب من أناس يقتلون البريء- اختياراًَ – ثم يختلفون في بعثه كيف سيكون؟!! هل يُبعث على نيته، أم يبعث مع من قُتِل معه؟ ثم يُبشِّرون أهله بأنه سيُبْعَث على نيته؟!! ألا تتقون الله، وتَدَعُونه حياً بين أهله، وأَمْر مَوْته وبَعْثِه على الله عز وجل لا عليكم؟!!!.

وتأمل ما قال الحافظ في” الفتح” ( 4\341 ) في شرح هذا الحديث، فقال:” واستنبط منه مالك عقوبة من يجالس شَرَبَة الخمر، وإن لم يشرب، وتعقبه ابن المنيِّر: بأن العقوبة التي في الحديث: هي الهجمة السماوية، لا يقاس عليها العقوبة الشرعية، ويؤيده آخر الحديث حيث قال: يُبعثون على نياتهم” اهـ.

فهذا كله يدل على الفَرْق بين الدليل والدعوى، والله أعلم.

( الشبهة الحادية عشر: قد يقول قائل: نحن لم نخرج على الحكام، إنما أردنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك عندما رأينا شيوع المنكرات، وعدم إنكارها؛ وقد وردت أدلة كثيرة في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلماذا تنكرون علينا، ونحن قد رأينا المنكر، والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: من رأى منكم منكراً؛ فليغيره بيده، فإن لم يستطع؛ فبلسانه، فإن لم يستطع؛ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان وفي رواية وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ؟

فالجواب: إن تسمية الأشياء بغير اسمها – بما يورث مفسدة، أو يخالف الشرع-؛ ليس من عمل أهل العلم والفضل، ومع ذلك فلا يغير هذا من الحقيقة شيئاً، عند من آتاه الله بصيرة في الدين.

وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يأتي زمان على الناس يُسمّون فيه الخمر بغير اسمها… .

وعند الخلال في” الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” :” وأخبرني محمد بن علي حدثنا صالح أن أباه – يعني أحمد بن حنبل – قال: التغيير باليد: ليس بالسيف والسلاح” اهـ.

فهذا يدل على أن التفجيرات ليست من منهج أهل السنة والجماعة في تغيير المنكر باليد على ولاة الأمور، هذا إن قلنا بقول من يرى أن التغيير باليد لآحاد الرعية في هذا الموضع، والله أعلم.

ولا يخفى أن المعتزلة سمّوا الخروج على الحكام الظلمة؛ أمراً بالمعروف، ونهياً عن المنكر!! وهذا أحد أصولهم الخمسة!! فما هو الفرق إذاً؟!! وسمّوا تعطيل الصفات توحيداً، وسموا قولهم المنحرف في القدر عدلاً، وكذا سمى الجهمية تعطيلهم تنـزيهاً وتوحيداً، وسمَّوا أهلَ السنة مجسّمة ومشبهة، وسمى الصوفية خرافاتهم تخلية وتزكية، وسمى الروافض تكفير الصحابة حُبّاً لأهل البيت….. وهكذا!!!

فالدعاوى إن لم تقيموا عليها بينات فأبناؤها أدعياء!!!

فمن الذي يقبل منكم أن قتل الحاكم الفلاني ليس خروجاً عليه، إنما هو أمر له بالمعروف، ونهي عن المنكر؟ فأي شيء أبقيتموه له – بعد قتله – وأنتم تريدون له التحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل؟!! وأيضاً من الذي سيغتر بذلك، وهو يرى دماء المسلمين من أطفال ونساء وشيبان وأبرياء تختلط بالثياب والتراب، وتتطاير لحومهم نتفاً نتفاً؟!! من ذا الذي سيقول: هذا هو الأمر بالمعروف الذي مدح الله به المسلمين، وجعله أصلاً في دينهم؟!!

أليس الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، يُشترط فيه أن يكون عليماً بما يأمر، حليماً في ما يأمر به؟أي حلم في القتل والجرح وترويع الآمنين؟!!

[ص-124] ولقد قال شيخ الإسلام في” منهاج السنة” ( 5\253- 254 ) ؛ وقد ذكر حديثاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – ويُنظر حاله – ثم قال:

” وفي الحديث: من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر؛ فينبغي أن يكون عليماً بما يأمر به، عليماً بما ينهى عنه، رفيقاً في ما يأمر به، رفيقاً في ما ينهى عنه، حليماً في ما يأمر به، حليماً في ما ينهى عنه.

قال: فالعلم قبل الأمر، والرفق مع الأمر، والحلم بعد الأمر، فإن لم يكن عالماً؛ لم يكن له أن يقفوا ما ليس له به علم، وإن كان عالماً، ولم يكن رفيقاً؛ كان كالطبيب الذي لا رفق فيه، فيغلظ على المريض؛ فلا يقبل منه، وكالمؤدِّب الغليظ الذي لا يقبل منه الولد، وقد قال الله تعالى لموسى وهارون – عليهما السلام-: ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)(سورة طه الآية 44) ثم إذا أمر ونهى؛ فلا بد أن يُؤْذَى في العادة، فعليه أن يصبر ويَحْلُم، قال تعالى: ( وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)(سورة لقمان الآية 17) وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالصبر على أذى المشركين في غير موضع، وهو إمام الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، فإن الإنسان عليه أولاً: أن يكون أمره لله، وقصده طاعة الله فيما أمر به، وهو يحب صلاح المأمور، وإقامة الحجة عليه…” اهـ.

فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد أن يكونا بعلم ورفق وحلم، فأين هذا من التفجيرات التي تقضي إلى تطاير الأشلاء والفزع والهلع؟!!

ثم، أليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مُقَيَّدَيْن بعدم زيادة الشر، فإن زاد بهما الشر؛ فلا يجوز الإقدام عليهما أو أحدهما؟!!

وقد سبق كلام كثير من الأئمة في مراعاة ما تؤول إليه الأمور، وأن تغيير المنكر، إذا كان سيفضي إلى مثله أو أكبر منه؛ فلا يُنهى عنه، ولا يُسمَّى تارك المنكر – والحال هذه – مسيئاً، بل هو محسن، مُتّبع، غير مبتدع، والله أعلم.

هذا، ولا زال في بعض من بلاد المسلمين كالمملكة العربية السعودية- حرسها الله وجميع بلاد الإسلام من كل مكروه- بقايا خير في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – أيضاً- فيجب الحفاظ على ذلك، والتعاون معهم في تقويم ما اعْوَجَّ – بالتي هي أحسن – لا هَدْم ما بقي من الخير، ويكون الحال: كمن بنى بيتاً، وشيَّده وزخرفه وأتقنه، ثم رأى فيه خللاً؛ فلم يذهب إلى إصلاحه وترميمه، بل ذهب إلى هدمه وإزالته، والعزم على بناء غيره من جديد!! إلا أنه قصرت به النفقة؛ فلم يستطع البناء، أو تسلَّط عليه عدو – ولا بيت له يحميه – فظفر به عدوه، أو اختلف مع إخوانه في أي أمر من أمور الدنيا؛ فحيل بينه وبين ما يشتهي!! فنعوذ بالله أن تذهب بقايا الخير على أيدينا، أو أن يستحكم الشر بنا!! فوالله لَبَطْن الأرض خير من ظهرها؛ إذا كنا مطية لأعدائنا – ونحن نشعر أولا نشعر – فتسيل بنا الدماء المعصومة، وتُزْهَق الأنفس المحرمة، وتُهْدَر الأموال، وتُنْتَهك الحرمات، والله المستعان!!

( الشبهة الثانية عشرة: وهناك من يستدل على صحة ما جرى من أحداثٍ وتفجيرات؛ بهدمِ وحرقِ المركز التجاري العالمي الذي بأمريكا، ويرى أن في ذلك النفع للإسلام والمسلمين، سواء حدث هذا من مسلم أو كافر، وأن في ذلك مصالح لا يعلمها كثير من الذين يمنعون من ذلك!!

ولا يهمني أن أعرف عين أو اسم صاحب هذا الاستدلال، الذي رمز لنفسه باسم مستعار، إنما الذي يهمني أن أناقش كلامه، وأزنه بميزان أهل السنة والجماعة، وأما معرفة الشخص أو اسمه؛ فلا قيمة – في هذا الموضع – لذلك، ومن أجل هذا؛ فلم أهتم من أول الكتاب بذكر اسم أحد من المخالفين، فإن هذا – مع كونه لا ثمرة له هنا – فهو فاتح لباب النـزاع: هل صح أن فلاناً قال بهذا أم لا؟ والذي يهمني مناقشة القول المشهور عند طلاب العلم، لا معرفة من هو القائل، سواء صح هذا عن فلان أو لم يصح؛ لأن القول قد لا يصح عن فلان، لكنه صحيح عن غيره، كما تشهد بذلك شبكات” الإنترنت” وبأسماء مستعارة، المهم أن صاحب هذا الاستدلال قد قرر صحة ما ذهب إليه من وجوه سبعة، فأذكر كلامه تاماً، ثم أناقشه فيها وجهاً وجهاً – بمشيئة الله تعالى-:

فقد قرَّر أن أحداث الثلاثاء المبارك- حسب تعبيره- في أمريكا؛ وقعت في دولة محاربة، والدولة المحاربة يُوقع بها الضرر بكافة الوسائل.

وتردَّد الكاتب في كون الفاعل لهذه التفجيرات من المسلمين أم لا، إلا أنه قرَّر أن الفاعل لو كان مسلماً؛ لكان عمله هذا جائزاً غير مخالف للشرع!!

فقال:” وَرُبَّ قائل يقول: ولكن ما أدلة جواز قتل المسلمين الذين كانوا في مركز التجارة العالمي؟فنحن نوافق على أن المعصومين من الكفار يدخلون في واحدة من الحالات المتقدمة- أي التي يجوز فيها قتلهم- ولكن أين نُدخل المسلمين الذين ماتوا في العمليات ممن يعملون هناك؟.

قال: نقول الرد على ذلك السؤال من سبعة أوجه، يكفي أيضاً للمخالف الإقرار بواحد منها؛ ليلزمه القول بالجواز.

الوجه الأول: لم يثبت- حتى الآن- وجود مسلم من ضمن الضحايا، وإذا ثبت؛ نجيب بما بعده.

الوجه الثاني: لابد من معرفة ما هي مبررات الفاعل- إن كان مسلماً- فإذا كانت المبررات عبارة عن حالة اضطرار؛ جاز له هذا الفعل، وإذا كانت المبررات ليس فيها اضطرار؛ فنجيب بما بعده.

الوجه الثالث: إن غلبة الظن قائمة على أن الأهداف التي ضُرِبَتْ لا يوجد فيها إلا كفار، والعمل بغلبة الظن في الأحكام الشرعية هو الذي يُلْزَم به المَكلَّف.

الوجه الرابع: يرى الشافعي والجصاص من الحنفية: أنه يجوز تحريق وتغريق وهدم بلاد المحاربين- حتى ولو كان فيها مسلمون؛ ربما يموتون بمثل تلك الأفعال- لأن الكف عن ديار الحرب بمن فيها من المسلمين؛ مفضٍِ إلى [ص-126] تعطيل الجهاد، وأجاب الجصاص عن الآية ( وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ)(سورة الفتح الآية 25) الآية: بأنها لا تدل على التحريم، فإذا كان كذلك؛ فيجوز لمنفِّذ العمليات- إن كان مسلماً- هذا العمل.

الوجه الخامس: إن إطلاق الآية المذكورة آنفاً، وتعميم حكمها؛ يُفضي إلى تعطيل شعيرة الجهاد على كل الدول المحاربة؛ لأنه لا يوجد دولة اليوم؛ إلا وفيها عدد كبير من المسلمين، وحروب اليوم تقتل أعداداً كبيرة من الناس، فإطلاق حكم الآية باطل؛ لأنه يُبطل شعيرة الجهاد، أو يحصرها بغير دليل.

الوجه السادس: لو أن الفاعل مسلم- وعَلِم بذلك- فإن غاية ما عليه أن يدفع نصف دية المقتول، كما أفتى بذلك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمن قتل مسلمي خثعم، الذين كانوا يعيشون بين أظهر أهل الحرب من قومهم، ودفع الرسول صلى الله عليه وسلم نصف عقْلهم – أي ديتهم- من بيت المال، ولم يُكَفِّر من قتلهم، أو يعنفه، أو يدعو عليه، أو يتبرأ من فعله.

الوجه السابع: يجوز أيضاً معاملة المسلم الذي يعين الكفار ويقويهم على أنه منهم في الحكم الدنيوي، وحُكْمُهُ الأُخْرَوِي: يبعث على نيته، كما خسف الله بالجيش الذي يغزو الكعبة، وفيهم من ليس منهم” اهـ.

قلت: والجواب على هذه الوجوه من وجوه- إن شاء الله تعالى- ومنها:

1 – لا أعلم دليلاً قاطعاً – يُعتمد عليه – على أن ما جرى بذلك المركز التجاري العالمي قد وقع من قِبَل المسلمين، وعلى كل حال: فهذا باب له أهله الذين يُؤْخَذ عنهم ذلك بالوجه الشرعي، ولست في مقام إثبات ذلك أو نفيه؛ لأن علمي بذلك قاصر، إلا أن هناك قرائن إعلامية وغير ذلك، قد تصح، وقد لا تصح، فالله أعلم بالحقيقة، وإن كان هناك من أعلن مسؤوليته عن ذلك من المسلمين- فيما بلغني- فإن صح ذلك؛ فهذا من البلاء والتخبط، والله أعلم!!!-.

2 – أن هذا الفعل لو كان من المسلمين؛ ففيه فساد عظيم، ولو لم يكن فيه إلا قتل الكفار فقط – الذي جر فساداً عظيماً، زيادةً على قتل من لا يستحق القتل بعينه إلا بدليل- فكيف وقد اشتهر قتل كثير من المسلمين في هذا الحادث أيضاً؟!! وقد مضى تفصيل ذلك – ولله الحمد – إلا أن كلامي هنا عن الوجوه السبعة التي استدل بها الكاتب، وهذا مجال ردي على الكاتب الذي قرَّر صحة ذلك شرعاً، ولو اكتفى بكونه لا يدري من الذي قام بذلك؛ لما كان هناك حاجة لهذا الجواب، لكنه نسب صحة ذلك للشرع الشريف!! فتعيَّن الجواب عليه في ذلك، ذبّاً عن الدين، ونصحاً للكاتب والمسلمين.

3 – سبق أن الذي يُرْجَع إليه في فتاوى النوازل العامة: هم كبار أهل العلم، وأنهم الذين يقررون كون الدولة الفلانية تُقاتَل ويُلْحق بها الضرر، أم أن المصلحة في ترك ذلك – مع عظيم إضرارها بالمسلمين-؟.

وإن مما يُؤسف له: أن كثيراً من المسلمين لم يهتدوا للمرجعية الصحيحة في بابها – لا سيما في هذا الباب الخطير – فأخذوا الفتاوى في هذا الأمر الجسيم من هنا وهناك وهنالك!! وبعض مَنِ اتُّخِذُوا مرجعاً في هذا الأمر العظيم، وزاغ [ص-127] بسببهم فئام من الناس؛ أعلن تراجعه عن فتاويه، فمع دعائي لهم بالبصيرة والثبات والمغفرة؛ إلا أن هذا يزيدنا بصيرة بما نقول من وجوب رَدِّ المرجعية لذوي الحكمة والعلم، وإلا فسنبقى في تخبط وتخليط!! وقد قيل:

متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنتَ تَبْنِيه وغيرُك يهدمُ

وقد ساعد على انجرار كثير من العامة وراء هذا الفكر وتعاطفهم مع حَمَلَته: ما يعانيه المسلمون من غطرسة فاجرة – بلا حياء ولا خجل – أو أساليب ماكرة من اليهود والنصارى، فاندفع كثير من العوام وراء هذه العواطف، وتركوا حكمة وتُؤَدة الشيوخ ذوي التجربة والخبرة مع الرسوخ في العلم، وانجرّوا وراء الحماس المتدفق، والخطب الرنانة، وقد آل ذلك إلى أحوال لا تُحمد!! فـ ( يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ)(سورة يس الآية 26) .

4 – ذكر الكاتب أنه لم يصح أن أحداً من المسلمين قُتل في ذلك المركز!! ولا أدري كيف السبيل إلى صحة ذلك عنده أو عند غيره؟ فإن كان السبيل الرؤية الحقيقة فقط، وعدم تصديق الأخبار العالمية أو المحلية؛ فيقال له: وكيف رأيتم عدم وجود مسلمين في القتلى؟!!هذا، مع أنه قد يتذرع بذلك من يُكَذِّب أو يُشَكِّك في ضَرْب المركز التجاري العالمي أصلاً، بحجة أنه لم ير بنفسه، وأن ما نُشر في وسائل الإعلام؛ كذب وزور و”دبلجة”!!وإذا كان الأمر كذلك؛ فقد فُتح الباب لمن يريد أن يشكك في كثير من الأمور الواضحة!! فإنه لا سبيل لنا جميعاً- في مثل هذه الفجائع- إلا الأخبار المتداولة، نعم قد يكون فيها تهويل، لكن العاقل يستطيع أن يعرف شيئاً من الحقيقة!!!

وبهذا السبيل علمنا قتل عدد من المسلمين، عِلْماً بأن هناك أموراً قابلة لتكذيبها أو التشكيك فيها، وأموراً يُستبعد التشكيك فيها، فما هي الحاجة الماسة لادعاء الكفار قتل المسلمين بخاصة؟ ومعلوم أن دم المسلم – اليوم عند كثير منهم- لا يساوي شيئاً بالنسبة لدم اليهودي والنصراني؟ ثم وجود المسلمين في ذلك المركز ليلاً ونهاراً أمر لا يقبل التشكيك، فلماذا نُشكك في وجودهم حالة الاقتحام؟ ولماذا نشكك في قتلهم مع من قُتل؟!!

5 – استدل الكاتب على جواز قتل المسلمين الذين كانوا في مركز التجارة العالمي- إن صح ذلك عنده – بوجوه، فمنها قوله:” لا بد من معرفة مبررات الفاعل إن كان مسلماً، فإذا كانت المبررات عبارة عن حالة اضطرار؛ جاز له هذا الفعل، وإن كانت المبررات ليس فيها اضطرار؛ فنجيب بما بعده” اهـ.

قلت: لم يوضِّح الكاتب – بجلاء – موقفه من هذه” المبررات” هل هي اضطرارية، أم لا؟ إنما ساق الكلام على سبيل التردد والاحتمال، وإلا لقال: هناك” مبررات” اضطرارية لهذا، ثم يقول: ولو سلّمنا بأنها ليست اضطرارية؛ فنجيب بما بعده”!! هذا، وإن كان – فيما يظهر من حالِهِِ – أنه يراها اضطرارية!!

وأيضاً: لم يوضِّح الكاتب ما معنى قوله:” مبررات اضطرارية”!! فإن كان يعني: أن الشباب المسلم اضطر لذلك، وإلا فإن الكفار سيقتلونهم – وإن لم يفعلوا العمليات المذكورة -.

فالجواب: من ابْتُلي بالإكراه على القتل- إن لم يقتل فلاناً- فلا يجوز له أن يدفع الضرر عن نفسه، وأن يُلحقه بغيره، كما قرر ذلك العلماء – ونسأل الله العافية- فإنه” لا ضرر ولا ضرار” هذا، مع أن المنفِّذين لذلك لم يسْلَموا، ولم يسْلَم غيرهم!!!

[ص-128] وإن كان الكاتب يعني بالاضطرار: أن يُلْجأ الإنسان إلى هذا الفعل، ولا مناص له إلا بالإقتحام فيه، وإلا ترتب على ذلك ضرر عظيم به أو بالأمة، وأن هذا الفعل أصلح له ولأمته، وإن راح ضحيته من المسلمين من راح!!

فإن يكن هذا مقصوده؛ فهل هذه الضوابط السابقة متوفرة في صنيع هؤلاء؟ فما هو الملجئ الذي لا مناص منه في ذلك الفعل؟ وما هو الضرر الذي دفعناه عن أمتنا بهذا الفعل؟ وما هي المصلحة الراجحة التي حققناها لأمتنا من ورائه؟!!

كل هذه أسئلة يتعين على من قال بذلك أن يُجيب عنها، مع بيان حقيقتها في الواقع، وسيجد في الواقع ما يدل على غير ذلك، كما سيأتي – إن شاء الله تعالى-!!!

فإذا كانت هذه” المبررات” ليست شرعية، أو- على أقل الأحوال- لها أصل في الشرع، لكنها ضارة غير نافعة؛ فهي غير معتبرة شرعاً، وعلى ذلك فما تولَّد عنها – من الاقتحام وغيره- لا يكون شرعياً، والله تعالى أعلم.

6 – قول الكاتب في الوجه الثالث:” إن غلبة الظن قائمة على أن الأهداف التي ضُرِبت لا يُوجد فيها إلا كفار، والعمل بغلبة الظن في الأحكام الشرعية؛ هو الذي يُلْزم به المكلَّف” اهـ

قلت: غلبة الظن معتبرة في الأحكام الشرعية، لكن من رخَّص لأي مسلم أن يقوم بذلك أولاً؟ ثم إن كان القيام بذلك جائزاً؛ فمن الذي يُخَوَّل إليه النظر في ذلك، والاعتبار بغلبة ظنه وتقديره للأمور؟!!

وأيضاً: فمما يدل على خطأ من قدَّر هذا التقدير، حتى غلب على ظنه صحة الإقدام على ذلك أمور:

‌أ- كيف غلب على ظنكم عدم وجود مسلمين في ذلك المركز التجاري آنذاك؟ وأنتم تعلمون تردد المسلمين على ذلك المركز ليل نهار- سواء كانوا في عمل جائز أو غير جائز – ووجود المسلمين في هذا المركز ظاهر من اسم المركز، فإنه عالمي، والمسلمون من جملة هذا العالم!!

‌ب- سلمنا بأن دراستكم قد أثمرت ذلك، وأنكم أهل لإجراء هذه الدراسة؛ فهل انتهت دراستكم في الدقيقة التي تم فيها التنفيذ، وليس هناك فاصل زماني بينهما، أم لا؟ لا شك أن الأول مستبعد جداً – عادة – فبقي أن دراستكم هذه قد انتهت بعدم وجود مسلمين في اليوم الذي سيتم فيه التنفيذ، وما بين ذلك وساعة التنفيذ وَقْتٌ ما قد يطول أو يقصر، فمن أين غلب على ظنكم أن هذا الوقت لا يدخل المسلمون فيه ذلك المركز التجاري، فيوافقوا ساعة التنفيذ، فيجرى عليهم ما جرى على غيرهم؟ إن هذا ليدل على قلة مبالاتكم بدماء المسلمين!!!

‌ج- سلمنا بأن دراستكم انتهت ساعة التنفيذ، وغلب على ظنكم عدم وجود مسلم في المركز في ذلك الوقت، فهل غلب على ظنكم أيضاً عدم وجود أموال للمسلمين في ذلك المركز، وقد دخلت تلك الأموال ذلك المركز لأعمال تجارية مباحة أو غير مباحة شرعاً، والمسلم معصوم المال والدم والعرض، فإن أنكرتم؛ كابرتم، والله المستعان. أم لا؟

فإن قلتم: هذه أموال يغلب عليها الربا، فالجواب: أن هذا الإطلاق لا يُسلَّم لكم، ولو سُلِّم لكم؛ فهل جاءت الشريعة بتعزير صاحب الربا باقتحامه وحرقه وحرق أمواله بالطيران؟!!

[ص-129] فإن قلتم: هذه أموال يستفيد منها اليهود والنصارى، لأنها تقوي اقتصادهم؛ فالجواب: أن أصل التجارة مع اليهود والنصارى جائز في الإسلام، وإن كانوا يستفيدون من هذه التجارة ولا بد، ومع ذلك فلم يحرم الإسلام هذه التجارة، لأن المسلمين يستفيدون أيضاً منها، ولأن حاجة الناس بعضهم إلى بعضهم – في هذا الباب – يشق على الناس منعُهم منها، وإن سَلَّمنا بأن ما ذكرتم حق؛ فهل يكون العلاج بما فعلتم؟ولو كان ما فعلتموه جائزاً في الأصل؛ ألا تنظرون إلى عاقبته ومآله؟!!

كل هذا يدلنا على أن العاطفة الجياشة عندكم؛ حالتْ بينكم وبين معرفة الأمور على حقيقتها، والله تعالى أعلم.

7 – واستدل الكاتب بقوله: الوجه الرابع: يرى الشافعي والجصاص من الحنفية… الخ، وهذا ليس فيه دلالة على ما ذهب إليه من الجواز، وذلك من وجهين:

‌أ- هل قول الشافعي والجصاص حجة لذاته، أم لا بد من الدليل الصحيح على قولهما – هذا لو سلمت بصحة استدلالك بكلاميهما في موضع النـزاع-؟!!

‌ب- لما رجعت إلى كلام الجصاص في” أحكام القرآن” وجدت ما يلي:

* سياق الكلام في شن الغارة التي لا بد منها، والمصلحة فيها متحققة، وفي مثل هذه الحالة؛ لا يتأتّى تمييز المعصوم من غيره، وقد سبق الكلام عن شروط الجواز في مسألة التترس، وهذا بخلاف من شن غارة بدون رجوع إلى أهل العلم، ودون اضطرار لذلك، ويكون ضررها أكثر من نفعها!!

* يوجد كلام لمالك والأوزاعي وغيرهما – في المصدر نفسه الذي نقل منه الكاتب- بخلاف كلام الشافعي والجصاص الذي اقتصر عليه الكاتب، فلماذا نقل الكاتب ما يوافق قوله دون ما يخالفه؟ والأمانة العلمية – في هذا الموضع- تقتضي ذكر كلام المخالف، أو الإشارة إليه، أو الرد عليه.

* ما أجاب به الجصاص على قوله تعالى: ( وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)(سورة الفتح الآية 25) ؛ جواب ضعيف، قد رد عليه كثير من الأئمة والمفسرين، وذكروا أن ذلك يدل على تحريم الاقتحام على الكفار في ديارهم ونحو ذلك مع وجود المسلمين، ومن رجع لكتب التفسير؛ علم صحة ذلك، فلماذا اقتصر الكاتب على نقل هذا القول الضعيف، الذي بالغ صاحبه في الاسترسال في النظر، مع ترك صريح الآية؟!!

والصحيح: أن الآية تدل – كما قال مالك وغيره – على حرمة قتل المسلم مع المشرك إذا تترس به أو نحو ذلك؛ إلا في حالات قد سبق تفصيل العلماء لها، وليس ما نحن بصدد مناقشته مع المخالفين من هذه الحالات، والله أعلم.

[ص-130] وإذا كان الله عز وجل قد أخّر الفتح المبين والنصر العزيز – وهو فتح مكة- من أجل بعض المؤمنين الذين لا يُعرفون، ولم يأذن لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يقتل الكفار، ويستبيح مكة؛ لوجود فئة مؤمنة مخالطة لهم، وغير متميزة عنهم – مع ما في الفتح من نصر عظيم، إلا أن تأخيره لا يؤدي إلى استفحال شر العدو وقوة شوكتهم – فكيف تُجوِّزون لأنفسكم قتل كثير من المسلمين من أجل قتل بعض الكفار؟ وقد لا تتمكنون إلا من قتل المسلمين فقط؟!! ومع هذا كله؛ فالضرر حاصل نقداً ونسيئة!!

* ليس في كلام الشافعي والجصاص ما يدل على أن تحريق وتغريق وهدم بلاد المحاربين بمن فيها من المسلمين؛ من أجل عدم تعطيل الجهاد – كما ذكر الكاتب – فإن الجهاد منه جهاد اختيار، وجهاد اضطرار، وحالة الاضطرار قد سبق الكلام عليها مفصلاً، وأما في حالة الاختيار؛ فلا يجوز الإقدام على قتل معصوم- مسلماً كان أو غيره إلا بتفاصيل معروفة عند العلماء- والحالات التي يجوز فيها قتل الكافر المعصوم؛ راجعة للاضطرار، أو لنقض الكافر عهده، أو إخلاله بشروط المسلمين، ونحو ذلك من تفاصيل.

ورَفْع راية الجهاد لا يكون إلا بشروط، فإذا لم تتوفر؛ فيجب الترك والكف، وكل هذا راجع لمصلحة الدين، وإعلاء كلمة الله عز وجل.

فدعوى قتل المسلمين مع الكفار، لإبقاء عَلَم الجهاد؛ جَهْلٌ بالشريعة والجهاد، ونخشى أن يأتي بعد ذلك من يريد المحافظة على رفع راية الجهاد -بهذا التصور-؛ فيشن الغارة على أهل البدع: من مرجئة وقدرية ومعتـزلة وشيعة ونحو ذلك لمجرد البدعة – وإن كانوا مسلمين، وإن كان السلف لم يفعلوا ذلك-!! بل ربما شنّ الغارة على مخالفه من أهل السنة، لإبقاء عَلَم الجهاد مرفوعاً!! فنعوذ بالله من أن نكون ممن زُيِّن له سوء عمله؛ فرآه حسناً!!

8 – واستدل الكاتب في الوجه الخامس بقوله:” إن إطلاق الآية المذكورة آنفاً، وتعميم حكمها – ولعله يعني آية الفتح السابقة – يُفضي إلى تعطيل شعيرة الجهاد على كل الدول المحاربة….” الخ كلامه.

قلت: والجواب من وجوه – إن شاء الله تعالى-:

‌أ- لا جهاد إلا بقوة وشوكة، وفتوى لأهل العلم والاستنباط، وأن يكون ذلك وراء إمام مسلم مُمَكَّن، وما تفعلونه ليس كذلك.

‌ب- إذا تعطل الجهاد العام بالسيف مدة؛ فلا يلزم من ذلك تعطيل الجهاد مطلقاً، فالمسلمون يمرون بمراحل قوة وضعف، وكل حالة لها ما يليق بها من الأحكام الشرعية – وقد سبق تفصيل ذلك-.

‌ج- لو تمكن المسلمون – إن شاء الله تعالى – فلإمامهم أن يخاطب المسلمين الذين في بلاد الحرب بما يراه أصلح لهم وللإسلام وأهله، فلا تعطيل للجهاد الشرعي، أما الجهاد البدعي؛ فلا نرفع به رأساً، بل هو فساد في الأرض، ولا نبالي بما خالف الشرع الشريف – ولا حول ولا قوة إلا بالله-.

واعلم أن الجهاد الشرعي ماضٍ في هذه الأمة إلى يوم القيامة، بين كثرة وقلة، وشيوع واضمحلال، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، ولا من [ص-131] خذلهم، حتى تأتيهم الساعة ، وقد مرت مراحل ضعف لم يكن فيها قتال بين المسلمين والكفار، ولو لمدة قصيرة، ولا ينفي هذا وصف هذه الطائفة بقتالها مخالفيها من أجل الدين، إذا كانت تعتقد ذلك وتعدُّ له، وفي التاريخ بيان لذلك، والله أعلم.

‌د- لو فرضنا أن الجهاد الشرعي قد تعطل بسبب ضعف المسلمين في باب الإعداد الصحيح: بالمعتقد السليم، والإعداد المادي بما يناسب كل عصر، فمعلوم أن الله عز وجل لا يُكلف غير المستطيع، فلماذا هذا التهويل؟!!

إنما يجب علينا أن نحث المسلمين على استدراك ما فاتهم، بالإعداد الشرعي والمادي، أما أن نحثهم على اقتحام ما فيه هلاكهم؛ فلا!!

فظهر من خلال هذا أنه لا وجه للكاتب في هذا الوجه – أيضاً- على دعواه، والله أعلم.

9 – واستدل الكاتب في الوجه السادس بما رُوِي في قتل مسلمي خثعم، وهي قصة مرسلة لا تصح، وهاك البيان:

عن جرير بن عبد الله – رضي الله عنه – قال: بعث رسول الله صلى عليه وعلى آله وسلم سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأمر لهم بنصف العقل، وقال: أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تراءى نارهما أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما، وقد رجح البخاري والترمذي وغيرهما أن الحديث مرسل، وأن ذِكْرَ جرير فيه خطأ، وأن الصواب أنه من رواية قيس بن أبي حازم عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرسلاً، وأن من رواه عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم مرسلاً؛ أكثر وأحفظ ممن رواه عنه مسنداً، فالإسناد شاذ، والمحفوظ هو الإرسال، وإن كان الحديث المرفوع له شواهد، انظرها في” الإرواء” إلا أن الحديث ليس فيه شاهد أصلاً للمخالف في موضع النـزاع، إنما الشاهد- عنده- في القصة، وهي لا تثبت.

وأيضاً: لو سلمنا بثبوتها، فهل كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم وجود هؤلاء المسلمين بين أقوامهم، ومع ذلك أرسل سرية لقتالهم بمن فيهم من المسلمين إبقاءً لعلم الجهاد؟!! ولماذا- إذا كان ذلك كذلك- أخَّر الله فتح مكة، والعلة واحدة؟!! ثم لماذا لم يشرع رسول الله نصف الدية لكل مسلم يُقْتل كذلك؟!!

وهل أنتم تعطون نصف الدية لمن تقتلونه في عملياتكم هذه؟!! أم أنها أدلة تستدلون بها فقط لإسكات مخالفكم؟! ولكنكم لا تعملون بها!!.

وتأمل كيف يستدل بعض الشباب بأحاديث ضعيفة، ويفرحون بكلام الجصاص الذي استرسل في تأويل آية الفتح على غير وجهها بدون دليل، وهذا من شؤم الاعتقاد ثم الاستدلال!!

وأما قول الكاتب:”….. ولم يكفِّر من قتلهم، أو يعنفه، أو يدعو عليه، أو تبرأ من فعله” اهـ

[ص-132] فيجاب عنه: بأن التكفير حكم شرعي، فلا يجوز أن يُكَفَّر من لم يستوف شروط التكفير، وأكثر أهل العلم على عدم تكفير الخوارج المارقين، مع تكفيرهم بعض المبَّشرين بالجنة، وبقية الصحابة، واستحلال الدماء بالتأويل الفاسد، فكيف بغيرهم الذين يقولون بكل مقالاتهم؟!! إلا أن هذا الذي يفعلونه بدعة في الدين، وضلالة وفتنة، ويجب نصحهم، وتعنيف وتأديب من لم يرجع إلى الأدلة الشرعية، وفتاوى أهل العلم الراسخين،- ويكون هذا التأديب شرعياً – ويُدعا لفاعل ذلك بالهداية والصلاح، ويُتبرأ من فعله- لا كما يقول الكاتب- فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما بلغه أن خالد بن الوليد – وهو سيف الله حقاً – قتل بني جُذَيْمَة، وهم قوم لم يستطيعوا أن يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صبأْنا، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد .

10 – واستدل الكاتب بالوجه السابع، وفيه:” يجوز أيضاً معاملة المسلم الذي يعين الكفار ويقويهم؛ على أنه منهم في الحكم الدنيوي، وحكمه الأخروى: يُبْعَث على نيته….” الخ.

قلت: سبق الكلام على استدلالهم بحديث:” ثم يبعثون على نياتهم” بما يغني عن إعادته.

وأيضاً: فهل الأطفال والنساء والأبرياء الذين تقتلونهم يعينون الكفار؟!

ولو سلَّمنا بأن الرجل الذي قتلوه في التفجيرات يعين الكفار؛ ففي أي شيء يعينهم؟هل يعينهم في أمور لا صلة لها بالإضرار بالمسلمين، كالطب ونحوه، أو يعينهم في ميدان الحرب؟فإن هناك فرقاً بين هذا وذاك، كما لا يخفى!!

ثم كيف ثبت عندكم أن المسلم الذي كان موجوداً في المركز التجاري العالمي كان ممن يعين الكفار على المسلمين؟!! لمجرد أنه دخل المركز التجاري مع صديق له مثلاً؟ أو لأن له مالاً في ذاك المركز، أو نحو ذلك؟!! ألا ترون أن هذا الحال يجرئ المرء على انتهاك الحرمات، وحرمة المسلم عند الله عظيمة؟!!

فإذا قلتم: إن المسلم الذي يكون في المركز التجاري؛ يعينهم بوضعه المال عندهم، ونحو ذلك.

فالجواب: أنه يلزمكم أن تعدّوا كل من دخل أمريكا وغيرها من المسلمين -ولو للعلاج- أو اشترى منتجاتهم – وهذا لا يكاد ينجو منه أحد-؛ فقد أعانهم؛ لأنهم يستفيدون من دخوله عندهم، أو شرائه منتجاتهم في أمور كثيرة أو قليلة، كما لا يخفى!! وإذا وصل بكم الأمر إلى ذلك؛ فالحكم يشمل كل من دخل بلاد غير المسلمين أو استفاد منهم بشيء!! ثم إذا كنتم تحكمون على حكام المسلمون جميعاً- بدون تفصيل – بأنهم كفار، وأنهم أولى بالحرب من غيرهم، وأن بلادهم بلاد كفر، أو حرب؛ فكل مسلم يقيم فيها، أو يعمل فيها؛ فقد أعانهم، ويُلحق بهم في جواز قتله- بناء على لازم قولكم-!!

إن هذا كله يدل على أن بعض الشباب قد فتحوا باب شر على أنفسهم وعلى غيرهم، ولا يُستبعد أن يأتي من يقول بلازم قولهم هذا، فنعوذ بالله من الحوْر بعد الكوْر!!

[ص-133] أقول هذا في مقام الرد على الغلو، وإلا فلو أمكن المسلم أن يبتعد عن بلاد الكفار – سلامة لدينه من الفتن – بل ويبتعد عن البلاد التي فيها فتنة لدينه من بلاد المسلمين، لو أمكنه ذلك دون وجود مفسدة أكبر، أو تفويت مصلحة أعظم؛ فهذا مما يجب عليه شرعاً، والله أعلم.

11 – لقد وعدت ببيان المفاسد التي أصابت الإسلام من وراء ما جرى في المركز التجاري العالمي، ولا شك أن هذه المفاسد كثيرة جداً، ولكنني سأذكر ما حضرني منها – حسب علمي- ثم أريد مِنْ كل مَنْ يبحث عن الحق أن يقارن بين ذلك، وبين ما سأذكره من مصالح في نظر المخالف – إن شاء الله تعالى-!!

‌أ- إن المخالفين هنا متفقون – فيما أعلم – على أن دولة طالبان الإمارة المسلمة الوحيدة في هذا العصر!! ويصفون أميرها بأمير المؤمنين، وقد تذرّعت أمريكا بما جرى في المركز التجاري، فسحقت الشعب الأفغاني، فلا يُحصِي دماءه وآلامه وجراحه وآهاته – رجالاً ونساءً وأطفالاً وشيوخاً – وخساراته المادية إلا الله عز وجل، وانتهى ذلك بإسقاط إمارة طالبان؛ وهذا الأمر لا يشك فيه عاقل – اليوم -، فهل سقوط دولة الإسلام الوحيدة- في نظركم- أقل خسارة من بقاء المركز التجاري العالمي دون تعرض له؟!! أجيبوا ليعلم الجميع كيف تقدرون المصالح والمفاسد!!

وإذا كان سقوط دولة الإسلام وآخر معاقله- عندكم- واحتلال النصارى بلاد المسلمين، وتبديل حكم الله بحكم الشرق أو الغرب، وطيّ فراش الفضيلة، ونَثْرُ جمرات الرذيلة، مع ما في ذلك من دماء وأشلاء، وإهلاك للحرث والنسل، فإذا كان هذا كله وغيره أخف ضرراً من إبقاء مركز تجاري دون حرقه؛ فلماذا بالغتم في أمر” الحاكمية” حتى ما سلم منكم كبير ولا صغير يخالفكم؟ وهم ما خالفوكم إلا فيما هو دون خسائر المسلمين في أفغانستان بما لا يعلمه إلا الله عز وجل؟!!

‌ب- لا تزال أمريكا تهدد كثيراً من دول الإسلام بحجة:” مكافحة الإرهاب” فجرى بالعراق ما جرى، وكثير من البلاد تنتظر ماذا يجري لها- وأسأل الله أن يدفع شر كل ذي شر عن الإسلام وأهله- وكل هذا بسبب ضعف أو تَمَسْكُن المسلمين، وبسبب تهور وغلو المخالفين.

فهل سقوط بعض هذه الدول، وتهديد أخريات؛ لا يساوي مفسدة ترك ذلك المركز؟!!

‌ج- الضغط على الدول التي لم تُحْتل أرضها، وهذا الضغط له آثاره على الدين والدنيا، بما لا ينازع فيه أحد، وما لجُرْح بميت إيلام!!

‌د- إثارة الفوضى في بلاد المسلمين، لأن الحكام ينظرون تجاه هذه الضغوط بنظرة ما- وقد تكون صحيحة من البعض، وباطلة من البعض الآخر- والشباب ينظرون بنظرة أخرى، ومع اختلاف النظرتين وسبيلَي العلاج – مع الإعراض عن رأي كبار العلماء من الطائفتين في كثير من البلدان- أثيرت فتن جسيمة، وقد كان الناس شبه مستورين قبل هذه الفتن، فكُشِف سترهم،، والله أعلم بماذا ينتهي المطاف، فأسأل الله أن يحفظ الإسلام وأهله وبلاده، وأن يُؤَمِّنهم في ديارهم، ويدفع عنهم شر كل من أرادهم بسوء.

‌ه- سبق ذِكْرُ مفاسد كثيرة بسبب التفجيرات، وهي داخلة هنا أيضاً، والله المستعان.

[ص-134] فهل هذه المفاسد – وغيرها- دون مفسدة بقاء ذلك المركز التجاري؟!! فبأي ميزان يزن الشباب؟

ومن أي قواعد ينطلقون؟!! أليس هذا كله يزيدنا بصيرة في حكمة الشيوخ، وحَذَراً من عجلة الشباب؟!!

وبهذا ينتهي الجواب عن هذه الشبهة، والله تعالى ولي التوفيق والهداية والسداد.

( الشبهة الثالثة عشر: يقول بعضهم: إن المفاسد التي تعدُّونها من آثار التفجيرات؛ ليست ناتجة عن تنفيذ بعض المسلمين – إن صح ذلك- للمركز التجاري العالمي، إنما هي مفاسد موجودة من قبل، واستدل بأمور، منها:

1 – أن الذين قاموا بها متبعون للأدلة السابقة، ومن عمل بموجب الدليل؛ فقد حقق المصلحة ولابد، فلا يُسْأل عن مصلحة بعد ذلك.

2 – واستدل أيضاً بأن ضرب الأعمال الإغاثية والدعوية والتعليمية في أماكن كثيرة من بلاد المسلمين ومراكزهم خارج بلاد المسلمين؛ كان أمراً سيحصل ولو بدون هذه العلميات!!

وكذا الشعوب الإسلامية قد دُبِّر أمر اضطهادها بليل، سواء حصلت عمليات أم لا!!

3 – واستدل بأن التضييق على المسلمين في الغرب والاعتداء عليهم مفسدة جزئية، لأن عددهم هناك قليل، فلا يُنظر إلى مصلحتهم دون مصلحة بقية المسلمين!!!

4 – واستدل بأن من يخاف من تشويه الغرب للرجل المسلم، وتصويره أمام العالم بأنه سفاح؛ هذا منطق المنهزمين المتخاذلين، وإلا فديننا دين ذبْح للكفار!!

ثم ذكر الكاتب ما يعتقده من المصالح التي أثمرتها عملياتُ التفجير، فقال:” وهناك مصالح حصلت من هذه العمليات لم ينظروا – يعني مخالفيه من العلماء وطلاب العلم- إليها أبداً، ولم يذكروها…. وهي: أن أمريكا ستنظر فيما بعد لقضايا المسلمين بتعقل، لاسيما قضية فلسطين، وسيخف طغيانها على المسلمين…” قال:” وأيضاً العمليات أوقعت أمريكا بأكبر أزمة اقتصادية عرفتها، فالخسائر المادية تصل إلى” ترليون”، وفقدت ما يقرب من ألفي عَقْلٍ اقتصادي في العمليات، وانخفضت البورصة انخفاضاً هائلاً، وتدهور الإنفاق الأمريكي، وانخفض سعر الدولار، وتضررت شركات الطيران، وأعلنت عن تسريح 26 ألف موظف، وربما يصلون إلى 100ألف في القريب العاجل، كما ذهب نظام” العولمة” الذي كان سيفسد العالم بلا رجعة” اهـ

قلت: والجواب على ذلك من وجوه – إن شاء الله تعالى-:

1 – أن دليله الأول ينقضه ما سبق من جوابٍ لي في الشبهة السابقة، فقد أَثْبَتُّ هناك أن هذه العمليات ليست موافقة لقواعد وأدلة الشريعة، وأنها جرّت مفاسد لا يعلم بآخرها إلا الله- فنعوذ بالله منها-.

2 – لو سلمنا بأن الدليل الذي استند إليه منفِّذو ذلك – لو كانوا مسلمين- صحيح صريح، فبقي النظر في المفاسد التي وراء ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يترك بعض الواجبات، خشية حصول مفسدة أكبر، والإقدام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ منوط بما يتولد عنهما، وقد سبقت أدلة هذه القاعدة، فكيف يقول الكاتب:” عِلماً بأن الذي قام بالعمليات – إن كان مسلماً – فإن معه الأصل، وهو الدليل، فإن المصلحة المطلقة: هي [ص-136] بإتباع الدليل، فلا ينبغي أن يقال له: ما هي المصلحة مِنْ فِعْلِكَ هذا؟بل يكفي أن يَرُدَّ بقوله: إن المصلحة: أني عملت بالدليل فقط”؟!!

قلت: ألا يعلم الكاتب أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ترك قتل ابن سلول – وقد سب النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فاستحق القتل – حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه”؟!!

ألا يدري أن الله عز وجل يقول: ( وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ )(سورة الأنعام الآية 108) ؟!!

والكاتب نفسه قرر كما سبق – أن من لم يصرح بذبح الكفار؛ فهو منهزم مخذول؟!! فكيف والآية تنهي عن السب – فضلاً عن القتل – للمشركين؟!! فهل القرآن يدعو للانهزامية والخذلان؟!!.

ألا تفرقون بين حالة الضعف، وحالة القوة؟!!

إن هذا ليدلنا على مبلغ فقه الكاتب- ومن كان على شاكلته- في هذا الباب الذي اعتنى به السلف أيما عناية!!

وتأمل كلام شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى – فقد قال- كما في” مجموع الفتاوى” ( 28\129 ) -:” فإذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات، أو تزاحمت؛ فإنه يجب ترجيح الراجح منها، فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي – وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة، ودفع مفسدة – فيُنظر في المعارض له: فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر؛ لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً، إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد؛ هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقلَّ أن تُعْوز النصوصُ من يكون خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام” اهـ

وكلام شيخ الإسلام ظاهر في المراد، ولقد تعمدت نقل كلامه الأخير؛ حتى لا يقال: فلان أخلّ بالأمانة العلمية، فأقرر هنا أن المراد: أن المرء يعمل بالنص؛ ما لم يزاحمه أو يعارضه نص آخر، ويعمل بالدليل؛ ما لم يترتب عليه تفويت ما هو أهم، أو جلب ما هو أشر مما نهى عنه الدليل، أما إذا عارضه أو زاحمه غيره؛ تعيّن عليه أن يوازن بين المصالح والمفاسد، وكل ذلك بميزان الشرع، والخبير بالنصوص يُوفَّق في معرفة المصالح والمفاسد، فإن ترك واجباً لواجب أهم منه – بعد النظر الصحيح في ذلك – فهو متبع لنصوص الشريعة، ولم يخرج عنها، فتأمل، وسيأتي عنه بعد قليل ما يدل على هذا، والله أعلم.

وقال شيخ الإسلام في” الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” ( ص 17 ) :” وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات أو المستحبات؛ لا بد أن تكون المصلحة فيه راجحة على المفسدة، إذ بهذا بُعثت الرسل، ونزلت الكتب، والله لا يحب الفساد، بل كل ما أمر الله به؛ هو صلاح، وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين والذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذم الفساد والمفسدين في غير موضع، فحيث كانت مفسدةُ الأمرِ والنهي أعظمَ من مصلحته؛ لم تكن ( مما ) أمر الله به، وإن كان قد تُرِكَ واجبٌ، وفُعِل محرمٌ” اهـ

[ص-137] وقال في” منهاج السنة” ( 4\536 ) :” لكن إذا لم يَزُل المنكر إلا بما هو أنكر منه، صارت إزالته على هذا الوجه منكراً، وإذا لم يحصل المعروف إلا بمنكر مفسدته أعظم من مصلحة ذلك المعروف؛ كان تحصيل ذلك المعروف على هذا الوجه منكراً”.

فتأمل هذا التفصيل، وهو دال على ما ذكرتُه عنه قبل قليل، وقارن بينه وبين من يقول:” فلا ينبغي أن يقال له – أي لمن عمل بالدليل عند تعارض وتزاحم المصالح والمفاسد-: ما هي المصلحة من فعلك هذا؟بل يكفي أن يرد بقوله: إن المصلحة أني عملت بالدليل” اهـ.

فإذا تأملت هذا؛ فستجد الفرق بينهما كالفرق بين السلف والخلف، والله المستعان.

وأيضاً: إذا كنت – أيها الكاتب- تقول بجواز قتل الترس المسلم للمصلحة؛ فلماذا خرجت عن قاعدتك في مسألة التـترس، واستحببت قتل المسلم المعصوم، مع أن هذا خلاف الدليل؟أليس ذلك مراعاة منك للمصالح والمفاسد؟!! فلماذا لا تنظر لذلك هنا؟!!

3 – وأما دعواه بأن ما جرى للمسلمين من اضطهاد للشعوب، وتضييق على الأعمال الخيرية والدعوية…. ونحو ذلك، بأن ذلك قد كان سيكون لو لم تقع هذه العمليات!!فيجاب عنه بأمور:

‌أ- مع علمي بأن البغضاء للمسلمين موجودة عند أعدائهم، إلا أنه يقال: من أدراك أن هذا كان سيكون كذلك؟والله عز وجل هو الذي يعلم الغيب ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ)(سورة الجن الآية 26-27) ؟

‌ب- لو سلمنا بأن هذا كان سيكون: فهل هذه العمليات عجّلت به أم لا؟ فإن قلت: لم تعجِّل به؛ كابرت، ورد عليك الواقع، فإن الناس رأوا اهتبال اليهود والنصارى لهذه العمليات – والله أعلم ممن هي؟! وباغتوا المسلمين في أفغانستان – من رجال ونساء وأطفال – وتعللوا في ذلك بعدة أعذار وادعاءات!! فمن الذي سيقبل منك أنها لم تؤثر في أمر الزمان شيئاً؟!!

واعلم أن تعجيل العقوبة وحلول المصائب من المفاسد، فالكفار وإن رسموا خططاً على المدى البعيد لضرب المسلمين؛ فقد تحدث أمور قبل أوان التنفيذ تصرفهم عن خططهم، أو تشغلهم بأنفسهم، أو تقوى شوكة المسلمين ….الخ، فهذه العمليات كانت سبباً في تعجيل العقوبة، وفي ذلك مفسدة لا تخفى.

‌ج- ولو سلمنا بأن العقوبة جاءت في وقتها دون استعجال العمليات لها، أليس قدْر العقوبة قد زاد واتسع وثقُل بسبب هذه العمليات؟فإن قلتم: لا؛ كابرتم، وإن أقررتم بذلك – وهذا ما كان أحد أسباب تراجع بعض علمائكم عن هذا الفكر – فهل جاءت الشريعة بتقليل المفاسد وتعطيلها أو بزيادتها وتكثيرها؟!!

أليس الواجب عليكم أن تزيلوا الشر، أو تقللوه، فإن عجزتم؛ فلا تزيدوه؟فأين الفهم الدقيق للواقع، والنظرة البعيدة لمعرفة المصالح والمفاسد، كما يُفْهَم من كلام الكاتب – موهماً بأنه ومن هم على شاكلته هم الذين يعرفون المصالح [ص-138] والمفاسد – بقوله:” إن القول بأن هذا الفعل أو ذاك مفسدةُ فِعْلِهِ أعظمُ من مفسدة ترْكه، أو مصلحة ترْكه أعظمُ من مصلحة فعله؛ ليس متاحاً لكل أحد، وليس قولاً يتفوه به مَن علِم ومَنْ جَهِل، كلا….” اهـ

فإذا عرفت- أخي القارئ الكريم- ما سبق وما سيأتي- إن شاء الله تعالى- ظهر لك واقع هذه الكلمات، وأنها كلمة حق، يراد بها باطل، والله المستعان.

4 – دعواه بأن التضييق على المسلمين في الغرب والاعتداء عليهم، مفسدة جزئية، لا كلية، فإن عددهم عنده: 500 مسلم في أمريكا!! ولا بأس بذلك- عنده – للحفاظ على ( 300 ) مليون مسلم تعتدي عليهم أمريكا – على حسب قوله-!!

فقد قال راداً على من ذكر مفاسد هذا الحادث، ومنها التضييق على المسلمين هناك، فقال:” نقول هذه مفسدة ليست كلية، فكيف تُغَلِّب مصلحة 500 مسلم في أمريكا، وهم الذين يعدون أمريكا خيارهم الوحيد في السلام من ملاحقة حكوماتهم، وتُهمل مصلحة 300 مليون مسلم – على الأقل – تقتلهم يد الظغيان والعدوان الأمريكي…….” اهـ.

والجواب من وجهين – إن شاء الله تعالى -:

‌أ- كلامك هذا فيه تسليم بوقوع تضييق واعتداء على المسلمين في بلاد الكفار، والحمد لله أنك لم تهوِّن من شأن ذلك بقولك – كما سبق في غيره-: وهذا أمر قد دُبِّر من قبل، والعمليات لم تزده شيئاً!!! ومع إقرارك بالمفاسد، إلا أنك قد هوَّنت من شأنها بذكرك العدد الضئيل للمسلمين في أمريكا!! فأين فقه الواقع، وأنت لا ترى إلا خمسمائة مسلم في أمريكا؟ فإن قلت: أنا قد وضحت كلامي بأنهم الذين يَعُدُّون أمريكا خيارهم الوحيد في السلامة من ملاحقة حكوماتهم؛ فالجواب: وهل لم يتضرر أحد من المسلمين – غير الهاربين – هناك؟ أليس الأذى قد وقع على الرجال والنساء والأطفال في الشرق والغرب؟!! إن الملايين من المسلمين قد أصابهم ما أصابهم في بلاد الشرق والغرب بسبب هذه العمليات!! إلا أن يكون المسلمون الموجودون هناك- بدون هروب من حكوماتهم- كفاراً عندكم!! فهذه باقعة أخرى!!.

‌ب- ثم هل حصل تضييق على هؤلاء الخمسمائة، ونفَّس الله كُربة ثلاثمائة مليون مسلم، كما يدعي الكاتب؟ أم أن الثلاثمائة المليون، والخمسمائة الهاربين هناك- أيضاً- بل المليار مسلم وزيادة، قد أصابهم ما أصابهم بسبب هذه العمليات وغيرها؟!!!

إن هذا الفكر يزيد الطين بِلَّة، والمريض علة، والأمة ذلة، ويمحق البركة، ويكسر الشوكة، فالله المستعان.

5 – ودعواه بأن من قال: إن هذه العمليات شوهت صورة المسلمين بأنهم سفاحون؛ إنه منهزم مخذول؛ ليس هذا على إطلاقه ويجب التفصيل في هذا الموضع:

فالذين يقولون بوحدة الأديان، أو أن المسلمين واليهود والنصارى كلهم في الدين سواء، ولا فرق بينهم، وأنه يجوز للمسلم أن يترك دينه، ويدخل في غيره من هذه الأديان أو غيرها، أو نحو ذلك؛ فإن القائل بهذا قائل بأقوال مصادمة [ص-139] للمعلوم من الدين بالضرورة، ومناقضة لأصول الإيمان، وموجبة للردة والعياذ بالله؛ فإن الله عز وجل يقول: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ)(سورة البينة الآية 6-8) . وقال سبحانه: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)(سورة المائدة الآية 17) الآية، ويقول سبحانه: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(سورة المائدة الآية 73) وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا*أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا )(سورة النساء الآية 150 -151) وقال تعالى: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ )(سورة آل عمران الآية 19) ويقول سبحانه: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(سورة آل عمران الآية 85) ولا إسلام إلا بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبما جاء به، والقرآن مليء بالأدلة على كُفْر من لم يؤمن بما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد جاء في” صحيح مسلم” أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي أو نصراني، ولم يؤمن بي، إلا أكبَّه الله على وجهه في النار .

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – كما في” مجموع الفتاوى” ( 12 496 ) :” وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع: أن من بلغته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يؤمن به؛ فهو كافر لا يُقبل منه الاعتذار بالاجتهاد؛ لظهور أدلة الرسالة، وأعلام النبوة…” اهـ.

ومع ذلك؛ فإن هذا لا يُسْوِّغ الاعتداء على من لا يجوز الاعتداء عليه، أو من كان رد ظلمه يؤول إلى شر أكبر – على تفاصيل معروفة في ديننا-.

إن إنكارنا على المخالفين تهورهم، وعدم أخذهم بنصائح العلماء في الحق؛ لا يعني أن نخالف ديننا، أو أن نقبل أقوالاً وأفعالاً مصادمة للدين، ثم ننسبها إلى الدين!!

إننا ندعوا إلى الإسلام في شموله، وصفائه، وسماحته، وثوابته، وأصوله، ونعوذ بالله أن نرجع عن ديننا القهقرى، كما أننا نحذر من الغلو والعنف، وقتل من لا يجوز قتله من المسلمين أو الكفار، وتجاوز الحد الشرعي في هذا أو غيره.

وندعوا إلى مراعاة حال المسلمين قوة وضعفاً، كما ندعوا إلى مراعاة المصالح والمفاسد ومآلات الأمور، وهذا كله مقتضى الوسطية التي مُدحت بها الأمة: سورة البقرة الآية 143 وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا .

فأما من قال: نحن ضعفاء، وقد أَمَرَنا ديننا بالصبر- إذا كنا غير قادرين- وأن من جرّ علينا فتناً لا طاقة لنا بها، أو قتل من لا يجوز قتله من المسلمين أو الكفار؛ فنبرأ إلى الله من فعله، وعلى المسلمين أن يحذروا منه في ذلك، من قال ذلك؛ فهو محسن غير مسيء، وعلى ذلك؛ فلا نحكم عليه إلا بما يستحق شرعاً، فلا نتجاوز الحد فيه إرضاءً لفلان أو فلان، ولا نتهاون في إنكار جريمته، بحجة أنه من المسلمين!!

[ص-140] إن من كان كذلك؛ فهو على الجادة، لأنه متبع لقواعد الشريعة، مقتدٍ بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عندما كان غير قادر على مواجهة مشركي مكة، ولا المشركين والمنافقين في المدينة، فهل يُرمى المتبع بأنه منهزم مخذول؟.

أيها الشباب، أتجعلون تهوركم حجة على الخلق، أو ميزاناً تزنون به الناس؟ فمن قصُر دونكم – وإن كان على الحق المبين- فهو منهزم مخذول، ومن صار على طريقتكم جذو القُذَّة بالقُذَّة – وإن خالف منهج السلف – فهو ممن لا يخشى في الله لومة لائم؟!!

نعم، إن الرجل الصالح ليس سفاحاً، ولا مفسداً في الأرض – وإن حاول الإعلام الفاجر إظهاره بالصورة القبيحة -كما أنه ليس طائشاً، ولا منحرفاً عن نهج السلف الصالح، وإن قال بعض الشباب فيه: عميل؛ أو جبان، أو نحو ذلك، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الصالحين.

وأيضاً: فهل جاء الإسلام بالذبح لكل الكفار كما يدعي الكاتب؟ إن هذا الإطلاق فيه نظر – وإن كان كلامه قد يحمل على وجه معين _ فالإسلام يفرق بين المشرك الذي نقض العهد، وبين الذي وفّى بالعهد، وبين المشرك الذي قاتل المسلمين في دينهم، وأخرجهم من ديارهم، وظاهر على إخراجهم، وبين من ليس كذلك، ويفرق بين حالة المسلمين في الاستضعاف، وبين حالتهم في القوة والاستخلاف، وبين حالة تحقق المصلحة، وحالة تحقق المفسدة، ولكل حالة حكم، فإطلاق الكاتب الكلام في موضع التفصيل ليس صحيحاً، فتأمل.

وقد سئل سماحة الشيخ ابن باز – رحمة الله عليه – عمن يرى قول من قال الصبر على الولاة الظلمة؛ أنه فِكْر انهزامي، وفيه شيء من التخاذل… فقال سماحته – رحمه الله-:” هذا غلط من قائله، وقلّة فهم، لأنهم ما فهموا السنة، ولا عرفوها كما ينبغي، وإنما تحملهم الحماسة والغيرة لإزالة المنكر على أن يقعوا فيما يخالف الشرع، كما وقعت الخوارج والمعتزلة، وحملهم حبُّ نصر الحق أو الغيرة للحق، حملهم ذلك على أن وقعوا في الباطل…” إلى أن قال – رحمه الله-:” فالواجب على الغيورين لله، وعلى دعاة الهدى أن يلتزموا بحدود الشرع، وأن يناصحوا من ولاه الله الأمور بالكلام الطيب والحكمة والأسلوب الحسن، حتى يكثر الخير، ويقل الشر، وحتى يكثر الدعاة إلى الله، وحتى ينشطوا في دعوتهم بالتي هي أحسن، لا بالعنف والشدة….” اهـ من” فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة” ( ص66، 64 ) .

6 – وما ذكره الكاتب من مصالح للعمليات المذكورة؛ فيجاب عنه بأمور:

‌أ- ما هو دليلك العملي على صحة وقوع هذه المصالح؟ فإن قال: دليلي مِنْ جهة الأخبار العالمية؛ قيل: فلماذا تنكر على غيرك عند ما أخذ من هذا المصدر – بعينه- إثبات وجود قتلى مسلمين في المركز التجاري؟

فإن قلت: هذه أمور لا مصلحة للكفار في الكذب فيها؛ قيل: في هذا الإطلاق نظر، فإنهم قد يتباكَوْن بذلك، ليستصدروا قرارات قاسية ضد المسلمين!! وقد جُرِّب عليهم أنهم يقبلون فضائح وهزائم إعلامية، ليحققوا مكاسب واقعية، وللأسف فنحن بخلاف ذلك – إلا من رحم الله-.

[ص-141] ومن جهة أخرى: فَذِكْرهم وجود قتلى من المسلمين في المركز العالمي؛ لا حاجة لهم في الكذب فيه من باب أولى – بناءً على ما ذكرتَ في جوابك-!!!

‌ب- تأمل أيها القارئ قول الكاتب معدِّداً المصالح-:” ستنظر أمريكا فيما بعد لقضايا المسلمين بتعقل” وقوله:” وسيخف طغيانها على المسلمين” وقوله في خسارة شركات الطيران:” وربما يصلون إلى مائة ألف – أي موظف مُسَرَّح عن وظيفته – في القريب العاجل” من تأمل هذا؛ علم أن الكاتب يتوقع حدوث مصالح، أما هي فلم تقع بعد، وإنما يعبر عنها بأداة التسويف الدالة على المستقبل!! أما المفاسد فقد وقعت، وقد سقطت دول، ودول أخرى في حالة لا تُحْسَد عليها، والمؤلف يَعِدُنا بمصالح عظيمة ستأتي فيما بعد!!! فكانت المفسدة من هذا الفعل نقداً، والمصلحة نسيئة عند مَدِين مراوغ قوي، لا يؤدي الحقوق، فالله المستعان.

وتأمل كيف يُمنِّي الكاتب نفسه والمسلمين بنظرة متعقلة من أمريكا في قضية فلسطين!! وها هي أفغانستان والعراق وغيرهما في حالة ما يعلم بها إلا الله؟!! وهل حصل تعقل في قضية فلسطين كما يدعي الكاتب؟!! أم زاد الشر، وعمّ وطمَّ؟!!

إن هذا كله ليزيدنا بصيرة بأن منهج السلف، وكبار علماء العصر؛ هو الحق، وفيه المصلحة، وأن هؤلاء الذين يفتون الشباب بهذا العنف ليسوا مؤهَّلين لتقدير هذه الأمور، والله المستعان.

‌ج- وما ذكره الكاتب من خسارة مادية، وقعت فيها أمريكا، فيجاب على ذلك أيضاً بأمور:

‌أ- لا يُستبعد أن تكون هناك مبالغة كما سبق، وأكرر أننا معشر المسلمين إلا من رحم الله – وللأسف- يعجبنا نصر إعلامي مؤقت، ونطير فرحاً بتصريح مسئول ما، أو خبر في إذاعة ما، بأن أمريكا حصل فيها كذا وكذا، وإن كان الأمر على خلاف ذلك!! وربما أنهم يريدون بذلك إشغال المسلمين عن خطة أخرى يدبرونها لهم!!! إن القوم المخالفين يَدَّعون فقه الواقع، وتراهم بهذا الحال العجيب في حقيقة الواقع، وما أحْدَثَ رجل أمراً؛ إلا ونقضه من حيث لا يشغر، وهذا شأن الباطل: ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)(سورة النساء الآية 82) فإلى الله المشتكى.

‌ب- سلَّمنا بأن الخسارة المذكورة كذلك؛ فهل سقوط دولة من دول المسلمين مفسدة دون ذلك؟وهل ما جرى من مفاسد لا تزيد على هذه المصالح المزعومة؟!!

وأيضاً: فالله أعلم من الذين سيقومون بالتعويض عن هذه الخسائر – شاءوا أم أبوا – وذلك بسبب ما تقومون به من أمور تضيِّق على المسلمين، ولأسباب أخرى أيضاً، فالله أعلم.

فوا أسفاه على فقهكم للواقع!!

وصدق من قال: وكلٌّ يدَّعي وصلاً بليلى وليلى لا تُقِرُّ لهم بذاكاْ ‌ج- [ص-142] متى ذهب نظام العولمة كما تَدَّعون؟ ومن أخبركم- إن كان قد ذهب – أن ذلك بسبب تحطيم ذاك المركز التجاري؟!!

إن هذا الكلام هو الذي بهر كثيراً من المخدوعين من المسلمين بهذه الزخارف، ونحن نشعر بشدة المؤنة، وزيادة الوطأة على المسلمين، وأنتم توهمون المساكين بأن هناك خسارة تُقدر بكذا، وأنكم حققتم مصالح تقدر بكذا، وبقيت مصالح يُتوقع أن تبلغ كذا وكذا!!! وعند الله تجتمع الخصوم!!!

‌د- إن هذه المصالح المزعومة، لو سلمنا بتحققها؛ فهذا لا يساوي ما أصاب المسلمين في دينهم ودنياهم في بلد واحد، فكيف في بقية البلدان؟ ولو سلمنا بأن العملية الفلانية نجحت، فليس معنى ذلك أنكم على الحق، فتواصلون السير في ذلك؛ فإن هذه العمليات مخالفة لمنهج السلف وقواعد الشريعة، ومخالفة لفتوى أهل العلم، وما كان كذلك؛ فلا يُؤْمن أن يعود بفساد عظيم، وهذا باب يُغلق ولا يُفتح، وعلة تُلغى ولا يُعمل بها، والمسلمون يسيرون على قواعد شرعية، لا تجربة معينة، ثم يجعلونها قاعدة عامة، والله أعلم.

( تنبيه ) : لقد أطنبت في الجواب على هذه الشبهة والتي قبلها، لأن هناك من يغتر بهذه الأرقام الحسابية، ولا يرفع بقواعد السلف رأساً، فرغبت في إثبات موافقة النقل للعقل، وأن النقل الصحيح لا يعارضه العقل الصريح، ولذلك – أيضاً – فقد أدخلتُ عدة شبه للجواب عنها، لأن العوام وأشباههم يغترون بها، ويسْهل عليهم ترك الآية والحديث والقواعد الشرعية، ويصعب عليهم تجاوز هذه الشبهات الوهمية العاطفية، والله أعلم.

( الشبهة الرابعة عشر: واستدل بعضهم بقول الله عز وجل: ( وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ )(سورة البقرة الآية 191) وقوله سبحانه:( وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)( سورة البقرة الآية 217) قالوا: والفتنة هي الشرك، فلو أننا قتلْنا مَنْ قتلْنا من المشركين؛ فإن القتل دون جريمتهم بنص القرآن، فلماذا تنكرون علينا، ولا تنكرون عليهم ما هم فيه من الشرك وفتنة المؤمنين؟!!

والجواب من وجوه- بمشيئة الله عز وجل-:

1 – من الذي قال لكم: إننا لا ننكر شرك المشركين، ولا نحذر من طريقتهم المخالفة لديننا؟فإذا كنا ننكر البدعة على المسلمين؛ أفلا ننكر الشرك؟وإذا كنا ننكر الشرك الذي يقع فيه المسلم – ولو بجهل – أفلا ننكر على من لم يدخل في الإسلام أصلاً كفره وإعراضه عن دين رب العالمين؟!!والله تعالى يقول: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(سورة آل عمران الآية 85) ويقول عز وجل: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)(سورة آل عمران الآية 19) ويقول سبحانه: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)(سورة فصلت الآية 33) إلى غير ذلك من آيات في وجوب الدخول في الإسلام كافة، ونبْذ ما سواه من الأديان المنسوخة والمحرفة، ويقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ولم يؤمن بي؛ إلا أكبه الله على وجهه في النار أخرجه مسلم.

2 – نحن إنما ننكر عليكم فهمكم البعيد للآيات والأحاديث والآثار، كما ننكر عليكم نسبتكم هذا الفهم لمنهج أهل السنة والجماعة، ولا نتجاوز الحد في الإنكار عليكم، فلا نكفِّر المسلم لهذا الفكر فقط، إنما نعد هذا الفكر محْدَثاً، وأنه ليس من منهج أهل السنة والجماعة، وأما الأعيان فلا نحكم على كل شخص إلا بما يستحق، بعد استيفاء الشروط، وانتفاء الموانع، ونتبع أهل العلم والحلم في ذلك، ولا نتبع من سلك مسلك الغلاة ولا الجفاة، ولا المتربصين الكائدين، ولا المدافعين عن هذا الفكر بجهل وعاطفة، أو هوى وعصبية!! ومع ذلك فنحذِّر من هذا الفكر، ومن حملته والدعاة إليه – إذا لم يستجيبوا للحق- براءة للذمة، ونصحاً للأمة، ولزوماً لمنهج الأئمة، والله أعلم.

3 – وأما قوله تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)(سورة البقرة الآية 191 ) فبعيد عما ذهبتم إليه، وذلك:

لأن الآية نزلت في قوم مسلمين، قتلوا مشركاً في شهر حرام، فشنّع الكفارُ على المسلمين قائلين: إن محمداً استحل القتال في الشهر الحرام، فأخبر الله عز وجل أن الإسلام لم يحل الشهور الحُرُم، بل أكّد حرمتها، كما في قوله تعالى:( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ )( سورة البقرة الآية 217) أي من الكبائر، إلا أن جُرمكم أيها المشركون، بكفركم بالله، وصدكم عن سبيل الله؛ أعظم جرماً، لو كنتم تعقلون، غير أنكم ترون الخطأ من أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا ترون ما هو أعظم من أخطائكم!! فليس في هذا إقرار لفعل المسلمين عندما قتلوا في الشهر الحرام، بل فيه إنكار عليهم بقدر فعلهم، وإنكار على الكفار بقدر فعلهم، وهذا هو العدل والإنصاف.

[ص-144] قال الإمام ابن القيم – رحمه الله- في” زاد المعاد” ( 3\151- 153 ) بعد أن ذكر نحو ما سبق:” والمقصود: أن الله سبحانه حَكَمَ بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يبرّئ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير، وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبر وأعظم من مجرد القتال في الشهر الحرام، فهم أحق بالذم والعيب والعقوبة، لاسيما وأولياؤه كانوا متأولين في قتالهم ذلك، أو مقصِّرين نوع تقصير يغفره الله لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات، والهجرة مع رسوله، وإيثار ما عند الله، فهو كما قيل:

وإذا الحبيب أتى بذنبٍ واحد جاءت محاسنُه بألف شفيع” اهـ.

إذاً فليس في الآية براءة للمؤمن إذا أخطأ، وهذا الذي فعلتُهُ- ولله الحمد- فقد أنكرتُ المنكر كلَّه: عليكم وعلى غيركم، ولم أتجاوز الحد، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، أقول هذا؛ مع علمي بأن هناك من لا يعجبه هذا الاعتدال والإنصاف في الحكم عليكم، لكن الحكم على الناس عبادة، والله تعالى يقول: ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ )(سورة البينة الآية 5) ويقول سبحانه: ( فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)(سورة الزمر الآية 2-3) .

4 – قد يفهم البعض أن الآية تأمر بالصبر على القتل، وعدم قول الكفر، لأن الكفر أعظم من القتل، إلا أنه ليس في الآية: أن المرء يجب عليه أن يصبر على القتل، ولا يجيب الكفار في قولِ أو فعلِ الكفر مطلقاً، فإن الله عز وجل رخَّص عند الإكراه في قول كلمة الكفر، قال تعالى: ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا )(سورة النحل الآية 106) وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه .

والله عز وجل يحكي عن المؤمنين قولهم: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)(سورة البقرة الآية 286 ) وفي” صحيح مسلم” برقم ( 96 1 ) من حديث ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الله عز وجل قال: قد فعلت .

إذاً فليس في هذه الآية تبرئة لفعلكم، ولا تصحيح لمنهجكم، ولا تجاوز للحد عليكم، والله أعلم.

( الشبهة الخامسة عشر: فإن قال قائل : إن الذل الذي أصاب الأمة بسبب ترك الجهاد، وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً، لا ينـزعه حتى ترجعوا إلى دينكم أخرجه أبو داود ( 96\ 2 ) .

قال: وإذا كان ذلك كذلك؛ فنحن نريد أن نعيد للأمة عزَّها، ونرفع عنها الذل، ولا يكون ذلك إلا بالجهاد، فلماذا تنكرون علينا؟!!

فالجواب: لا شك أن ترك ما أمر الله به، والوقوع فيما نهى الله عنه؛ سبب عظيم في إذلال هذه الأمة وإهانتها، ونسأل الله عز وجل أن يحيي قلوبنا بالإيمان، وأن يرزق المسلمين العزيمة عند ورود الشهوات، والبصيرة عند ورود الشبهات.

واعلم بأن رفع هذا الذل لا يكون بالتفجيرات والاغتيالات، فإن هذه الأمور زادت الأمة إهانة وإذلالاً، والشر كثرة واستفحالاً، والعدو تسلطاً واختيالاً!!

إن الجهاد في سبيل الله ما شُرِع إلا لتكون كلمة الله هي العليا، كما قال تعالى: ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)(سورة الأنفال الآية 39) ويقول سبحانه:( فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ)( سورة التوبة الآية 12) وقال عز وجل: ( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ)(سورة التوبة الآية 14) ففي هذه الآيات بيان للغاية المرجوة- في الدنيا – من وراء القتال، فمن ذلك: دخول الناس في دين الله عز وجل، وانتهاء الكفار عن كفرهم، وخزيهم، وشفاء صدور المؤمنين، وإذهاب غيظ قلوبهم، وأن يحل الأمن في ثغور بلاد المسلمين – فضلاً عن بيضة الإسلام وحوزته – فأين هذه المصالح العامة النافعة، والبركات السابقة، من آثار التفجيرات التي سبق ذكرها؟!!

وقد سئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – عمن يستدل على جواز التفجيرات والاغتيالات بكون الجهاد ماضياً إلى يوم القيامة، فقال – حفظه الله تعالى-:” نعم، الجهاد ماض إذا توفرت شروطه ومقوماته؛ فهو ماض، أما إذا لم تتوفر شروطه ولا مقوماته؛ فإنه يُنْتظر حتى تعود للمسلمين قوتهم، وإمكانيتهم، واستعدادهم، ثم يقاتلون عدوهم، أنت معك مثلاً سيف أو بندقية، هل تقابل طائرات وقنابل وصواريخ؟ لا، لأن هذا بأس شديد،… قال الله تعالى:( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)( سورة البقرة الآية 195) وهذا يضر بالمسلمين أكثر مما ينفعهم- إن كان فيه نفع -” اهـ نقلاً عن” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ( ص 152 ) .

[ص-146] هل هؤلاء الشباب يدركون أن أمة الإسلام غير قادرة – اليوم- على المواجهة، أم لا؟ هل هؤلاء الشباب يسلِّمون بأن الجهاد ضَرْب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا كان سيؤول أمره إلى شر أكبر؛ فهو فساد، وليس بجهاد؟!! وقد سبق نقل كلام أئمة السنة في مراعاة مآل الأمور ولا بد.

إن الجهاد له شروط، منها: القدرة على إنزال النكال والنكاية بالعدو الذي يحول بين الناس وبين ربِّهم، وأن يؤول أمر الجهاد إلى عز وقوة، لا إلى ذل وضعف، فأين هذا كله من صنيعكم؟!!

ألا تعلمون أن الله عز وجل لم يشرِّع الجهاد بالسيف إلا بعد القوة والتمكين للمسلمين؟ وأما قبل ذلك فقد أمر الله المؤمنين بالكف، وقد كان هناك من يحب أن يشفي قلوب المؤمنين في الكفار، فنهوا عن ذلك – كما يشير إليه قوله سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً)(سورة النساء الآية 77 ) الآية وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وقد استؤذن في قتال الكفار-: إني أُمِرْتُ بالعفو؛ فلا تقتلوا القوم .

ولقد تدرج الأمر بالقتال حسب أطوار قوة المسلمين وضعفهم، وقد سبق كلام الأئمة فيما يجب على المسلم حال الاستضعاف، وما يجب عليه حال التمكين والاستخلاف، فهل راعى هؤلاء الشباب هذا كله؟!!

والحديث الذي استدلوا به – وهو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إذا تبايعتم بالعينة… الحديث- إنما يتكلم عن واقع أليم، وعلاج هذا الواقع لا يكون بهذا الشغب، إنما يكون بالدعوة إلى الله عز وجل، والقيام بما أمكن من الدين، وتَرْك ما نعجز عنه، أَوْ ما يجرّ علينا شراً أكبر، وسيأتي الله بكل شيء في وقته، وعند ذاك يفرح المؤمنين بنصر الله عز وجل، أما هذا الحال؛ فإنه يؤخِّر النصر، ويُهلك الحرث والنسل، ويُذهب ما بقي من خير، ويسلِّط العدو ويُجَرّئه، ويبعثر الطاقات والجهود، ويهدم ما علا من البنيان، ويُمرض قلوب المؤمنين، ويُذْهب وُدَّ قلوبهم، وكما قيل: بآثارهم يعرفون!!

ثم إن الحديث فيه: حتى ترجعوا إلى دينكم ولم يقل: حتى ترفعوا راية الجهاد فقط!! والجهاد جزء من الدين، وليس كل الدين!!

فطلب العلم، وتعليمه الناس، والدفاع عن العقيدة، وإزالة الشبهات، والذب عن الإسلام والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه – رضي الله عنهم – وأئمة الدين سلفاً وخلفاً، وطباعة كتب السنة، ونشرها، وتقريرها في المدارس والجامعات، والقضاء بالشريعة، وإقامة الحدود، وبذل الخير والنفع للناس شرقاً وغرباً، وشمالاً ويميناً، ونشر الفضيلة، ومحاربة الرذيلة، وإقامة الصلوات، وإيتاء الزكوات، وصيام رمضان، وحج البيت، وتربية الأولاد على الصدق والعفاف والصلة….. الخ، كل ذلك من الرجوع إلى الدين، وكثير من ذلك مُمْكِنٌ وميسور – في الجملة ولله الحمد- لمن اشتغل بذلك.

[ص-147] وقد قال الإمام ابن القيم – رحمه الله-:” فقوام الدين بالعلم والجهاد، ولهذا كان الجهاد نوعين: جهاد باليد والسنان، وهذا المشارك فيه كثير، والثاني: الجهاد بالحجة والبيان، وهذا جهاد الخاصة من أتباع الرسل، وهو جهاد الأئمة، وهو أفضل الجهادين، لعظم منفعته، وشدة مؤنته، وكثرة أعدائه، قال تعالى في سورة الفرقان وهي مكية: ( وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا)(سورة الفرقان الآية 51) فهذا جهاد لهم بالقرآن، وهو أكبر الجهادين، وهو جهاد المنافقين”. اهـ.

وقد ظهرت الآثار الحميدة لدعوة كبار العلماء في الأمة، فكشف الله بها الغمة، أما هؤلاء الشباب فشغلوا أنفسهم بأمر يعجزون عنه، وفرّط كثير منهم فيما يقدر عليه!! وبالغوا في أمر تسلَّط بسببه أعداء الإسلام على المسلمين وعقيدتهم، وقصَّر كثير منهم فيما لو اشتغلوا به؛ لأعز الله الإسلام وأهله!! وهذا جزاء من أعرض عن نصائح الأئمة الراسخين، وهَرْوَل وراء سراب الناشئين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!

وأيضاً: فقد رتَّب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذل الذي أصاب الأمة على عدة أمور ذكرها في الحديث، ومنها ترك الجهاد، وهذا يدلنا على أنهم تركوا الجهاد الذي هو فَرْضُ كفاية أو عين عليهم، وهم قادرون على ذلك، وأما نحن معشر المحبين للسنة، المتبعين لعلمائها، المناصرين للدين وحملته؛ فلسنا قادرين على الجهاد – اليوم – للاختلاف والوهن في المسلمين من جهات شتى، فلم تكلفنا الشريعة إلا بما نقدر عليه، وإلا كان العنت والحرج في الدين، والشريعة منـزهة عن هذا، كما قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)(سورة البقرة الآية 286 ) وقال سبحانه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )(سورة التغابن الآية 16 ) وقال عز وجل:( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)( سورة الحج الآية 78) وقال سبحانه وتعالى:( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا)( سورة النساء الآية 28) وقال جل وعلا: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(سورة البقرة الآية 185 ) إلى غير ذلك من أدلة في هذا المعنى، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم، وقاعدة” المشقة تجلب التيسير” من القواعد الكلية الخمس من قواعد الفقه في الدين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:” وكان – يعني النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مأموراً بالكف عن قتالهم؛ لعجزه وعجز المسلمين عن ذلك، ثم لما هاجر إلى المدينة، وصار له بها أعوان؛ أُذن له بالجهاد، ثم لما قَوَوْا؛ كُتب عليهم القتال، ولم يُكتب عليهم قتال من سالمهم؛ لأنهم لم يكونوا يطيقون قتال جميع الكفار، فلما فتح الله مكة، وانقطع قتال قريش وملوك العرب، ووفدت إليه وفود العرب بالإسلام؛ أمر الله تعالى بقتال الكفار كلهم، إلا من كان له عهد مؤقت، وأمره بنبذ العهود المطلقة، فكان الذي رفعه ونسخه ترك القتال” اهـ. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله تعالى – هذه الآيات تتضمن الأمر بالقتال في سبيل الله، وهذا كان بعد الهجرة إلى المدينة، لما قوي المسلمون للقتال أمرهم الله به، بعدما كانوا مأمورين بكف أيديهم” اهـ.

[ص-148] وقال أيضاً:” لو فرض عليهم القتال – مع قلة عَددهم وعُددهم، وكثرة أعدائهم – لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام، فَرُوعي جانب المصلحة العظمى على ما دونها، ولغير ذلك من الحِكَم، وكان بعض المؤمنين يودُّون أن لو فُرضَ عليهم القتال في تلك الحال غير اللائق فيها ذلك، وإنما اللائق فيها القيام بما أُمروا به في ذلك الوقت من التوحيد والصلاة والزكاة ونحو ذلك، كما قال تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا )(سورة النساء الآية 66) فلما هاجروا إلى المدينة، وقوي الإسلام؛ كُتِب عليهم القتال في وقته المناسب لذلك” اهـ من” التفسير” نقلاً عن” مهمات في الجهاد” ( ص 15 ) . لأخينا عبد العزيز الريس – حفظه الله-.

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:” لابد فيه – أي الجهاد- من شرط، وهو: أن يكون عند المسلمين قدرة وقوة يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة؛ فإن إقحام أنفسهم في القتال؛ إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة، ولهذا لم يوجب الله سبحانه وتعالى على المسلمين القتال وهم في مكة، لأنهم عاجزون ضعفاء، فلما هاجروا إلى المدينة، وكَوَّنوا الدولة الإسلامية، وصار لهم شوكة؛ أَمرهم بالقتال، وعلى هذا فلا بد من هذا الشرط، وإلا سقط عنهم كسائر الواجبات، لأن جميع الواجبات يُشترط فيها القدرة، لقوله سبحانه وتعالى: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)(سورة التغابن الآية 16) وقوله: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)(سورة البقرة الآية 286) ” اهـ.

وقال أيضاً:” المهم أنه يجب على المسلمين الجهاد، حتى تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، لكن الآن ليس بأيدي المسلمين ما يستطيعون به جهاد الكفار، حتى ولو جهاد مدافعة، وجهاد المهاجمة ما في شك الآن غير ممكن، حتى يأتي الله بأمة واعية، تستعد إيمانياً ونفسياً، ثم عسكرياً، أما نحن على هذا الوضع فلا يمكن أن نجاهد. اهـ وقد أجاب بنحو ذلك الشيخ الألباني – رحمه الله – راداً على بعض الشباب المتحمسين مع قلة البصيرة في هذا الباب، وسيأتي جوابه مطولاً – إن شاء الله تعالى – فكان مما قال لهم:” ثم كنت 0 ولا أزال – أقول لهؤلاء الذين يدندنون حول تكفير حكام المسلمين: هَبُوا أن هؤلاء كفارٌ كفْرَ رِدَّة، وأنهم لو كان هناك حاكم أعلى عليهم، واكتشف منهم أن كُفرهم كُفْر رِدَّة، لو جب على ذلك الحاكم أن يُطبق فيهم الحد، فالآن ما ذا تستفيدون أنتم من الناحية العلمية؛ إذا سلمنا – جدلاً – أن كل هؤلاء الحكام كفرا كفر ردة، ما ذا يمكن أن تعملوه، هؤلاء الكفار احتلوا بلاد الإسلام، ونحن هنا مع الأسف ابتلينا باحتلال اليهود لفلسطين، فماذا نستطيع نحن وأنتم أن نعمل مع هؤلاء، حتى تستطيعوا أنتم مع الحكام الذين تظنون أنهم من الكفار…” اهـ.

[ص-149] إذاً فما بقي – إلا جهاد القلب واللسان – بالنسبة للعاجز عن جهاد اليد – هذا مع السعي الحثيث للمِّ شعث الأمة، وتراص صفوفها، وإصلاح عقيدتها، وإعدادها ما أمر الله به من قوة مادية ومعنوية، وكل ذلك بالرجوع إلى [ص-150] الراسخين في العلم، والعمل بتوجيهاتهم، وترك اجتهاداتنا لاجتهاداتهم، طالما أنه لم يثبت مخالفتهم لنص صريح، والله تعالى أعلم.

( الشبهة السادسة عشر: قد يقول قائل: سلَّمنا لك بأننا غير قادرين على جهاد الطلب، لكننا نجاهد الآن جهاد الدفع، لأن الكفار احتلوا بعض بلاد المسلمين، ويسعون للسيطرة على ما بقي من البلاد، فنحن نجاهد دفاعاً عن أنفسنا وحرماتنا وبلادنا، فلماذا تنكرون علينا؟!!

فالجواب: لا شك أن ما تذكره من غطرسة الكفار، واعتدائهم على الإسلام وأهله؛ فساد عظيم، وخطر جسيم، ويالها من أيامٍ تاريخُهَا مظلم، والظلم فيها مخيِّم، فأسأل الله أن ينصر الإسلام والمسلمين، ويذل الشرك والمشركين.

إلا أن الله عز وجل قد قال: سورة البقرة الآية 189 وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا والتفجيرات والاغتيالات تزيد الطين بِلَّة، والمريض علَّة، والأمة ذلة!!

وجهاد الدفع واجب من الواجبات الشرعية، وهو منوط بالقدرة والاستطاعة، وعدم زيادة الشر شراً، ولو أن المسلم ترك ما يعجز عنه من واجبات؛ لَعَذَره ربه، وجعل له مخرجاً، لأنه مُتَّقٍ لله عز وجل في ذلك، والله تعالى يقول:( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا)( سورة الطلاق الآية 2) ويقول سبحانه:( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)( سورة الطلاق الآية 4) وكذلك لو اشتغل المسلم بما يستطيع من طلب العلم والدعوة إلى الله تعالى، ووجَّه طاقات الأمة لخدمة الدين – حسب استطاعته- كلٌ في مجاله وبابه وحسب قدراته؛ لآل ذلك بالنفع العميم، لكن الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:” التأني من الله، والعجلة من الشيطان” ( 97\ 1 ) والله المستعان.

قال صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى-:” المهم أنه يجب على المسلمين الجهاد، حتى تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، لكن الآن ليس بأيدي المسلمين ما يستطيعون به جهاد الكفار، حتى ولو جهاد مدافعة، وجهاد المهاجمة ما في شك الآن غير ممكن، حتى يأتي الله بأمة واعية، تستعد إيمانياً ونفسياً، ثم عسكرياً، أما نحن على هذا الوضع فلا يمكن أن نجاهد”. اهـ

فجهاد الدفع- أيضاً – لا بد فيه من القدرة على دفع الأعداء، أما إذا كنا عاجزين، أو كان شرهم يزداد بذلك، ونُعْطي لهم سهماً مِنْ جَعْبتنا يرموننا به، ويجعلهم يحتلون ما بقي من بلادنا؛ فليس هذا بجهاد، بل هو فتنة في الأرض، وفساد عريض!!!

هذا، مع نصحي لكل من ولاه الله أمر المسلمين: بأن يتقوا الله في أمة الإسلام، وأن يسعوا جاهدين لجمع الكلمة، والذب عن أعراض ودماء وأموال وبلاد المسلمين، فإنهم أمانة في أعناقهم، وهم رعيتهم في الدنيا، وخصماؤهم يوم القيامة؛ إذا لم يسيروا فيهم بهدْي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

[ص-152] إنني لأدرك – وقلبي يعتصر – أن من الشباب من يقول: هل نسكت والمسلمون يحدث لهم كذا وكذا؟!

فأقول: نحن لا نريد أن نخالف الأدلة الشرعية، وإلا خسرنا ديننا بعد دنيانا!! وإن ما تذكرون يُدْمِي القلب؛ لكن هل يهُب بعض الناس للقتال – مع الضعف والتخاذل – فينـزل بهم وبغيرهم البلاء؛ فيزداد الشر أكثر وأكثر؟!

فإن قيل: فماذا نفعل إذاً؟!!

فالجواب: إذا صبرنا، ولزمنا المنهج النبوي، أو الطريق السلفي – وقد تقدم بيانه – وأدينا الذي علينا، وعجزنا عن القتال، فسينـزل نصر الله – إن شاء الله تعالى – وسيكفينا الله مؤنة عدونا، والأدلة والتجارب تشهد بذلك، وليس هناك بديل إلا اقتحام هول الفتن وليكن ما يكون!! وليس هذا منهج السلف، والله أعلم.

ثم أقول للشباب هل أنتم بعملكم هذا قد أخرجتم العدو من بلادنا؟!! أين فلسطين بعد أعمالكم هذه؟!! وهل بقيت فلسطين- وحدها- مطلب المسلمين في إخراج العدو منها، أم انضم إليها غيرها من البلدان؟!! فهل دفعتم بفعلكم هذا العدو، أم مكنتم له في البلاد من حيث لا تشعرون؟!!

وصدق من قال: رام نفعاً فضرَّ من غير قصدٍ ومن البر ما يكون عقوقا أما ترون – قبل أعمالكم هذه – كيف كانت الأمة بعلمائها ورجالها- بل كثير من ولاة أمورها – يسعون في نصرة المسلمين في فلسطين بالمال وغيره- على ما كان في موقفهم من ضعف ووهاء في الجملة- وأما اليوم فقد سكت الناطق، وأمسك المتصدق المنفق، وتسلطت الأضواء، واتجهت الأنظار إلى المسلمين بغيظ وتشويه، وأما اليهود فيعيثون في الأرض فساداً أكثر وأكثر من ذي قبل في فلسطين، ونحن نمنِّي أنفسنا ونوهم أصحاب الأماني بأننا قائمون بجهاد الدفع عن حرمات المسلمين!!فهل سلمت فلسطين وغيرها من البلدان من آثار هذا الفكر؟!!

ألم يتعرض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه – رضي الله عنهم – رجالاً ونساءً للعذاب الشديد من المشركين والمنافقين، ومع ذلك فقد أُمِروا بالكف والصبر لضعفهم؟!! فهل نحن اليوم أغير منهم على الدين، أو أن عدونا اليوم أضعف من عدوهم آنذاك؟ ( فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ)(سورة التكوير الآية 26) ؟!!

إن القوم يستدلون بقول امرأة:” وامعتصماه” فأجابها بجيوش جرّارة، وأقول -بعد التسليم بصحة هذه القصة-: هذا هو الواجب على ولاة الأمور الذي مكنهم الله في الأرض، فقد قال تعالى:( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ)( سورة الحج الآية 41) بل هذه من أخص خصائص واجبات ولاة الأمور، لكن إذا لم يقوموا بهذا؛ فإن كانوا ضعفاء؛ عذرناهم من ناحية، ونصحناهم باستدراك ما فات، وتوجيه ما بقي من الطاقات للقيام بذلك – حسب الاستطاعة – وأعنَّاهم على ذلك، وإن كانوا غير معذورين: فيُرْجع إلى منهج أهل السنة في حكم الخروج على من ضيَّع من الولاة واجباً فأكثر، وقد سبق هذا مفصلاً، والعلماء ينظرون فيما تؤول إليه الأمور، ويسلكون الذي يكون أقرب لمراد الله عز وجل، ولو خرجوا على حكامهم لأدى ذلك إلى ظلم البقية من [ص-153] الناس، واتساع رقعة الفساد، فهل الذين يأمر بذلك؟ ألا تُفرِّقون بين القوة والضعف؟ أم أن المراد تعبئة العامة وأشباههم بالحماس والعواطف، وإن أدى ذلك إلى المفاسد السابقة؟!!

فإن قيل: إن هذه الأعمال من تفجيرات واغتيالات تُرْهب الكفار، وإن لم تخرجهم من بلادنا هذه الأيام؛ فستخرجهم في المستقبل – إن شاء الله تعالى – بل تجعلهم في هَلَع في عُقْر دارهم؟

فالجواب: إننا ندعوا الله عز وجل أن يدفع عنا شر كل ذي شر هو آخذ بناصيته، وأن ينـزل بمن ضيَّق على المسلمين من أعدائهم عذابه وسخطه الذي لا يُرد عن القوم المجرمين، إلا أننا يجب أن نعلم أن هذه الأعمالُ ترهب الكفارَ – حقاً – لو كان وراءها قوة توقع النكاية بالعدو، فتكُف شرهم، وتدفع عن المظلومين ظلمهم، كما في قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)(سورة الأنفال الآية 60 ) فما لم يوقع الرهبة في العدو؛ فليس بقوة كافية للقتال، كما تشير إليه الآية الكريمة، ولا يُعْقَل أن العدو يملك أسلحة الدمار الشامل؟، ونحن نواجهه بعصا الراعي وسكين المطبخ- كما يقول صاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى – أو نواجهه بأسلحة قديمة – مع تفرقنا والتخبط العقدي في أماكن كثيرة، إلا من رحم الله- لا توقع فيه نكاية، ولا تشفي صدراً، ولا تُذْهب غيظاً.

ومما يدل على أن هذه التفجيرات لم ترهب الكفار – إنها إلا في بعض أنباء الصحف والفضائيات ونحوها فيما أعلم-: استفحال شر الأعداء، وزيادة توغلهم عقر دار المسلمين، يوماً بعد يوم – حتى الآن- وسقوط بعض الدول، وإنزال العقوبات المتنوعة بالمسلمين، وتناثر عِقْدهم، وخذلان بعضهم بعضاً، بعد أن كانوا أحسن حالاً من هذا الحال – على ما كان فيهم من عوج شديد-، والأعور أفضل من الأعمى، وحنانَيْك بعض الشر أهون من بعض، ونحن لسنا مأمورين بأن نزيد الشر شراً، أو نكون كما يُقال:” زاد ضِغْثاً على إبالة”!!! والله المستعان.

أضف إلى ذلك أن هذه التفجيرات أرهبت أولياء الله – لا أعداء الله – وضيَّقت عليهم، وطوت كثيراً من فراش دعوتهم الذي بسطوه هنا وهناك، وإن أرهبت بعض الأعداء في جهة ما!!؛ فقد سلطتهم على آخرين في جهات أكثر وأهم، والله المستعان.

( الشبهة السابعة عشر: فإن قيل: نحن اختلفنا معكم في الأصل؛ ألا وهو: ما حكم من يحكم بغير ما أنزل الله؟ فنحن نراهم كفار – بلا استثناء – وأنتم تخالفوننا في ذلك، ونحن بناءً على مذهبنا؛ فلا نرى الأمان الذي يعطيه هؤلاء الكفرة لليهود والنصارى وغيرهم في بلادنا أماناً، وعلى ذلك فنحن نقتل هؤلاء الكفار، لأنهم لا أمان لهم، لأنهم محارِبون، وأنتم تنكرون ذلك، طرداً لأصلكم الذي خالفناكم من أجله!!!

فالجواب: لقد سبق الجواب عن كونهم محاربين، بما يغني عن إعادته هنا.

وأيضاً فالحكام – وإن كفرتموهم جميعاً على أصلكم – فلا بد أن يُؤَمَّن من أمَّنه الحاكم وإن كفرتموه، لأن المعاهد عَدَّ ذلك أماناً، ولو كان أماناً فاسداً – في نظركم – فهو أمان صحيح عند المعاهد، والعبرة في اعتبار الأمان وعدمه: ما يعتقده المعاهد – لا ما تتأولونه أنتم وغيركم-، لأننا لو قتلناه أو آذيناه – والحال هذه-؛ لَعُدَّ ذلك غدراً من المسلمين، والمسلمون لا يغدرون، بل هم أهل الوفاء بالعقود والشروط والمواثيق، كما قال تعالى: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(سورة المائدة الآية 1) ويقول سبحانه: ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا)(سورة الإسراء الآية 34) ويقول تبارك تعالى: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ)(سورة الرعد الآية 20 ) ويقول عز وجل: ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا)(سورة النحل الآية 91) وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: المؤمنون على شروطهم .

وإذا عُدَّ هذا غَذْراً؛ شنَّع أعداء الإسلام على المسلمين بذلك، وصيانة عِرض الإسلام وأهله من شماتة المتربصين به؛ واجب شرعي، فنقوم به في حدود الشرع.

ولأجل هذا صرَّح أئمة الإسلام بأن العبرة في الأمان بما فهمه الكافر، فقد قال الإمام أحمد – رحمه الله-:” إذا أُشير إليه – أي الكافر – بشيء غير الأمان، فظنه أماناً؛ فهو أمان” قال الفتوحي:” وذلك تغليباً لحقن الدماء، كما حُقن دم من له شبهة كتاب، تغليباً لحقن دمه….” اهـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى-:” جاءت السنة بأن كل ما فَهِمَ الكافر أنه أمان؛ كان أماناً، لئلا يكون مخدوعاً، وإن لم يُقصد خَِدْعُه” اهـ من” بيان الدليل” ( ص 64 ) .

وقال – أيضاً- :” ومعلوم أن شبهة الأمان كحقيقته في حقن الدم..” اهـ.

[ص-155] فإذا كان الكافر يقبل الأمان من الحاكم – الذي تكفِّرونه أنتم بحق أو بباطل – لزمكم أن تُؤمِّنوه، لأن الكافر الداخل في الأمان؛ ليس فقيهاً في شريعتنا، ليدرك أن أمان هذا الحاكم يصلح له أم لا؟ ثم لو صلح هذا الأمان عندكم، فما يُدريه أن طائفة أخرى أشد غلواً من غلوكم، فلا يرون ما ترونه من صحة أمان ذلكم الحاكم، وهكذا!!!

وعلى ذلك فلا بد من الوفاء له بالأمان، ما لم يكن مستحقاً لحد من حدود الله – غير مجرد الكفر – فهذا له حكم آخر، ينظر فيه العلماء وأهل الحل والعقد، ويتخذون اللازم شرعاً، والله أعلم.

ولقد استقدت حكاية هذه الشبهة والتي بعدها وأصل الجواب عليهما من رسالة” شبهات حول الجهاد” فجزى الله مؤلفها خيراً.

( الشبهة الثامنة عشر: فإن قيل: إن أمان هؤلاء الحكام للكفار لا ينعقد؛ لأنهم مُسْتَضْعفون، مُكْرَهون عليه، والمكره لا يُعْتَمد على عقوده.

فالجواب من وجوه – إن شاء الله تعالى-:

1 – نحمد الله أنك سلمت بأن المسلمين مستضعفون أمام هذه الدول، وكثير منهم مكره على كثير من الأمور، وإذا كان هذا في حكامهم – كما صرحت بذلك – فما ظنك بأفرادهم؟!!

2 – إذا كان المسلمون مستضعفين؛ فلماذا تتصرفون تصرفات أهل الشوكة والنكاية بالعدو؟!! فتجرون على الأمة شراً، وتزيدونها وهناً على وهن؟!!

3 – معلوم أن عقود الأمان: إما أن تكون لجلب مصلحة؛ أو دفع مفسدة، والحاجة إلى دَفْعِ المفسدة- هنا – غالباً ما تكون إلا بسبب الضعف، فكيف تبطلون عقد المستضعف الذي يريد درء المفسدة العظمى بعقده ذلك؟!!

4 – لو كنتم حكاماً مستضعفين – كما تقرون بذلك في حق حكام هذا الزمان – ولم تعقدوا هدنة مع الكفار، إما بعمل السفارات، أو بعقود أخرى، فماذا تفعلون لو كشَّروا لكم عن أنيابهم؟!! هل تدفعون المفسدة العظمى بعقود هدنة – على ما فيها من إجحاف – أم ستقدمون شعوبكم ودياركم للإبادة؟! فإن كان الأول: فما وجه إنكاركم على الحكام – وهم قد فعلوا ذلك-؟!! وما وجه إبطالكم عقدهم الأمان لكافر؟!! وإن كان الثاني: فهل- بهذا – اعتبرتم القاعدة الشرعية العظمى في مراعاة المصالح والمفاسد؟!!

هذا مع علمي بأن من الولاة من ضعفت عنده الغيرة الدينية جداً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لكننا نلزم منهج السلف، ونسأل الله أن يصلحهم، وأن يقذف في قلوبهم الإيمان، إنه على كل شئ قدير.

وعلى كل حال: فمنشأ الفتنة: عندما تَصَرَّفَ الضعيف تصرف القوي المنيع!! ولا يقبل نصح أهل الذكر الذين أمر الله بالرجوع إليهم!!

وقد صدق قول القائل: الـحرب أول ما تكون فـتية تسعى بزينتها لكـل جهـول حتى إذا اشتعلتْ وشَبَّ ضِرامُهَا ولَّتْ عجوزاً غيرَ ذاتِ حَليل شـمطاء يُكْره لونُها وتغـيرتْ مكروهة للشـم والتقبـيل

5 – ولو سلمنا بما قال هذا القائل في هذه الشبهة، وأن هذا الأمان فاسد؛ فبقي أن الكفار يعدَّونه أماناً، فيُؤَمَّنون بذلك، لما تقدم في الشبهة السابقة والجواب عنها.

6 – [ص-157] وأيضاً: فلو سلمنا بعدم صحة هذه الوجوه؛ فبقي النظر في المفاسد التي تعود على المسلمين من جرّاء إهدار هذا الأمان وإلغائه!! ولا شك أنها مفاسد عظيمة – كما تقدم – فنعوذ بالله من كيد الكائدين، وعبث العابثين، والله المستعان.

فإن قيل: سلَّمنا بأن عقد الأمان من المستضعف يُعمل به، إلا أن ذلك يكون إلى مدة مؤقتة، لا بصورة مطلقة، كما هو حاصل الآن!!

فالجواب: إذا زالت العلة التي من أجلها عُقِد الأمان للكفار؛ ولم تعد هناك مصلحة لذلك؛ فيُنْبذ إليهم على سواء، لكن إذا كانت العلة باقية؛ فالحكم باقٍ، والعبرة بجلب المصلحة، أو دفع المفسدة، وأما تحديد المدة، فلا دليل عليه – والحال هذه- ومن كان عنده دليل على أن المستضعف لا يعقد هدنة إلا مدة محدودة، ثم بعد ذلك يجود بنفسه وشعبه وبلاده للإبادة والتدمير – مع ضعفه – فعليه الدليل!! ودون ذلك خرْطُ القتاد، نعم: عليه أن يجتهد في أمر الله عز وجل، ويسعى لإقامة الحق في سلطانه، وعند ذاك يُعزّه الله، ويُرغم أنف أعدائه، والله المستعان، وعليه التكلان.

هذا، أما عقد هدنة بقية الدهر، وإن تبدل الحال غير الحال؛ فلا يجوز، كما فصَّل ذلك العلماء، والله تعالى أعلم.

( الشبهة التاسعة عشر: فإن قيل: إن الحكم بغير ما أنزل الله هو السبب في هذه التفجيرات، ولو أن الحكام استقاموا على شريعة الله؛ لما كان شيء من ذلك، فالبادي أظلم!!!

فالجواب: نعم، إن الحكم بغير ما أنزل الله، وشيوع المنكرات، والتحديات الساخرة من الدين وحملته في كثير من البلدان؛ كل ذلك مخالف لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمخالفة هذه لا تأتي إلا بشرٍّ، فقد قال الله تعالى: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(سورة النور الآية 63) والغلو الحاصل من هؤلاء الشباب؛ أحد ثمرات هذه الفتنة!!

ولما وُجِد الإهمال أو الإعراض عن شرع الله في كثير أو قليل، ولما وُجد الامتناع عن تحكيم شريعة الله تعالى في كثير من البلدان، ووُجِد الاستهزاء بالدين- في بعض البلدان-؛ أدى ذلك إلى وجود غلوٍّ، فآل الأمر إلى التفجيرات والاغتيالات، فَحَكَم هؤلاء الشباب بذلك – أيضاً- بغير ما أنزل الله، ووقعت بذلك الفتنة!!!

ولقد جاءنا الخبر الفصل في السنة النبوية، فيما إذا جاء الخلل من الحكام،- فيما بينهم وبين ربهم، أو بينهم وبين رعيتهم- بالصبر والسمع والطاعة لهم في المعروف، بل لو وقعوا في الكفر؛ ففي المقام تفصيل عند أهل السنة، وهذا التفصيل راجع إلى سبب الوقوع في الكفر: هل هو الشبهة التي يُعذر من وقع في الكفر بسببها، أم لا؟ وهل المسلمون قادرون على تغيير هذا المنكر بدون مفاسد مساوية أو راجحة، أم لا؟! وقد سبق أن المرجع المأمون في تقدير ذلك: هم كبار أهل العلم من أهل السنة، أهل العلم والحلم، والفهم الصحيح للمصالح والمفاسد.

إذاً فهؤلاء الشباب قد خالفوا السنة بفعلهم هذا عندما خرجوا على الحكام بهذه الزلازل والفتن، ولا يصح أن يقال هنا: البادي أظلم- بمعنى أن الراد على الحاكم الظالم ليس بظالم أيضاً-!!! فإن الراد عليه بالخروج والتشهير – فضلاً عن التفجير والتدمير- ظالم بمخالفة السنة، كما أن الحاكم الذي يهمل العمل بالشرع؛ ظالم بتركه التحاكم لشريعة الله عز وجل، ولكل منهما حُكمه، حسب تفاصيل الشريعة!!!

وأيضاً: فهل الحكم بغير ما أنزل الله، هو السبب الوحيد لهذا الغلو، والوقوع في التفجير والتدمير؟!!

الجواب: لا، فها هي المملكة العربية السعودية – حرسها الله وجميع بلاد المسلمين من كيد الكائدين وعبث العابثين – لم تسلم أيضاً من شر هذا الفِكْر المحْدَث، وهي تُحْكَم بالشريعة الإسلامية، وتُحيى التوحيد ومذهب أهل السنة في مشارق الأرض ومغاربها – بقدر الاستطاعة، مع وجود بعض الأخطاء في الجملة، فنسأل الله أن يعينهم على إصلاحها – كما تدافع المملكة عن الإسلام في كثير من المواقع والثغور، ولا زالت الصدر الحنون العطوف الذي لم تجف ألبانه، ولم يتم الرضاعة بعد للعلماء والدعاة إلى الله وطلاب العلم، وحُفّاظ كتاب الله، واليتامى والأرامل والمرضى، والمعاويز وذوي الحاجات من جميع أنحاء العالم، بما لا يُنكره إلا جاهل بهذه البلدة المباركة وأهلها الكرماء، [ص-159] أو جاحد مكابر قد عميت بصيرته في هذا المقام، وفسد مزاجه، حتى أصبح يجد طعم المر في الماء العذب الزلال!!!كما قال القائل: ومن يك ذا فمٍ مُرٍّ مريض يجدْ مُرّاً به الماء الزلالا وهل سلمت مكة والمدينة، وهما الحرمان الشريفان، اللذان يَسْلَمان من شر الدجال، ومع ذلك ما سلما من غبار سيل هذه الفتنة وتلك الأفكار؟!! وهل سلمت الرياض، عُقْر دار التوحيد، وقُطْب رَحَى السنة في هذا العصر الجديد، وقرة عيون المسلمين -مع الحرمين الشريفين – وبلد العقيدة الرشيدة، والمواقف السديدة في خدمة الإسلام من الرجال والنساء، فهل سلمت من آثار هذا الفكر المحْدَث؟!

فلو سلَّمنا- جدلاً، ومعاذ الله- بأن في البلاد الأخرى من بلاد المسلمين ما يُسوِّغ هذه التفجيرات والاغتيالات، فهل اقتصر الأمر على ذلك؟!!

إن هذا ليدلُّنا على أن هذه المشكلة لها أسباب عدة، وجوانب متعددة، غير الحكم بغير ما أنزل الله.

وإن هذا الجواب عن هذا الإيراد؛ لا يلزم منه تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله، أو التهوين من شأنه؛ فإن الحكم بغير ما أنزل الله – بدون عذر شرعي- جريمة وجناية، وقد يصل بصاحبه إلى الكفر المجرد، وقد يَبقى صاحبه فاسقاً مع وجود أصل الإيمان عنده – على تفاصيل معلومة، ليس هذا موضعها-، ولا يجوز لمسلم- يخاف الله- أن يسن سنة سيئة في الإسلام، وأن يعصي الله بإهمال شرعه، أو الإعراض عن حكمه، فقد قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)(سورة الأحزاب الآية 36 ) وقال سبحانه: ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)(سورة النساء الآية 65) وإنما المراد – بما سبق- بيان أن الحكم بغير ما أنزل الله ليس هو السبب الوحيد – وإن كان سبباً عظيماً في كثير من الرزايا التي حلَّت بالمسلمين- ولو سلمنا بأنه السبب الوحيد؛ فلا يجوز أن نقابل الخطأ بخطأ، أو أن نُظْلَم؛ فنَظِْلمَ، فـ” خير الهدي هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها” وقديماً قيل: وكل خيرٍ في اتباع من سلف وكل شرٍ في ابتداع من خلف.

( الشبهة العشرون: قال كثير منهم: لقد رأينا تناقض هؤلاء العلماء، الذين تدعون الناس إلى لزوم غرزهم، فوجدناهم يفتون بالجهاد في أفغانستان ضد الروس، لما أَذِنت لهم أمريكا، ولم نرهم يفتون بذلك في العراق ضد التحالف التي اجتاح العراق، لأن أمريكا هي الخصم الآن، ومن كان كذلك؛ فلا نأخذ بفتواه!!

والجواب على قسمين:

‌أ- جواب مجمل – لو سلمنا جدلاً بخطأ العلماء في هذا – وهو: أن العلماء عموماً سلفاً وخلفاً – جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيراً – ليسوا بمعصومين إلا إذا أجمعوا، فهم بشر، يجتهدون حسبما آتاهم الله من علم وفهم، وقد يخطئون، لكنهم في الغالب يصيبون، وإلا فلو كانت أغلب الفتاوى من نوع الخطأ؛ لزعزع ذلك في مكانة العالم من الناحية العلمية، بل لا يُعَدُّ – عندئذٍ من العلماء الذين يُرْجَع إليهم.

وإذا كان العالم يصيب ويخطئ – وهذا مقتضى البشرية – فلا بد أن نتعامل معه بالشرع لا بالهوى، ويتلخص الموقف الشرعي هنا في مواضع:

1 – أن نُقِرَّ له- في الجملة- بالجزاء الذي ورد في قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إذا حَكمَ الحاكم فأصاب؛ فله أجران، وإذا أخطأ؛ فله أجر، ويُغفر له خطؤه ، وهذا في علمائنا الصادقين، الذين يهمهم أمر التوحيد والسنة، فجزاهم الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خيراً.

2 – لا نتابعه على خطئه – وذلك إذا أخطأ حقاً لا توهماً – ونستغفر له، ونناصحه بالتي هي أحسن، وبما يليق بمقامه، ولا يُضَيَّع حق الشريعة- أيضاً – بمجاملته، وعدم نصحه، وبهذا نكون قد حافظنا على كرامة الشريعة وكرامة حملتها.

3 – أن نجلّه ونكرمه، ولا نهدر حسناته لاجتهادٍ أخطأ فيه، ولا نُعْرِض عنه لاجتهادٍ جانَبَ فيه الصواب، وهذا مقتضى العدل الذي أمرنا الله عز وجل به – خلافاً لأهل البدع، أهل الإفراط والتفريط – فقال سبحانه: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا)(سورة الأنعام الآية 152 ) وقال تبارك وتعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ )(سورة النحل الآية 90) وقال عز وجل: ( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)(سورة المائدة الآية 8) ويقول سبحانه وتعالى: ( وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ )(سورة الشورى الآية 15) .

وقد صرح السلف – رحمهم الله – بعدم إهدار حسنة من أخطأ من العلماء؛ لأن في ذلك فساداً عظيماً، فقال الإمام ابن القيم – رحمة الله عليه – في” مدارج السالكين” ( 2\39- 40 ) :”….. فلو كان كل من أخطأ أو غلط؛ تُرك جملة، وأُهدرت محاسنه؛ لفسدت العلوم والصناعات والحِكَم، وتعطلت معالمها…” اهـ.

[ص-161] وقال الذهبي في” النبلاء” :”…. ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده – مع صحة إيمانه، وتَوَخِّيه لاتباع السنة؛ أهدرناه، وَبَدَّعْناه؛ لقلَّ مَنْ يَسْلَم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنِّه وكرمه” اهـ.

وقال في” النبلاء” – أيضاً – :” ولو أن كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل، خطأً مغفور له؛ قُمنا عليه، وبدَّعناه، وهجرناه؛ لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة” اهـ.

وقال في” النبلاء” – أيضاً – :” ثم إن الكبير من أئمة العلم، إذا كثر صوابه، وعُلِمَ تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه، وورعه، واتباعه؛ يُغْفر له زلَلُهُ، ولا نضَلِّله ونطرحه، وننسى محاسنه، نعم: ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجوا له التوبة من ذلك” اهـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – كما في” مجموع الفتاوى” ( 11\15- 16 ) :” ثم الناس في الحب والبغض، والمولاة والمعاداة؛ هم أيضاً مجتهدون، يصيبون تارة، ويخطئون تارة، وكثير من الناس إذا علم من الرجل ما يحبه؛ أحب الرجل مطلقاً، وأعرض عن سيئاته، وإذا عَلِمَ منه ما يبغضه؛ أبغضه مطلقاً، وأعرض عن حسناته، وهذا من أقوال أهل البدع، والخوارج، والمعتزلة، والمرجئة، وأهلُ السنة يقولون ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع….” اهـ.

وقال الإمام المجدِّد محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – كما في” الدرر السنية” ( 10\57 ) في رسالة له:”…. ومتى لم تتبين لكم المسألة؛ لم يحل لكم الإنكار على من أفتى أو عمل، حتى يتبين لكم خطؤه، بل الواجب السكوت والتوقف، فإذا تحققتم الخطأ؛ بينتموه، ولم تُهدروا جميع المحاسن لأجل مسألة، أو مائة، أو مائتين أخطأتُ فيهن، فإني لا أدعي العصمة” اهـ

والكلام في ذلك يطول، ولقد صنفت فيه كتاباً لطيفاً – رداً على بعض صور الغلو – وسميته” القول المفْحِم لمن أنكر مقالة نصحح ولا نهدم” فارجع إليه إن شئت.

‌ب- الجواب المفصل: هذا كله لو سلمنا بأن العلماء قد أخطئوا، ويجب أن تعرف- أخي الكريم-: أن نظرة العلماء – جزاهم الله خيراً عن الإسلام والمسلمين – للنوازل التي تنـزل بالأمة، والأمور المدلهمة؛ تختلف عن نظرة الحزْبي المتحرِّق، أو العامي صاحب الحماس المتدفق، أو الشاب الغيور مع قلة البصيرة في هذا الباب، وذلك: أن العلماء ينظرون للحال والمآل، ويرون ما يراه الناس – وزيادة- من ظلم وبطش وغطرسة، لكنهم لا يَنْجَرُّون وراء عواطفهم، ولا عواطف العوام؛ لأنهم يعرفون ما لا يعرف الناس من عواقب الأمور، فيرجعون إلى فهم السلف، [ص-162] وقواعدهم، وتجاربهم، ونصائحهم، فيرون أن المواجهة المسلحة – في بعض المواضع، وفي بعض الأزمنة – تفضي إلى فساد عظيم، فيتسع الخرق على الراقع، ولا يُغيِّر ذلك مما هو واقع، إلا بما يزيل ما بقي من خير ومنافع!!! فعند ذلك يوصون الناس بالصبر، والاستكانة إلى الله عز وجل، والتضرع والابتهال إليه، وإصلاح ما فسد من الأمة في عقيدتها وعباداتها ومعاملاتها، لأن ذلك هو سبب هذه الفتنة، لقوله تعالى: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)(سورة الروم الآية 41) ولقوله تعالى: ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا)(سورة طه الآية 124) وقوله تعالى: ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ )(سورة الزخرف الآية 36)( وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ)(سورة الزخرف الآية 37) وقوله عز وجل:( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)( سورة المائدة الآية 78-79) إلى غير ذلك من الآيات.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى -:” وحيث ظَهَر الكفار؛ فإنما ذاك لذنوب المسلمين التي أوجبت نقص إيمانهم، ثم إذا تابوا بتكميل إيمانهم؛ نصرهم الله، كما قال تعالى: ( وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(سورة آل عمران الآية 139) وقال: ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)(سورة آل عمران الآية 165) اهـ. من” الجواب الصحيح” ( 6 450 ) .

وقال أيضاً:” وإذا كان في المسلمين ضعف، وكان عدوهم مستظهراً عليهم؛ كان ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم: إما لتفريط في أداء الواجبات باطناً وظاهراً، وإما لعدوانهم بتعدي الحدود باطنا وظاهراً، قال تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا )( سورة آل عمران الآية 155 ) وقال تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)(سورة آل عمران الآية 165 ) وقال تعالى: ( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ* الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)(سورة الحج الآية 40-41) اهـ.

وقال الإمام ابن القيم – رحمه الله-:” فلو رجع العبد إلى السبب والموجِب؛ لكان اشتغاله بدفعه أجدى عليه، وأنفع له من خصومة من جرى على يديه، فإنه – وإن كان ظالماً – فهو الذي سلطه على نفسه بظلمه، قال الله تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ )(سورة آل عمران الآية 165 ) فأخبر أن أذى عدوهم لهم، إنما هو بسبب ظلمهم، وقال تعالى: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)(سورة الشورى الآية 30) .

وقال أيضاً: وكذلك النصر والتأييد الكامل، إنما هو لأهل الإيمان الكامل، قال تعالى: ( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ )(سورة غافر الآية 51) وقال: (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ)(سورة الصف الآية 14 ) / [ص-163] 30 فَمَنْ نَقَصَ إيمانه؛ نَقَصَ نصيبه من النصر والتأييد، ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة في نفسه أو ماله، أو بإدالة عدو عليه؛ فإنما هي بذنوبه: إما بترك واجب، أو فِعل محرم، وهو مِنْ نَقْص إيمانه.

وبهذا يزول الإشكال الذي يورده كثير من الناس على قوله تعالى: ( وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا )(سورة النساء الآية 141) ويجيب عنه كثير منهم بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلاً في الآخرة، ويجيب آخرون بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلاً في الحجة.

والتحقيق:…. أن انتفاء السبيل عن أهل الإيمان الكامل، فإذا ضَعُف الإيمان؛ صار لعدوهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم، فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بحسب ما تركوا من طاعة الله تعالى، فالمؤمن عزيز، غالب، مؤيَّد، منصور، مَكْفِيٌّ، مدفوع عنه بالذات أين كان، ولو اجتمع عليه مَنْ بأقطارها، إذا قام بحقيقة الإيمان وواجباته، ظاهراً وباطناً، وقد قال تعالى:( وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)( سورة آل عمران الآية 139) وقال تعالى: ( فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ)(سورة محمد الآية 35) فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم، التي هي جُنْدٌ من جنود الله، يحفظهم بها، ولا يفردها عنهم، ويقتطعها عنهم، كما يَتِرُ الكافرين والمنافقين أعمالهم، إذا كانت لغيره، ولم تكن موافقة لأمره” اهـ

هذه هي الخطوة الأولى لإصلاح الراعي والرعية، ويسلك العلماء لتحقيق هذه الغاية: طريق الدعوة إلى الله تعالى بشروطها الشرعية، وهكذا يسعون لتحقيق كل ما أوجبه الله عز وجل على الأمة من إعداد القوة – الإيمانية والمادية-، وتلاحم الصفوف – كل ذلك حسب الاستطاعة -، أما غيرهم من الشباب المتحمس – بدون ضوابط شرعية – فيصرخ في الناس: أن هُبُّوا لإنقاذ إخوانكم، واحملوا السلاح، واجتازوا الحدود!! علماً بأنه لو كان المسلمون قادرين على ذلك؛ لسبقه العلماء إلى هذه الفتوى، والله المستعان.

أقول هذا، وإن أحوال المسلمين وما يحل بهم؛ ليعصر قلبي أسىً وحسرةً، لكن الأمر إذا لم يرجع إلى كبار أهل العلم؛ ازداد الطين بِلة، والله المستعان.

إن كثيراً من الناس يُكثرون من وصف واقع المسلمين، وما فيه من ذلةٍ وضعف، ويذكرون ما يفعله الكفار بالمسلمين في مشارق الدنيا ومغاربها، وكل هذا معلوم للراسخين في العلم من علمائنا، ولكن كيف يكون العلاج؟

هل يكون العلاج باقتحام الأهوال وإن أدى ذلك إلى زيادة ضعف المسلمين، وشدة تسلط الكافرين؟

إن العلماء يرون أن الأمر إذا أدى إلى ذلك؛ فلا يكون العلاج إلا بالصبر، والابتهال إلى الله عز وجل، مع التوبة النصوح، ونصح ولاة الأمور بالتي هي أحسن، وتذكيرهم بحق الله وحق العباد عليهم، مع الاشتغال بالدعوة إلى الله تعالى، ونشْر الفضيلة، ومحاربة الرذيلة ما أمكن، هذا الذي علينا، والأمور كلها بيد الله عز وجل، والعلماء متبعون في ذلك لنصوص الشريعة وقواعدها، وتجارب السلف والخلف.

[ص-164] أما الشباب والعوام فيرون إعلان الحرب على غير المسلمين، وإن حال حكام المسلمين بينهم وبين ذلك؛ بدءوا بقتالهم!! وهكذا يتسع الخَرْق على الراقع، وهذا حال المنْبَتِّ: لا أرْضاً قَطَعَ، ولا ظَهْراً أبقى!!!

إذا، فالعلماء ينطلقون من قواعد محكمة، لا عواطف مدمِّرة، والواقع يشهد بصحة اجتهادهم: فعندما كان المسلمون قادرين على إخراج الروس من أفغانستان؛ استعانوا بالله عز وجل أولاً، ثم استفادوا من وجود ظروف أخرى مساعدة على ذلك: كالتنافس الموجود بين الدولتين المتصارعتين- آنذاك- وكون الوهن قد دبّ دبيبه في صفوف الروس، ووجود شِبْه إجماع من الطوائف – في داخل أفغانستان وخارجها- على قتال الروس، وموافقة ولاة الأمور في عدة دول على ذلك ـ سواء كان ذلك منهم مباشرة أو من غيرهم ـ المهم لقد تهيأت ظروف صالحة للفتوى بالجهاد ضد الروس، والعلماء ينطلقون من قوله تعالى: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )(سورة التغابن الآية 16) وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وينطلقون – أيضاً- من القاعدة الشرعية:” ما لا يُدْرَك كله؛ لا يُتْرَك جُلُّه” فمن أجل هذا وذاك وذلك؛ أفتى العلماء بالجهاد في أفغانستان، وأجرى الله بذلك خيراً، وطُرِد الروس، ولولا أن قَدَّر الله أموراً أخرى في داخل الصفوف هناك- فكان من أمر الله ما كان- لكان لتلكلم الجهود شأن آخر (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)(سورة البقرة الآية 216 ) .

ولما لم تتهيأ الظروف السابقة فيما حدث بَعْدُ مِنْ فتن، بل اجتمع الأعداء جميعاً على الأمة بصور مختلفة، ورفعت الفتنة والاضطرابات عقيرتها بين الشعوب والحكام؛ رأى العلماء الإمساك عن الفتوى بذلك؛ خشية أن تجر هذه الفتوى على الأمة مالا طاقة لها به، وحذراً من أن تكون الفتوى سبباً في اجتياح ما بقي من بقايا الخير في الأمة، فرأوا أن ارتكاب المفسدة الصغرى؛ أهون من ارتكاب المفسدة العظمى، وهذه قواعد السلف، بل وقد جرى نحو ذلك في تاريخ بعض السلف، عندما تفرق المسلمون دولاً ودويلات، وعندما استفحل شر العدو في الخارج، وانتشر شر أهل الأهواء في الداخل – وما أمر العُبيديين وأشباههم عنا ببعيد- فكان علماء السنة الذين أدركوا تلكم الأعصار والأحوال، وأحسوا بضعف المسلمين – مادياً – وعدم قدرتهم على المواجهة لإخراج الباطنية والحلولية الزنادقة من بلادهم؛ كانوا ينصحون بالصبر وإصلاح ما أمكن إصلاحه، والحفاظ على ما بقي من خير- وإن كان شيئاً يسيراً- وهذا من باب الأخذ بالأسباب التي في الإمكان والطاقة، ومن أخذ بالأسباب التي يقدر عليها؛ فهو محسن غير مسيء، ومن كان كذلك؛ نزل تأييد الله له ونصره – إن شاء الله تعالى – والله تعالى يقول: ( فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ)(سورة الأنعام الآية 43) ويقول سبحانه: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ)(سورة الأعراف الآية 137 )

فلا بد أن يُعْلم: أن النصر يكون بالصبر والسكوت عن إثارة الفتن- عند العجز عن المواجهة-، كما أنه يكون بإعداد القوة والرمي – عند القدرة بدون مفسدة مماثلة أو أكبر تعود على الإسلام وأهله-، أما المخالفون فيظهر – من حالهم ومقال بعضهم – أن الصبر أو التضرع أو الابتهال سلاح العجائز، ولابد من مواجهة من لا طاقة للمسلمين [ص-165] بمواجهته، وإن أدى ذلك إلى ما لا تُحمد عاقبته، المهم لا بد- عندهم – مِنْ رَفْع عَلَم الجهاد المسلَّح في كل الأحوال وإن أهلك الأعداء الحرث والنسل!!

والشباب يظنون أن علماء المسلمين اليوم يقدرون على أن يقوموا مقام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى – عندما غزا التتار الشام، ولكن العلماء أعرف بحالهم وقدراتهم، كما أنهم أعرف بقدرات أمة الإسلام وأحوالها، من هؤلاء الشباب الذين يتسرعون في اتهام العلماء بما لا يجوز، والله المستعان.

فإذا تقرر هذا؛ فما هو الفرق بين صنيع علمائنا المعاصرين، وصنيع أئمتنا السابقين؟!! إلا أن المخالفين للعلماء لا يعرفون تفسيراً لحكمة العلماء إلا رميهم بالتناقض، والخنوع والخضوع للملوك والرؤساء والشيوخ – في حق أو في باطل- وبيْع الدين بالدنيا، وعبادة العباد من دون رب العباد…. إلى غير ذلك مما طفحت به صفحات الكتب، وبطون الأشرطة، وشاشات” الإنترنت” والفضائيات!!

إن هذا الأسلوب هو أسلوب الصحفيين العلمانيين، والمحلَّليين السياسيين ونحوهم، وليس من هَدْى العلماء، ولا وقار طلاب العلم مع علماء الأمة في شيء، حتى وإن سلمنا بخطأ العلماء، فإنا لله وإنا إليه راجعون!!

( تنبيه ) : لقد أمسك أبو هريرة – رضي الله عنه – عن ذكر أحاديث الفتن خشية على نفسه، ولأن كثيراً من الناس لا يحسنون فهمها، وقد يؤول أمر بثِّها ونشرها في الناس إلى ما هو أعظم، فقد جاء في” البخاري” قال أبو هريرة – رضي الله عنه-: حَفِظْتُ مِنْ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعائين؛ فأما أحدهما فبثَثْتُه، وأما الآخر فلو بثثْتُه؛ قُطع هذا البعلوم فهل رماه أحد من علماء الأمة – سلفاً وخلفاً – بما يرمي به هؤلاء علماءنا من جبن وضعف وعمالة، بل وكُفْر؟!!

وعلى مذهب هؤلاء لا يَسْلَم أبو هريرة من أن يقال له: لم كتمت العلم الذي فيه مصلحة البيان، وإنهاء الفتن في أقرب وقت، وذلك إذا عُلم المصيب من المخطئ من خلال هذه الأحاديث؟… الخ، لكن أبا هريرة – رضي الله عنه – يعلم أن تأويل المخالف للأدلة بَحْر لا ساحل له – لاسيما في زمن الفتنة- ولا يكون من وراء بثها خيرٌ يُذْكَر بجانب الشر الذي سيقع – والله أعلم -.

وقد أذن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ في نحو ذلك بقوله: لا تبشرهم فيتكلوا وانظر ما نقله الحافظ في” الفتح” ( 1\298 ) عن بعض أئمة السنة من كراهية التحدث بما يُثير الفتنة، وهذا الذي عليه علماؤنا، فكان ماذا؟!!

وهذا الحديث- وغيره- فيه جواز كتمان العلم للمصلحة، أما المخالفون: فكتمان العلم الذي يتصل بالأمراء والفتن – عندهم – لا يكون إلا عمالة وركوناً إلى الدنيا!! مع أن أبا هريرة كتم ذلك للمصلحة، والرسول صلى الله عليه [ص-166] وعلى آله وسلم لم يُشْهِر وصْفَ الأغيلمة الذين يكون هلاك الأمة على أيديهم، فلم يجعل وصفهم عاماً للناس جميعاً، إنما خصَّ به أبا هريرة دون الصحابة، وهذا كله يدل على أن الهدْي النبوي عدم إشهار الكلام على الحكام، وأما اليوم فإنك تجد الجدل والنـزاع وارتفاع الأصوات في المساجد والمجالس وناقلات الركاب، وفي الأسواق والشوارع وغير ذلك، بين الكبير والصغير، والذكر والأنثى في هذه الأمور!! فأين هؤلاء من خير الهدْى؟!!

هذا، وقد رأينا بعض الطاعنين في علمائنا عندما يقترب من الحكام، ويدنو منهم؛ يفعل من المخالفات ما لا يُتصور من مثله، بدعوى: أن مصلحة الدعوة تقتضي هذا!! مع أن علماءنا لم يفعلوا ذلك، ولهم قدم صدْق، ويد بيضاء، ومواقف لا يجحدها إلا جاهل أو متحامل، لكن أعذارهم الشرعية مرفوضة عند القوم!! وتَعَلُّلات أصحابهم الحزبية، وتأويلاتهم الحركية؛ مقبولة عندهم، وتشهد لها الأدلة والقواعد – في نظرهم-!!!

وصدق من قال: وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا ومن قال: تقول هذا مجاج النحل تمدحه وإن ذممتَ تقْل قيء الزنابير وإذا كان علماؤنا يتبعون منهج السلف، وعُدَّ ذلك من معايبهم؛ فماذا يقولون إذاً؟!!

وصدق من قال: إذا محاسنيَ اللاتي أُدِلُّ بها عُدَّتْ ذنوباً فقُل لي كيف أعتذر؟!! ( خلاصة الجواب على هذه الشبهة ) :

1 – أن علماءنا يسيرون على منهج السلف في فتاويهم – لا سيما في فتاوى النوازل – ولا أَدَّعِي عصمتهم، ولا ادَّعَوْا هذا لأنفسهم، وكفى المرء نُبْلاً أن تُعدَّ معايـبه، والأصل في الفتن قلة الكلام، والإقبال على الطاعات، بخلاف حال كثير من الناس، والله المستعان.

2 – أن علماءنا لا تستفزُّهم عواطف العامة والمتحمسين، فيتركوا مذهب السلف، ويرضوا الناس بسخط الله – ولا أزكيهم على الله عز وجل-.

3 – أن العامة – وأشباههم- لا يدركون صحة مذهب العلماء؛ إلا بعد مرور فترة من الزمن، وقد قيل: الفتن إذا أقبلت؛ عرفها العلماء، وإذا أدبرت؛ عرفها الناس كلهم أو جلهم، فيدرك – عند ذاك- كثير منهم أن العلماء لو اتبعوهم على حماسهم؛ لَحَدَثَتْ أمور لا تُحْمَد عقباها: ( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)(سورة المؤمنون الآية 71) [ص-167] وَمَنْ فِيهِنَّ ومع ذلك يا ليت هؤلاء يتعظون من هذه المواقف، فيتركوا رأيهم لاجتهاد العلماء في مسائل أخرى مشابهة لهذه الحوادث، لكنهم – وللأسف – يعودون لذلك مرات وكرات!!

فما على العلماء إلا التشبث بالحق الذي تشهد له الأدلة، وإرضاء الناس غاية لا تُدْرَك، ومن أصلح ما بينه وبين الله؛ أصلح الله ما بينه وبين الناس، وصدق الله عز وجل القائل: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ)(سورة القصص الآية 50 ) والقائل سبحانه وتعالى: ( بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ )(سورة ق الآية 5) والقائل عز وجل: (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)(سورة يونس الآية 32 ) والقائل: ( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ)(سورة الجاثية الآية 6) فالقسمة ثُنَاِئيَّة: إما حق؛ وإما باطل، إما استجابة لمنهج السلف؛ وإما اتباع الأهواء: ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)(سورة الشعراء الآية 227) وقد قيل فيمن يغتر ببضاعته المزجاة: سوف ترى إذا انجلى الغبارُ أفرس تحتك أم حمـارُ 4 – إن من تستفزه جمهرة العوام وأشباههم، ويغتر بجحافلهم وسيولهم – مع ما هم فيه من اتباع الأهواء، والولاء والبراء من أجل الدنيا، بل الوقوع في الشركيات، إلا من رحم الله – وهو يرى حال الأمة وحال أعدائها؛ فيفتي بما يرضي العوام، وبما يمتص غضبهم وعاطفتهم، ويرى المواجهة المسلحة – اليوم- ضد الأعداء، ويتهم علماء الأمة – وهم المرجع منذ عقود من الزمان- بالضلالة والجبن؛ إن هذا الصنف لا يدرك سنة الله عز وجل في الفتن، ولا يعي طبيعة العوام وأشباههم، والفرق بين حالهم في اليسر، وحالهم في العسر، وفي النهاية لا يقوم إلا ما شهدت له الأدلة، والله المستعان.

5 – لسان حال المدّعين تناقضَ العلماء في الفتوى: أنهم يُلْزِمون علماءنا بأن تكون فتواهم في القوة والضعف سواء، فإما أن يفتوا بالجهاد في كل الحالات، أو بالقعود في كل الحالات، وإلا فهم متناقضون!!ومعلوم أن هذا قياس فاسد، والله المستعان.

فالعلماء إذا وجدوا من يعينهم على تحقيق مراد الله عز وجل في باب من الأبواب- وإن كان المعين لهم مشركاً – فإنهم لا يتأخرون عن الـمُضِي في ذلك، طالما أن المصلحة الشرعية مـتحققة أو غالبة، وقد قال الإمام ابن القيم – رحمه الله – في” زاد المعاد” ( 3\ 303 ) في سياق كلامه على فوائد يوم الحديبية:” ومنها أن المشركين وأهل البدع والفجور والبغاة والظلمة، إذا طلبوا أمراًَ يُعظِّمون فيه حُرْمَةً مِنْ حرمات الله تعالى؛ أُجيبوا إليه، وأُعْطُوه، وأُعينوا عليه – وإن مُنعوا غيره – فيعاونون على ما فيه تعظيم حرمات الله، لا على كُفْرهم وبغيهم، ويُمنعون ما سوى ذلك، فكل من التمس المعاونة على محبوب لله تعالى، مُرْضٍ له؛ أُجيبَ إلى ذلك، كائناً من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوضٌ لله أعظم منه…..” اهـ.

هذا هو الفقه في الدين، فإن تغير الحال، ولم يجد العلماء المعين لهم على الحق، بل وجدوا أعداء الإسلام قد تكالبوا وتداعوا على هذه الأمة، ورأوا ضعف الأمة ووهنها؛ فإنهم لا يزيدون الطين إلا بِلَّة، والأمة ذلة، ويمسكون – عندئذ [ص-168] – عن الكلام في ذلك، لأن كلامهم سيترتب عليه ما الله به عليم – بخلاف كلام غيرهم، – وهم في هذا كله منطلقون من قواعد الشرع، لا من أوامر أمريكا ولا غيرها، وحسبنا الله ونعم الوكيل من التقوُّل على عباد الله وأوليائه، بغير هدى ولا كتاب منير!!.

وقد قال صاحب الفضيلة الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله تعالى – جواباً على من ذكر أن لعلماء المملكة – حرسها الله وجميع بلاد المسلمين – فتاوى خاطئة بسبب الضغوطات عليهم، فقال – حفظه الله-:

وأما قوله:” إنهم يُفْتون بسبب ضغوطات؛ فهو قول باطل، وعلماء هذه البلاد- ولله الحمد- هم من أبعد الناس عن المجاملات، فهم يفتون بما يظهر لهم أنه هو الحق، وهذه فتاواهم موجودة- ولله الحمد – ومدونة، وأشرطتهم موجودة، فليأتنا هذا المتكلم بفتوى واحدة تعمدوا فيها الخطأ بموجب ضغط، وأنهم أُجبروا على هذا الشيء!! أما الكلام والدعاوى واتهام الناس؛ فهذا لا يعجز عنه أحد، كل يقول، لكن الكلام في الحقائق”!!! اهـ نقلاً عن” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ( ص 108- 109 ) .

فإن قيل: إننا نرى هؤلاء العلماء يتبعون ما جاءهم من قادتهم، فإذا جرى نزاع سياسي مع الروافض؛ فزع عبيد العبيد – يعنون بذلك العلماء- إلى ذِكْر الأدلة الكاشفة لستر الروافض، وإذا حصل انسجام سياسي بين قادتهم وقادة الروافض؛ سكتوا، أو غيَّروا كلامهم، وكذا وجدنا موقفهم مع غير الروافض!!!

فالجواب: إن هذه نظرة من ساء ظنه في علماء الأمة، ولا خير في أمة يتهم صغارُها كبارَها، وعوامُّها علماءَها، وقد سبق بيان الموقف الصحيح – مجملاً ومفصلاً – من العلماء، ومع ذلك؛ فسأجيب على هذه الشبهة – إن شاء الله تعالى – فأقول:

إذا اختلف قادة السنة السياسيون مع قادة الروافض، وبَيَّن العلماء عقيدة الروافض – في هذه الحالة – فالمقام لا يخلو من فائدة، ولا عيب على من كان عمله مفيداً للإسلام والمسلمين، والأعمال بالنيات، فلماذا لا تحملون ذلك الصنيع من العلماء الكبار إلا على القصد السيئ؟!!

فإذا اتفق القادة مع قادة الروافض من الناحية السياسية، فالمقام لا يخلو من حالتين:

الأول: أن يكون القادة السياسيون مصيبين في هذا الاتفاق، وأن المصلحة من ورائه راجحة للسنة وأهلها، سواء كانت جلباً لمصلحة، أو درءاً لمفسدة.

وعلى ذلك: فسكوت العلماء – إن سلمنا بذلك في هذه الحالة – أمر يُساعد على الحفاظ على هذه المصلحة المرجوة من وراء هذا الصلح، ولا عيب عليهم في ذلك – إلا عند من يسيئون بهم الظن- فإن المصلحة تقتضي ذلك.

الحال الثاني: أن يكون ما فعله القادة السياسيون من الصلح – على أسوأ الأحوال – مخالفاً لشرع الله عز وجل، سواء كان ذلك في مسألة اجتهادية، أو أعظم من ذلك، فإذا رأى العلماء أن كلامهم سيأتي بشرٍّ أكبر، فسكتوا؛ فما العيب عليهم في ذلك؟ أليس هذا موافقاً لقواعد الشريعة؟! ثم هل تراجعوا عن كلامهم الأول في الروافض وغيرهم؟!! هل مدحوا الروافض، ووصفوهم بوصفٍ يخالف ما عليه سلف الأمة؟!! هل يلزمهم أن يتكلموا [ص-169] في كل حال، سواء جرى بهذا الكلام خير أم شر؟!! ألا يجوز كتمان العلم للمصلحة؟ هل يلزم العلماء أن يأخذوا بتقديركم أنتم للمصالح والمفاسد؟ وإلا كانوا متناقضين، يبيعون دينهم بيعاً رخيصاً؟!!

فصحَّ أن موقف العلماء – حسب فهم من يعرف قَدْرَهم- لم يخرج عن منهج السلف- ولا أدعي عصمتهم في كل شيء- إلا أن المخالفين تُغْلَق أمامهم أبواب المخارج الشرعية لمخالفهم، وتكون أضيق من سَمِّ الخياط، وما أكثر هذه المخارج إذا أُوقِفوا على أخطاء قادتهم ومنَظِّريهم وشيوخهم!! فيصدق عليهم في حق قادتهم – لا في حق الراسخين من العلماء- قول من قال: وإذا الحبيب أتى بذنبٍ واحدٍ جاءت محاسنه بألف شفيع ( تنبيه ) : لو سلمت بما قال المخالفون في علمائنا؛ فهذا جوابي عن العلماء، ودفاعي عن عِرْضِهم وصِدْقهم وفهْمهم، إلا أنني لا أسلم لهؤلاء بأن علماءنا لم يتكلموا في عقيدة الروافض وغيرهم إلا في الحالة التي ذكرها المخالفون، ففتاويهم وكتبهم ومجالسهم ودروسهم شاهدة بهذا كله، لكن سوء الظن يقلب الحقائق، ويجعل الحسَن قبيحاً، والله المستعان.

وصدق من قال: أتانا أن سهـلاً ذم جهلاً علوماً ليس يدريهن سهلُ علوماً لو دراها ما قلاها ولكن الرضا بالجهل سهلُ وصدق من قال: لو كنتَ تعلم ما أقول عَذَرْتَني أو كنتَ تعلم ما تقول عَذَلْتُكاْ لكنْ جَهِلْتَ مقـالتي فعذلْتني وعلـمتُ أنك جاهلٌ فعذَرْتُكاْ وأختم كلامي هنا بما قاله الحافظ ابن عساكر – رحمه الله – في” تبيين كذب المفترى” ، فقد قال:” وقد قيل في المثل: ( لن تُعدم الحسناء ذاماً ) وقلّما انفك عصر من الأعصار من غاوٍ يقدح في الدين، ويُغوي إبهاماً، وعاوٍ يُجرِّح بلسانه أئمة المسلمين، ويَعْوِي إيهاماً، ويستنـزل من العامة طوائف جهالاً؛ وزعانف أغتاماً، ويحمل – بجهله – على سب العلماء والتشنيع عليهم سفهاء طغاماً، لكن العلماء إذا سمعوا بمكرهم، عَدُّوه منهم عراماً،- يعني شغباً- وإذا ما مَرُّوا بِلَغْوهم في الكبار من الأئمة؛ مرُّوا كراماً، وإذا خاطبهم الجاهلون منهم؛ قالوا سلاماً…..” إلى أن قال- رحمه الله-:” واعلم- أخي، وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته-: أن لحوم العلماء – رحمة الله عليهم- مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء؛ أمر عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء؛ مرتع وخيم، والاختلاق على من اختاره الله منهم لنعش العلم؛ خُلُق ذميم، والاقتداء بما مدح الله به قول المتبعين من الاستغفار لمن سبقهم؛ وصْفٌ كريم، إذْ قال مُثْنياً عليهم في كتابه – وهو بمكارم الأخلاق [ص-170] وضدها عليم-: ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ )(سورة الحشر الآية 10) والارتكاب لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاغتياب وسب الأموات؛ جسيم ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(سورة النور الآية 63) ” اهـ.

( الشبهة الحادية والعشرون: قال بعضهم:” ومِنْ تناقُضِ هؤلاء العلماء -أيضاً-: أنهم كانوا يَدْعُون – هم والمسلمون- على أعداء الإسلام والمسلمين، ويسألون الله أن يذل الشرك والمشركين، وأن يُهلك اليهود ومَنْ وراءهم، فلما وقع شيء من ذلك بأمريكا؛ استنكروا، وأصدروا الفتاوى التي تشجب هذا الفعل، وحَذَّروا من هذا المنهج!! مع أن هذا الفعل جزء من استجابة الله عز وجل لدعائهم ودعاء المسلمين، فهل بعد هذا من تناقض؟!

والجواب: أن الدعاء على الكفار الذين يصدون عن سبيل الله، ويقاتلون المسلمين، ويخرجونهم من ديارهم، ويُظاهرون على إخراجهم؛ أمر مشروع، فإن كان المسلمون أقوياء؛ جمعوا بين الدعاء والمواجهة للدفاع عن دينهم وعِرضهم وأرضهم التي يعبدون الله عليها، وإن كان المسلمون ضعفاء؛ اكتفوا بالدعاء، لأنه الميسور لهم، ولأن غيره من الأساليب المخالفة؛ سيضر أكثر وأكثر، ويريدون بدعائهم – والحال هذه- أن الله عز وجل يُنـزل بعدوهم ما يشفي صدور قومٍ مؤمنين، ويُذْهب غيظ قلوبهم، أو أن الله عز وجل يَمُنُّ على المسلمين بقوة وبأس، ليدفعوا بذلك عن أنفسهم ودينهم، فإن يسر الله عز وجل لهم بذلك؛ فرح المؤمنون بنصر الله عز وجل، دون أن يجروا على أنفسهم شراً، أما أن يتعجل بعض المسلمين، ويقوموا بأمور تجرّ على المسلمين ويلاتٍ وفتناً، فإذا أنكر عليهم العلماء؛ قالوا: هذا تناقض، لماذا تحزنون من استجابة الله دعاءكم؟!! إن هذا لشيء عُجَاب!!

وإذا نظرنا في هديه صلى الله عليه وعلى آله وسلم – في هذا الباب العظيم- ورأينا ما عليه علماؤنا؛ لرأينا علماءنا متبيعين لهديه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: فقد دعا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على قريش، فقال: اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش لأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأُبيّ بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، قال ابن مسعود” فلقد رأيتهم في قليب بدر قتلى” وذلك عند ما وضعوا على رأسه الشريفة السَّلى، ومع ذلك لما استؤذن في قتالهم؛ قال: لقد أُمِرْت بالعفو كما في” سنن النسائي”بسند صحيح، ولما بويع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بيعة العقبة الثانية؛ قال له العباس بن عبادة بن نضله: والذي بعثك بالحق، لئن شئت لنميلينَّ على أهل مني غداً بأسيافنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لم أُومَر بذلك .

فليس كل من شُرِع لنا أن ندعوا عليه؛ يَشْرُع لنا أن نواجهه بالسلاح في كل الأحوال، فقد لا نستطيع ذلك ـ كما هو حاصل الآن ـ والإنكار على المتعجلين في هذا الباب؛ ليس تناقضاً ولا اضطراباً!!

[ص-172] وقد أُخْبِرْتُ بما جرى من بعض المخالفين، عندما صوَّر صورة” كاريكاتيرية” وفيها أحد كبار أهل العلم – وقد كُفَّ بصره – صوَّره بصورة أعمى يقوده رئيس أمريكاً!! فتباً للغلو، وسُحقا وبُعداً لحال أفضى بأهله إلى أن يكون هذا قَدْر العلماء عندهم!!!

فأين أنتم يا أمة الإسلام، إذا كان من أبنائكم من يُصَوِّر كبار علماء هذه الأمة بهذه الصورة المشينة، وبهذه الحالة المهينة؟!! وهل تفلح أمة يسبُّ حدثاؤها علماءَها؟!!

( الشبهة الثانية والعشرون: فإن قال قائل : ما هو موقفكم أنتم من هؤلاء الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله؟ وما هو موقفكم من قضايا الأمة التي تعج بها الساحة اليوم؟

فالجواب: موقفنا المجمل: هو لزوم طريقة السلف، ومن تبعهم من علماء الخلف، فلقد علمنا صحة هذا المذهب دليلاً وتجربة، والله أعلم.

وموقفنا المفصل- في هذا الباب-: موجود على صفحات هذا الكتاب المبارك، وكل ذلك مُدَعَّم بالأدلة النقلية، والعقلية، والواقعية، بما يغني عن إعادته هنا، فارجع إليه إن شئت أن تعرف موقفنا بإسنادٍ عالٍ، وإن شئت أن تنسب إلينا ما لم نقل؛ فلسنا بأعز ولا أفضل ممن تكلَّمْتَ فيهم بما هو أشر وأضر، والله أعلم.

( الشبهة الثالثة والعشرون: فإن قيل: لماذا تتكلمون على أخطائنا، ولا تتكلمون على أخطاء الحكام مع كثرتها واشتهارها؟ !

فالجواب: نحن لا نخرج عن طريقة السلف ـ إن شاء الله تعالى ـ، وفي هذا الكتاب بيان مفصَّل لمنهج السلف في هذا الباب ـ ولله الحمد ـ.

وموقف السلف: الرد مفصلاً على أخطاء من ينتسب إلى العلم والدعوة، إذا خالف جادة أهل السنة ـ على تفاصيل في ذلك- لا سيما فيما تعم به البلوى، وبطون الكتب والمجلدات التي تئط لها الإبل تشهد بذلك!!

وموقفهم تجاه الحكام: الصبر على ظلمهم، مع نصحهم ـ إن أمكن ـ سراً، وعدم ذِكْر مثالبهم أمام الناس، والتعاون معهم في حدود نصرة الحق، والحذر من دنياهم وفتنتهم في الدين والدنيا، وكذا إذا أراد أحد أن يخرج على الحكام؛ نَهوْه عن ذلك، ووجَّهوا الناس للاشتغال بما يستطيعونه، وبما ينفعهم في الدارين، وخالفهم أهل البدع في ذلك ـ وذلك بعد استقرار الإجماع على المنع من الخروج ـ فلم يصبروا على ما رأوه من منكرات؛ فسلُّوا سيوفهم، فعادوا على الأمة بِشَرٍّ، وتاريخ السلف شاهد بذلك، ومن تأمل الأحاديث الواردة في ذم الخوارج، والتهييجِ على قتالهم، وحَثِّ الناس على دَفْع شرهم، وعدم الاغترار بما عندهم من أعمال الخير، والتفصيل في أعمالهم وطريقتهم، حتى ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تحليقهم رءوسهم، فمن تأمل هذا، وقارَنَ ذلك بالأحاديث الواردة في الصبر على أئمة الجور- وإن أخذوا الأموال، وضربوا الظهور-؛ علم أن منهج السلف مأخوذ من الكتاب المستبين، والسنة الثابتة، والإجماع المتيقن، ومن أجل ذلك كانوا وسطاً بين الفرق.

فلو قارنا بين الحجاج بن يوسف، وبين بعض الخوارج؛ لرأينا تهتكا وفجوراً في الحجاج، وعبادة وزهداً في ذاك الخارجي، ومع ذلك؛ فقد فرقت السنة في كيفية التعامل مع كل منهما، ومن كان على شاكلتها، والله أعلم.

وليس ذلك من باب التزلف للحكام – كما يدعي بعضهم!! – ولكن ذلك لدرء المفاسد، والحفاظ على بقايا الخير والأمن والاستقرار، والله أعلم.

وقد قال ابن بطال – :” وفي هذا الحديث أيضاً حجة لما تقدم من ترك القيام على السلطان – ولو جار – لأنه صلى الله عليه وسلم أعلم أبا هريرة بأسماء هؤلاء وأسماء آبائهم، ولم يأمرهم بالخروج عليهم – مع إخباره أن هلاك الأمة على أيديهم – لكون الخروج أشد في الهلاك، وأقرب إلى الاستئصال من طاعتهم، فاختار أخف المفسدتين، وأيسر الأمرين” اهـ.

[ص-175] فليس كل من كان سبباً في إهلاك الأمة، لزمنا أن نواجهه بالسيف، لأن المواجهة – في الغالب – تزيد الأمة هلاكاً، وبوجود الصبر – مع النصح – والاجتهاد فيما بقي من الدين؛ يرفع الله عز وجل البلاء ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ)(سورة المدثر الآية 31) .

فلا بد أن يُعْلَم أن الشرع هو الذي فرّق بين معاملة الحكام الظلمة، ومعاملة من خالف سبيل المؤمنين، وادعى أن ذلك من الدين!!

فالسني مُتَّبع، وليس بمبتدع، ومُقتدٍ، وليس بمبتدئ، ومن ادعى أن الإنكار على الحكام الظلمة بالتهييج عليهم، وذِكْر معايبهم، ونشر ذلك بشتى الوسائل، أنه منهج السلف، وأن الأدلة تشهد له؛ فنقول له: ( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(سورة البقرة الآية 111) ونقول له:( نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)( سورة الأنعام الآية 143) ونقول له: ( اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(سورة الأحقاف الآية 4) فإن عجز؛ فليتق الله، ولا يستغل عواطف العامة بنشرات أخبارية، وأدلة عاطفية، ويصرفهم بذلك عن الهدى والنور المنّزل إليهم من رب البرية، فإن استجاب لذلك؛ وإلا فعند الله تجتمع الخصوم، والله المستعان.

أضف إلى ذلك في الجواب عن هذه الشبهة: أنكم – أيها الشباب- تعدّون أخطاءكم شرعاً منـزَّلاً، وتُربُّون الناس عليها، وتتهمون علماءنا ودعوتنا باتهامات جائرة، وتُحَذِّرون المسلمين من كبار العلماء، فلو سكتنا عن ذلك؛ لوقع فساد عريض، ولَزَهَدَ الناس في العلماء، وإذا زهدوا في العلماء؛ فانتظر الساعة!! فلا بد من البيان بالطريقة الشرعية، فلا إفراط ولا تفريط.

وأيضاً: فهناك من يحاول ـ بمكر ودهاء ـ أن ينسب إلى دعوتنا ما هي منه براء، فتعيَّن البيان؛ دفعاً للشر، وبراءة للأبرياء، وإن تعرضنا من الحكام إلى الظلم والابتلاء – فحسبنا الله ونعم الوكيل، ونسأل الله العافية، كما نسأله سبحانه أن يرحم ضعفنا وفقرنا وعجزنا، وأن يجبر كسرنا، وأن يقنا شر أنفسنا، وشر كل ذي شر هو آخذ بناصيته.

( الشبهة الرابعة والعشرون فإن قيل: إن المستفيد من بيانكم لهذه الأخطاء التي عندنا: هم الحكام الظلمة، وأنتم تتزلفون لهم بذلك، وليس الوقت مناسباً لبيان هذه الأخطاء!!

فالجواب: هذا الكلام منكم حسب فهمكم القاصر، والذي ينطلق من سوء الظن بمخالفكم – وإن كان في علم أحمد وتُقَى سفيان – فترمونه بأنه عميل، أو جاسوس، وأنه متزلِّف لفلان أو لفلان….. ونحو ذلك، كما أن كلامهم منطلق من عاطفة جياشة، لا من قواعد أهل العلم.

فاحذر- أيها الراغب في النجاة – من الجمع بين الجهل والظلم، وقد قال تعالى: سورة الأحزاب الآية 72 وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا والله المستعان.

ثم إذا كنتم قد عرفتم – أيها الشباب- خطأكم؛ فلماذا لا تعلنون توبتكم؟!! فلقد كان هذا أهدى سبيلاً، وأقوم قليلاً، وكان ذلك خيراً لكم وللمسلمين من طلبكم السكوت عن بيان أخطائكم التي قد ملأت آثارها السهل والجبل، مع أن هذا البيان ليس فيه إجحاف لكم، ولا تهور في الحكم عليكم، والله المستعان!!

وعلى كل حال: فالبيان – لهذه الأخطاء- من علماء السنة ودعاتها وطلاب العلم يُراد به أمور، منها:

1 – براءة الذمة ببيان الحق للناس، فإن الله عز وجل قد حَذَّر من مغبة تضييع ذلك، فقال:( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ)( سورة آل عمران الآية 187) وقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ)(سورة البقرة الآية 159 ) وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: مَنْ سُئل عن علم فكتمه؛ ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار فالأمر دين، فإذا تحققت المصلحة العظمى من البيان؛ وجب القيام به، دون وكْس ولا شطط، والله أعلم.

2 – النصح للمخالف، وإزالة الشبهة عن قلبه، فالقلوب ضعيفة، والشبهات خطّافة، ومن أزال شبهة عن قلب مؤمن؛ فقد نفَّس عنه كُربة من كُرب الدنيا، وأزاح عنه بلاءً، ولا يخفى ثواب من كان كذلك – إذا صدق الله عز وجل في ذلك-.

ومعلوم أن أقرب سبيل لذلك: الإنصاف للمخالف، وسرد الأدلة الدالة على الحق، والتلطف ما أمكن في العبارات، دون مجاملة في بيان حقيقة المخالف، وهذا ما أرجو أنني قد قمت به، وما أبرئ نفسي من التقصير، فاللهم غفرانك.

3 – الدفاع عن السنة ومنهج السلف الصالح، فيُذَبُّ عن السنة ما ليس منها، فتظهر السنة في بهائها وجمالها، بخلاف ما إذا سكت العلماء، وتكلم الحدثاء، فعند ذلك يُوَسَّد الأمر إلى غير أهله، وإذا كان ذلك كذلك؛ فانتظِرِ الساعة، كما أخبر المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه.

4 – [ص-177] حماية المتمسكين بالسنة من دخول الشبهات عليهم، وصيانتهم من هذه الأفكار المنحرفة، والتي عجَّتْ بها الساحة!!

5 – لزوم طريقة العلماء في الذب عن الدين، وإن سخط الناس، واحتساب ذلك عند الله سبحانه.

6 – الدفاع عن علماء الدعوة، وبيان صحة مذهبهم، وسلامة طريقتهم، واعتدال منهجهم، لاسيما في زمن كثر فيه الجفاة عنهم، واختلفت مشاربهم – أصلحنا الله وإياهم-

7 – لو سلمنا بأن جميع مخالفيكم غير مخلصين في بيان أخطائكم!! فهذه أدلتهم – حسب علمي – فما هو جوابكم عنها، سواء كانوا مخلصين أم لا؟ ودَعُوكم من نِيَّتِهم، فهذا بينهم وبين بارئهم!! ألم يُجِبِ السلف عن أدلة مخالفيهم دون النظر إلى نياتهم؟!! إن هذا الأسلوب الذي تسلكونه؛ ليس أسلوب أهل العلم، إنما هو أسلوب من ينقاد وراء العواطف، ويتكئ على اتهام الآخرين في نياتهم!! فاتركوا نية مخالفكم وراء النجم، وأجيبوا على أدلتهم!!

وإن تعجب فعجب بعد سرد هذه المقاصد الشرعية؛ أن تجد من تضيق عليه المخارج الصحيحة، ولا يجد ـ لسوء ظنه ـ إلا اتهام العلماء وطلاب العلم؛ بأنهم ما ردوا عليه أو على طائفته؛ إلا تزلُّفاً لفلان أو لفلان!!!

فهل يغيب عن هذا المتقوِّل على عباد الله بالباطل: أن أهل السنة لم يتبعوا الحكام في عدة أمور؛ عندما وجدوها تخالف النص الصريح؟ وهل يفوت هذا المتقوِّل أن من أراد الدنيا؛ علم كيف يأتي أبوابها بغير طريق العلم؟ فإن يحيى بن معين رأى طالب علم قد غدَا في طلب الحديث، ومعه محبرة وقلم، فقال له: بَشِّرْ أهلك بالإفلاس؛ وذلك لأن أهل الحديث يرون طلب العلم أحب إليهم من كراسي المسئولين!!! ويغلب على أهل الحديث الفقر، لعدم اشتغالهم بأسباب التوسع في الدنيا، اشتغالاً بالعلم وتحصيله والدعوة إلى الله تعالى، مع أن الله عز وجل لو بسط لهم الرزق؛ لما كان هذا مخالفاً للسنة!! فإلى الله المشتكى!!

هذا، مع عِلْم كثير من الذين يتهمون العلماء وطلاب العلم بالنفاق والتزلف: بأنهم وأصحابهم أقرب إلى الحكام منّا، وأنهم يظفرون بكثير مما يريدون منهم، ونحن- في حالات كثيرة – ما سَلِمْنا من جور الحكام وظلمهم!! لكن الأمر دين، ونعوذ بالله أن نكون ممن قال الله فيهم: ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ)(سورة التوبة الآية 58) !!!

فقد وجدنا مَنْ إذا أُعْطِي من عَرَض الدنيا وزارة أو إدارة أو غير ذلك؛ مدح الحكام!! فإذا مُنِع من ذلك؛ أعلن تكفيرهم، وأسهب في ذكر مثالبهم، ودندن حول الجهاد في سبيل الله!!!

ولو نظرنا في الوظائف الرفيعة، والمكانات العالية، والتجارات الرائجة في كثير من المجتمعات، وكذا لو نظرنا في الإمكانيات المادية، والوسائل العصرية… إلى غير ذلك مما يتزلف الناس للناس من أجله؛ لرأينا المتبعين لمنهج السلف – في أكثر البلدان – أقل الجماعات حظاً، وأبعدهم منـزلة من هذه الأمور- مع أن ذلك لو تيسر لهم؛ لما كان حراماً عليهم، فالمهم استعمال النعم في طاعة الله، لا استعمال طاعة الله للظَّفَر بِعَرَضِ الدنيا – ومع كون السلفيين أقل الناس حظاً مما في أيدي الحكام، إلا أن القوم لا يرعوون عن اتهام أهل السنة بالقبائح والشنائع!! فما علينا إلا المضيّ في [ص-178] طريق الحق، ولنا عِظَةٌ وعِبْرَةٌ بسلفنا، فقد قيل فيهم: جبناء، كما قال الخوارج لأبي مجلز السدوسي، وقيل فيهم: لا يفقهون الواقع، كما قيل قديماً: إذا سألـوا عن مـذهبي لم أَبُحْ به وأكتـمـه كتـمانه لِيَ أسـلم فـإن حنفـياً قلـت قـالوا بأنني أُبيـح الطِّلا وهْو الشراب المحرّم وإن مـالـكياً قـلت قالوا بأنني أُبيـح لهم لَحْم الكلاب وهُمْ هُمُ وإن شافعـيا قلـت قالـوا بأنني أُبيح نكاح البنتِ والبنتُ تَحْـُرم وإن حنبلياً قـلت قـالـوا بأنني بغيـض حلــولي ثقيل مُجَسِّمُ وإن قلت من أهل الحديث وحِزْبه يقـولون تَيْس ليس يدري ويفهم تعحبت من هذا الزمـان وأهله فما أحَدٌ مـن ألسن الناس يسلم وعلى كل حال: فأين آثار من اتهم أهل السنة بذلك، من آثار أهل السنة في الأمة سلفاً وخلفاً؟! ولقد جرَّبْنا كثيراً من المفلسين العاجزين في ميدان الحجج والبراهين؛ يُعَوِّلون – بكثرة – على الطعن في نية المخالف، ورميه باللَّهث وراء الدنيا، والتزلّف لفلان أو لفلان، ونحو ذلك، وما أشبه هذا بما قيل:” رمتني بدائها وانْسلَّتْ”!!!

فامضوا يا أهل الحديث على طريق سلفكم، فلكل خلف سلف، ولكل سلف خلف، وعند الله تجتمع الخصوم، والله تعالى أعلم وأحكم.

( الشبهة الخامسة والعشرون: فإن قال قائل : إن الدعوة النجدية، هي التي أججت نار هذه الفتنة، لأن عقيدة علماء هذه الدعوة ومؤلفاتهم تقوّي هذا الاعتقاد الفاسد في قلوب الشباب، فلا بد من إطفاء نور هذه الدعوة!!

فالجواب: هذا الكلام فيه عدة مغالطات، ونعوذ بالله من كيد الكائدين، ولولا وجود من اغتر بهذه الشبهة، بل من روّج لها – حتى من أبناء هذه الدعوة!!!- لما اشتغلت بالرد عليها؛ لسقوطها، والله أعلم. وذلك أن الذين يتكلمون على عقيدة هؤلاء العلماء بذلك: إما صوفية خرافية، أو رافضية باطنية، وإما علمانية ماكرة، أو صهيونية فاجرة، أو صليبية سافرة، أو أفراخ هؤلاء وأولئك، وقد ينال من هذه الدعوة: من هو محب للحق، لكنه اعتمد على أخبار فاسدة، وبضاعة كاسدة، وليس جَهْلُ مَنْ جَهِلَ حُجَّةً على عِلْم مَنْ عَلِم!! وكذا قد ينتقد بعضُ العلماء بعضَ المسائل العلمية، وليس في هذا طعن في الدعوة وأئمتها، أو رميهم بهذه الفرية!! كما قد يدعي هذا من وقف على بعض المواضع من كلام الأئمة، ووجد من يسئ فهمها، ومعلوم أن سوء فهم المتأخر؛ ليس دليلاً على فساد منهج المتقدم، أو خطأ كلامه!!! وكذا قد يتهم علماءَ هذه الدعوة من وقف على خطأ لعالم معين، ثم – لجهله أو لظلمه – يجعل ذلك قاعدة عامة عند جميع علماء الدعوة!!!

وعلى كل حال: فلم يستطع هؤلاء- جماعاتٍ وأفراداً- أن يقيموا حجة صحيحة على هذه الادعاءات العريضة، في كون هذه الدعوة سبباً في فتنة التفجيرات والعنف!! وإلا فأين في كتب كبار علماء هذه الدعوة الخروج على الحاكم الظالم، أو الطعن في العالم؟!! وهاتان بذرتا التكفير ثم التفجير، كما تقدم!!

وأين في كتبهم عدم مراعاة المصالح، والمفاسد؟!! وأين في فتاويهم الاعتداء على المستأمنين؟!! وأين في كلامهم الحكم على كثير من البلدان بأنها دولة محاربة، ولابد من تفجير منشآتهم، وإثارة الفتنة عندهم وعند غيرهم؟!!

إن الذي طفحت به كتبهم ودروسهم التحذير من الخروج على الحكام، والنهي عن إثارة الفتن، وزعزعة الأمن، والواقع أكبر دليل على ذلك.

وأيضاً فعلماء الدعوة لم ينشروا من المراجع إلا كتب أهل السنة سلفاً وخلفاً، ومؤلفاتهم مغترفة من بحر علوم السلف – ومع ذلك فليسوا بمعصومين، ولا نقلدهم، ولا نقلد غيرهم، إلا بالحق ودليله، ونقبل منهم الحق، ونرد عليهم حسب الأدلة الشرعية، والقواعد المرضية، لا بهوى ولا عصبية – فإذا كان من ينشر عِلْمَ السلف سَفَّاحاً للدماء إرهابياً؛ فالسلف الصالح سفاحون للدماء إرهابيون!! ومن اعتقد ذلك، أو تفوَّه به، فقد ضل ضلالاً بعيداً، وشاق الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، واتبع غير سبيل المؤمنين، والله تعالى يقول: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)(سورة النساء الآية 115 ) .

وأيضاً: فلو كانت عقيدة كبار علماء هذه الدعوة وسلفها كذلك – كما يزعم الزاعمون -فلماذا لم يكن على هذه الطريقة كل من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وصاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين- رحمهما الله تعالى – وكذا [ص-180] سماحة المفتي عبد العزيز آل الشيخ، وصاحب الفضيلة الشيخ صالح اللحيدان، وصاحب الفضيلة الشيخ صالح الفوزان، وصاحب الفضيلة الشيخ عبد المحسن العباد، وكبار علماء الدعوة في هذا العصر – حفظهم الله جميعاً-؟!!

ألم يعلم القاصي والداني منهج هؤلاء الأئمة، واعتدالهم، وتوسطهم، وإنكارهم هذا الغلو قبل وقوعه في المملكة العربية السعودية، وبعد وقوعه فيها؟أليسوا يُرْمَوْن من الشباب المتحمس – في المملكة وخارجها- بالجبن، والضعف، والعمالة، والركون إلى الدنيا، والجهل بالواقع…. الخ؟!!

فكيف يكونون سفاحين للدماء، وهم يُرْمَون من بعض الشباب بذلك، بل ويُكفَّر بعضهم من بعض الغلاة!!

أليس هذا دليلاً كافياً على صحة أصول هذه الدعوة: أن تخرِّج أجيالاً لم يُعرفوا بشيء من هذا الشذوذ إلا فئة قليلة، لم تأخذ هذه الأفكار عنهم؟!

أليس من التحامل والظلم والمكر: أن تُنسب دعوة تَخَرَّجَ بها أجيال في العالم الإسلامي إلى الشذوذ والعنف من أجل قلة قليلة لم تُوَفَّق لمعرفة دعوتها في هذا الباب؟!!

أليس الكثير من المخالفين يتهمون علماء الدعوة المعاصرين بالجبن والعمالة؟!!

إن هذا ليدلنا على أن العلماء لم يتعلموا من مشايخهم هذا الفكر، ولو تعلموه من مشايخهم؛ لربّوْا عليه الطلاب، ولو كانوا كذلك؛ فلماذا يتهمهم الطلاب هؤلاء بأنهم مميعون؟!!

واعلم بأن الدعوة في المملكة – حرسها الله وجميع بلاد المسلمين – سائرة منذ وقت بعيد، وقد اشتهر هذا الفِكْر الغالي في هذا العصر، وكبار حملته كانوا ينكرون على المملكة اشتغالهم بغير هذا الحماس!! فلو كانت الدعوة تنشئ أجيالاً على هذا الفكر؛ فلمَاذا لم يظهر ذلك خلال هذه المدة الطويلة؟ ولماذا عاب الحماسيون في العالم علماء المملكة، وعَدُّوهم مداهنين مجاملين، وجهلة بالواقع….. إلى غير ذلك من أوصاف الذم؟!! فمن العجب أن يأتي اليوم من يريد أن يحشرهم – ظلماً وعدواناً- في دعاة هذا الفكر، ويظلم عقيدتهم وشيوخهم، ويرميهم بأنهم دعاة فتنة؟!!

واعلم بأنه ليس من الغلو بيان العلماء لعقيدة الصوفية والحلولية، والرافضة والجهمية، وغيرهم، فإن ذلك من الدين، طالما أن الكلام في ذلك وغيره لم يخرج عن منهج السلف الصالح وقواعدهم – رَضِي مَنْ رَضِي، وسَخِط مَنْ سَخِط!!-

ويقال لمن يريد أن ينال من العلماء بالزور والبهتان: يا ناطح الجبل العالي ليوهنه أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل ويقال له أيضاً: أَقِلُّوا عليهم لا أبا لأبيكمُ من اللوم أو سُدّوا المكان الذي سَدّوا فإن قيل: فإذا كان ذلك كذلك؛ فلماذا انتشر هذا الفكر بين كثير من الشباب في المملكة العربية السعودية؟!!

فالجواب: اعلم أن فِكْر التفجيرات موجود عند بعض الشباب هناك، وإلا فكثير من الشباب ينكر هذا، وإن كان بعضهم – وللأسف – ليس محصَّناً ضد هذه الأفكار، وليست عنده مناعة كافية لدفع هذه الأقوال!!

[ص-181] ومع ذلك، فيوجد – ولله الحمد – في المملكة من العلماء والدعاة وذوي التخصصات في الجامعات والقضاء وغير ذلك ما تقرّ به عيون أهل السنة، وتسخن به عيون أهل الانحراف والفتنة!!

واعلم بأن هذه الأفكار الشاذة ليست من مؤلفات وتوجيهات أئمة الدعوة، فقد أنكرها علماء هذه الدعوة، لكنها قد وفدت – منذ سنوات- على الشباب في المملكة من التوجُّهَات الحركية، والتنظيمات السرية، التي تعمل في الخفاء، فَجَرّأتهم على أمرائهم وعلمائهم، ولم تذكر لهم عنهم إلا المثالب، وزجَّت بهم في هذه السراديب والدهاليز المظلمة باسم التوحيد والسنة، وأُحْسِن الظن بحملة هذه الأفكار، لإظهارهم الدعوة إلى التوحيد وعقيدة السلف، واسْتُبْعدَ وقوع فتنة من وراء دعوتهم، ولو بعد حين!! فشغلوا الشباب بهذه الأفكار، فصدّوهم عن علم علمائهم، القائم على سعة الحصيلة العلمية، ولزوم غرز السلف، والاستفادة من تجارب الأمة سلفاً وخلفاً، والنظر في المصالح والمفاسد، ومراعاة واقع الأمة المسلمة بين أمم العالم، والصبر على نور فيه ظلمة، فإن ذلك خير من ظلمة لا نور فيها، إلا أن الشباب ضاقت صدور كثير منهم بطريقة علمائهم، وهرولوا وراء سراب الحماسيين، فكان ماذا؟!! والله المستعان.

وقد أجاب بنحو ما ذكرتُه صاحبُ الفضيلة الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – جواباً على سؤال حول السبب في فرقة الشباب وطلاب العلم، فقال – حفظه الله تعالى-:

” الجواب: يوم أن كان أهل هذه البلاد مرتبطين بعلمائهم: شباباً وشيباً؛ كانت الحالة حسنة ومستقيمة، وكانت لا تأتي إليهم أفكار من الخارج، وكان هذا هو السبب في الوحدة والتآلف، وكانوا يثقون بعلمائهم، وقادتهم، وعقلائهم، وكانوا جماعة واحدة، وعلى حالة طيبة، حتى جاءت الأفكار من الخارج عن سبيل الأشخاص القادمين، أو عن سبيل بعض الكتب، أو بعض المجلات، أو بعض الإذاعات، وتلقاها الشباب، وحصلت الفرقة، لأن هؤلاء الشباب الذين شذوا عن المنهج السلفي في الدعوة؛ إنما تأثروا بهذه الأفكار الوافدة من الخارج، أما الدعاة والشباب الذين بقُوا على صلةٍ بعلمائهم، ولم يتأثروا بهذه الأفكار الواردة؛ فهؤلاء – والحمد لله – على استقامة كسلفهم الصالح.

فالسبب في هذه الفرقة يرجع إلى الأفكار والمناهج الدعوية من غير علماء هذه البلاد، من أناس مشبوهين، أو أناس مضللين، يريدون زوال هذه النعمة التي نعيشها في هذه البلاد، من: أمن، واستقرار، وتحكيم للشريعة، وخيرات كثيرة في هذه البلاد، لا توجد في البلاد الأخرى، ويريدون أن يفرقوا بيننا، وأن ينتزعوا شبابنا، وأن ينـزعوا الثقة من علمائنا، وحينئذٍ يحصل – والعياذ بالله – مالا تحمد عقباه!!

فعلينا: علماء، ودعاة، وشباباً، وعامة، بأن لا نتقبل الأفكار الوافدة، ولا المبادئ المشبوهة، حتى وإن تلبست بلباس الحق والخير – لباس السنة -.

فنحن لسنا على شك من وضعنا – ولله الحمد – نحن على منهج سليم، وعلى عقيدة سليمة، وعندنا كل خير – ولله الحمد -.

فلماذا نتلقى الأفكار الواردة من الخارج، ونروجها بيننا وبين شبابنا؟!!

[ص-182] فلا حل لهذه الفرقة: إلا بترك هذه الأفكار الوافدة، والإقبال على ما عندنا من الخير، والعمل به، والدعوة إليه.

نعم: عندنا نقص، وبإمكاننا أن نصلح أخطاءنا، من غير أن نستورد الأفكار المخالفة للكتاب والسنة وفهم السلف من الخارج، أو من أناس مشبوهين، وإن كانوا في هذه البلاد أو مضللين.

الوقت الآن وقت فتن، فكلما تأخر الزمان؛ تشتد الفتن، عليكم أن تدركوا هذا، ولا تصغوا للشبهات، ولا لأقوال المشبوهين والمضللين، الذين يريدون سلب هذه النعمة التي نعيشها، ونكون مثل البلاد الأخرى: في سلب، ونهب، وقتل، وضياع حقوق، وفساد عقائد، وعداوات، وحزبيات،…” اهـ من” الأجوبة المفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة” ( ص 49 – 51 ) ، نقلاً عن” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ( ص 100 – 101 ) .

هذا، ومن أراد الله به خيراً، فقهه في الدين، وحبَّب إليه كبار أهل العلم، وسهَّل في قلبه إعذارهم- بالحق – وأجرى على لسانه ذِكرْ مناقبهم، وأعانة على ستْر خلتهم، وإقالة عثرتهم، وشرح صدره إلى طريقتهم- بما لا يخرجه عن شريعة الله تعالى – وفَرَّ من الأفكار الحزبية المقيتة، والاتجاهات الحركية المشينة فراره من الأسد، ونبذ ما خالف منهج السلف نبْذ النواة، وطَرَدَه كما يطرد البعير الضال عن إبله، فمن كان كذلك؛ فقد هُدِي إلى صراط مستقيم، قال تعالى: ( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(سورة آل عمران الآية 101) ومن لم تنفعه الأدلة، ولا التجارب؛ فلسنا بأرحم به من الله سبحانه وتعالى، والله تعالى يقول: ( وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا )(سورة المائدة الآية 41)( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ )(سورة النور الآية 40) وإلى الله المشتكى.

وبهذا أنتهي مِنْ ذِكْر الشبهات التي استحضرتها من كلام القوم، ولا أدّعي الاستيعاب، فالمقام قابل لإدلاء المتأهلين بدلوهم، فإن خطر الشبهات عظيم جداً، وإزالة الشبهة تكون بالدليل والحجة، فلا يْدفع الحجة إلا حجة، أما الأساليب الأخرى؛ فلربما زادت الغالي غلواً، وأخذت بالمعتدل منهم ذات الشمال، والله المستعان.

{ الفصل السابع}

( فصل في فتاوى كبار أهل العلم في هذا العصر في التفجيرات والاغتيالات )

لقد سبق ذكر الأدلة الدالة على فساد المنهج الذي يدعو إلى التفجيرات والاغتيالات، ولقد درج علماء هذا العصر الأكابر على ما كان عليه سلف هذه الأمة، فجاءت فتاويهم وفق قواعد السلف، وسأذكر – إن شاء الله تعالى – بعض هذه الفتاوى، دون استيعاب لذلك، فإن ذلك يطول ويشق، ومرادي من ذلك بيان صحة منهج أئمتنا المعاصرين، وأنهم على جادة السلف سائرون، وأسأل الله عز وجل أن يشرح صدور العالمين للانتفاع بهذه الفتاوى والقرارات الصادرة عن هؤلاء العلماء.

قرار هيئة كبار العلماء حول حوادث التخريب : الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه أجمعين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد:

فإن مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثانية والثلاثين المنعقدة في مدينة” الطائف” ابتداءً من 12\1\1409هـ إلى 18\1\1409 هـ بناءً على ما ثبت لديه من وقوع عدة حوادث تخريب ذهب ضحيتها الكثير من الناس الأبرياء، وتلف بسببها كثير من الأموال والممتلكات والمنشآت العامة في كثير من البلاد الإسلامية وغيرها، قام بها بعض ضعاف الإيمان أو فاقديه من ذوي النفوس المريضة والحاقدة، ومن ذلك:

نسف المساكن، وإشعال الحرائق في الممتلكات العامة، ونسف الجسور والأنفاق، وتفجير الطائرات أو خطفها، وحيث لوحظ كثرة وقوع مثل هذه الجرائم في عدد من البلاد القريبة والبعيدة، وبما أن المملكة كغيرها من البلدان عرضة لوقوع مثل هذه الأعمال التخريبية؛ فقد رأى مجلس هيئة كبار العلماء ضرورة النظر في تقرير عقوبة رادعة لمن يرتكب عملاً تخريبياً، سواءً كان موجهاً ضد المنشئات العامة والمصالح الحكومية، أو كان موجهاً لغيرها بقصد الإفساد والإخلال بالأمن.

وقد اطلع المجلس على ما ذكره أهل العلم من أن الأحكام الشرعية تدور- من حيث الجملة- على وجوب حماية الضروريات الخمس، والعناية بأسباب بقائها مصونة سالمة وهي: ( الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال ) .

وقد تصور المجلس الأخطار العظيمة التي تنشأ عن جرائم الاعتداء على حرمات المسلمين في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم، وما تسببه الأعمال التخريبية من الإخلال بالأمن العام في البلاد، ونشوء حالة الفوضى والاضطراب، وإخافة المسلمين، وممتلكاتهم.

[ص-184] والله سبحانه وتعالى قد حفظ للناس أديانهم وأبدانهم وأرواحهم وأعراضهم وعقولهم وأموالهم بما شرعه من الحدود والعقوبات التي تحقق الأمن العام والخاص، ومما يوضح ذلك قوله سبحانه وتعالى:( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ) ( المائدة 32 ) وقوله سبحانه وتعالى: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ( المائدة 33 ) .

وتطبيق ذلك كفيل بإشاعة الأمن والاطمئنان، ورَدْع مَنْ تُسَوِّل له نفسه الإجرام والاعتداء على المسلمين في أنفسهم وممتلكاتهم، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن حكم المـُحَارَبة في الأمصار وغيرها على السواء، لقوله سبحانه: ( وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا) والله تعالى يقول:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) ( البقرة 204- 205 ) وقال تعالى: ( وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) ( الأعراف 56 ) .

وقال ابن كثير- رحمه الله تعالى-: ( ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض، وما أضره بعد الإصلاح، فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك؛ كان أضر ما يكون على العباد، فنهى تعالى عن ذلك ) .

وقال القرطبي: ( نهى سبحانه وتعالى عن كل فساد، – قلّ أو كثر – بعد صلاح – قلّ أو كثر-، فهو على العموم على الصحيح من الأقوال ) .

وبناء على ما تقدم، ولأن ما سبق إيضاحه يفوق أعمال المحاربين الذين لهم أهداف خاصة، يطلبون حصولهم عليها من مال أو عَرَض، وهؤلاء هدفهم زعزعة الأمن وتقويض بناء الأمة، واجتثاث عقيدتها، وتحويلها عن المنهج الرباني؛

فإن المجلس يقرر بالإجماع ما يلي:

أولا: من ثبت شرعاً أنه قام بعمل من أعمال التخريب والإفساد في الأرض التي تزعزع الأمن: بالاعتداء على النفس، والممتلكات الخاصة والعامة، كنسف المساكن، أو المساجد، أو المدارس، أو المستشفيات، والمصانع، والجسور، ومخازن الأسلحة، والمياه، والموارد العامة لبيت المال، كأنابيب البترول، ونسف الطائرات أو خطفها، ونحو ذلك؛ فإن عقوبته القتل، لدلالة الآيات المتقدمة على أن مثل هذا الإفساد في الأرض يقتضي إهدار دم المُفْسِد، ولأن خطر هؤلاء الذين يقومون بالأعمال التخريبية وضررهم؛ أشد من خطر وضرر الذي يقطع الطريق، فيعتدي على شخص فيقتله، أو يأخذ ماله، وقد حكم الله عليه بما ذكر في آية الحرابة.

ثانياً: أنه لا بد قبل إيقاع العقوبة المشار إليها في الفقرة السابقة، من استكمال الإجراءات الثبوتية اللازمة من جهة المحاكم الشرعية، وهيئات التمييز، ومجلس القضاء الأعلى؛ براءة للذمة، واحتياطاً للأنفس، وإشعاراً بما عليه هذه البلاد من التقيد بكافة الإجراءات اللازمة شرعاً لثبوت الجرائم وتقرير عقابها.

[ص-185] ثالثا: يرى المجلس إعلان هذه العقوبة عن طريق وسائل الإعلام.

وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.

{مجلس هيئة كبار العلماء}

انظر” مجلة مجمع الفقه الإسلامي” العدد الثاني ص: ( 181 ) قرار رقم ( 148 ) الصادر في الدورة الثانية والثلاثين بتاريخ 12\1\1409 اهـ نقلاً من” فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة” ( ص11- 15 ) ، وانظر” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية”، ( ص 19 – 22 )

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد وآله وصحبه، وبعد:

فإن هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية علمت ما حدث من التفجير الذي وقع في حي” العليا” بمدينة” الرياض” قرب الشارع العام، ضحوة يوم الاثنين 20\6\1416هـ وأنه قد ذهب ضحيته نفوس معصومة، وجُرح بسببه آخرون، ورُوّع آمنون، وأُخيف عابر السبيل.

ولذا: فإن الهيئة تُقرر أن هذا الاعتداء آثم، وإجرام شنيع، وهو خيانة وغدر، وهتك لحرمات الدين في الأنفس والأموال والأمن والاستقرار، ولا يفعله إلا نفس فاجرة، مشبعة بالحقد والخيانة والحسد والبغي والعدوان، وكراهية الحياة والخير، ولا يختلف المسلمون في تحريمه، ولا في بشاعة جُرمه وعظيم إثْمه، والآيات والأحاديث في تحريم هذا الإجرام وأمثاله كثيرة ومعلومة.

وإن الهيئة إذ تقرر تحريم هذا الإجرام، وتُحذر من نزعات السوء، ومسالك الجنوح الفكري، والفساد العقدي، والتوجه المردي، وإن النفس الأمارة بالسوء إذا أرخى لها المرء العنان؛ ذهبت به مذاهب الردى، ووجد الحاقدون فيها مدخلاً لأغراضهم وأهوائهم التي يبثونها في قوالب التحسين، والواجب على كل من علم شيئاً عن هؤلاء المخربين أن يبلغ عنهم الجهة المختصة.

وقد حذر الله سبحانه في محكم التنـزيل من دعاة السوء والمفسدين في الأرض، فقال:( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ( المائدة 33 ) . وقال تعالى:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ *وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ *وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) ( البقرة 204- 206 ) .

[ص-186] نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يهتك ستر المعتدين على حرمات الآمنين، وأن يكف البأس عنا وعن جميع المسلمين، وان يحمي هذه البلاد وسائر بلاد المسلمين من كل سوء ومكروه، وأن يوفق ولاة أمرنا وجميع ولاة أمر المسلمين لما فيه صلاح العباد والبلاد، إنه خير مسئول، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

{مجلس هيئة كبار العلماء}

اهـ نقلاً من” فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة” ( ص17- 19 ) .

قرار هيئة كبار العلماء حول حادث التفجير الذي وقع في مدينة الخُبَر في المنطقة الشرقية الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد وآله وصحبه، وبعد:

فإن مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، في جلسته الاستثنائية العاشرة، المنعقدة في مدينة” الطائف” يوم السبت 13\2\1417هـ استعرض حادث التفجير الواقع في مدينة” الخبر” بالمنطقة الشرقية يوم الثلاثاء 9\2\1417هـ، وما حصل بسبب ذلك من قتل، وتدمير، وترويع، وإصابات لكثير من المسلمين وغيرهم.

وإن المجلس بعد النظر والدراسة والتأمل؛ قرر بالإجماع ما يلي:

أولاً: إن هذا التفجير عمل إجرامي بإجماع المسلمين، وذلك للأسباب الآتية:

1 – في هذا التفجير هَتْكٌ لحرمات الإسلام المعلومة بالضرورة؛ هَتْكٌ لحرمة الأنفس المعصومة، وهَتْكٌ لحرمات الأمن والاستقرار وحياة الآمنين المطمئنين في مساكنهم ومعايشهم، وغدوهم ورواحهم، وهَتْكٌ للمصالح العامة التي لا غنى للناس في حياتهم عنها، وما أبشع وأعظم جريمة من تجرأ على حرمات الله، وظلم عباده، وأخاف المسلمين، والمقيمين بينهم، فويلٌ له، ثم ويلٌ له من عذاب الله ونقمته، ومن دعوة تحيط به، نسأل الله أن يكشف ستره، وأن يفضح أمره.

2 – أن النفس المعصومة في حكم شريعة الإسلام: هي كل مسلم، وكل من بينه وبين المسلمين أمان، كما قال الله تعالى: ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) ( النساء 93 ) . وقال سبحانه في حق الذمي في حكم قتل الخطأ:( وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) ( النساء 92 ) .

فإذا كان الذمي الذي له أمان، إذا قتل خطأً؛ ففيه الدية والكفارة، فكيف إذا قُتل عمداً؟ فإن الجريمة تكون أعظم، والإثم يكون أكبر، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قتل معاهداً؛ لم يرح رائحة الجنة ( رواه البخاري ) .

[ص-187] فلا يجوز التعرض لمستأمَنٍ بأذى- فضلاً عن قتله في مثل هذه الجريمة الكبيرة النكراء-، وهذا وعيد شديد لمن قتل معاهداً، وأنه كبيرة من الكبائر المتوعد عليها بعدم دخول القاتل الجنة، نعوذ بالله من الخذلان.

3 – إن هذا العمل الإجرامي يتضمن أنواعاً من المحرمات في الإسلام بالضرورة من غدرٍ، وخيانة، وبغي، وعدوان، وإجرام آثم، وترويع للمسلمين وغيرهم، وكل هذه قبائح منكرة، يأباها ويبغضها الله ورسوله والمؤمنون.

ثانياً: إن المجلس إذْ يبين تحريم هذا العمل الإجرامي في الشرع المطهر؛ فإنه يعلن للعالم: أن الإسلام بريء من هذا العمل، وهكذا كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر بريء منه، وإنما هو تصرف من صاحب فِكْرٍ منحرف، وعقيدة ضالة، فهو يحمل إثمه وجرمه، فلا يحسب عمله على الإسلام، ولا على المسلمين المهتدين بهدي الإسلام، المعتصمين بالكتاب والسنة، والمتمسكين بحبل الله المتين.

وإنما هو محض إفساد وإجرام تأباه الشريعة والفطرة، ولهذا جاءت نصوص الشريعة قاطعة بتحريمه، محذرة من مصاحبة أهله، قال الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ *وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ) ( البقرة 204- 206 ) . وقول الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ( المائدة 33 ) .

ونسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى: أن يكشف ستر هؤلاء الفَعَلَة والمعتدين، وأن يُمكن منهم، ليُنَفَّذَ فيهم حُكْمُ شرعه المطهر، وأن يكف البأس عن هذه البلاد وسائر بلاد المسلمين، وأن يوفق خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز وحكومته، وجميع ولاة أمور المسلمين إلى ما فيه صلاح البلاد والعباد، وقَمْع الفساد والمفسدين، وأن ينصر بهم دينه، ويعلي بهم كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعاً، إنه ولي ذلك، والقادر عليه.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

{ مجلس هيئة كبار العلماء}” مجلة الدعوة” العدد 1548 بتاريخ 18\2\1417هـ. اهـ من” فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة” ص ( 21- 24 ) .

(4)

قرار مجلس هيئة كبار العلماء بتاريخ: 13 2 1417 هـ حول حادث التفجير الذي وقع في المنطقة الشرقية” مدينة الخُبَر” انظر نصه مطولاً في” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ط الثانية ( ص 25 – 26 ) .

بيان هيئة كبار العلماء حول ظاهرة التكفير والتفجير الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فقد درس مجلس هيئة كبار العلماء في دورته التاسعة والأربعين المنعقدة بالطائف ابتداء من تاريخ 2\4\1419هـ ما يجري في كثير من البلاد الإسلامية وغيرها من التكفير والتفجير، وما ينشأ عنه من سفك الدماء، وتخريب المنشآت.

ونظرًا إلى خطورة هذا الأمر، وما يترتب عليه من إزهاق أرواح بريئة، وإتلاف أموال معصومة، وإخافة للناس، وزعزعة لأمنهم واستقرارهم؛ فقد رأى المجلس إصدار بيان يوضح فيه حكم ذلك نصحًا لله ولعباده، وإبراء للذمة، وإزالة للبس في المفاهيم لدى من اشتبه عليهم الأمر في ذلك، فنقول وبالله التوفيق:

أولاً: التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله؛ فكذلك التكفير، وليس كل ما وُصف بالكفر من قول أو فعل، يكون كفرًا أكبر مخرجًا عن الملة.

ولما كان مرد حكم التكفير إلى الله ورسوله؛ لم يجز أن نكفر إلا من دل الكتاب والسنة على كفره دلالة واضحة، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن؛ لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، وإذا كانت الحدود تُدْرَأ بالشبهات- مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير- فالتكفير أولى أن يُدْرَأ بالشبهات، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على شخص ليس بكافر، فقال: أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال؛ وإلا رجعت عليه . وقد يرد في الكتاب والسنة ما يفهم منه أن هذا القول أو العمل أو الاعتقاد كفر، ولا يكفر من اتصف به، لوجود مانع يمنع من كفره.

هذا الحكم كغيره من الأحكام التي لا تتم إلا بوجود أسبابها وشروطها، وانتفاء موانعها….

والتسرع في التكفير يترتب عليه أمور خطيرة: من استحلال الدم والمال، ومنع التوارث، وفسخ النكاح، وغيرها مما يترتب على الردة، فكيف يسوغ للمؤمن أن يقدم عليه لأدنى شبهة؟!!.

وإذا كان هذا في ولاة الأمور؛ كان أشد، لما يترتب عليه من التمرد عليهم، وحَمْل السلاح عليهم، وإشاعة الفوضى، وسفك الدماء، وفساد العباد والبلاد، ولهذا منع النبي صلى الله عليه وسلم من منابذتهم، فقال: إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان . فأفاد قوله: إلا أن تروا أنه لا يكفي مجرد الظن والإشاعة. وأفاد قوله: كفرًا أنه لا يكفي الفسوق- ولو كَبُر- كالظلم، وشرب الخمر، ولعب القمار، والاستئثار المحرم، وأفاد قوله: بواحًا أنه لا يكفي الكفر الذي ليس ببواح، أي صريح ظاهر، وأفاد قوله: عندكم فيه من الله برهان أنه لا بد من دليل صريح، بحيث يكون صحيح الثبوت، صريح الدلالة، فلا يكفي الدليل ضعيف السند، ولا غامض الدلالة. وأفاد قوله: من الله أنه لا عبرة بقول أحد من العلماء مهما بلغت [ص-189] منـزلته في العلم والأمانة؛ إذا لم يكن لقوله دليل صريح صحيح من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم . وهذه القيود تدل على خطورة الأمر.

وجملة القول: أن التسرع في التكفير له خطره العظيم، لقول الله عز وجل: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [الأعراف: 33].

ثانيًا: ما نجم عن هذا الاعتقاد الخاطئ من استباحة الدماء، وانتهاك الأعراض، وسلب الأموال الخاصة والعامة، وتفجير المساكن والمركبات، وتخريب المنشآت، فهذه الأعمال وأمثالها محرمة شرعًا بإجماع المسلمين، لما في ذلك من هتك لحرمة الأنفس المعصومة، وهتك لحرمة الأموال، وهتك لحرمات الأمن والاستقرار، وحياة الناس الآمنين المطمئنين في مساكنهم ومعايشهم، وغدوهم ورواحهم، وهتك للمصالح العامة التي لا غنى للناس في حياتهم عنها.

وقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم، وأعراضهم، وأبدانهم، وحَرَّم انتهاكها، وشَدَّد في ذلك، وكان من آخر ما بَلَّغ به النبي صلى الله عليه وسلم أمته، فقال في خطبة حجة الوداع: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ثم قال صلى الله عليه وسلم : ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم : كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه ، وقال عليه الصلاة والسلام: اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة وقد توعد الله سبحانه من قتل نفسًا معصومة بأشد الوعيد، فقال سبحانه في حق المؤمن: ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [ النساء: 93]، وقال سبحانه في حق الكافر الذي له ذمة في حكم قتل الخطأ: ( وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) [ النساء: 92] فإذا كان الكافر الذي له أمان، إذا قُتل خطأ؛ فيه الدية والكفارة، فكيف إذا قُتل عمدًا؟!! فإن الجريمة تكون أعظم، والإثم يكون أكبر، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: مَنْ قَتَلَ معاهَداً؛ لم يرح رائحة الجنة .

ثالثًا: إن المجلس إذ يبين حكم تكفير الناس، بغير برهان من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وخطورة إطلاق ذلك، لما يترتب عليه من شرور وآثام؛ فإنه يعلن للعالم أن الإسلام برئ من هذا المعتقد الخاطئ، وأن ما يجري في بعض البلدان من سفك للدماء البريئة، وتفجير للمساكن؛ هو عمل إجرامي، والإسلام بريء منه، وهكذا كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر بريء منه، وإنما هو تصرف من صاحب فكر منحرف، وعقيدة ضالة، فهو يحمل إثمه وجُرْمه، فلا يُحتسب عمله على الإسلام، ولا على المسلمين المهتدين بهدي الإسلام، المعتصمين بالكتاب والسنة، المتمسكين بحبل الله المتين، وإنما هو محض إفساد وإجرام تأباه الشريعة والفطرة، ولهذا جاءت نصوص الشريعة قاطعة بتحريمه، محذرة من مصاحبة أهله، قال الله تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ) [ البقرة: 204]، والواجب على جميع المسلمين في كل مكان التواصي بالحق، [ص-190] والتناصح على البر والتقوى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، كما قال سبحانه وتعالى:( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) [ المائدة: 2]، وقال سبحانه: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) [ التوبة: 71]، وقال عز وجل: ( وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [ العصر: 1- 3]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم وقال عليه الصلاة والسلام: مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم: مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

ونسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يكف البأس عن جميع المسلمين، وأن يوفق جميع ولاة أمور المسلمين، إلى ما فيه صلاح العباد، والبلاد، وقمع الفساد، والمفسدين، وأن ينصر بهم دينه، ويعلى بهم كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعًا في كل مكان، وأن ينصر بهم الحق، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه” اهـ من” مجلة البحوث الإسلامية” العدد ( 56 ) ، ( ص 357 – 362 ) اهـ نقلاً عن” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ط الثانية ( ص 65 – 70 ) .

بيان من هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين…. أما بعد:

فإن مجلس هيئة كبار العلماء، في دورته التاسعة والخمسين، التي انعقدت في مدينة” الطائف”، ابتداءً من تاريخ 11\6\1424هـ قد استعرض ما جرى مؤخراً في المملكة من تفجيرات، استهدفت تخريباً، وقَتْلَ أناس معصومين، وأَحْدَثَتْ فزعاً وإزعاجاً.

كما استعرض ما اكْتُشِف من مخازن للأسلحة، ومتفجرات خطيرة، مُعَدَّة للقيام بأعمال تخريب ودمار في هذه البلاد، التي هي حِصْنُ الإسلام، وفيها حَرَمُ الله، وقِبْلَةُ المسلمين، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأن مثل هذه الاستعدادات الخطيرة المهيَّأة لارتكاب الإجرام، من أعمال التخريب والإفساد في الأرض؛ مما يزعزع الأمن، ويُحْدِثُ قتل الأنفس، وتدمير الممتلكات الخاصة والعامة، ويُعَرِّض مصالح الأمة لأعظم الأخطار، ونظراً لما يجب على علماء البلاد من البيان تجاه هذه الأخطار، من وجوب التعاون بين كافة أفراد الأمة لكشفها، ودفع شرها، والتحذير منها، وتحريم السكوت عن الإبلاغ عن كل خطر يُـبَيَّتُ ضد هذا الأمن، رأى المجلس وجوب البيان لأمور تدعو الضرورة إلى بيانها في هذا الوقت؛ براءة للذمة، ونصحاً للأمة، وإشفاقاً على أبناء المسلمين من أن يكونوا أداة فساد وتخريب، [ص-191] وأَتْباعاً لدعاة الضلالة والفتنة والفُرْقة، وقد أخذ الله تعالى على أهل العلم الميثاق أن يبينوا للناس، قال الله سبحانه: ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ )(سورة آل عمران الآية 187) .

لذلك كله، وتذكيراً للناس، وتحذيراً من التهاون في أمر الحفاظ على سلامة البلاد من الأخطار؛ فإن المجلس يرى بيان ما يلي:

أولا: أن القيام بأعمال التخريب والإفساد: من تفجير، وقَتْلٍ، وتدمير للمتلكات؛ عَمَلٌ إجرامي خطير، وعدوان على الأنفس المعصومة، وإتلاف للأموال المحترمة، فهو مقتضٍ للعقوبات الشرعية الزاجرة الرادعة، عملاً بنصوص الشريعة، ومقتضيات حفظ سلطانها، وتحريم الخروج على من تولى أمر الأمة فيها، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة، فمات؛ مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية، فقُتِل؛ فقتْلَتُهُ جاهلية، ومن خرج على أمتي، يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني، ولَسْتُ منه أخرجه مسلم.

ومن زعم أن هذه التخريبات، وما يراد من تفجير وقَتْلٍ من الجهاد؛ فذلك جاهل ضال، فليست من الجهاد في سبيل الله في شيء.

ومما سبق؛ فإنه قد ظهر وعُلِمَ أن ما قام به أولئك- ومن وراءهم- إنما هو من الإفساد والتخريب والضلال المبين، وعليهم تقوى الله عز وجل، والرجوع إليه، والتوبة، والتبصر في الأمور، وعدم الانسياق وراء عبارات وشعارات فاسدة، تُرْفَع لتفريق الأمة، وحَمْلها على الفساد، وليس في حقيقتها من الدين إنما هي من تلبيس الجاهلين والمغرضين، وقد تضمنت نصوص الشريعة عقوبة من يقوم بهذه الأعمال، ووجوب رَدْعه، والزجر عن ارتكاب مثل عمله، ومرد الحكم بذلك إلى القضاء.

ثانياً: وإذا تبين ما سبق؛ فإن مجلس هيئة كبار العلماء، يؤيد ما تقوم بها الدولة- أعزها الله بالإسلام- من تتبع لتلك الفئة، والكشف عنهم، لوقاية البلاد والعباد شرهم، ولدرء الفتنة عن ديار المسلمين، وحماية بيضتهم، ويجب على الجميع أن يتعاونوا في القضاء على هذا الأمر الخطير، لأن ذلك من التعاون على البر والتقوى، الذي أمرنا الله به في قوله سبحانه: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(سورة المائدة الآية 2) ويُحَذِّر المجلس من التستر على هؤلاء، أو إيوائهم، فإن هذا من كبائر الذنوب، وهو داخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: لَعَنَ الله مَنْ آوى مُحْدِثاً متفق عليه، وقد فسر العلماء ( المحْدِث ) في هذا الحديث: بأنه من يأتي بفساد في الأرض.

فإذا كان هذا الوعيد الشديد فيمن آواهم، فكيف بمن أعانهم، أو أَيَّدَ فِعْلَهم؟!!

ثالثاً: يُهِيب المجلس بأهل العلم أن يقوموا بواجبهم، ويكثفوا إرشاد الناس في هذا الشأن الخطير، ليتبين بذلك الحق.

[ص-192] رابعاً: يستنكر المجلس ما يصدر من فتاوى وآراء تسوغ هذا الإجرام، أو تشجع عليه، لكونه من أخطر الأمور، وأشنعها، وقد عَظَّم الله شأن الفتوى بغير علم، وحَذَّر عباده منها، وبَيَّن أنها من أمر الشيطان، قال تعالى: ( يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)(سورة البقرة الآية 168-169) ويقول سبحانه: ( وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(سورة النحل الآية 116) ويقول جل وعلا: ( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)(سورة الإسراء الآية 36) وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من دعا إلى ضلالة؛ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص من آثامهم شيء متفق عليه.

ومن صدر منه مثل هذه الفتاوى أو الآراء التي تسوغ هذا الإجرام؛ فإن على ولي الأمر إحالته إلى القضاء، ليجري نحوه ما يقتضيه الشرع، نصحاً للأمة، وإبراءً للذمة، وحماية للدين، وعلى من آتاه الله العلم: التحذير من الأقوال الباطلة، وبيان فسادها، وكشف زورها، ولا يخفى أن هذا من أهم الواجبات، وهو من النصح لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم، ويعظم خطر تلك الفتاوى إذا كان المقصود بها زعزعة الأمن، وزرع الفتن والقلاقل، ومِنَ القول في دين الله بالجهل والهوى، لأن ذلك استهداف للأغرار مِنَ الشباب، ومَنْ لا علم عنده بحقيقة هذه الفتاوى، والتدليس عليهم بحججها الواهية، والتمويه على عقولهم بمقاصدها الباطلة، وكل هذا شنيع وعظيم في دين الإسلام، ولا يرتضيه أحد من المسلمين، ممن عَرَفَ حدود الشريعة، وعَقَل أهدافها السامية، ومقاصدها الكريمة، وعَمَلُ هؤلاء المتقولين على العلم من أعظم أسباب تفريق الأمة، ونشر العداوات بينها.

خامساً: على ولي الأمر منع الذين يتجرءون على الدين والعلماء، ويُزَيِّنون للناس التساهل في أمور الدين والجرأة عليه وعلى أهله، ويربطون بين ما وقع، وبين التدين والمؤسسات الدينية.

وإن المجلس ليستنكر ما يتفوه به بعض الكُتَّاب، من ربط هذه الأعمال التخريبية بالمناهج التعليمية، كما يستنكر استغلال هذه الأحداث للنيل من ثوابت هذه الدولة المباركة القائمة على عقيدة السلف الصالح، والنيل من الدعوة الإصلاحية التي قام بها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله-.

سادساً: إن دين الإسلام جاء بالأمر بالاجتماع، وأوجب الله ذلك في كتابه، وحَرَّم التفرق والتحزب، يقول الله عز وجل: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)(سورة آل عمران الآية 103 ) ويقول سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ)(سورة الأنعام الآية 159 ) فبرأ اللهُ رسولَهُ صلى الله عليه وسلم مِنَ الذين فرقوا دينهم، وحَزَّبوه، وكانوا شيعاً، هذا يدل على تحريم التفرق، وأنه من كبائر الذنوب.

وقد عُلِمَ من الدين بالضرورة: وجوب لزوم الجماعة، وطاعة من تولى إمامة المسلمين في طاعة الله، يقول الله عز وجل: سورة النساء الآية 59 يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: عليكم السمع والطاعة، في عُسْرِك ويُسْرك، ومنشطك [ص-193] ومكرهك…. أخرجه مسلم، وعن أبي هريرة- رضي الله عنه – قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: من أطاعني؛ فقد أطاع الله؛ ومن عصاني؛ فقد عصى الله، ومن يطع الأمير؛ فقد أطاعني، ومن يعص الأمير؛ فقد عصاني متفق عليه، وقد سار على هذا سلف الأمة من الصحابة- رضي الله عنهم- ومن جاء بعدهم في وجوب السمع والطاعة.

لكل ما تقدم ذكره؛ فإن المجلس يُحَذِّر من دعاة الضلالة والفتنة والفُرقة، الذين ظهروا في هذه الأزمان فقلبوا على المسلمين أمرهم، وحرضوهم على معصية ولاة أمرهم، والخروج عليهم، وذلك من أعظم المحرمات، يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يُفَرِّق أمر هذه الأمة، وهي جميع؛ فاضربوه بالسيف، كائناً من كان أخرجه مسلم، وفي هذا تحذير لدعاة الضلالة والفتنة والفُرْقة، وتحذير لمن سار في ركابهم عن التمادي في الغي المعرِّض لعذاب الدنيا والآخرة، والواجب التمسك بهذا الدين القويم، والسير فيه على الصراط المستقيم، المبني على الكتاب والسنة، وفق فهم الصحابة- رضي الله عنهم- ومن تبعهم بإحسان، ووجوب تربية النشء والشباب على هذا المنهاج القويم، والصراط المستقيم؛ حتى يَسْلَموا بتوفيق من الله من التيارات الفاسدة، ومن تأثير دعاة الضلالة والفتنة والفُرْقة، وحتى ينفع الله بهم أمة الإسلام، ويكونوا حَمَلَة عِلْمٍ، وورثة للأنبياء، وأهل خير وصلاح وهُدَىً، ويكرر التأكيد على وجوب الالتفاف حول قيادة هذه البلاد وعلمائها، ويزداد الأمر تأكداً في مثل هذه الأوقات، أوقات الفتن، كما يُحَذِّر الجميع- حكاماً ومحكومين- من المعاصي، والتساهل في أمر الله، فشأن المعاصي خطير، وليحذروا من ذنوبهم، وليستقيموا على أمر الله، ويقيموا شعائر دينهم، ويأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر.

وقى الله بلادنا وجميع بلاد المسلمين كل سوء، وجَمَعَ الله كلمة المسلمين على الحق والهدى، وكبت الله أعداءه أعداء الدين، ورد كيدهم في نحورهم، إنه سبحانه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربه، واقتفى أثره إلى يوم الدين.

هيئة كبار العلماء

رئيـس المجـلس عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ.

صـالح بن محمد اللحيدان عبد الله بن سليمان المنيع.

عبد الله عبد الرحمن الغديـان د.صالح بن فوزان الفوزان.

حسن بن جـعفر الـعتمي محمـد بن عبد الله السبيل.

د.عبد الله بن محمد آل الشيخ محـمد بن سليمـان البدر.

د.عبد الله بن عبد المحسن التركي محـمد بن زيد آل سليمان.

د. بكـر بن عبد الله أبـو زيـد ( لم يحـضر لمـرضـه ) .

د.عبد الوهاب بن إبراهيم أبو سليمان. د.صالح بن عبد الله بن حميد.

[ص-194] د.أحمد بن علي سير المباركي. د.عبد الله بن علي الركبان.

د.عبد الله بن محمد المطلق.

اهـ من” جريدة عكاظ” العدد” ( 3504 ) الصادرة بوم الأحد 19\ جمادى الآخرة\1424هـ. الصفحة السادسة، وانظر” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ط الثانية، ( ص 34 – 40 ) .

كلام سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز – رحمه الله تعالى – في حادث التفجير الذي

وقع في” مكة المكرمة” عام ( 1409هـ ) .

بسم الله، والصلاة السلام على رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

لقد استنكر العالم الإسلامي ما حدث في مكة المكرمة من تفجير في مساء الإثنين 7\12\1409هـ واعتبروه جريمة عظيمة، ومنكراًَ شنيعاً؛ لما فيه من ترويعٍ لحجاج بيت الله الحرام، وزعزعةٍ للأمن، وانتهاك لحرمة البلد الحرام، وظُلْمٍ لعباد الله، وقد حرم الله سبحانه البلد الحرم إلى يوم القيامة، كما حرم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم إلى يوم القيامة، وجعل انتهاك هذه الحرمات من أعظم الجرائم وأكبر الذنوب، وتوعد مَنْ هَمَّ بشيء من ذلك في البلد الحرام، بأن يذيقه العذاب الأليم، كما قال سبحانه:( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) ( الحج 25 ) .

فإذا كان من أراد الإلحاد في الحرم مُتَوَعَّداً بالعذاب الأليم- وإن لم يفعل-؛ فكيف بحال مَنْ فَعَلَ؟فإن جريمته تكون أعظم، ويكون أحق بالعذاب الأليم، وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم أمته من الظلم في أحاديث كثيرة، ومن ذلك ما بينه للأمة في حجة الوداع، حين قال صلى الله عليه وسلم: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بَلَّغْتُ؟ فقال الصحابة: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت ، فجعل يرفع إصبعه وينكبها إلى الأرض، ويقول اللهم اشهد، اللهم اشهد .

وهذا الإجرام الشنيع بإيجاد المتفجرات قرب بيت الله الحرام؛ من أعظم الجرائم والكبائر، ولا يَقْدم عليه من يؤمن بالله واليوم الآخر، وإنما يفعله حاقد على الإسلام وأهله، وعلى حجاج بيت الله الحرام، فما أعظم خسارته، وما أكبر جريمته، فنسأل الله أن يرد كيده في نحره، وأن يفضحه بين خلقه، وأن يوفق حكومة خادم الحرمين لمعرفته وإقامة حد الله عليه، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

عبد العزيز بن عبد الله بن باز.

[ص-195] الرئيس العام لرابطة العالم الإسلامي، الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة الإرشاد بالمملكة العربية السعودية.

انظر” مجموع فتاوى مقالات متنوعة لسماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز – رحمه الله تعالى -” ( 5 248 ) اهـ نقلاً” من فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة” ( ص 25- 26 ) ، وانظر” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ( ص 41 – 42 ) .

وانظر لسماحته – رحمه الله – فتوى أخرى نشرتها جريدة” المدينة” بتاريخ: 25 5 1416 هـ. حول ما جرى في” حي العليا” مدينة الرياض، وانظر نص هذه الفتوى في” مجموع الفتاوى والمقالات” ( 9/ 253 ) اهـ. نقلاً عن” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ( ص 48 – 50 ) .

كلمة محدث العصر صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله – في التحذير

من إثارة الفتن مع الحكام

فقد قال – رحمه الله-:” ثم كنت- ولا أزل- أقول لهؤلاء الذين يدندنون حول تكفير حكام المسلمين: هَبُوا أن هؤلاء كفار كفر ردة، وأنهم لو كان هناك حاكم أعلى عليهم، واكتشف منهم أن كفرهم كفر ردة؛ لوجب على ذلك الحاكم أن يطبق فيهم الحد، فالآن ما تستفيدون أنتم من الناحية العملية إذا سلمنا جدلاً أن كل هؤلاء الحكام كفار كفر ردة؟ ماذا يمكن أن تعملوه؟ هؤلاء الكفار احتلوا من بلاد الإسلام، ونحن هنا- مع الأسف- ابتلينا باحتلال اليهود لفلسطين، فماذا نستطيع نحن وأنتم أن نعمل مع هؤلاء، حتى تستطيعوا أنتم مع الحكام الذين تظنون أنهم من الكفار؟

هلا تركتم هذه الناحية جانباً، وبدأتم بتأسيس القاعدة التي على أساسها تقوم قائمة الحكومة المسلمة، وذلك باتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ربى أصحابه عليها، ونشّأهم على نظامها وأساسها، وذلك ما نُعَبّر عنه في كثير من مثل هذه المناسبة، بأنه لا بد لكل جماعة مسلمة، تعمل بحق لإعادة حكم الإسلام- ليس فقط على أرض الإسلام- بل بحقٍّ الأرض كلها، تحقيقاً لقوله تبارك وتعالى: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(سورة التوبة الآية 33) .

وقد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة أن هذه الآية ستُحَقّق فيما بعد؛ فلكي يتمكن المسلمون من تحقيق هذا النص القرآني، هل يكون الطريق بإعلان ثورة على هؤلاء الحكام الذين يظنون كفرهم كفر ردة؟!!

ثم مع ظنهم هذا – وهو ظن خاطئ – لا يستطيعون أن يعملوا شيئاً. ما هو المنهج؟ ما هو الطريق؟ لا شك أن الطريق: هو ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدندن حوله، ويُذَكِّر أصحابه به في كل خطبة:” وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم” فعلى المسلمين كافة- وبخاصة منهم من يهتم بإعادة الحكم الإسلامي- أن يبدأ من [ص-196] حيث بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما نُكَنّي نحن عنه بكلمتين خفيفتين: ( التصفية والتربية ) ، ذلك لأننا نحن نعلم حقيقة يغفل عنها أو يتغافل عنها- في الأصح- أولئك ( الغلاة ) الذين ليس لهم إلا إعلان تكفير الحكام، ثم لا شيء، وسيظلون يعلنون كفر الحكام، ثم لا يصدر منهم إلا ( الفتن ) والواقع في هذه السنوات الأخيرة التي تعلمونها، بدءاً من فتنة الحرم المكي، إلى فتنة مصر، وقتل السادات، وذهاب دماء كثير من المسلمين الأبرياء، ثم أخيراً في سوريا، ثم الآن في مصر، والجزائر- مع الأسف- كل هذا بسبب أنهم خالفوا كثيراً من نصوص الكتاب والسنة، وأهمها: ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ) .

إذا أردنا أن نقيم حكم الله في الأرض، هل نبدأ بقتال الحكام- ونحن لا نستطيع أن نقاتلهم-؟ أم نبدأ بما بدأ به الرسول عليه الصلاة والسلام؟ لا شك أن الجواب: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)(سورة الأحزاب الآية 21) بماذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ تعلمون أنه بدأ بالدعوة بين الأفراد الذين كان يظن فيهم الاستعداد لتقبل الحق، ثم استجاب له من استجاب، كما هو معروف في السيرة النبوية، ثم التعذيب والشِّدَّة التي أصابت المسلمين في مكة، ثم الأمر بالهجرة الأولى والثانية إلى آخر ما هناك، حتى وطَّد الله عز وجل الإسلام في المدينة المنورة ( 111\ 1 ) وبدأت هناك المناوشات، وبدأ القتال بين المسلمين والكفار من جهة، ثم اليهود من جهة أخرى، إذاً لا بد أن نبدأ نحن بتعليم الناس الإسلام، كما بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن نحن الآن لا نقتصر على التعليم، لأنه دخل الإسلام ما ليس منه، وما لا يمت إليه بصلة، بل دخل عليه ما كان سبباً في تهدم الصرح الإسلامي، فلذلك كان من الواجب على الدعاة: أن يـبدءوا بتصفية هذا الإسلام مما دخل فيه، والشيء الثاني: أن يقترن مع هذه التصفية تربية الشباب المسلم الناشئ على هذا الإسلام المصفى، ونحن إذا درسنا الجماعات الإسلامية القائمة الآن منذ نحو قرابة قرن من الزمان؛ لوجدنا كثيراً منهم لم يستفيدوا شيئاً، رغم صياحهم، ورغم ضجيجهم بأنهم يريدونها حكومة إسلامية، وسفكوا دماء أبرياء كثيرين بهذه الحجة، دون أن يستفيدوا من ذلك شيئاً، فلا نزال نسمع منهم العقائد المخالفة للكتاب والسنة، والأعمال المنافية للكتاب والسنة.

وبهذه المناسبة نقول: هنالك كلمة لأحد الدعاة، كنت أتمنى من أتباعه أن يلتزموا بها، ويحققوها، وهي: ( أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم؛ تقم لكم على أرضكم ) لأن المسلم إذا صحح عقيدته بناءً على الكتاب والسنة؛ فلا شك أنه من وراء ذلك ستصلح عبادته، وستصلح أخلاقه وسلوكه… إلخ لكن هذه الكلمة الطيبة- مع الأسف- لم يعمل بها هؤلاء الناس، فظلوا يصيحون بإقامة الدولة المسلمة دون جدوي، وصدق فيهم قول ذلك الشاعر: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليـبس لعل في هذا الذي ذكرته كفاية، جواباً على هذا السؤال، انظر” المجلة السلفية” 1\ 1415.اهـ نقلاً من” فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة” ( ص 157- 160 ) .

كلام صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى – حول التفجيرات

قال -رحمه الله – في الشريط الأول / الوجه ( أ ) من” أصول التفسير”:”…. ولما ظهرت قضية الإخوان الذين يتصرفون بغير حكمة؛ ازداد تشويه الإسلام في نظر الغربيين، وغير الغربيين، وأعني بهم أولئك الذين يُلْقون متفجرات في صفوف الناس، زعماً منهم أن هذا من الجهاد في سبيل الله!! والحقيقة أنهم أساءوا إلى الإسلام، وأهلِ الإسلام أكثر بكثير مما أحسنوا، ما ذا أنتج هؤلاء؟ هل أقبل الكفار على الإسلام؟ أو ازدادوا نفرة منه؟ ازدادوا نفرة منه، وأهل الإسلام يكاد الإنسان يغطي وجهه لئلا يُنسب إلى هذه الطائفة المرْجِفة المروِّعة، والإسلام برئ منهم، حتى بعد أن فُرض الجهاد؛ ما كان الصحابة – رضي الله عنهم – يذهبون إلى مجتمع الكفار يقتلونهم أبداً، إلا بجهاد له راية، من وليٍّ قادر على الجهاد، أما هذا الإرهاب: فهو والله نقص على المسلمين، أُقْسم بالله، لأننا نجد نتائجه، ما فيه نتيجة أبداً، بل هو بالعكس، فيه تشويه السمعة، ولو أننا سلكنا الحكمة، فاتقينا الله في أنفسنا، وأصلحنا أنفسنا أولاً، ثم حاولنا إصلاح غيرنا بالطرق الشرعية؛ لكان نتيجة هذا نتيجة طيبة” اهـ

وفي شريط:” الحادث العجيب في البلد الحبيب”، تسجيلات سبيل المؤمنين، وهو خطبة جمعة لفضيلته بخصوص التفجيرات التي في” الخُبَر”، وقد تكلم على وجوب الوفاء بالعقود التي أُعْطِيتْ للمعاهَدين المستأمَنين، وذكر أن هذا الفعل معصية لله، فإن قتل المعاهَد يوجب لعنة الله وملائكته والناس أجمعين، وأن صاحبه لا يقبل منه صَرْف ولا عَدْل.

وذَكَر مفاسد هذا الفعل، فعَدَّ منها تشويه صورة الإسلام في الخارج، والإشارة بأصابع الاتهام لمن استقام على هذا الدين، وأن العامة سينظرون نظرة عداء وتخوف وحَذَر وتحذير من المستقيمين جميعاً، وذَكَر أن بعض الآباء حذّروا أبناء هم من جميع المستقيمين، وأن هذا الحادث يوجب الفوضى في المملكة – حرسها الله وجميع بلاد المسلمين – وأنها أولى البلاد بالأمن؛ لوجود الكعبة المشرفة وغيرها، وأن الحجاج والمعتمرين لن يصلوا إليها من جميع الجهات، إلا من خلال أرض المملكة، فإذا عمّت الفوضى في المملكة؛ لم يُحج البيت العتيق!!!

وأنكر الشيخ -رحمه الله – على مَنْ يُطلق لسانه في القضاة والحكام الذين أصدروا الحكم على الجناة، ووصف الحكم بأنه قد جمع أقوى أدوات الحكم وطرقه، وأن هذا الحكم يردع غير الجناة، وقال:” ونحن لا نشك في حكامنا الحاكمين والمنفذين”.

وذَكَر أن هذا العمل تابع للعاطفة الهوجاء والمنهج المنحرف، وأنه كيف يُطَهَّر القذر بما هو أقذر منه؟!!

وذَكَر الجرحى من الأطفال والنساء والشيوخ، ثم قال:” هل ضميرٌ لا يتحرك لمثل هذه الفواجع؟!!”

وفي نهاية الشريط أُلْحِقَ به سؤال حول الحادث نفسه، فأجاب الشيخ – رحمه الله-:” لا شك أن هذا العمل لا يرضاه أحد، وكل عاقل – فضلاً عن المؤمن – لا يرضاه؛ ففيه إساءة إلى الإسلام في الداخل والخارج، والإسلام من ذلك [ص-198] بريء، فهؤلاء في الحقيقة أساءوا إلى الإسلام، ونسأل الله أن يجازيهم بعدله”….. وقال:” الواجب على طلاب العلم أن يبينوا أن هذا المنهج منهج خبيث، منهج الخوارج الذين استباحوا دماء المسلمين، وكفُّوا عن دماء المشركين.

قال: وإن هؤلاء: إما جاهلون، وإما سفهاء، وإما حاقدون.

قال: فهم جاهلون: لأنهم لا يعرفون الشرع، الشرع يأمر بالوفاء بالعهد، وأَوْفَى دين: هو دين الإسلام – والحمد لله.

قال: هم سفهاء – أيضاً-: لأنه سيترتب على هذه الحادثة من المفاسد؛ ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، ليست هذه وسيلة إصلاح، حتى يقولوا: إنما نحن مصلحون، بل هم المفسدون في الواقع.

قال: أو حاقدون على هذه البلاد وأهلها: لأننا لا نعلم – والحمد لله – بلاداً تنفِّذ من الإسلام مثل ما تنفذه هذه البلاد…. وذكر – رحمه الله – سلامة المملكة من القبور التي تعبد من دون الله وكذا الكنائس والحكم بغير ما أنزل الله، وغير ذلك…. ثم قال:” ماذا يريدون؟ ماذا يريدون مِنْ فِعلهم هذا؟ أيريدون الإصلاح؟ والله ما هم بمصلحين، إنهم المفسدون!! ولكن علينا أن نعرف كيف يذهب الطيش والغيرة – التي هي غَبَرة، وليست غيرة – إلى هذا الحد؟!!”.

وكان من دعائه في الخطبة وفي جوابه عن هذا السؤال، أن قال:” اللهم اقضِ على الفساد والمفسدين واجعل كيدهم في نحورهم، وتدبيرهم تدميراً عليهم، يا رب العالمين، اللهم من أراد بنا سوءاً؛ فافضحه واكشف أمره، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يُخزي هؤلاء، وأن يُطْلع ولاة الأمور عليهم، وعلى من خطط لهذه الجرائم؛ حتى يحكموا فيهم بحكم الله عز وجل” اهـ ملخصاً، وبتصرف يسير يُوضح المعنى، وانظر” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ط الثانية، ( ص 50 – 53 ) .

رسالة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ المفتي العام للملكة العربية السعودية-

حفظه الله تعالى- عند اصطدام الطائرتين بمبنى التجارة العالمي بأمريكا

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فنظراً لكثرة الأسئلة والاستفسارات الواردة إلينا، حول ما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية منذ أيام، وما موقف الشريعة منها؟ وهل دين الإسلام يقر مثل هذه التصرفات، أم لا؟

فأقول مستعيناً بالله والواحد القهار: إن الله- سبحانه- قد مَنَّ علينا بهذا الدين الإسلامي، وجعله شريعة كاملة صالحة لكل زمان ومكان، مُصْلِحة أحوال الأفراد والجماعات، تدعو إلى الصلاح والاستقامة، والعدل والخيرية، ونبذ الشرك والشر، والظلم والجور والغدر، وإن من عظيم نعم الله علينا نحن المسلمين: أن هدانا لهذا الدين، وجعلنا من أتباعه [ص-199] وأنصاره، فكان المسلم المترسِّم لشريعة الله، المتبع لسنة رسول الله، المستقيم حق الاستقامة على هذا الدين هو الناجي السالم في الدنيا والآخرة.

هذا، وإن ما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية من أحداث خطيرة، راح بسببها آلاف الأنفس، لمن الأعمال التي لا تقرها شريعة الإسلام، وليست من هذا الدين، ولا تتوافق مع أصول الشرعية، وذلك من وجوه:

الوجه الأول: أن الله سبحانه أمر بالعدل، وعلى العدل قامت السماوات والأرض، وبه أُرْسِلَت الرسل، وأُنْزِلَت الكتب، يقول الله سبحانه: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ( النحل 90 ) .، ويقول سبحانه: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) ( الحديد 25 ) .

وحَكَمَ الله ألا تُحَمَّل نفس إثم نفس أخرى، لكمال عدله سبحانه: ( أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ( النجم 38 ) .

الوجه الثاني: أن الله سبحانه حرم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرماً، كما قال سبحانه في الحديث القدسي: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا وهذا عام لجميع عباد الله- مسلمهم وغير مسلمهم- لا يجوز لأحد منهم أن يظلم غيره، ولا يبغي عليه، ولو مع العداوة والبغضاء، يقول الله سبحانه: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ( المائدة 8 ) . فالعداوة والبغضاء ليست مسوغاً شرعياً للتعدي والظلم.

وبناءً على ما سبق؛ يجب أن يعلم الجميع- دولاً وشعوباً، مسلمين وغير مسلمين- أموراً:

أولها: أن هذه الأحداث التي وقعت في الولايات المتحدة- وما كان من جنسها من خطف لطائرات، أو ترويع للآمنين، أو قتل أنفس بغير حق- ما هي إلا ضَرْبٌ من الظلم والجور والبغي، التي لا تقره شريعة الإسلام؛ بل هو محرم فيها، ومن كبائر الذنوب.

ثانيها: أن المسلم المدرك لتعاليم دينه، العامل بكتاب الله وسنة نبيه، ينأى بنفسه أن يدخل في مثل هذه الأعمال، لما فيها من التعرض لسخط الله، وما يترتب عليها من الضرر والفساد.

ثالثها: أن الواجب على علماء الأمة الإسلامية أن يبينوا الحق في مثل هذه الأحداث، ويوضحوا للعالم أجمع شريعة الله، وأن دين الإسلام لا يقر أبداً مثل هذه الأعمال.

رابعها: على وسائل الإعلام، ومن يقف وراءها، ممن يُلْصِق التهم بالمسلمين، ويسعى بالطعن في هذا الدين القويم، ويصمه بما هو منه براء، سعياً لإشاعة الفتنة، وتشويه سمعة الإسلام والمسلمين، وتأليب القلوب، وإيغار الصدور؛ يجب عليه أن يكف عن غيه، وأن يعلم أن كل منصف عاقل يعرف تعاليم الإسلام؛ لا يمكن أن يصفه بهذه [ص-200] الصفات، ولا أن يلصق به مثل هذه التهم، لأنه على مر التاريخ لم تَعْرِف الأمم، من المتبعين لهذا الدين، الملتزمين به؛ إلا رعاية الحقوق، وعدم التعدي والظلم.

هذا ما جرى بيانه، إيضاحاً للحق، وإزالة للبس، والله أسأل أن يلهمنا رشدنا، ويهدينا سبل السلام، وأن يعز دينه، ويعلي كلمته، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

المفتي العام للملكة العربية السعودية

ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء

عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

اهـ نقلاً من” فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة” ( ص 27- 30 ) .

فتوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله تعالى – السؤال: أحسن الله إليكم: هل القيام بالاغتيالات وعمل التفجيرات في المنشئات الحكومية في بلاد الكفار، ضرورةٌ وعمل جهادي؟

الجواب: ” الاغتيالات والتخريب هذا أمرٌ لا يجوز، لأنه يجر على المسلمين شراً وتقتيلاً وتشريداً، إنما المشروع مع الكفار الجهاد في سبيل الله، ومقابلتهم في المعارك، فإذا كان عند المسلمين استطاعة بأن يجهزوا الجيوش، ويغزوا الكفار، ويقاتلوهم، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا هاجر إلى المدينة، وصار له أنصار وأعوان، أما التخريب، والاغتيالات؛ فهذا يجر على المسلمين شراً.

الرسول صلى الله عليه وسلم يوم كان في مكة قبل الهجرة؛ كان مأموراً بكف اليد، ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) ( النساء77 ) كان مأموراً بكف اليد عن قتال الكفار؛ لأنه لم يكن عنده استطاعة لقتال الكفار، ولو قَتَلُوا أحداً من الكفار؛ لَقَتَلَهم الكفار عن آخرهم، واستأصلوهم عن آخرهم، لأنهم أقوى منهم، وهم تحت وطأتهم وشوكتهم، فالاغتيال يسبب قتل المسلمين الموجودين في البلد الذي يعيشون فيه، كالذي تشاهدون الآن وتسمعون، فهو ليس من أمور الدعوة، ولا هو من الجهاد في سبيل الله، كذلك التخريب والتفجيرات، هذه تجر على المسلمين شراً- كما هو حاصل- فلما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان عنده جيش وأنصار؛ حينئذ أُمرَ بجهاد الكفار.

هل الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة يوم كانوا في مكة، هل كانوا يعملون هذه الأعمال؟ أبداً، بل كانوا منهيين عن ذلك.

هل كانوا يخربون أموال الكفار حين كانوا في مكة؟ أبداً، كانوا منهيين عن ذلك، مأمورين بالدعوة والبلاغ فقط، أما الإلزام والقتال؛ فهذا إنما كان في المدينة لـمَّا صار للإسلام دولة”. اهـ من” فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة” ( ص 41- 42 ) ، وانظر” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ط الثانية، ( ص 55 – 56 ) .

[ص-201] ولفضيلته فتوى أخرى، انظر نصها في” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ( ص 53- 55 ) ، وقد عزاها جامع الكتاب إلى شريط:” معاملة الكفار”، وشريط:” فتاوى العلماء في الأحداث الراهنة التي حدثت بشرق مدينة الرياض 1424 هـ”.

وقال فضيلته – حفظه الله-:” والذين يعتدون على الأمن: إما أن يكونوا خوارج، أو قطاع طرق، أو بغاة، وكل من هذه الأصناف الثلاثة يُتَّخَذ معه الإجراء الصارم، الذي يوقفه عند حده ويكف شره عن المسلمين والمستأمنين وأهل الذمة، فهؤلاء الذين يقومون بالتفجير في أي مكان، ويُتلفِون الأنفس المعصومة، والأموال المحترمة لمسلمين أو معاهدين، ويُرَمِّلون النساء، ويُيَتِّمون الأطفال: هم من الذين قال الله فيهم: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ *وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ *وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ)(سورة البقرة الآية 204-206) .

قال: ومن العجيب أن هؤلاء المعتدين الخارجين على حكم الإسلام؛ يُسَمُّون عملهم هذا جهاداً في سبيل الله!!

وهذا من أعظم الكذب على الله؛ فإن الله جعل هذا فساداً، ولم يجعله جهاداً…!!” اهـ نقلاً من” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ( ص 126 ) .

كلمة صاحب الفضيلة الشيخ صالح اللحيدان – حفظه الله – حول ما جرى في شرق مدينة

الرياض يوم الإثنين 11 3 1424 هـ.

السؤال: نريد كلمة عما حدث في يوم أمس وتوجيهاً ونصحاً للشباب!!

الجواب: لاشك أن ما حصل أمر مؤسف ومحزن: أن يكون هذا الفعل من شباب هذا البلد، لم أعلم حتى الآن من الذين قاموا بهذا الشيء؟ لكن أعلم أنه حصل، وأعلم أن ناساً منهم قَضى عليهم ما صنعوا، فكان عملهم قتلاً لأنفسهم وانتحاراً،…. لكنها فجيعة، فجيعة بالنسبة لهم وما جَنَوْه على أنفسهم، وفجيعة على مجتمعه عاش الأمن والأمان – وإن وجدت حوادث فهي معدودة محدودة الآثار – ولم يُجَرَّب في هذه البلد كهذه الحادثة!!… ونسأل الله ونرجوه أن لا يتكرر شئ من ذلك، فإن الأمن من أجلِّ النعم، وإن فَقْده من أشد ما يُبتلى به العباد، فإن الله عز وجل يقول: ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)(سورة النحل الآية 112) لأن الخوف والجوع إذا اجتمعا؛ فإن ذلك من شر عذاب الدنيا…. ونسأل الله أن لا يُفجعنا في ديننا، إن الفجيعة في الدين هي البلية، كما يقال: فجائعُ الدهر أنواع منوعة وللزمان مسراتٌ وأحزانُ هؤلاء الذين فعلوا ما فعلوا؛ هم جَنَوْا على أنفسهم، وهم فريسة أفكار غير نقية، ورغبات نفوس شقية، نسأل الله العافية.

[ص-202] وقضاء الله سبحانه وتعالى سابق كل شئ، فنسأله سبحانه وتعالى أن يكون ما حدث خاتمة الشرور المماثلة، وأن يكون تذكرة لأولي الألباب، وأن يراجع كل عاقل نفسه، وأن يتوب كل مذنب من ذنبه، فهي في الحقيقة فيها شئ مما يذهل العقول، ولابد أن وراءها ما وراءها من الدوافع، فالله المستعان” اهـ من شريط:” شرح القواعد الأربع وفتاوى العلماء في الأحداث الراهنة” اهـ نقلاً عن” الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية” ( ص 57 – 58 ) .

كلمة صاحب الفضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر – متَّع الله به، وحفظه – لقد أصدر فضيلته رسالة بعد الأحداث التي جرت في الرياض وغيرها من مدن المملكة – حرسها الله وجميع بلاد المسلمين- بعنوان:” بأي عقل ودين يكون التفجير والتدمير جهاداً؟! وَيْحَكُمْ…. أفيقوا يا شباب!!” ولقد حذّر فيها – فضيلته- من اتباع الهوى، ومن اتباع حدثاء الأسنان – مع الإعراض عن أهل العلم الراسخين- وذَكَر حاجة الأمة إلى الرجوع إلى العلماء الكبار، وحذّر من اتباع طريق الخوارج، ثم قال:” بعد هذا التمهيد أقول: ما أشبه الليلة بالبارحة!! فإن ما حصل من التفجير والتدمير في مدينة” الرياض”، وما عُثر عليه من أسلحة ومتفجرات في مكة والمدينة، في أوائل هذا العام 1424هـ: هو نتيجة لإغواء الشيطان، وتزيينه الإفراط والغلو لمن حصل منهم ذلك، وهذا الذي حصل من أقبح ما يكون في الإجرام والإفساد في الأرض، وأقبح منه أن يُزين الشيطان لِمَن قام به أنه من الجهاد، وبأي عقل ودين يكون جهاداً: قتلُ النفس، وتقتيل المسلمين والمعاهَدين، وترويع الآمنين، وترميل النساء، وتيتيم الأطفال، وتدمير المباني على من فيها؟!!”.

ثم أورد – حفظه الله – الأدلة الدالة على تعظيم أمر القتل وخطره في الشرائع السابقة وفي شريعتنا، والعلم عند الله تعالى.

( تنبيه ) : هذه بعض فتاوى جماعة من كبار علماء هذا العصر، ولو اعتنى بارع في جمعها وإحصائها؛ لكان عملاً مباركاً – إن شاء الله تعالى – وإن كان هذا يشق جداً في حق العالم الواحد، فكيف بهم جميعاً؟!!.

هذا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماًٍ كثيراً.

وقد يسَّر الله عز وجل بإتمام هذا الكتاب في دار الحديث بمأرب، يوم الثلاثاء 21من شهر ذي القعدة 1424هـ.

واللهَ الكريمَ أسأل أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، دافعاً للشر عن أهل الدين القويم، جالباً للنفع العميم، والأجر العظيم، والفوز بجنات النعيم، وأن يفتح له قلوب العالمين، ويجعله وسيلةً صالحة إلى الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، وصلاحِ الأهل والذرية، وعمومِ المغفرة، إنه أهل التقوى وأهل المغفرة، والحمد لله رب العالمين.

(خاتمة هذا الكتاب وخلاصته ) 1 – إن هذا الكتاب يدافع عن منهج السلف وكبار الأئمة في هذا العصر، لاسيما في باب الموقف الشرعي من الحكام- وإن مالوا عن الطريق – وفيه رد على أهل الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء في هذا الباب الخطير.

2 – إن هذا الكتاب بحث علمي مُؤصَّل، وليس اندفاعاً وراء كل من تكلم في هذه الفتنة، سواءً كان ذلك بحق أو بباطل!! فإن التحذير من هذا الفكر، وحَمَلَته، وعاقبة أمره؛ هو موقفنا من قبل ومن بعد، كما تشهد بذلك الكتب وغيرها- ولله الحمد- كما أن هذا الكتاب يناقش المخالفين بتجرد وإنصاف – مع توضيح حُكم فِعلهم، وعاقبة أمرهم إن أصروا على ذلك- وبهذا تبرأ الذمة أولاً، ويكون النفع – إن شاء الله تعالى – ثانياً، والعلاج بالإفراط أو التفريط لا يُثمر، والمقصود الثمرة- حفاظاً على بلاد الإسلام من الفتن، وأبنائه من الزيغ- لا مجرد إصدار الأحكام، مع ضعف الحجة في إزالة الشبهة، مما يجعل ترك المخالف يعيث في الأرض فساداً، باصراره على طريقته، وثقته بمن يربيه على ذلك!!!

3 – إن هذا الكتاب ذَكَرَ بجلاء فتنة التفجيرات والاغتيالات : أثراً وسبباً، ووضع طريقة العلاج النافعة، وذلك بلزوم منهج السلف، واتباع كبار الأئمة المعاصرين، أهل العلم والحلم، أهل الاجتهاد والاستنباط، الذين يدركون الأمور بحالها ومآلها، والذين لا تستهويهم العواطف والأحداث العامة والخاصة؛ فيتخلوا عن أصول الدعوة، ومنهج السلف.

كما يحذر- أيضاً – من اتباع غير المتأهلين، لاسيما في المسائل المصيرية، والفتن العامة، التي لا تدع بيتاً إلا دخلته، كما أنه يُنـزل العامة وطلاب العلم منـزلتهم الصحيحة، بلا وكس ولا شطط.

4 – إن هذا الكتاب يقرر بجلاء: أهمية نعمة الأمن والاستقرار، ويوضح أن زعزعة الأمن، واضطراب الأمور، وانفلات الزمام، وإثارة الدهماء على العلماء، والعوام على الحكام؛ كل ذلك سبب في ذهاب الريح، وضَعْف الشوكة، وانهيار الدين والدنيا، ويوضح- أيضاً- أن الأمن والاستقرار نعمة يستفيد منها الجميع، وأن الأمن مسئولية الجميع، لا يجوز الإخلال بها أو التغاضي عنها.

5 – إن هذا الكتاب يوضح: الواجب الشرعي على الحكام تجاه دينهم ورعيتهم، كما يوضح الواجب الشرعي على الرعية عند اختلال الأمور من قبل الحكام، وتضييعهم لما أوجبه الله عليهم تجاه ربهم وتجاه رعيتهم، وأن الواجب حينئذٍ: الرجوع لعلماء الأمة – لا اتهامهم والغمز فيهم – وترك اجتهادنا لاجتهاداتهم، وأن الاجتماع عليهم – وإن وقع خطأ ما في اجتهادهم – خير من الافتراق عليهم، والطعن فيهم، وإسقاط هيبتهم ومرجعيتهم، ولاسيما في المسائل المصيرية، والأمور الاجتهادية التي تتصل بتقدير المصالح والمفاسد، ومعرفة خير الخيرين، وشر الشرين.

وأن هذه طريقة السلف مع علمائهم في الفتن، وأنه قلما خرجت طائفة عن هذا الأصل، وتركت علماءها؛ إلا أتتْ بما هو شر وأضر، وأن الواقع يشهد بهذه التجربة التاريخية.

6 – [ص-204] إن هذا الكتاب يقرر: أن العلماء الكبار – وكثيراً ممن تبعهم من طلاب العلم والدعاة – قد أنكروا هذه الفتن، وأسبابها، منذ بدايتها، وأن هناك من استنكر ذلك عليهم، لكن الأمور آلت إلى ما قاله أهل العلم من قبل، وأن العلماء قالوا ما قالوا – آنذاك – عن علم وبصيرة، وأما مخالفوهم، فمنهم من بقي على ما هو عليه حتى الآن، ومنهم من قال بقول العلماء اليوم، و ( كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)(سورة الأنبياء الآية 33) و ( قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ)(سورة البقرة الآية 60) ومنهم من أدرك الحقيقة، فوُفِّق للصواب، وهذا كله يزيدنا بصيرة بصحة منهج الكبار، وأن البركة معهم، وأن التقليد – على ما فيه في الجملة – إذا كان للعلماء الكبار، فيما لا يُحسن المرء تقديره ومعرفة القرائن التي تحفه؛ خير من الاجتهاد العاطفي الطائش، وخير من اجتهاد من لا يبالي بكليات الشريعة، وقواعد الأئمة في تقدير المصالح والمفاسد، لاسيما عند تزاحمها.

7 – إن هذا الكتاب يقرر: أن فتنة التفجيرات والاغتيالات، وتكفير كبار علماء الأمة فمن دونهم!! وغير ذلك من الفتن التي تزعزع الأمن، وتجر الفساد والبلاء والضغوط على المسلمين، وتهلك ما بقي من خير في البلاد والعباد؛ كل ذلك فرْع عن فكر منحرف، بعيد عن منهج أهل السنة والجماعة، واتباع لمنهج الخوارج المتهورين الثوريين، الذين لا يقفون عند القواعد السلفية في هذا الشأن العظيم.

8 – إن هذا الكتاب يقرر: أن العنف منبوذ شرعاً وعرفاً وعقلاً، وأنه ليس طريق المصلحين في الأمة، وأنه مرفوض من كبار علماء الأمة، وجمهور طلابها وعوامها، وأن من شذ عن الأمة، وسلك هذا المسلك؛ فليس بحجة على الأمة، ودينها، وعلمائها، إنما يُعبِّر بذلك عن نفسه ومن كان على شاكلته فقط.

فالتشنيع على المسلمين جميعاً، وعلى دينهم وعلمائهم، بسبب هذا الشذوذ؛ خطة ماكرة مكشوفة، وفتنة نسأل الله أن يقي الإسلام والمسلمين شرها.

9 – كما يقرر أيضاً: أن العنف موجود عند غير المسلمين من جميع الأديان والاتجاهات، بل يُمارَسُ عند هؤلاء من دول وأنظمة، لا مجرد أفراد شذوا عن الطريق، فمحاولة ربط العنف بالمسلمين فقط؛ محاولة ما كرة فاجرة: ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)(سورة يوسف الآية 21) ( وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ)(سورة البروج الآية 20) .

10 – هذا الكتاب لا ينجرف وراء كل من خاض في هذه القضية بحق أو بباطل، بل يأخذ الحق والاعتدال والوسط من الجميع، ويترك الباطل والغلو والجفاء من الجميع، والحق ضالة المؤمن، ويقرر أن الغلو لا يُدحض بغلوٍ آخر أو جفاء، إنما يدحضه الحق والعدل فقط: ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ)(سورة الأنبياء الآية 18) .

11 – إن هذا الكتاب يقرر: أن الذين يَصْلُحون لعلاج فتنة التفجيرات، هم أهل العلم والحلم، الذين ينقشون الشبهات من القلوب بمناقش البراهين، والحجج النقلية والعقلية، أما غيرهم؛ فقد يُصلح باباً، ويُفسد ما هو أهم منه في الحال أو في المآل، وقد ينطلق بعضهم من باب الحرص على مصالحه، وإظهار ما تخفيه صدورهم من الكيد والتربص بالحق وأهله، أو بتحقيق ما تخفيه صدورهم من الكبر ( إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ )(سورة غافر الآية 56) ومن هنا يجدر بالعلماء والمتأهلين من الدعاة وطلاب العلم أن يُظهروا موقف السلف في هذا الباب بجميع دلائله النقلية والعقلية، وأن [ص-205] يناظروا المخالف – وذلك بالرسائل العلمية القوية – سواء كان طالباً للحق، باحثاً عنه، أو كان مجادلاً خصيماً، فيأخذ اللهُ بيد طالب الحق – وهم كثير قد غُرِّر بهم- ويكسر شوكة المجادل، ويقلم أظفاره ومخالبه.

12 – إن هذا الكتاب يقرر أن علاج فتنة العنف الفكري والفعلي لا يكون علاجاً حاسماً بمجرد التشهير – فقط- بالذين نفذوا عمليات التفجير، وأثاروا الفتن، بل لا بد من علاج الفكر الذي أفضى إلى هذه الفتن، وأن هذا الفكر قد مرّ بثلاث مراحل، فلا بد من البحث عن بذور هذا الفكر، أو نتف الشجرة من جذورها، وذلك بالأدلة الساطعة، والحجج القاطعة، وبذر بذور الاعتدال والتوسط في الأمور كلها- بدون انهزامية أو تقهقر عن أصول وثوابت هذا الدين – وبدون الاعتدال؛ فلا يَسْلَمُ حاكم ولا محكوم، وأن محاربة أهل الاعتدال والتوسط؛ حرْب على الدين، ومن حارب الدين؛ فقد حارب الله، ومن حاربه الله؛ فَلَجَهُ، فإن الله عز وجل فعَّال لما يريد، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

13 – إن هذا الكتاب يقرر: أننا لسنا غافلين ولا متغافلين ولا مدافعين بباطل عما يعج به كثير من المجتمعات بالمنكرات، ويقرر أن أسباب فتنة التفجيرات متعددة الجوانب، وليست من جانب واحد، وإن علاجها يكون بقيام كل طائفة بما يجب عليها شرعاً، إلا أننا لا نرى العنف منهجاً وسبيلاً، إنما نرى أن علاج ذلك يكون بالدعوة إلى الله تعالى بالتي هي أحسن، وبَثِّ العلم النافع في الناس، ونَشْرِ أصول السلف في التعامل مع الحكام المسلمين، ومع دول العالم أجمع على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم، وأن ما يؤدي إلى أن تكون كلمة أعداء المسلمين هي العليا؛ فليس جهاداً في سبيل الله، بل هو فساد عريض، والنية الحسنة لا تقلب الباطل حقاً، ولا تجعل المفْسِد مصلحاً.

14 – إن هذا الكتاب يقرر: أن النصر في زمن الاستضعاف يكون بالصبر على الظلم – على مرارته- ودعاء الله عز وجل بكشف الكربة، وذهاب الغمة، ويكون بلزوم الحق والطاعة، وترك ما يعجز عنه المرء، وأما إثارة الفتن، والانتقام من الظالم القوي العاتي؛ فإنه يعود بشر أكبر – والحالة هذه – ونور فيه ظُلمة، خير من ظلمة لا نور فيها.

15 – إن هذا الكتاب يقرر: أن المؤمنين في زمن القوة تجب عليهم أمور، لم تكن واجبة عليهم في زمن الاستضعاف، وأن من سوى بين الحالتين من كل الوجوه؛ فليس من الفقهاء في دين الله عز وجل.

16 – إن هذا الكتاب يدل على الاعتدال الذي تسير عليه دعوتنا، وأن إنكارنا على طائفة سلكت طريقة الغلاة؛ ليس معناه الرضا بغلو طوائف أخرى أو جفائهم (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)(سورة البقرة الآية 269 ) ( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(سورة آل عمران الآية 101) .

17 – إن هذا الكتاب ليس الأول ولا الأخير – إن شاءا لله تعالى- في الكلام على هذه الفتنة، ولكني أرجو أن يكون محاولة صادقة في الإسهام في بيان مصادر الداء، وتوضيح طريقة الدواء، وإن لم يلق ذلك قبول قليل أو كثير، فرضى الناس غاية لا تُدْرَك، والعاقل من قنع برضا الله عنه، والشهادة أمانة في الذمة ( وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ )(سورة البقرة الآية 283) لا سيما إذا كان ذلك في الأمر الجلل، والمقام ليس مقام مجاملة؛ فقد عمَّت الفتن فأعمت، وذاعت فأصمَّت، وعلى [ص-206] المسلم أن يُسَلِّي نفسه بقوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا )(سورة الحج الآية 38) وبقوله سبحانه: ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ )(سورة الزمر الآية 36) وبقوله عز وجل: ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا)(سورة آل عمران الآية 120) .

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.

وكتبه

أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

عامله الله بلطفه وعفوه وستره وفضله

وكلأه- وجميع أهله- بحفظه.

-- أبي الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*